تسجيل الدخولكانت رغد تراقب المدينة من نافذة سيارة الأجرة بصمت، تتنقّل بعينيها بين الواجهات الزجاجية الممتدة، والأضواء المتشابكة، والوجوه العابرة على الأرصفة المزدحمة.
رغم الأشهر التي قضتها هنا، ظلّ في داخلها شيءٌ يتعامل مع المكان كما لو أنه جديد؛ دهشة خافتة لا تختفي تمامًا، يتسلّل معها شعور آخر أكثر غموضًا، فراغٌ صغير لم تفهمه بعد. كانت تظن، يومًا ما، أن الوصول إلى أول أحلامها سيمنحها امتلاءً أكبر. لكن الأحلام حين تتحقق، لا تأتي دائمًا بالشكل الذي نتخيّله. التقط السائق شرودها عبر المرآة الأمامية، وظلّ يراقبها لحظات قبل أن يقول بإنجليزية ثقيلة ولهجة بريطانية واضحة: — أهذه أول مرة تأتين إلى هذا المكان؟ التفتت إليه بابتسامة خفيفة. — لا… لكن كل شيء فيه ما يزال يمنحني شعورًا بأنه جديد. رمقها بنظرة إعجابٍ سريعة. — لكنتك ممتازة جدًا… مكنتش متوقع. ضحكت بخفة، وعبر ذهنها ارتباك أيامها الأولى، حين كانت اللهجات تسبق فهمها بثوانٍ مربكة قبل أن تعتادها تدريجيًا. توقفت السيارة أمام بوابة The Savoy الفاخرة. كان المشهد وحده كافيًا لأن يصمت السائق أخيرًا، بينما دفعت هي الباب وخرجت تتنفس براحة قصيرة. لكن الراحة لم تدم. اهتز هاتفها فور دخولها الغرفة. ظهر اسم ندى على الشاشة. ترددت لثوانٍ قصيرة قبل أن تجيب، وخرج صوتها هادئًا على عكس التوتر العالق في ملامحها. — ماذا؟. جاءها صوت ندى دافئًا كعادته: — أعلم أنكِ متوترة بشأن الحفل، لذا قررتُ أن أتحدث إليكِ قبل أن تدخلي. ابتسمت رغد دون وعي، وهي تقف أمام المرآة للمرة التي فقدت عدّها، تعدّل ياقة القميص الأسود ثم تعيد النظر فيه من جديد. — أكون متوترة في البداية… ثم أتأقلم، فلا تقلقي. جاءها رد ندى مازحًا: — ليس لديكِ خيار، عليكِ أن تثبتي نفسك. خرجت من رغد ضحكة قصيرة: — ما زلتُ غير مستوعبة أنني أصبحت هنا فعلًا. — وأنا ما زلتُ أنتظر اليوم الذي تتوقفين فيه عن قول إنكِ لا تصدقين… لو كان سيف هنا، لكان فقد صوابه من فرحته بكِ. انخفض بصر رغد قليلًا، كأن الجملة أصابت موضعًا تعرفه جيدًا. بدّلت مسار الحديث فورًا: — أحيانًا أشعر أنني غريبة عنهم جدًا. — غريبة؟ لو كنتُ أعلم أن بيع السيارة سيجعلكِ تحملين كل هذا الذنب، لبعتُ الشقة أيضًا. مرّ بها الإحساس المعتاد كلما فتحت ندى هذا الباب. — أعدكِ… بأنني سأعوّضكِ في أقرب وقت. بدأت ندى اعتراضها المعتاد، لكن رغد التقطت الوقت بعينيها وقاطعتها: — يجب أن أنزل الآن… سأحدثكِ لاحقًا. أغلقت المكالمة، ثم انحنت نحو حقيبتها وأخرجت الكاميرا. مرّت أصابعها فوق الإهداء المحفور بخط فضي: (من سيف… لصغيرتنا الموهوبة) توقفت أناملها فوق الاسم لحظة أطول مما ينبغي. مرور السنوات خفّف حدّة الألم، لكنه لم يمحُه. ظلّ الاسم وحده قادرًا على إحداث ذلك الفراغ المفاجئ، كأن الغياب لا يشيخ. ضاق شيءٌ خفيّ في حلقها، فشدّت أصابعها حول الكاميرا وأعادتها إلى حقيبة يدها بسرعة، كأنها تغلق معها ما استيقظ في الداخل. ثم خرجت متجهةً إلى قاعة الحفل. --- ---- داخل إحدى أكثر قاعات The Savoy ازدحامًا، كانت الأضواء تنعكس على الأسطح الزجاجية والثريات العالية، بينما تتداخل أصوات الحضور مع ومضات الكاميرات المتلاحقة. تحركت رغد بين المدعوين بخفة معتادة، تلتقط صورًا متفرقة، تراقب الوجوه المعروفة والابتسامات المصنوعة، حتى توقفت عيناها عند رجلٍ بدا منفصلًا عن المشهد كله. لم يكن الأهدأ فقط، بل الوحيد الذي بدا كأنه لا ينتمي للفوضى المحيطة به. وقف بثباتٍ لافت، مرتديًا بدلة سوداء مصممة بدقة، دون أن يحمل مظهره أي محاولة واضحة لجذب الانتباه، ومع ذلك كان الانتباه يذهب إليه وحده. في حضوره شيء يصعب تجاهله؛ صرامة غير معلنة، وهدوء بدا أكثر حدة من ضجيج القاعة كلها. حين التفت قليلًا، التقطت عيناها ملامحه لأول مرة: وجه حادّ القسمات، شعره أسود كثيف مصفف بعناية ، نظرة ثابتة بعينين بنيتين فاتحتين تحملان برودًا غريبًا، كأنهما تريان أكثر مما ينبغي. بدافعٍ لم تفكر فيه، رفعت الكاميرا والتقطت صورة سريعة. في اللحظة نفسها، التفت إليها. كانت نظرته مباشرة إلى حد أربكها. ثم بدأ يقترب. خطواته لم تكن سريعة، لكنها حاسمة بما يكفي لتدرك أنه قادم نحوها تحديدًا. توقف أمامها، وألقى نظرة خاطفة على البطاقة المعلقة في عنقها، قبل أن يقول بالعربية، بصوت منخفض لكنه حاد: — من سمح لكِ بتصويري؟ الدهشة لم تكن من اعتراضه بقدر ما كانت من العربية الخارجة منه. رفعت حاجبها، متماسكة أكثر مما شعرت: — أنظر حولك....نحن في حفلة،الجميع يلتقط الصور. وأنا مصورة هنا، هذا عملي. اقترب منها خطوة، دون أن يرفع صوته. — إذًا التقطي صور المشاهير، وليس أنا. وقبل أن ترد، امتدت يده إلى الكاميرا، ضغط سريعًا على الشاشة، حذف الصورة، ثم أعادها إليها. الحركة كانت حاسمة، خالية من أي ارتباك. رفع عينيه إليها مرة أخيرة؛ نظرة قصيرة، باردة، يصعب تفسيرها. ثم استدار وغادر وسط الحشد، كما لو أن شيئًا لم يحدث. بقيت رغد مكانها، غير مستعبة ما حدث قبل لحظات نظرت إلى شاشة الكاميرا أولًا، تتأكد أن الصورة اختفت فعلًا، ثم تحول تعبيرها الى ضيق واضح. وقاحته أزعجتها أكثر من اعتراضه نفسه. ومع ذلك، ظلّ شيءٌ في طريقته يعلّق انتباهها؛ هدوءه لم يكن يشبه غضبًا عابرًا، بل كأنه رد فعل محسوب أكثر مما ينبغي. على نحو أثار بداخلها فضولًا خافتًا لم تعتد الالتفات إليه. --- ---- بعد ساعاتٍ طويلة من الوقوف، بدأت قدما رغد تؤلمانها بوضوح، حتى صار وقع الكعب على أرضية الممر الرخامي يضاعف انزعاجها مع كل خطوة. كان الحفل قد استنزف منها أكثر مما توقعت؛ كثافة الوجوه، المجاملات المتكررة، والأسئلة المهنية التي لم تتوقف، كلها تركت في رأسها ضجيجًا خفيفًا لم ينطفئ بعد. أما ذلك الرجل… فبقي حضوره عالقًا على نحوٍ أزعجها أكثر مما أرادت الاعتراف به. وصلت إلى الطابق الذي تقع فيه غرفتها، وأخرجت حقيبة يدها تبحث وسط محتوياتها المزدحمة عن بطاقة الدخول، بينما زفرت بضيق وهي تحاول إخراج المفتاح بين الكاميرا والهاتف وبعض الأوراق الصغيرة التي تراكمت داخل الحقيبة. في اللحظة نفسها، انفتح باب المصعد القريب. رفعت رأسها تلقائيًا. كان هو. خرج بخطوات هادئة، كما لو أن ما حوله كله لا يمسه، ببذلته الداكنة نفسها التي ما زالت محتفظة بانضباطها رغم مرور الساعات. علقت عيناها به دون قصد لثانية أطول مما ينبغي. التفت نحوها. وللحظة قصيرة، التقت نظراتهما. لكن ما إن عرفها حتى تبدلت ملامحه فورًا؛ عبس بوضوح، وكأن مجرد رؤيتها أضافت شيئًا غير مرغوب إلى ليلته. مرّ من جانبها دون كلمة، دون حتى أن يبطئ خطواته، ثم اتجه إلى إحدى الغرف القريبة في نهاية الطابق، أخرج بطاقته الإلكترونية، وفتح الباب قبل أن يختفي داخله. بقيت رغد مكانها لحظة، تنظر إلى الباب المغلق وقد اشتعل الضيق في صدرها أكثر. وكأن اعتراضه الأول لم يكن كافيًا، حتى نظرته الأخيرة حملت القدر نفسه من الجفاء المستفز. ضغطت شفتيها وهي تدخل غرفتها أخيرًا. ألقت الحقيبة فوق الطاولة، نزعت الحذاء بكثير من الارتياح، ثم جلست على طرف السرير وأخرجت الكاميرا. بدأت تراجع الصور التي التقطتها خلال الحفل واحدةً تلو الأخرى؛ وجوه مألوفة، لقطات سريعة، إضاءات متكررة… حتى توقفت عند صورة جانبية ظهر فيها نصف وجهه قبل أن يحذف الصورة الأصلية. رغم أنها لقطة ناقصة، بدا حضوره فيها أوضح مما ينبغي. ظلت تحدق فيها لحظات. ثم أعادت الصورة مرة أخرى، كأنها تبحث فيها عن السبب الذي جعل انطباعه يظل معلقًا بهذا الشكل. ---اختفى كل شيء بالنسبة لها في ظلامٍ هادئ، لا صوت فيه ولا إحساس بالوقت. ثم بدأت تستعيد وعيها ببطء، كأن الضوء يتسلل تدريجيًا إلى رأسها بعد نومٍ ثقيل لم تختره. فتحت عينيها على غرفة لا تعرفها كانت واسعة، هادئة، يغمرها ضوء النهار. الأثاث أنيق وفخم، والجدران البيضاء الناعمة تعكس أشعة الشمس القادمة من النافذة الكبيرة، حتى بدا المكان مريحًا أكثر مما ينبغي، على نحوٍ أثار ارتباكها بدل أن يطمئنها. ظلت مستلقية لثوانٍ، تحدق في السقف دون فهم، ثم اعتدلت ببطء وهي تلمس الغطاء فوقها، كأنها تتأكد أن ما تراه حقيقي. ملامحها ازدادت توترًا وهي تنظر حولها. لا أثر للغرفة الخرسانية، ولا للقيود، ولا لذلك الضوء البارد الذي علِق في ذاكرتها. نهضت من السرير بخطوات مترددة، واتجهت نحو الباب الزجاجي المؤدي إلى الشرفة. .ما إن فتحته حتى اندفع الهواء إلى وجهها، نقيًا ومحمّلًا برائحة البحر. وقفت لحظة تتأمل المشهد أمامها. مياه زرقاء واسعة تمتد بلا نهاية، تلمع تحت الشمس، وفي البعيد ظهرت جزيرة صغيرة منعزلة وسط الامتداد الهادئ. سحبت نفسًا عميقًا، لكنها لم تشعر بأي راحة. أغلقت الباب وعادت إلى الداخل، ثم اتجهت نحو باب ا
بعد خروج معاذ، ظلّ الصمت في الغرفة قائمًا لثوانٍ قليلة، قبل أن ينفتح الباب بهدوء محسوب. دخل رجل آخر، شرقيّ الملامح، يختلف حضوره عن معاذ تمامًا. شعره الأسود القصير كان مجعدًا قليلًا، وعيناه الخضراوان الداكنتان المخفية وراء نظراته الطبية تحملان هدوءًا حذرًا، بينما منحته بشرته الحنطية مظهرًا أكثر دفئًا من برودة المكان. كان لا يزال يرتدي معطفه الطبي الأبيض، مفتوحًا فوق ملابس داكنة، كأن حضوره جاء مباشرة من مكان آخر داخل المبنى. تقدم حتى توقف أمام المكتب. في الجهة المقابلة، كانت نتاشا ما تزال جالسة، منحنية قليلًا فوق الملف، تقلب إحدى الصفحات ببطء، كأن دخولَه لم يقطع شيئًا من تركيزها. انتظر لحظة قصيرة قبل أن يتكلم: — تلك أول مرة أراه يتجاهل أمرًا بهذا الشكل. رفعت عينيها نحوه ببطء. نظرتها جاءت مستقرة، باردة، لكن في عمقها لمع شيء قريب من الرضا الخافت. — وكنتُ أنتظر متى سيحدث ذلك. اقترب يحيى خطوة بسيطة: — تقصدي إنه بدأ التردد؟ مرّت ابتسامة صغيرة على طرف فمها، بالكاد ظهرت. — أقصد إن وجودها صنع فرق… وهذا يكفي حاليًا. ظلّ صامتًا لحظة، كأنه يعيد ترتيب المعنى داخل رأسه. ثم قال بحذر:
في غرفة الاجتماعات الواسعة داخل المقر السري في الطابق ذاته، كان الصمت أثقل من أن يُحتمل. الجدران المكسوة بخشب داكن امتصّت الضوء الخافت، حتى بدا الهواء نفسه محصورًا بين الظلال. في منتصف القاعة امتدت طاولة طويلة من الزجاج الأسود، ينعكس فوق سطحها ملف مفتوح، تتناثر داخله صور رغد، صفحات مطبوعة، وملاحظات دقيقة كُتبت بعناية باردة. في أقصى الطاولة جلست امرأة شقراء، في منتصف الثلاثينات، بهدوء لا يحمل أي ارتخاء. أناقتها كانت حادة كأنها جزء من سلطتها؛ بدلة رمادية داكنة، شعر مصفف بعناية صارمة، وبشرة شديدة البياض تكاد تلتقط الضوء وحدها. أمامها وقف معاذ. ظهره مستقيم، كتفاه مشدودتان، ووجهه مغلق بإحكام، لكن الصمت الذي اختاره كان يكشف ما يحاول إخفاءه أكثر من أي تعبير مباشر. مرّت أصابعها ببطء فوق إحدى الصور الموضوعة أمامها، تتبع حوافها كما لو كانت تزن خطأً لا صورة. ثم رفعت نظرها إليه أخيرًا. حين تكلمت، خرج صوتها منخفضًا، ناعمًا على نحو جعل التهديد أشد حضورًا: — اتذكر اني اخبرتك ان تحل المشكلة من جذورها. ظلّ معاذ صامتًا لثوانٍ قصيرة، عيناه ثابتتان على الملف كأنه يتجنب الاصطدام المباشر بعينيها
لم تعرف كم مرّ من الوقت. في البداية، لم يكن هناك سوى صوت بعيد، متقطع، كأنه يصلها من خلف جدارٍ سميك؛ ارتطام معدني غير واضح، وخفق ثقيل داخل رأسها، ثم صمت يعود فيبتلع كل شيء. قبل أن تستعيد وعيها كاملًا، شعرت أولًا بالبرد. برد قاسٍ يتسلل إلى جلدها ببطء، يبدأ من معصميها ويصعد إلى ذراعيها. حاولت أن تتحرك. فشدّ الحديد معصميها بقوة مفاجئة، وارتد الألم على طول ذراعيها. فتحت عينيها ببطء، لكن الضوء المعلّق فوقها ضرب بصرها مباشرة، فاضطرت أن تغلقهما ثانية قبل أن تفتحهما بحذر أكبر. كانت الغرفة شبه غارقة في العتمة، لا يكسرها إلا ذلك المصباح الوحيد المتدلّي من السقف الخرساني، يسكب ضوءًا باهتًا فوق مساحة محدودة، تاركًا الزوايا غارقة في الظل. استغرقت ثواني طويلة حتى استقرت الصورة. جدار خرساني عارٍ. أرضية باردة خشنة. رائحة رطوبة معدنية ثقيلة في الهواء. وصمت خانق، كأن المكان نفسه معزول عن العالم. قفز الذعر إلى صدرها بعنف حتى شعرت أن قلبها اصطدم بضلعها من الداخل. اتسعت أنفاسها، قصيرة ومضطربة، فيما بدأت ذاكرتها تتجمع على هيئة صور متقطعة خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا، متكسرًا، كأنه خرج رغمًا عنها:
----مرّت الأيام التالية من الحفل بإيقاعٍ مزدحم، ساعات طويلة من التنقّل بين القاعات، الوجوه المتكررة، والأسئلة السريعة التي تفرضها التغطية الصحفية. كانت رغد تتحرك كما اعتادت؛ تلتقط الصور، تدوّن الملاحظات، وتنتقل من زاوية إلى أخرى دون أن تمنح نفسها فرصة للتوقف. ومع ذلك، ظلّ انتباهها يلتقطه على فتراتٍ متباعدة، كأن وجوده صار يظهر دائمًا في طرف المشهد، لا في مركزه. مرةً عند مدخل القاعة، واقفًا وحده يراقب الداخلين بصمت. ومرةً أخرى قرب الممر الجانبي، يتحدث قليلًا ثم يختفي قبل أن يلتفت إليه أحد. لم يكن يفعل شيئًا لافتًا بوضوح، لكن حضوره نفسه كان يحمل شيئًا يصعب تجاوزه؛ هالة تميزه وكأنه لا يشبه بقية الموجودين. في مساء اليوم الثالث، وبينما كانت تلتقط صورًا متتابعة قرب المنصة الرئيسية، التقطت عيناها مشهدًا جعلها تتوقف لحظة. كان يقف إلى جوار Cillian Murphy، الوجه الذي ملأ الشاشات والصحف مؤخرًا بعد تتويجه بالأوسكار. لكن ما شدّها لم يكن وجودهما معًا، بل الطريقة التي جرى بها الحديث بينهما. لم يكن يقف قربه كأحد الضيوف العابرين، ولا كمرافقٍ رسمي. كان الحديث بينهما قصيرًا، مركزًا، خاليًا من
كانت رغد تراقب المدينة من نافذة سيارة الأجرة بصمت، تتنقّل بعينيها بين الواجهات الزجاجية الممتدة، والأضواء المتشابكة، والوجوه العابرة على الأرصفة المزدحمة. رغم الأشهر التي قضتها هنا، ظلّ في داخلها شيءٌ يتعامل مع المكان كما لو أنه جديد؛ دهشة خافتة لا تختفي تمامًا، يتسلّل معها شعور آخر أكثر غموضًا، فراغٌ صغير لم تفهمه بعد. كانت تظن، يومًا ما، أن الوصول إلى أول أحلامها سيمنحها امتلاءً أكبر. لكن الأحلام حين تتحقق، لا تأتي دائمًا بالشكل الذي نتخيّله. التقط السائق شرودها عبر المرآة الأمامية، وظلّ يراقبها لحظات قبل أن يقول بإنجليزية ثقيلة ولهجة بريطانية واضحة: — أهذه أول مرة تأتين إلى هذا المكان؟ التفتت إليه بابتسامة خفيفة. — لا… لكن كل شيء فيه ما يزال يمنحني شعورًا بأنه جديد. رمقها بنظرة إعجابٍ سريعة. — لكنتك ممتازة جدًا… مكنتش متوقع. ضحكت بخفة، وعبر ذهنها ارتباك أيامها الأولى، حين كانت اللهجات تسبق فهمها بثوانٍ مربكة قبل أن تعتادها تدريجيًا. توقفت السيارة أمام بوابة The Savoy الفاخرة. كان المشهد وحده كافيًا لأن يصمت السائق أخيرًا، بينما دفعت هي الباب وخرجت تتنفس براحة قصيرة. لكن






![مُقَيَّدة بزعيم المافيا [ الكتاب الأول من سلسلة«Entangled»]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)
