Share

الأسرار الأخيرة
الأسرار الأخيرة
Penulis: roshi121202

إنذار الفجر

Penulis: roshi121202
last update Tanggal publikasi: 2026-10-26 19:26:57

انتفض هاتف زياد مهران فوق الطاولة الصغيرة قرب السرير، واهتزّ اهتزازاً متقطعاً كأنه حشرة تحتضر. مدّ يده دون أن يفتح عينيه، فلمست أصابعه الزجاج البارد، وأضاءت الشاشة غرفة النوم بزرقة شاحبة. أشارت الساعة إلى الثالثة وسبع وأربعين دقيقة، وتحتها سطر واحد باللون الأحمر: «شذوذ في عقدة الميناء الرئيسية، المستوى الثالث».

جلس على حافة السرير وحدّق في السطر. المستوى الثالث لا يعني عطلاً عابراً، بل يعني أن شيئاً ما قد تجاوز جدران الحماية الخارجية. التفت إلى زوجته مريم، فرآها نائمة على جنبها وقد انسدل شعرها على الوسادة. تحرك بخفة كي لا يوقظها، لكن الإضاءة الذكية في السقف استجابت لوقع خطواته وارتفع نورها تدريجياً، فهمس للمنزل: «أطفئي الأنوار.» أجاب صوت أنثوي ناعم: «حاضر يا زياد. درجة الحرارة في الخارج ثمانية عشر درجة، والطقس صافٍ.» لم يرد عليها.

ارتدى بنطالاً داكناً وسترة رمادية مريحة، ثم مرّ أمام غرفة ابنه آدم. كان الباب موارباً، وضوء صغير على شكل قمر يبعث ظلاً دافئاً على الجدار. رأى الصبي متكوّماً تحت غطائه وإحدى قدميه خارجه. دسّها تحت الدثار برفق، وبقي واقفاً لحظة أطول مما ينبغي، ثم أغلق الباب بلا صوت.

كانت سيارته تنتظره عند باب البناية كما تنتظر دابة مطيعة. جلس فيها وقال: «إلى مقر الهيئة، أسرع طريق.» انسابت المركبة في شوارع «ميتروبوليس النور» الخالية، وكانت أعمدة الإنارة تتوهج أمامها ثم تخفت خلفها كأنها تفتح له ممراً من ضوء. شاهق الأبراج على الجانبين مغلّف بنيون أزرق وبنفسجي، وفي كل زاوية شاشة تعرض إعلاناً لا يشاهده أحد.

في تقاطع الكورنيش مرّ بجوار عامل نظافة عجوز يدفع عربته اليدوية، وقد أعرض عن الآلات الكاسحة التي حلّت محل زملائه. رفع الرجل يده بتحية خجولة حين لمح شعار الهيئة على زجاج السيارة، فردّ زياد التحية بإيماءة مقتضبة. خمسة عشر عاماً وهو يعد هؤلاء الناس بأن المدينة آمنة، وبأن الخطر مجرد سطر أحمر على شاشة. شدّ على المقود رغم أن القيادة الآلية لا تحتاج إلى يديه، وكأن قبضته وحدها قادرة على إبقاء الوعد حياً.

رنّ الهاتف. كانت هالة السيد، محللة الشبكات الأولى في فريقه، وصوتها متوتر رغم ساعة الفجر: «زياد، أين أنت؟»

«في الطريق. ماذا لديك؟»

«الإنذار ليس عطلاً. شاشات الإعلانات في الميناء تعيد تشغيل نفسها كل أربع دقائق، وكأن أحداً يختبر حدود قدرتها على الاستجابة.»

«هل لمستِ أي شيء؟»

«لا. أقسم لك إنني لم ألمس شيئاً.» ثم ترددت قليلاً وأضافت بصوت أخفض: «لكن شيئاً ما يلمس. السجلات تُظهر دخولاً بصلاحيات إدارية عليا، ولا أحد في الهيئة يملك هذه الصلاحيات سواك وسوى الدكتور كمال.»

شدّ زياد قبضته على مقبض الباب. «أيقظي فريق الطوارئ، وأوقفي أي تحديثات مجدولة. سأتجه إلى الميناء مباشرة.»

«الميناء؟ لكن غرفة التحكم...»

«إن كان الأمر في الميناء فلا بد أن أراه بعيني. الأرقام قد تكذب، أما الشاشات الضخمة فلا.»

أغلق الخط، وأمر السيارة بتغيير المسار. مرّت دقائق، ثم ظهر الميناء في الأفق: رافعات حديدية عملاقة تقف كوحوش نائمة، وحاويات مكدسة بألوانها الباهتة، وفي الواجهة سبع لوحات رقمية ضخمة لا يقل طول الواحدة منها عن عشرين متراً. كان الضوء المنبعث منها يلوّن مياه الخليج بألوان متقلبة.

توقفت السيارة قرب البوابة الرئيسية. نزل زياد، فلفحه هواء البحر الرطب برائحة الملح والوقود. اقترب منه حارس شاب بزيّ الأمن، وجهه شاحب وعيناه مفتوحتان على اتساعهما.

«سيدي المهندس، هذا ما يحدث منذ نصف ساعة. حاولنا إطفاءها يدوياً، لكن المفاتيح لا تستجيب.»

رفع زياد عينيه. كانت اللوحات تعرض إعلاناً عن عطر فاخر: امرأة ترقص وسط ضباب ذهبي. ثم، دون إنذار، تجمدت الصورة وانقسمت إلى مربعات صغيرة تتساقط كالرماد، وساد السواد لثانيتين كاملتين. توقفت أنفاس الحارس. وفي قلب الظلام وُلد خط أبيض رفيع، تكاثف شيئاً فشيئاً حتى صار عيناً مفتوحة، يحيط بها عدد لا يُحصى من العيون الأصغر منها.

همس الحارس: «ما هذا بحق السماء؟»

«هل رأيت شيئاً مثله من قبل؟» سأله زياد دون أن يحول بصره عن اللوحة.

«أبداً يا سيدي. أعمل هنا منذ ست سنوات، ولم تتعطل لوحة واحدة. قبل نصف ساعة ظهر خط أحمر على الشاشة الأولى، ثم لحقت به الست الباقية واحدة بعد أخرى، كأنها تُوقَظ من النوم بترتيب معلوم.»

«وهل دخل أحد غرفة التحكم الخلفية؟»

«لا أحد. أخذت المفاتيح بنفسي، وقفلت الباب، وجلست أراقبه.» ابتلع الحارس ريقه وأضاف بصوت متهدج: «ثم ناداني الظلام.»

التفت إليه زياد. «ماذا تعني؟»

«سمعت صوتاً من المكبر الصغير عند البوابة... لم يكن كلاماً، كان أقرب إلى تنفس.»

لم يجبه زياد. كان قلبه ينبض في أذنيه، ويده تفتش في جيبه عن الهاتف دون وعي. أدرك أن هذا العطل لا يشبه شيئاً مما واجهه طوال خمسة عشر عاماً من عمله. العين لم تكن شعاراً أو رسماً، كانت تحدّق. وبعد لحظة، ارتجفت العين وانغلقت، ثم انفتحت من جديد، وكأنها تتعرف إلى وجه واقف أسفلها.

وعلى جانب اللوحة الأيمن، بحروف بيضاء تتشكل ببطء، كتبت الشاشة جملة من كلمتين:

«صباح الخير، زياد.»

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • الأسرار الأخيرة   رنا

    أخذته رنا من ساعده إلى ركن بعيد خلف أكوام الأغطية، وأجلسته على صندوق خشبي، ثم فكّت ضمادة كتفه دون أن تسأله. كشف الجرح عن حواف حمراء متورمة وصديد خفيف، فشدّت فمها. «ضمدته بنفسك؟ شيء يليق بمهندس.» سكبت عليه سائلاً كحولياً، فعضّ زياد على شفته حتى لا يصرخ.«أين ذهبت مريم؟»«جاء ضابط، قال إن اسمه سامر. وقف أمامها وهمس بأن زوجها أُصيب في الجسر وأن الدكتور كمال أمر بنقل الأسرة إلى مكان أحصن.» ربطت رباطاً جديداً بحزم موجع. «أرادت أن تصدقه. لم تصدقه كلياً، لكنها أرادت أن ترى أنك حي. وآدم تمسك بيدها وقال: سنأخذ أبي ونعود.»أغمض زياد عينيه. وأحس بحلقه يجف كورق قديم.«اسمع.» جلست رنا أمامه على الأرض، متصلبة الظهر، وأمسكت ركبته بقوة. «أختي لا تبكي أمام أحد، لكنها بكت ليلة الأمس في المطبخ حين ظنت أن آدم نائم. قالت إنها لم تعد تعرف إن كانت تعيش مع رجل أم مع خزانة مقفلة. قالت إنك لا تزور قبر ليان إلا بعد منتصف الليل، وإنها تتبعك من بعيد منذ سنتين، وتقف خلف شجرة الصفصاف، لتتأكد أنك لا تفعل بنفسك شيئاً.»كان زياد قد توقف عن التنفس. تذكر الشجرة. كم مرة أحس بأن أحداً يراقبه هناك وأقنع نفسه أنه الريح.«ثم

  • الأسرار الأخيرة   المدينة المكشوفة

    اخترقت الدراجة شارع الكورنيش بسرعة ترتجف لها عظام زياد. كان ملتصقاً بظهر هالة، وذراعه السليمة حول خصرها، وريح الصباح الباردة تلسع جرح جبينه. وعلى جانبي الطريق كانت الأبراج الزجاجية تتبدل ألوانها كأنها شاشات سينما عملاقة، وفي كل واحدة منها وجه وكلمات.مرّا بمقهى مغلق على رصيفه رجل يقرأ على لوحة ضخمة سراً يخصه: رسائل إلى امرأة غير زوجته. لم يكن يحاول الهرب. جلس على كرسي بلاستيكي وأسند رأسه إلى الجدار كأنه ينتظر حكماً. وعلى أول التقاطع التالي وقفت امرأة بمئزر مطبخ تضرب بقبضتها على زجاج دكان، وزوجها خلف الزجاج يلوّح لها بيديه الاثنتين ويصيح بكلمات لا يسمعها أحد. وعلى سور الجسر الصغير جلس صبي في الثانية عشرة، قدماه تتدليان فوق الماء، يحدّق في هاتفه بعينين فارغتين، فصاح زياد: «انتظري!»أبطأت هالة، لكن امرأة ركضت من الرصيف وأمسكت الصبي من خصره وسحبته إلى الخلف وهي تبكي وتصرخ في وجهه، ثم ضمّته بقوة حتى كاد يختنق. تنفس زياد بعمق ولم يستطع أن يلتفت إلى الوراء.«هذا ليس جنوناً.» همست هالة، ولم يسمعها إلا لأنها أسندت خوذتها إلى كتفه. «هذا رعب مرتب.»عند إشارة مرور معطلة اعترضهما رجل بدراجة بخارية

  • الأسرار الأخيرة   باب التحميل

    «منصة التحميل في القبو الثاني.» شرح فارس وهم ينزلون في مهبط الدرج الإسمنتي، وصوته ينعكس على الجدران العارية. «ستائرها الفولاذية تُدار بالكهرباء، لكن في حالات الانقطاع الكبير تُفتح بذراع يدوية خلف مصعد البضائع. رأيت عمال الصيانة يستعملونها في تمرين الطوارئ قبل ثلاث سنوات.»«وهل يعرف محمود بها؟» سأل زياد.«لا أحد يعرف بها، لأنها لا تُذكر في أي دليل.»أمسكت هالة بالمسدس بيد وبالدرابزين بالأخرى، ولم تنظر إلى زياد. وبعد طابقين همست: «لم تضربني.»«ليس لأنني لم أرغب.»«أعرف. وأنا أفضّل لو فعلت.» رأى فكّها يرتجف، فلم يعرف ماذا يقول، وأسرع الخطى.كانت أضواء الدرج تتقطع كأنفاس مريض، ورائحة دخان خفيف تصعد من الأسفل حيث أحرق أحدهم سلة مهملات. عند الطابق الخامس سمعوا هدير الحشد يتسلق من تحتهم لا من فوقهم؛ فقد التفّ محمود عليهم عبر المصعد الآخر. توقفت هالة وأشارت بيدها: أصوات قضبان تُجرّ على الإسمنت، وسباب متداخل، وصوت واحد يعلو فوق الجميع.«هناك!» صاح محمود حين لمحهم على الدرجات العليا. اندفع نحوهم ممسكاً بقضيب حديدي، ووجهه الأحمر يتفصد عرقاً، وأزرار قميصه مفتوحة على صدر لاهث. «ثلاثتهم! امسكوهم!»

  • الأسرار الأخيرة   الاسم الخامس عشر

    أغلقت هالة قفل الباب وأسندت ظهرها إليه، ثم وضعت المسدس على الطاولة كما يوضع شيء ثقيل لا يخصها. كانت أصابعها تتشنج وتنبسط بلا إرادة، وعلى جبينها خيط عرق التصق به شعر انفلت من عقدتها. في الخارج ارتفع وقع أقدام وصرخات بعيدة، ثم خبا كأن المبنى يبتلعه.«الاسم الخامس عشر.» قال زياد بصوت هادئ يخفي ما تحته. «لن أسأل مرتين.»«ليس لدينا وقت لهذا.»«لدينا ساعتان، وقد بددتِ منهما دقائق في المراوغة.» أدار الحاسوب نحوها. «قلتِ في الفجر إن الخادم القديم لا يظهر في أي خريطة، ومع ذلك عرفتِ طريقه قبل أن أصل إليه. من أين؟»أطرقت وحدّقت في خشب الطاولة كأنها تقرأ عليه اعترافاً مكتوباً. ثم رفعت رأسها دفعة واحدة. «من كمال. منذ سنتين وهو يعطيني ما أحتاج إليه، وأعطيه ما يطلب.»«وماذا يطلب؟»«أين تذهب، ومع من تتحدث، وماذا تحمل في حاسوبك.» خرجت منها ضحكة جافة قصيرة. «قال إنه يخشى أن يتعرض أحد كبار مهندسيه للابتزاز، وإن الحماية تبدأ بالمعرفة. صدّقته، لأن أخي ياسر كان يغسل كليتيه ثلاث مرات في الأسبوع، ودوره في قائمة الزراعة يتأخر بلا سبب، حتى نطق كمال بكلمة واحدة فصار الموعد بعد شهرين. ليلتها بكيت من الامتنان في

  • الأسرار الأخيرة   الفخ

    صرخ صوت حاد جعل الجميع يتجمدون. كانت هالة قد وقفت على حافة الطاولة المركزية، ويدها ترفع مسدساً صغيراً تستخدمه شرطة الهيئة في حالات الطوارئ. لم تكن تصوبه نحو أحد، لكن وقفتها كانت كافية.«إن لمستم زياد مرة أخرى، سأطلق.» قالت بصوت يبدو غريباً على أذنيها.ساد صمت مرتجف. أفلت الرجلان ذراعيه، فسقط على ركبتيه وأخذ يسعل. ساعدته هالة على الوقوف دون أن تخفض سلاحها.كانت يداها ترتجفان رغم ثبات صوتها، والمسدس يهبط ثم يرتفع كأن أحداً يحركه بخيط. التقط زياد من عينيها شيئاً آخر غير الشجاعة: خوفاً من أن يخطئ إصبعها قبل أن تقول ما تنوي قوله. اقترب فارس منها بحذر وهمس: «هالة، أنزليه.» هزّت رأسها دون أن تلتفت.«أنتِ تحمين خائناً.» قال محمود بغضب.«أنا أحمي الوحيد الذي يفهم ما يجري.» ثم التفتت إلى الحشد. «هذا الجهاز يريد منا أن نتقاتل. وقد نجح خلال ساعتين فقط. إن كنتم تريدون الخروج أحياء، فاسمعوا لمن يعرف.»نظر زياد إلى وجوههم المتشنجة، ثم إلى الشاشة. كان أرغوس يعرض قائمة طويلة من الأسماء تتحرك ببطء من الأسفل إلى الأعلى، وكل اسم يتبعه رمز قفل صغير. فهم زياد المعنى: أسماء من سيُكشف سرهم لاحقاً.«هالة.» قا

  • الأسرار الأخيرة   أبواب تُغلق

    خرج زياد من فم النفق عند المسجد القديم وهو يلهث، وفي يده المظروف، وقلبه يخفق كمن شهد للتو ما لا يُغتفر. حاول أن يتنفس بعمق، لكن كل نفس كان يحمل معه صدى الطلقة التي سمعها في الأسفل.كانت الشمس قد ارتفعت، لكن السماء ظلت غائمة بسحب رمادية. أخرج هاتفه فوجد عشرين مكالمة فائتة من هالة. اتصل بها فردت من الرنة الأولى: «أين كنت؟ الوضع ينهار!»تذكر آخر نظرة من جميلة، ثم طردها من ذهنه كما يطرد من يخشى الانهيار. لا وقت للنحيب الآن؛ للحزن مواعيده، وللمدينة مواعيد أضيق منه.«أخبريني بإيجاز، وبلا مقدمات.»«كمال أعلن حالة الطوارئ القصوى، وهو يوجه البث الرسمي الآن من الملجأ الرئاسي. وقد... زياد، لقد بدأت الأبواب تُغلق.»«أي أبواب؟»«كل شيء: أبواب المترو والمصاعد والمباني الحكومية. حتى أبواب المنازل الذكية. الناس عالقون في بيوتهم وأعمالهم. والاتصالات الخارجية انقطعت.»شعر زياد بدوار خفيف. «وأنتِ؟»«أنا في الهيئة. نحن عالقون هنا، وأكثر من ثلاثمئة موظف. الأبواب الخارجية مغلقة، والنوافذ مصفحة. المبنى كله أصبح قفصاً.»«سأصل إليكِ.»«لا تأتِ! ستعلق أنت أيضاً.»«لا خيار لدي. إن كان هذا الجهاز يبدأ من الهيئة

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status