تسجيل الدخول----
مرّت الأيام التالية من الحفل بإيقاعٍ مزدحم، ساعات طويلة من التنقّل بين القاعات، الوجوه المتكررة، والأسئلة السريعة التي تفرضها التغطية الصحفية.
كانت رغد تتحرك كما اعتادت؛ تلتقط الصور، تدوّن الملاحظات، وتنتقل من زاوية إلى أخرى دون أن تمنح نفسها فرصة للتوقف.
ومع ذلك، ظلّ انتباهها يلتقطه على فتراتٍ متباعدة، كأن وجوده صار يظهر دائمًا في طرف المشهد، لا في مركزه.
مرةً عند مدخل القاعة، واقفًا وحده يراقب الداخلين بصمت.
ومرةً أخرى قرب الممر الجانبي، يتحدث قليلًا ثم يختفي قبل أن يلتفت إليه أحد.
لم يكن يفعل شيئًا لافتًا بوضوح، لكن حضوره نفسه كان يحمل شيئًا يصعب تجاوزه؛ هالة تميزه وكأنه لا يشبه بقية الموجودين.
في مساء اليوم الثالث، وبينما كانت تلتقط صورًا متتابعة قرب المنصة الرئيسية، التقطت عيناها مشهدًا جعلها تتوقف لحظة.
كان يقف إلى جوار Cillian Murphy، الوجه الذي ملأ الشاشات والصحف مؤخرًا بعد تتويجه بالأوسكار.
لكن ما شدّها لم يكن وجودهما معًا، بل الطريقة التي جرى بها الحديث بينهما.
لم يكن يقف قربه كأحد الضيوف العابرين، ولا كمرافقٍ رسمي.
كان الحديث بينهما قصيرًا، مركزًا، خاليًا من المجاملات المعتادة، بينما بدا الممثل مصغيًا إليه باهتمام واضح، قبل أن يهز رأسه له في النهاية كما لو أنه ينهي أمرًا مفهومًا بينهما.
خفضت الكاميرا قليلًا دون وعي.
لأول مرة، شعرت أن انزعاجها الأول منه بدأ يتراجع خطوة أمام سؤال أبسط وأكثر إلحاحًا:
من يكون؟
رجل يرفض صورة عابرة بتلك الحدة… ثم يتحرك بهذه الألفة قرب شخصيات لا تصل إليها المصادفات بسهولة.
رفعت الكاميرا من جديد، هذه المرة دون أن تصوّره، واكتفت بمراقبته عبر العدسة.
في اللحظة نفسها، رفع رأسه.
التقت عيناه بها من المسافة الفاصلة بينهما.
لم يعبس هذه المرة.
نظر إليها فقط، بثباتٍ قصير، قبل أن يدير وجهه ويكمل حديثه كأن الأمر لا يعنيه.
لكن تلك النظرة وحدها كانت كافية لتعيد إليها الإحساس ذاته الذي لم تستطع تسميته منذ اللقاء الأول؛ شيء بين الاستفزاز والفضول، أكثر حدّة مما ينبغي.
أخفضت الكاميرا ببطء، وعادت إلى عملها، بينما ظل نفس السؤال عالقًا في ذهنها طوال بقية السهرة.
---
---
في الليلة الأخيرة من الحفل، لم تعد رغد تحتاج إلى البحث عنه طويلًا.
التقطته بعينيها سريعًا بين الحضور، كأن حضورَه صار يظهر لها تلقائيًا كلما دخلت قاعة مزدحمة.
كان واقفًا مرة أخرى مع الممثل نفسه، في زاوية أبعد قليلًا عن مركز الصخب، يتحدثان هذه المرة بتركيزٍ أوضح من الليالي السابقة.
لم يكن حديثًا عابرًا؛ ملامح الممثل بدت أكثر جدية، وابتسامته التي ظهرت أحيانًا لم تُخفِ ذلك التركيز الواضح في عينيه، بينما ظلّ هو على هدوئه المعتاد، يصغي قليلًا ويتكلم أقل، كأن كل كلمة تخرج منه محسوبة سلفًا.
راقبتهما رغد بفضول حاد.
شيءٌ ما في تكرار المشهد نفسه لم يعد يسمح لها باعتباره صدفة.
وجوده قرب الرجل نفسه مرة أخرى، بالطريقة ذاتها، جعل السؤال القديم يعود بإلحاح أكبر:
من يكون؟
ثم، كما حدث من قبل، تحرك الاثنان بهدوء نحو المخرج الجانبي.
هذه المرة لم تتردد طويلًا.
تحركت خلفهما بحذر، محافظة على مسافة كافية.
كلما ابتعدت عن القاعة، خفتت الأصوات خلفها تدريجيًا، حتى لم يبقَ سوى وقع خطواتهما أمامها وصوت كعبها الذي بدأ يفضح وجودها فوق الأرضية الهادئة.
توقفت لحظة، انحنت بسرعة، نزعت الحذاء، وأكملت السير وهي تمسكه بيدها.
كان قلبها يدق أسرع مما ينبغي، ليس حماسًا خالصًا، بل ذلك التوتر الحاد الذي يسبق شيئًا لا تعرفه.
أقنعت نفسها مرة أخرى أنها مجرد متابعة صحفية، وأن أقصى ما قد تخرج به صورة خاصة أو لقاء غير معلن.
لكن شيئًا في داخلها لم يكن مطمئنًا تمامًا.
حين وصلت إلى الشارع الخلفي للفندق، لفحها الهواء البارد دفعة واحدة.
المكان كان شبه خالٍ، الأرض مبتلّة ببقايا المطر، والضوء الخافت المنسكب من المصابيح الجانبية يجعل الظلال أطول وأكثر اضطرابًا.
في نهاية الشارع، توقف الاثنان.
انخفضت فورًا خلف سيارة سوداء متوقفة، وظهرها يلتصق بالمعدن البارد.
أنفاسها صارت قصيرة دون أن تشعر.
أخرجت الكاميرا بيدٍ أقل ثباتًا مما توقعت، ورفعتها ببطء.
حتى تلك اللحظة، ظل عقلها يصرّ على تفسير منطقي.
لقاء سري. اتفاق ما. شيء يستحق المخاطرة.
ثم رأت الممثل يميل قليلًا نحوه، كأنه يهمّ بقول شيء أخير.
وفي اللحظة التالية، خرج السلاح.
لم تستوعب الحركة أولًا.
كانت قصيرة، نظيفة، هادئة إلى حدٍّ جعلها تبدو غير حقيقية.
ثم انطلقت الرصاصة.
دوّى الصوت فجأة، حادًا كصفعة مزقت الهواء.
ارتجف جسدها كله بعنف.
رأت رأس الممثل يهتز، ثم ينهار جسده على الأرض الرطبة كما لو أن الحياة انسحبت منه دفعة واحدة.
بقيت تحدق فيه، وعيناها متسعتان إلى حد الألم.
لم يصل المعنى كاملًا إلى عقلها فورًا.
لأن المشهد سبق قدرتها على الفهم.
قلبها انقبض فجأة بعنفٍ مؤلم، حتى شعرت أن الهواء اختفى من صدرها.
حاولت التراجع بلا وعي.
اصطدم كاحلها بغطاء البالوعه المعدني خلفها.
اختلّ توازنها، وسقطت الكاميرا من يدها.
الصوت الذي أحدثته حين ارتطمت بالأرض بدا أعلى من الرصاصة نفسها في أذنها.
التفت إليها فورًا.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها، شعرت أن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة.
تجمّدت.
حتى أنفاسها كأنها توقفت.
بدأ يقترب.
خطوة… ثم أخرى.
وصوته خرج منخفضًا، حادًا:
— إنتِ… كيف وصلتي هنا؟
انفلتت منها شهقة قصيرة، مرتجفة، قبل أن تستدير وتركض.
لم تكن ترى الطريق بوضوح؛ الضوء يهتز أمامها، وأنفاسها تتكسر بعنف، وقلبها يضرب صدرها كأنه يحاول الخروج منه.
قدماها شبه الحافيتين اصطدمتا بالأرض الباردة بسرعة غير متزنة، وكل ما في داخلها كان يصرخ: اهربي.
وحين ظهر ثلاث رجال عند مدخل الممر، اندفعت نحوهم بلا تفكير.
— النجدة! حدث جريمة قتل! الرجل—
لكن الكلمات اختنقت في حلقها.
لأن أحدهم رفع سلاحه نحوها مباشرة.
توقفت في مكانها كأن الأرض شدّت قدميها.
رأت إصبعه يستقر على الزناد.
وهنا فقط أدرك عقلها بوضوح مرعب: إنها نهايتها
بردٌ حاد اجتاح أطرافها.
أغلقت عينيها تلقائيًا.
ثم دوّت ثلاث طلقات متتالية.
فتحت عينيها على سقوط الرجال الثلاثة أمامها.
صوت ارتطام أجسادهم بالأرض وصل إليها مكتومًا، بعيدًا، كأن سمعها نفسه صار معطوبًا من الخوف.
التفتت ببطء.
كان يقف خلفها، على بعد خطوات قليلة.
السلاح ما زال في يده، ودخان خفيف يتصاعد من فوهته.
نصف وجهه غارق في الظل، وعيناه ثابتتان عليها بحدة صامتة.
لم يكن في ملامحه ما يشبه الإنقاذ، بل شيء أقرب إلى ضيقٍ مفاجئ من ضرورة لم يخترها.
كأن بقاءها حيّة أضاف إلى ليلته ما لم يكن مستعدًا له.
حاولت أن تتراجع، لكن قدميها لم تعودا تستجيبان.
كان الرعب قد استهلك آخر ما تبقى من قدرتها على التماسك.
ثم بدأ كل شيء يبتعد.
الصورة أمامها تبهت، والصوت يخفت، والهواء يثقل.
وسقط العالم كله في الظلام.
---
اختفى كل شيء بالنسبة لها في ظلامٍ هادئ، لا صوت فيه ولا إحساس بالوقت. ثم بدأت تستعيد وعيها ببطء، كأن الضوء يتسلل تدريجيًا إلى رأسها بعد نومٍ ثقيل لم تختره. فتحت عينيها على غرفة لا تعرفها كانت واسعة، هادئة، يغمرها ضوء النهار. الأثاث أنيق وفخم، والجدران البيضاء الناعمة تعكس أشعة الشمس القادمة من النافذة الكبيرة، حتى بدا المكان مريحًا أكثر مما ينبغي، على نحوٍ أثار ارتباكها بدل أن يطمئنها. ظلت مستلقية لثوانٍ، تحدق في السقف دون فهم، ثم اعتدلت ببطء وهي تلمس الغطاء فوقها، كأنها تتأكد أن ما تراه حقيقي. ملامحها ازدادت توترًا وهي تنظر حولها. لا أثر للغرفة الخرسانية، ولا للقيود، ولا لذلك الضوء البارد الذي علِق في ذاكرتها. نهضت من السرير بخطوات مترددة، واتجهت نحو الباب الزجاجي المؤدي إلى الشرفة. .ما إن فتحته حتى اندفع الهواء إلى وجهها، نقيًا ومحمّلًا برائحة البحر. وقفت لحظة تتأمل المشهد أمامها. مياه زرقاء واسعة تمتد بلا نهاية، تلمع تحت الشمس، وفي البعيد ظهرت جزيرة صغيرة منعزلة وسط الامتداد الهادئ. سحبت نفسًا عميقًا، لكنها لم تشعر بأي راحة. أغلقت الباب وعادت إلى الداخل، ثم اتجهت نحو باب ا
بعد خروج معاذ، ظلّ الصمت في الغرفة قائمًا لثوانٍ قليلة، قبل أن ينفتح الباب بهدوء محسوب. دخل رجل آخر، شرقيّ الملامح، يختلف حضوره عن معاذ تمامًا. شعره الأسود القصير كان مجعدًا قليلًا، وعيناه الخضراوان الداكنتان المخفية وراء نظراته الطبية تحملان هدوءًا حذرًا، بينما منحته بشرته الحنطية مظهرًا أكثر دفئًا من برودة المكان. كان لا يزال يرتدي معطفه الطبي الأبيض، مفتوحًا فوق ملابس داكنة، كأن حضوره جاء مباشرة من مكان آخر داخل المبنى. تقدم حتى توقف أمام المكتب. في الجهة المقابلة، كانت نتاشا ما تزال جالسة، منحنية قليلًا فوق الملف، تقلب إحدى الصفحات ببطء، كأن دخولَه لم يقطع شيئًا من تركيزها. انتظر لحظة قصيرة قبل أن يتكلم: — تلك أول مرة أراه يتجاهل أمرًا بهذا الشكل. رفعت عينيها نحوه ببطء. نظرتها جاءت مستقرة، باردة، لكن في عمقها لمع شيء قريب من الرضا الخافت. — وكنتُ أنتظر متى سيحدث ذلك. اقترب يحيى خطوة بسيطة: — تقصدي إنه بدأ التردد؟ مرّت ابتسامة صغيرة على طرف فمها، بالكاد ظهرت. — أقصد إن وجودها صنع فرق… وهذا يكفي حاليًا. ظلّ صامتًا لحظة، كأنه يعيد ترتيب المعنى داخل رأسه. ثم قال بحذر:
في غرفة الاجتماعات الواسعة داخل المقر السري في الطابق ذاته، كان الصمت أثقل من أن يُحتمل. الجدران المكسوة بخشب داكن امتصّت الضوء الخافت، حتى بدا الهواء نفسه محصورًا بين الظلال. في منتصف القاعة امتدت طاولة طويلة من الزجاج الأسود، ينعكس فوق سطحها ملف مفتوح، تتناثر داخله صور رغد، صفحات مطبوعة، وملاحظات دقيقة كُتبت بعناية باردة. في أقصى الطاولة جلست امرأة شقراء، في منتصف الثلاثينات، بهدوء لا يحمل أي ارتخاء. أناقتها كانت حادة كأنها جزء من سلطتها؛ بدلة رمادية داكنة، شعر مصفف بعناية صارمة، وبشرة شديدة البياض تكاد تلتقط الضوء وحدها. أمامها وقف معاذ. ظهره مستقيم، كتفاه مشدودتان، ووجهه مغلق بإحكام، لكن الصمت الذي اختاره كان يكشف ما يحاول إخفاءه أكثر من أي تعبير مباشر. مرّت أصابعها ببطء فوق إحدى الصور الموضوعة أمامها، تتبع حوافها كما لو كانت تزن خطأً لا صورة. ثم رفعت نظرها إليه أخيرًا. حين تكلمت، خرج صوتها منخفضًا، ناعمًا على نحو جعل التهديد أشد حضورًا: — اتذكر اني اخبرتك ان تحل المشكلة من جذورها. ظلّ معاذ صامتًا لثوانٍ قصيرة، عيناه ثابتتان على الملف كأنه يتجنب الاصطدام المباشر بعينيها
لم تعرف كم مرّ من الوقت. في البداية، لم يكن هناك سوى صوت بعيد، متقطع، كأنه يصلها من خلف جدارٍ سميك؛ ارتطام معدني غير واضح، وخفق ثقيل داخل رأسها، ثم صمت يعود فيبتلع كل شيء. قبل أن تستعيد وعيها كاملًا، شعرت أولًا بالبرد. برد قاسٍ يتسلل إلى جلدها ببطء، يبدأ من معصميها ويصعد إلى ذراعيها. حاولت أن تتحرك. فشدّ الحديد معصميها بقوة مفاجئة، وارتد الألم على طول ذراعيها. فتحت عينيها ببطء، لكن الضوء المعلّق فوقها ضرب بصرها مباشرة، فاضطرت أن تغلقهما ثانية قبل أن تفتحهما بحذر أكبر. كانت الغرفة شبه غارقة في العتمة، لا يكسرها إلا ذلك المصباح الوحيد المتدلّي من السقف الخرساني، يسكب ضوءًا باهتًا فوق مساحة محدودة، تاركًا الزوايا غارقة في الظل. استغرقت ثواني طويلة حتى استقرت الصورة. جدار خرساني عارٍ. أرضية باردة خشنة. رائحة رطوبة معدنية ثقيلة في الهواء. وصمت خانق، كأن المكان نفسه معزول عن العالم. قفز الذعر إلى صدرها بعنف حتى شعرت أن قلبها اصطدم بضلعها من الداخل. اتسعت أنفاسها، قصيرة ومضطربة، فيما بدأت ذاكرتها تتجمع على هيئة صور متقطعة خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا، متكسرًا، كأنه خرج رغمًا عنها:
----مرّت الأيام التالية من الحفل بإيقاعٍ مزدحم، ساعات طويلة من التنقّل بين القاعات، الوجوه المتكررة، والأسئلة السريعة التي تفرضها التغطية الصحفية. كانت رغد تتحرك كما اعتادت؛ تلتقط الصور، تدوّن الملاحظات، وتنتقل من زاوية إلى أخرى دون أن تمنح نفسها فرصة للتوقف. ومع ذلك، ظلّ انتباهها يلتقطه على فتراتٍ متباعدة، كأن وجوده صار يظهر دائمًا في طرف المشهد، لا في مركزه. مرةً عند مدخل القاعة، واقفًا وحده يراقب الداخلين بصمت. ومرةً أخرى قرب الممر الجانبي، يتحدث قليلًا ثم يختفي قبل أن يلتفت إليه أحد. لم يكن يفعل شيئًا لافتًا بوضوح، لكن حضوره نفسه كان يحمل شيئًا يصعب تجاوزه؛ هالة تميزه وكأنه لا يشبه بقية الموجودين. في مساء اليوم الثالث، وبينما كانت تلتقط صورًا متتابعة قرب المنصة الرئيسية، التقطت عيناها مشهدًا جعلها تتوقف لحظة. كان يقف إلى جوار Cillian Murphy، الوجه الذي ملأ الشاشات والصحف مؤخرًا بعد تتويجه بالأوسكار. لكن ما شدّها لم يكن وجودهما معًا، بل الطريقة التي جرى بها الحديث بينهما. لم يكن يقف قربه كأحد الضيوف العابرين، ولا كمرافقٍ رسمي. كان الحديث بينهما قصيرًا، مركزًا، خاليًا من
كانت رغد تراقب المدينة من نافذة سيارة الأجرة بصمت، تتنقّل بعينيها بين الواجهات الزجاجية الممتدة، والأضواء المتشابكة، والوجوه العابرة على الأرصفة المزدحمة. رغم الأشهر التي قضتها هنا، ظلّ في داخلها شيءٌ يتعامل مع المكان كما لو أنه جديد؛ دهشة خافتة لا تختفي تمامًا، يتسلّل معها شعور آخر أكثر غموضًا، فراغٌ صغير لم تفهمه بعد. كانت تظن، يومًا ما، أن الوصول إلى أول أحلامها سيمنحها امتلاءً أكبر. لكن الأحلام حين تتحقق، لا تأتي دائمًا بالشكل الذي نتخيّله. التقط السائق شرودها عبر المرآة الأمامية، وظلّ يراقبها لحظات قبل أن يقول بإنجليزية ثقيلة ولهجة بريطانية واضحة: — أهذه أول مرة تأتين إلى هذا المكان؟ التفتت إليه بابتسامة خفيفة. — لا… لكن كل شيء فيه ما يزال يمنحني شعورًا بأنه جديد. رمقها بنظرة إعجابٍ سريعة. — لكنتك ممتازة جدًا… مكنتش متوقع. ضحكت بخفة، وعبر ذهنها ارتباك أيامها الأولى، حين كانت اللهجات تسبق فهمها بثوانٍ مربكة قبل أن تعتادها تدريجيًا. توقفت السيارة أمام بوابة The Savoy الفاخرة. كان المشهد وحده كافيًا لأن يصمت السائق أخيرًا، بينما دفعت هي الباب وخرجت تتنفس براحة قصيرة. لكن


![مُقَيَّدة بزعيم المافيا [ الكتاب الأول من سلسلة«Entangled»]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)




