로그인لم تعرف كم مرّ من الوقت.
في البداية، لم يكن هناك سوى صوت بعيد، متقطع، كأنه يصلها من خلف جدارٍ سميك؛ ارتطام معدني غير واضح، وخفق ثقيل داخل رأسها، ثم صمت يعود فيبتلع كل شيء.
قبل أن تستعيد وعيها كاملًا، شعرت أولًا بالبرد.
برد قاسٍ يتسلل إلى جلدها ببطء، يبدأ من معصميها ويصعد إلى ذراعيها.
حاولت أن تتحرك.
فشدّ الحديد معصميها بقوة مفاجئة، وارتد الألم على طول ذراعيها.
فتحت عينيها ببطء، لكن الضوء المعلّق فوقها ضرب بصرها مباشرة، فاضطرت أن تغلقهما ثانية قبل أن تفتحهما بحذر أكبر.
كانت الغرفة شبه غارقة في العتمة، لا يكسرها إلا ذلك المصباح الوحيد المتدلّي من السقف الخرساني، يسكب ضوءًا باهتًا فوق مساحة محدودة، تاركًا الزوايا غارقة في الظل.
استغرقت ثواني طويلة حتى استقرت الصورة.
جدار خرساني عارٍ.
أرضية باردة خشنة.
رائحة رطوبة معدنية ثقيلة في الهواء.
وصمت خانق، كأن المكان نفسه معزول عن العالم.
قفز الذعر إلى صدرها بعنف حتى شعرت أن قلبها اصطدم بضلعها من الداخل.
اتسعت أنفاسها، قصيرة ومضطربة، فيما بدأت ذاكرتها تتجمع على هيئة صور متقطعة
خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا، متكسرًا، كأنه خرج رغمًا عنها:
— كيف… جئت الى هنا؟
في اللحظة نفسها، انفتح الباب المعدني.
الصوت الحاد مزق الصمت كأنه صدمة جديدة.
ارتد صداه بين الجدران، ومعه انتفض جسدها كله دون إرادة.
دخل هو.
في الضوء الخافت بدا أطول مما تتذكر، وملامحه أكثر قسوة؛ الظل يقطع نصف وجهه، بينما عيناه ثابتتان عليها بحدة جعلت الهواء يثقل أكثر.
تعلقت به عيناها فورًا، واتسعت أنفاسها حتى شعرت أن صدرها لم يعد يتسع لها.
كان يمشي بخطوات بطيئة، محسوبة، كمن يعرف تمامًا أين يضع كل خطوة.
سحب كرسيًا معدنيًا.
الصوت الخشن لاحتكاكه بالأرض جعل أعصابها تتشنج أكثر.
جلس أمامها.
قريبًا بما يكفي لأن ترى بوضوح الإرهاق الخافت المختبئ خلف قسوته، لكن ليس قريبًا بما يكفي لتشعر بأي أمان.
انحنى قليلًا إلى الأمام.
ولمّا تكلم، خرج صوته منخفضًا، خاليًا من أي انفعال ظاهر:
— كان عليكِ أن تبتعدي… منذ اللحظة التي أخبرتكِ فيها ألا تقفي في طريقي.
صوته وحده أعاد إليها المشهد كله دفعة واحدة.
ارتجفت أنفاسها، لكن الغضب خرج قبل أن تلحقه:
— لماذا قتلتهم؟! من أنت؟ ولِمَن تعمل؟ ما هذا المكان؟ ولماذا أحضرتني إلى هنا؟!
ظلّ ينظر إليها دون أن يرد.
ثوانٍ طويلة مرّت ثقيلة حتى كادت تسمع صوت نبضها.
ثم أشاح بنظره جانبًا، وكأن شيئًا داخله يمرّ بحسابٍ صامت.
مدّ يده إلى جيبه.
وفي اللحظة التي ظهر فيها بريق النصل، انكمش جسدها كله بلا وعي.
شدّت القيود معصميها حتى شعرت بالمعدن يحفر جلدها، وانقطعت أنفاسها دفعة واحدة.
لمعت السكين الصغيرة تحت الضوء.
وفي ذهنها، مرت صورة النصل يخترق جلدها، خاطفة وعنيفة.
تراجعت قدر ما تسمح به القيود، وظهر الرعب كاملًا في عينيها.
توقفت يده.
نظر إليها لحظة أطول.
مرّت في عينيه دهشة قصيرة، بالكاد ظهرت.
كأن خوفها الصريح جاءه بشيء لم يتوقعه.
ثم، دون كلمة، وضع السكين فوق الطاولة المعدنية إلى جواره.
الصوت المعدني الصغير بدا قاسيًا أكثر مما يجب.
وحين تكلم، كان صوته أخفض:
— لقد رأيتِ ما لم يكن ينبغي لكِ أن تريه.
كانت الدموع قد تجمعت فعلًا عند طرف عينيها، لكن شيئًا عنيدًا ظهر داخلها رغم ذلك.
رفعت ذقنها بعناد قليلًا، رغم ارتعاشها الواضح.
— إذًا ستقتلني؟ حسنًا… أنهِ الأمر.
هذه المرة، ثبت نظره عليها مباشرة.
وللحظة، مرّ في ملامحه شيء عابر… أقرب إلى تعبٍ قديم أو ضيق يعرفه جيدًا.
ثم نهض.
— لو كنتُ أريد قتلكِ… لفعلتُ ذلكِ وأنتِ فاقدةٌ للوعي.
توقف لحظة قصيرة، كأن الجملة التالية أثقل:
— وكان الأمرُ سيكون أسهل.
اقترب.
أخرج المفتاح.
وحين تحرر أحد معصميها، شعرت بالألم يندفع فورًا إلى جلدها المخدوش.
سقطت يدها قليلًا من ثقل التنميل.
كانت ما تزال تنظر إليه، عاجزة عن فهم قراره.
عاد صوته باردًا، لكنه بدا أكثر حسمًا:
— ستظلي هنا مؤقتًا… حتى نحدد ماذا سنفعل.
ثم أضاف، بعد صمتٍ قصير، كأن الجملة نفسها غير مريحة له:
— حتى ذلك الحين… أنتِ مسؤوليتي.
استدار نحو الباب.
لكن قبل أن يصل إليه، خرج صوتها، مرتجفًا أكثر مما أرادت:
— لماذا؟
توقف.
ظلّ ظهره مواجهًا لها.
— لماذا لم تقتلني؟
تصلب كتفاه لثانية.
لكنّه لم يلتفت.
ولم يقل شيئًا.
فتح الباب.
ثم خرج.
عاد الصمت بعده أثقل من وجوده.
وبقيت رغد مكانها، معصماها يؤلمانها، أنفاسها غير مستقرة، وقلبها يضرب صدرها بعنفٍ لم يهدأ بعد، بينما شيء جديد بدأ يتسلل إليها رغم الخوف كله…
ارتباك غامض، أشد إزعاجًا من الرعب نفسه.
---
اختفى كل شيء بالنسبة لها في ظلامٍ هادئ، لا صوت فيه ولا إحساس بالوقت. ثم بدأت تستعيد وعيها ببطء، كأن الضوء يتسلل تدريجيًا إلى رأسها بعد نومٍ ثقيل لم تختره. فتحت عينيها على غرفة لا تعرفها كانت واسعة، هادئة، يغمرها ضوء النهار. الأثاث أنيق وفخم، والجدران البيضاء الناعمة تعكس أشعة الشمس القادمة من النافذة الكبيرة، حتى بدا المكان مريحًا أكثر مما ينبغي، على نحوٍ أثار ارتباكها بدل أن يطمئنها. ظلت مستلقية لثوانٍ، تحدق في السقف دون فهم، ثم اعتدلت ببطء وهي تلمس الغطاء فوقها، كأنها تتأكد أن ما تراه حقيقي. ملامحها ازدادت توترًا وهي تنظر حولها. لا أثر للغرفة الخرسانية، ولا للقيود، ولا لذلك الضوء البارد الذي علِق في ذاكرتها. نهضت من السرير بخطوات مترددة، واتجهت نحو الباب الزجاجي المؤدي إلى الشرفة. .ما إن فتحته حتى اندفع الهواء إلى وجهها، نقيًا ومحمّلًا برائحة البحر. وقفت لحظة تتأمل المشهد أمامها. مياه زرقاء واسعة تمتد بلا نهاية، تلمع تحت الشمس، وفي البعيد ظهرت جزيرة صغيرة منعزلة وسط الامتداد الهادئ. سحبت نفسًا عميقًا، لكنها لم تشعر بأي راحة. أغلقت الباب وعادت إلى الداخل، ثم اتجهت نحو باب ا
بعد خروج معاذ، ظلّ الصمت في الغرفة قائمًا لثوانٍ قليلة، قبل أن ينفتح الباب بهدوء محسوب. دخل رجل آخر، شرقيّ الملامح، يختلف حضوره عن معاذ تمامًا. شعره الأسود القصير كان مجعدًا قليلًا، وعيناه الخضراوان الداكنتان المخفية وراء نظراته الطبية تحملان هدوءًا حذرًا، بينما منحته بشرته الحنطية مظهرًا أكثر دفئًا من برودة المكان. كان لا يزال يرتدي معطفه الطبي الأبيض، مفتوحًا فوق ملابس داكنة، كأن حضوره جاء مباشرة من مكان آخر داخل المبنى. تقدم حتى توقف أمام المكتب. في الجهة المقابلة، كانت نتاشا ما تزال جالسة، منحنية قليلًا فوق الملف، تقلب إحدى الصفحات ببطء، كأن دخولَه لم يقطع شيئًا من تركيزها. انتظر لحظة قصيرة قبل أن يتكلم: — تلك أول مرة أراه يتجاهل أمرًا بهذا الشكل. رفعت عينيها نحوه ببطء. نظرتها جاءت مستقرة، باردة، لكن في عمقها لمع شيء قريب من الرضا الخافت. — وكنتُ أنتظر متى سيحدث ذلك. اقترب يحيى خطوة بسيطة: — تقصدي إنه بدأ التردد؟ مرّت ابتسامة صغيرة على طرف فمها، بالكاد ظهرت. — أقصد إن وجودها صنع فرق… وهذا يكفي حاليًا. ظلّ صامتًا لحظة، كأنه يعيد ترتيب المعنى داخل رأسه. ثم قال بحذر:
في غرفة الاجتماعات الواسعة داخل المقر السري في الطابق ذاته، كان الصمت أثقل من أن يُحتمل. الجدران المكسوة بخشب داكن امتصّت الضوء الخافت، حتى بدا الهواء نفسه محصورًا بين الظلال. في منتصف القاعة امتدت طاولة طويلة من الزجاج الأسود، ينعكس فوق سطحها ملف مفتوح، تتناثر داخله صور رغد، صفحات مطبوعة، وملاحظات دقيقة كُتبت بعناية باردة. في أقصى الطاولة جلست امرأة شقراء، في منتصف الثلاثينات، بهدوء لا يحمل أي ارتخاء. أناقتها كانت حادة كأنها جزء من سلطتها؛ بدلة رمادية داكنة، شعر مصفف بعناية صارمة، وبشرة شديدة البياض تكاد تلتقط الضوء وحدها. أمامها وقف معاذ. ظهره مستقيم، كتفاه مشدودتان، ووجهه مغلق بإحكام، لكن الصمت الذي اختاره كان يكشف ما يحاول إخفاءه أكثر من أي تعبير مباشر. مرّت أصابعها ببطء فوق إحدى الصور الموضوعة أمامها، تتبع حوافها كما لو كانت تزن خطأً لا صورة. ثم رفعت نظرها إليه أخيرًا. حين تكلمت، خرج صوتها منخفضًا، ناعمًا على نحو جعل التهديد أشد حضورًا: — اتذكر اني اخبرتك ان تحل المشكلة من جذورها. ظلّ معاذ صامتًا لثوانٍ قصيرة، عيناه ثابتتان على الملف كأنه يتجنب الاصطدام المباشر بعينيها
لم تعرف كم مرّ من الوقت. في البداية، لم يكن هناك سوى صوت بعيد، متقطع، كأنه يصلها من خلف جدارٍ سميك؛ ارتطام معدني غير واضح، وخفق ثقيل داخل رأسها، ثم صمت يعود فيبتلع كل شيء. قبل أن تستعيد وعيها كاملًا، شعرت أولًا بالبرد. برد قاسٍ يتسلل إلى جلدها ببطء، يبدأ من معصميها ويصعد إلى ذراعيها. حاولت أن تتحرك. فشدّ الحديد معصميها بقوة مفاجئة، وارتد الألم على طول ذراعيها. فتحت عينيها ببطء، لكن الضوء المعلّق فوقها ضرب بصرها مباشرة، فاضطرت أن تغلقهما ثانية قبل أن تفتحهما بحذر أكبر. كانت الغرفة شبه غارقة في العتمة، لا يكسرها إلا ذلك المصباح الوحيد المتدلّي من السقف الخرساني، يسكب ضوءًا باهتًا فوق مساحة محدودة، تاركًا الزوايا غارقة في الظل. استغرقت ثواني طويلة حتى استقرت الصورة. جدار خرساني عارٍ. أرضية باردة خشنة. رائحة رطوبة معدنية ثقيلة في الهواء. وصمت خانق، كأن المكان نفسه معزول عن العالم. قفز الذعر إلى صدرها بعنف حتى شعرت أن قلبها اصطدم بضلعها من الداخل. اتسعت أنفاسها، قصيرة ومضطربة، فيما بدأت ذاكرتها تتجمع على هيئة صور متقطعة خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا، متكسرًا، كأنه خرج رغمًا عنها:
----مرّت الأيام التالية من الحفل بإيقاعٍ مزدحم، ساعات طويلة من التنقّل بين القاعات، الوجوه المتكررة، والأسئلة السريعة التي تفرضها التغطية الصحفية. كانت رغد تتحرك كما اعتادت؛ تلتقط الصور، تدوّن الملاحظات، وتنتقل من زاوية إلى أخرى دون أن تمنح نفسها فرصة للتوقف. ومع ذلك، ظلّ انتباهها يلتقطه على فتراتٍ متباعدة، كأن وجوده صار يظهر دائمًا في طرف المشهد، لا في مركزه. مرةً عند مدخل القاعة، واقفًا وحده يراقب الداخلين بصمت. ومرةً أخرى قرب الممر الجانبي، يتحدث قليلًا ثم يختفي قبل أن يلتفت إليه أحد. لم يكن يفعل شيئًا لافتًا بوضوح، لكن حضوره نفسه كان يحمل شيئًا يصعب تجاوزه؛ هالة تميزه وكأنه لا يشبه بقية الموجودين. في مساء اليوم الثالث، وبينما كانت تلتقط صورًا متتابعة قرب المنصة الرئيسية، التقطت عيناها مشهدًا جعلها تتوقف لحظة. كان يقف إلى جوار Cillian Murphy، الوجه الذي ملأ الشاشات والصحف مؤخرًا بعد تتويجه بالأوسكار. لكن ما شدّها لم يكن وجودهما معًا، بل الطريقة التي جرى بها الحديث بينهما. لم يكن يقف قربه كأحد الضيوف العابرين، ولا كمرافقٍ رسمي. كان الحديث بينهما قصيرًا، مركزًا، خاليًا من
كانت رغد تراقب المدينة من نافذة سيارة الأجرة بصمت، تتنقّل بعينيها بين الواجهات الزجاجية الممتدة، والأضواء المتشابكة، والوجوه العابرة على الأرصفة المزدحمة. رغم الأشهر التي قضتها هنا، ظلّ في داخلها شيءٌ يتعامل مع المكان كما لو أنه جديد؛ دهشة خافتة لا تختفي تمامًا، يتسلّل معها شعور آخر أكثر غموضًا، فراغٌ صغير لم تفهمه بعد. كانت تظن، يومًا ما، أن الوصول إلى أول أحلامها سيمنحها امتلاءً أكبر. لكن الأحلام حين تتحقق، لا تأتي دائمًا بالشكل الذي نتخيّله. التقط السائق شرودها عبر المرآة الأمامية، وظلّ يراقبها لحظات قبل أن يقول بإنجليزية ثقيلة ولهجة بريطانية واضحة: — أهذه أول مرة تأتين إلى هذا المكان؟ التفتت إليه بابتسامة خفيفة. — لا… لكن كل شيء فيه ما يزال يمنحني شعورًا بأنه جديد. رمقها بنظرة إعجابٍ سريعة. — لكنتك ممتازة جدًا… مكنتش متوقع. ضحكت بخفة، وعبر ذهنها ارتباك أيامها الأولى، حين كانت اللهجات تسبق فهمها بثوانٍ مربكة قبل أن تعتادها تدريجيًا. توقفت السيارة أمام بوابة The Savoy الفاخرة. كان المشهد وحده كافيًا لأن يصمت السائق أخيرًا، بينما دفعت هي الباب وخرجت تتنفس براحة قصيرة. لكن







