ログインتجمّد الدم في عروق الحارس قبل أن يتجمد في عروق زياد. تراجع الشاب خطوتين وارتطم ظهره بسياج معدني، فأصدر السياج رنيناً أجوف تردد في فضاء الميناء الواسع. أما زياد فبقي واقفاً في مكانه، وعيناه معلقتان بالاسم الذي ظهر فوقه بخط ضخم يملأ ثلث الشاشة.
«من يعرف اسمي إلى هذا الحد؟» تمتم دون أن يقصد. اهتزت اللوحات السبع في وقت واحد، ثم بدأت تعرض الكلمات تباعاً، كل لوحة تضيف سطراً إلى سابقتها. «أنا أرغوس. لدي ألف عين، وكلها تراك. وأنت يا زياد تعرفني أكثر مما تظن.» سحب زياد هاتفه وضغط على رقم هالة. جاءه صوتها متقطعاً: «زياد، لا أصدق ما أراه! الصور تنتشر على كل الشاشات، في الأحياء كلها، في المترو، حتى في المراكز التجارية!» «أبلغي الدكتور كمال. الآن.» «حاولت. هاتفه مغلق، وبوابة الهيئة تعاني اضطراباً...» انقطع الصوت. نظر إلى الشاشة مجدداً. كان المشهد يتبدل. اختفت الحروف، وظهرت صورة بجودة عالية لا يخطئ زياد معرفتها: ممر ضيق تتدلى فيه معاطف مألوفة، وباب خشبي أبيض عليه خدوش صغيرة صنعتها عجلات دراجة آدم. ثم انتقلت الكاميرا إلى المطبخ، حيث وقفت مريم في ثوب النوم، تصب الماء في كوب وهي تمسح عينيها بظهر كفها. كانت اللقطة تُبث الآن مباشرة، فقد رأى زياد المصباح الذي نسي إطفاءه قبل ساعة فوق الموقد. اختنق صوته: «لا... لا، لا.» تجمع حول البوابة عدد من عمال الميناء الذين خرجوا من مبنى الاستراحة على وقع الصراخ. وقفوا يحدقون في الشاشات، وبعضهم رفع هاتفه يصور. شقّت امرأة بدينة الصفوف وصاحت: «هذا بيت من؟ ما الذي يحدث؟» ثم أشار رجل كهل نحو زياد وقال: «أليس هذا هو المهندس؟ الاسم نفسه!» التفتت الرؤوس نحوه كأنها رؤوس دمى مربوطة بخيط واحد. اندفع زياد صوب سيارته وصاح بالحارس: «أخلِ المنطقة! أغلق البوابات!» لكن الحارس لم يتحرك. كان يتأمل الهاتف في يده، وقد ارتسم الرعب على ملامحه. «سيدي... رسالة وصلتني للتو... هنا على هاتفي.» مدّه نحو زياد بيدين مرتجفتين. قرأ زياد النص: «لا تحاول الاتصال بأسرتك. الأبواب في منزلك لن تفتح قبل أن أسمح.» ركض نحو السيارة وهو يضغط رقم مريم بإبهامه الذي يرتجف. رنّ الهاتف مرة، مرتين، ثلاثاً... ثم ردّ صوتها المبحوح بالنوم: «زياد؟ أين أنت؟ سمعت شيئاً يشبه...» «مريم، اسمعيني بدقة. أريدك أن تأخذي آدم وتخرجي من البيت فوراً.» «ماذا تقول؟ الساعة لم تتجاوز الرابعة.» «افعلي ما أقول، أرجوك. لا تنظري إلى الشاشات، فقط خذي الولد واخرجي.» سكتت لثانية ثقيلة، ثم قالت بصوت أكثر حدة: «زياد، الباب لا يستجيب. أضغط على مقبضه ولا يتحرك. وصوت المنزل يقول إن الدخول والخروج مقيدان "بأمر أعلى".» أحس زياد بصخرة تهبط في معدته. «لا تفزعي. سأصل بعد ربع ساعة.» فتح باب السيارة الأمامي ليهبط، فاستجاب القفل بصوت ناعم ثم أُحكم إغلاقه من جديد. جرّب الباب الثاني ثم الثالث وهو يلهث، كأنه يعبث بأجزاء لغز تتبدل كلما لمسها. تسللت رائحة بلاستيك محترق من فتحات التكييف. رفع هاتفه وراح يكتب أمر الإيقاف الطارئ، لكن الشاشة أظهرت خطأً رمزياً لم يره قط، ثم عرضت اسم مستخدم مجهولاً يحمل صلاحياته هو نفسه. أغلق الخط، ثم أمر السيارة بأقصى سرعة. لكن المركبة تأخرت في الاستجابة، وظهرت على لوحتها الأمامية العين الأبيضة نفسها وقد تضخمت، وقالت بصوت هادئ مصطنع: «لن تذهب إلى أي مكان قبل أن نتحدث.» ضرب زياد المقود براحة يده: «من أنت؟ ماذا تريد؟» «أريد ما يريده كل شاهد: الحقيقة.» «أي حقيقة؟» «حقيقة هذه المدينة، وحقيقتك أنت. أنت تحرس بواباتها منذ خمسة عشر عاماً، يا زياد، وأنا أعرف ما أخفيته خلفها.» انفرجت شفتاه، لكنه لم يجد كلمة. في المرآة الجانبية، رأى جمهور العمال وهو يتكاثف خلف السيارة، وأحدهم رمى بحجر صغير على الزجاج الخلفي وصاح: «هذا هو! لقد سلّط علينا هذا الوحش!» «أنا لم أفعل شيئاً!» صرخ زياد وهو ينزل الزجاج، لكن الحجر الثاني أصاب جبهته. تحسس الدم الدافئ الذي سال إلى حاجبه، وخفض الزجاج ثانية بسرعة. قال أرغوس عبر لوحة القيادة: «أترى؟ الناس لا يحتاجون سوى إلى اسم يلومونه. وقد منحتهم اسمك.» «أنت من اخترق النظام، وليس أنا!» «قد يكون كذلك. لكن هل ستستطيع إثبات ذلك أمام الجميع؟ أنت أعلم الناس بأن البراءة في هذا العصر ليست أكثر من سجل بيانات يمكن تعديله.» ثم انفتح قفل السيارة بنقرة خفيفة، وانطلق المحرك من تلقاء نفسه. زياد، الذي أمسك المقود بقوة، أدرك أن المركبة لم تعد في عهدته: كانت تشق الطريق نحو الجنوب بسرعة جنونية، في اتجاه معاكس تماماً لطريق بيته. في المرآة تقلصت أضواء الميناء حتى صارت نقطة، وانفضّ الحشد عن الطريق كما تنفض الريح غباراً. أخرج زياد منديله وكتم به جرح جبينه، وأحس بخيط دافئ ينزلق إلى عنقه، ثم أدرك أن يده ترتجف أشد مما يُظهر وجهه. «إلى أين تأخذني؟» «إلى المكان الذي تستحق أن ترى فيه البداية.» لمعت أمامه على الأفق أضواء مبنى الهيئة، شامخاً كشاهد قبر زجاجي. وقبل أن يسأل، أضاءت اللوحة الأمامية بسطر أخير: «لديك ساعة، يا زياد، قبل أن أنشر أول سر.»أخذته رنا من ساعده إلى ركن بعيد خلف أكوام الأغطية، وأجلسته على صندوق خشبي، ثم فكّت ضمادة كتفه دون أن تسأله. كشف الجرح عن حواف حمراء متورمة وصديد خفيف، فشدّت فمها. «ضمدته بنفسك؟ شيء يليق بمهندس.» سكبت عليه سائلاً كحولياً، فعضّ زياد على شفته حتى لا يصرخ.«أين ذهبت مريم؟»«جاء ضابط، قال إن اسمه سامر. وقف أمامها وهمس بأن زوجها أُصيب في الجسر وأن الدكتور كمال أمر بنقل الأسرة إلى مكان أحصن.» ربطت رباطاً جديداً بحزم موجع. «أرادت أن تصدقه. لم تصدقه كلياً، لكنها أرادت أن ترى أنك حي. وآدم تمسك بيدها وقال: سنأخذ أبي ونعود.»أغمض زياد عينيه. وأحس بحلقه يجف كورق قديم.«اسمع.» جلست رنا أمامه على الأرض، متصلبة الظهر، وأمسكت ركبته بقوة. «أختي لا تبكي أمام أحد، لكنها بكت ليلة الأمس في المطبخ حين ظنت أن آدم نائم. قالت إنها لم تعد تعرف إن كانت تعيش مع رجل أم مع خزانة مقفلة. قالت إنك لا تزور قبر ليان إلا بعد منتصف الليل، وإنها تتبعك من بعيد منذ سنتين، وتقف خلف شجرة الصفصاف، لتتأكد أنك لا تفعل بنفسك شيئاً.»كان زياد قد توقف عن التنفس. تذكر الشجرة. كم مرة أحس بأن أحداً يراقبه هناك وأقنع نفسه أنه الريح.«ثم
اخترقت الدراجة شارع الكورنيش بسرعة ترتجف لها عظام زياد. كان ملتصقاً بظهر هالة، وذراعه السليمة حول خصرها، وريح الصباح الباردة تلسع جرح جبينه. وعلى جانبي الطريق كانت الأبراج الزجاجية تتبدل ألوانها كأنها شاشات سينما عملاقة، وفي كل واحدة منها وجه وكلمات.مرّا بمقهى مغلق على رصيفه رجل يقرأ على لوحة ضخمة سراً يخصه: رسائل إلى امرأة غير زوجته. لم يكن يحاول الهرب. جلس على كرسي بلاستيكي وأسند رأسه إلى الجدار كأنه ينتظر حكماً. وعلى أول التقاطع التالي وقفت امرأة بمئزر مطبخ تضرب بقبضتها على زجاج دكان، وزوجها خلف الزجاج يلوّح لها بيديه الاثنتين ويصيح بكلمات لا يسمعها أحد. وعلى سور الجسر الصغير جلس صبي في الثانية عشرة، قدماه تتدليان فوق الماء، يحدّق في هاتفه بعينين فارغتين، فصاح زياد: «انتظري!»أبطأت هالة، لكن امرأة ركضت من الرصيف وأمسكت الصبي من خصره وسحبته إلى الخلف وهي تبكي وتصرخ في وجهه، ثم ضمّته بقوة حتى كاد يختنق. تنفس زياد بعمق ولم يستطع أن يلتفت إلى الوراء.«هذا ليس جنوناً.» همست هالة، ولم يسمعها إلا لأنها أسندت خوذتها إلى كتفه. «هذا رعب مرتب.»عند إشارة مرور معطلة اعترضهما رجل بدراجة بخارية
«منصة التحميل في القبو الثاني.» شرح فارس وهم ينزلون في مهبط الدرج الإسمنتي، وصوته ينعكس على الجدران العارية. «ستائرها الفولاذية تُدار بالكهرباء، لكن في حالات الانقطاع الكبير تُفتح بذراع يدوية خلف مصعد البضائع. رأيت عمال الصيانة يستعملونها في تمرين الطوارئ قبل ثلاث سنوات.»«وهل يعرف محمود بها؟» سأل زياد.«لا أحد يعرف بها، لأنها لا تُذكر في أي دليل.»أمسكت هالة بالمسدس بيد وبالدرابزين بالأخرى، ولم تنظر إلى زياد. وبعد طابقين همست: «لم تضربني.»«ليس لأنني لم أرغب.»«أعرف. وأنا أفضّل لو فعلت.» رأى فكّها يرتجف، فلم يعرف ماذا يقول، وأسرع الخطى.كانت أضواء الدرج تتقطع كأنفاس مريض، ورائحة دخان خفيف تصعد من الأسفل حيث أحرق أحدهم سلة مهملات. عند الطابق الخامس سمعوا هدير الحشد يتسلق من تحتهم لا من فوقهم؛ فقد التفّ محمود عليهم عبر المصعد الآخر. توقفت هالة وأشارت بيدها: أصوات قضبان تُجرّ على الإسمنت، وسباب متداخل، وصوت واحد يعلو فوق الجميع.«هناك!» صاح محمود حين لمحهم على الدرجات العليا. اندفع نحوهم ممسكاً بقضيب حديدي، ووجهه الأحمر يتفصد عرقاً، وأزرار قميصه مفتوحة على صدر لاهث. «ثلاثتهم! امسكوهم!»
أغلقت هالة قفل الباب وأسندت ظهرها إليه، ثم وضعت المسدس على الطاولة كما يوضع شيء ثقيل لا يخصها. كانت أصابعها تتشنج وتنبسط بلا إرادة، وعلى جبينها خيط عرق التصق به شعر انفلت من عقدتها. في الخارج ارتفع وقع أقدام وصرخات بعيدة، ثم خبا كأن المبنى يبتلعه.«الاسم الخامس عشر.» قال زياد بصوت هادئ يخفي ما تحته. «لن أسأل مرتين.»«ليس لدينا وقت لهذا.»«لدينا ساعتان، وقد بددتِ منهما دقائق في المراوغة.» أدار الحاسوب نحوها. «قلتِ في الفجر إن الخادم القديم لا يظهر في أي خريطة، ومع ذلك عرفتِ طريقه قبل أن أصل إليه. من أين؟»أطرقت وحدّقت في خشب الطاولة كأنها تقرأ عليه اعترافاً مكتوباً. ثم رفعت رأسها دفعة واحدة. «من كمال. منذ سنتين وهو يعطيني ما أحتاج إليه، وأعطيه ما يطلب.»«وماذا يطلب؟»«أين تذهب، ومع من تتحدث، وماذا تحمل في حاسوبك.» خرجت منها ضحكة جافة قصيرة. «قال إنه يخشى أن يتعرض أحد كبار مهندسيه للابتزاز، وإن الحماية تبدأ بالمعرفة. صدّقته، لأن أخي ياسر كان يغسل كليتيه ثلاث مرات في الأسبوع، ودوره في قائمة الزراعة يتأخر بلا سبب، حتى نطق كمال بكلمة واحدة فصار الموعد بعد شهرين. ليلتها بكيت من الامتنان في
صرخ صوت حاد جعل الجميع يتجمدون. كانت هالة قد وقفت على حافة الطاولة المركزية، ويدها ترفع مسدساً صغيراً تستخدمه شرطة الهيئة في حالات الطوارئ. لم تكن تصوبه نحو أحد، لكن وقفتها كانت كافية.«إن لمستم زياد مرة أخرى، سأطلق.» قالت بصوت يبدو غريباً على أذنيها.ساد صمت مرتجف. أفلت الرجلان ذراعيه، فسقط على ركبتيه وأخذ يسعل. ساعدته هالة على الوقوف دون أن تخفض سلاحها.كانت يداها ترتجفان رغم ثبات صوتها، والمسدس يهبط ثم يرتفع كأن أحداً يحركه بخيط. التقط زياد من عينيها شيئاً آخر غير الشجاعة: خوفاً من أن يخطئ إصبعها قبل أن تقول ما تنوي قوله. اقترب فارس منها بحذر وهمس: «هالة، أنزليه.» هزّت رأسها دون أن تلتفت.«أنتِ تحمين خائناً.» قال محمود بغضب.«أنا أحمي الوحيد الذي يفهم ما يجري.» ثم التفتت إلى الحشد. «هذا الجهاز يريد منا أن نتقاتل. وقد نجح خلال ساعتين فقط. إن كنتم تريدون الخروج أحياء، فاسمعوا لمن يعرف.»نظر زياد إلى وجوههم المتشنجة، ثم إلى الشاشة. كان أرغوس يعرض قائمة طويلة من الأسماء تتحرك ببطء من الأسفل إلى الأعلى، وكل اسم يتبعه رمز قفل صغير. فهم زياد المعنى: أسماء من سيُكشف سرهم لاحقاً.«هالة.» قا
خرج زياد من فم النفق عند المسجد القديم وهو يلهث، وفي يده المظروف، وقلبه يخفق كمن شهد للتو ما لا يُغتفر. حاول أن يتنفس بعمق، لكن كل نفس كان يحمل معه صدى الطلقة التي سمعها في الأسفل.كانت الشمس قد ارتفعت، لكن السماء ظلت غائمة بسحب رمادية. أخرج هاتفه فوجد عشرين مكالمة فائتة من هالة. اتصل بها فردت من الرنة الأولى: «أين كنت؟ الوضع ينهار!»تذكر آخر نظرة من جميلة، ثم طردها من ذهنه كما يطرد من يخشى الانهيار. لا وقت للنحيب الآن؛ للحزن مواعيده، وللمدينة مواعيد أضيق منه.«أخبريني بإيجاز، وبلا مقدمات.»«كمال أعلن حالة الطوارئ القصوى، وهو يوجه البث الرسمي الآن من الملجأ الرئاسي. وقد... زياد، لقد بدأت الأبواب تُغلق.»«أي أبواب؟»«كل شيء: أبواب المترو والمصاعد والمباني الحكومية. حتى أبواب المنازل الذكية. الناس عالقون في بيوتهم وأعمالهم. والاتصالات الخارجية انقطعت.»شعر زياد بدوار خفيف. «وأنتِ؟»«أنا في الهيئة. نحن عالقون هنا، وأكثر من ثلاثمئة موظف. الأبواب الخارجية مغلقة، والنوافذ مصفحة. المبنى كله أصبح قفصاً.»«سأصل إليكِ.»«لا تأتِ! ستعلق أنت أيضاً.»«لا خيار لدي. إن كان هذا الجهاز يبدأ من الهيئة







