登入اختفى كل شيء بالنسبة لها في ظلامٍ هادئ، لا صوت فيه ولا إحساس بالوقت.
ثم بدأت تستعيد وعيها ببطء، كأن الضوء يتسلل تدريجيًا إلى رأسها بعد نومٍ ثقيل لم تختره.
فتحت عينيها على غرفة لا تعرفها كانت واسعة، هادئة، يغمرها ضوء النهار. الأثاث أنيق وفخم، والجدران البيضاء الناعمة تعكس أشعة الشمس القادمة من النافذة الكبيرة، حتى بدا المكان مريحًا أكثر مما ينبغي، على نحوٍ أثار ارتباكها بدل أن يطمئنها.
ظلت مستلقية لثوانٍ، تحدق في السقف دون فهم، ثم اعتدلت ببطء وهي تلمس الغطاء فوقها، كأنها تتأكد أن ما تراه حقيقي.
ملامحها ازدادت توترًا وهي تنظر حولها. لا أثر للغرفة الخرسانية، ولا للقيود، ولا لذلك الضوء البارد الذي علِق في ذاكرتها.
نهضت من السرير بخطوات مترددة، واتجهت نحو الباب الزجاجي المؤدي إلى الشرفة.
.ما إن فتحته حتى اندفع الهواء إلى وجهها، نقيًا ومحمّلًا برائحة البحر.
وقفت لحظة تتأمل المشهد أمامها.
مياه زرقاء واسعة تمتد بلا نهاية، تلمع تحت الشمس، وفي البعيد ظهرت جزيرة صغيرة منعزلة وسط الامتداد الهادئ.
سحبت نفسًا عميقًا، لكنها لم تشعر بأي راحة.
أغلقت الباب وعادت إلى الداخل، ثم اتجهت نحو باب الغرفة الخارجي.
فتحته بحذر، وخرجت إلى ممر طويل هادئ، جدرانه مطلية بلون فاتح، وأرضيته الرخامية تعكس الضوء بخفوت.
بدأت تنزل درجات السلم الخشبي ببطء، وكل خطوة كانت تزيد توترها أكثر. وحين وصلت إلى الطابق السفلي، توقفت فجأة.
كان معاذ يجلس في بهو واسع على أريكة جلدية سوداء، ظهره مستقيم، وملامحه ساكنة على نحوٍ جعل حضوره يبدو وكأنه جزء من المكان نفسه.
رفع نظره إليها منذ اللحظة الأولى، ثم نهض بهدوء.
قال بصوت بارد:
— كنت انتظرك.
انعقد حاجباها فورًا، وردّت بنبرة مشحونة:
— هذا اغرب مكان يخطف المرء فيه، ماذا تريد؟
ظلّ ينظر إليها لثوانٍ قصيرة قبل أن يجيب:
— هذا هو المكان الذي ستبقين فيه خلال الفترة المقبلة.
نبرته الهادئة زادت انزعاجها أكثر.
— ماذا تقصد بأنني سأبقى هنا؟ أريد أن أفهم.
اقترب منها خطوة واحدة، ثم قال بثبات:
— نحن تابعون لمنظمة International Contract Agency… وهذه الجزيرة جزء من مقرّها.
رمشت بعدم استيعاب، ثم خرج صوتها أعلى:
— منظمة؟!.
— عليكِ أن تستوعبي بسرعة.
اشتد التوتر في ملامحها:
— وما علاقتي أنا بكل هذا؟
رفع عينيه إليها مباشرة:
— لأنكِ أصبحتِ جزءًا من الأمر.
هزّت رأسها بعصبية،
هذه المرة صار صوته أشد حسمًا:
— منذ اللحظة التي رأيتِ فيها ما حدث… انتهت حياتكِ القديمة.
وقعت الجملة عليها بثقل واضح. ظلّت تحدق فيه، وعيناها تحملان خليطًا من الصدمة والغضب والخوف.
اقترب قليلًا، من دون أن يرفع صوته:
— أمامكِ خياران:
إما أن تتعلمي العيش وفق القواعد الجديدة… أو تموتي.
تسارعت أنفاسها رغم محاولاتها التماسك.
— وهل تظن أنني قد أوافق على هذا؟
— موافقتكِ ليست ما سيحسم الأمر.
ساد الصمت بينهما للحظة.
أضاف:
— لديك ليلة كاملة لأستيعاب هذا الواقع الجديد.
كانت تنظر إليه وكأنها تحاول أن تفهم كيف يستطيع شخصٌ واحد أن يتحدث بكل هذا البرود بعد كل ما حدث.
بقيت عيناه ثابتتين عليها، بينما ظلت هي عاجزة عن الرد.
في الخارج كان البحر ساكنًا، لكن شيئًا في داخلها كان يضطرب أكثر مع كل كلمة.
---
مرت ساعات قليلة...
كان المكان غارقًا في سكونٍ ثقيل، لا يُسمع فيه سوى هدير البحر البعيد وهو يضرب الشاطئ بإيقاعٍ ثابت، كأن الليل كله يتنفس على مهل.
في الغرفة الواقعة بالطابق العلوي، جلست رغد على طرف السرير، والملف المفتوح أمامها فوق الغطاء الأبيض.
كانت تنظر إلى صفحاته للمرة نفسها منذ دقائق، من دون أن تشعر أنها استوعبت ما تقرأه فعلًا. الكلمات تمر أمام عينيها، لكنها تصطدم بشيء في داخلها يرفض التصديق.
صفحات مرتبة بعناية، معلومات مختصرة عن International Contract Agency، صور لعمليات قديمة، أدوات مراقبة دقيقة، أسماء بلا شرح، ثم صفحة مستقلة يتوسطها عنوان واضح:
برنامج التدريب الخاص — المرحلة الأولى
توقفت عيناها طويلًا عند العنوان.
بدت العبارة نفسها غريبة، كأنها تخص شخصًا آخر، لا تخصها هي.
أغلقت الملف فجأة، كأن مجرد بقائه مفتوحًا أمامها يضغط على صدرها أكثر.
سحبت نفسًا طويلًا، ثم نهضت تتحرك داخل الغرفة بخطوات غير منتظمة.
كل شيء حولها كان مرتبًا أكثر مما ينبغي؛ السرير، الطاولة الصغيرة، الستائر الثقيلة، وحتى الضوء الهادئ القادم من المصباح الجانبي. ذلك الهدوء نفسه كان يثير توترها، لأن المكان كله بدا كأنه مُعدّ بعناية لشخص يعرف أنه لن يغادر بسهولة.
اقتربت من النافذة، وضعت كفها على الزجاج، ثم نظرت إلى الخارج.
الليل ساكن، والبحر يمتد بعيدًا تحت ضوء القمر.
همست لنفسها، كأنها تثبت فكرة بدأت تتشكل أخيرًا:
— يجب أن أخرج من هنا.
استدارت نحو الباب، ووقفت لحظة تستمع.
لم يكن هناك صوت.
فتحت الباب ببطء شديد، حتى لا يُصدر أي احتكاك، ثم خرجت إلى الممر.
الإضاءة هناك كانت خافتة، تمتد على طول الجدران بلون أصفر هادئ، فيما انعكس ضوءها فوق الأرضية اللامعة.
تحركت على أطراف أصابعها، حريصة على أن تكون خطواتها أخف من أن تُسمع.
كلما اقتربت من السلم، ازداد خفقان قلبها.
نزلت الدرجة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة ببطء محسوب، وعيناها لا تفارقان الطابق السفلي.
وحين وصلت إلى آخر السلم، توقفت.
كان هناك.
مستلقٍ على الأريكة الجلدية السوداء في البهو، إحدى ذراعيه مرفوعة فوق عينيه، وجسده ساكن تمامًا.
على الطاولة القريبة منه استقر السلاح.
حبست أنفاسها فورًا.
بقيت مكانها لحظة، تتأكد إن كان نائمًا فعلًا.
لم يتحرك.
تحركت من خلفه بحذر شديد، كل خطوة منها كانت تبدو لها أعلى من حقيقتها.
حين اقتربت من الباب الرئيسي، مدت يدها إلى المقبض ببطء.
ضغطت عليه.
لم يتحرك.
نظرت بسرعة إلى لوحة إلكترونية صغيرة بجوار الباب.
كود رقمي.
جربت أن تضغط أزرارًا عشوائية، مرة ثم أخرى، لكن الباب بقي مغلقًا.
اتسعت عيناها، وشعرت بالإحباط يرتفع بسرعة إلى حلقها.
التفتت حولها بعصبية، تبحث عن أي مخرج آخر.
ثم رفعت رأسها فجأة.
الشرفة.
عادت أدراجها بخطوات أسرع، وصعدت السلم هذه المرة باضطراب واضح، حتى دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
اتجهت مباشرة إلى الشرفة، وفتحت الباب الزجاجي.
اندفع الهواء الليلي إلى وجهها ببرودة حادة، جعلت جسدها كله ينتفض.
وقفت عند الحافة، ونظرت إلى الأسفل.
المسافة لم تكن قصيرة كما تخيلت أول مرة، لكنها أيضًا لم تبدُ مستحيلة.
الأرض في الأسفل رملية، وربما تكون كافية لتخفف السقوط.
وضعت يديها على السور بقوة.
ظلت مترددة لثوانٍ، أنفاسها تتسارع، وأصابعها ترتجف.
ثم تمتمت بصوت منخفض، كأنها تدفع نفسها:
— لا يوجد وقت للتردد.
مدّت ساقها إلى الخارج بحذر، ثم بدأت تنزل.
كانت حركتها بطيئة، مرتبكة، لأن الخوف كان يسبقها في كل خطوة.
قدماها تبحثان عن موضع ثابت، وأصابعها مشدودة حول الحافة بكل ما تملك من قوة.
لكن في اللحظة التالية، انزلقت قدمها.
خرجت الصرخة من حلقها قبل أن تستطيع منعها.
— لااا!
سقط جسدها بقوة على الرمال.
الارتطام كان عنيفًا بما يكفي ليقطع أنفاسها للحظة، ثم جاء الألم.
حادًا، مباشرًا، اندفع من ساقها اليسرى إلى جسدها كله كأنه نار صاعدة.
شهقت بقوة، والتوت ساقها بطريقة جعلتها تدرك فورًا أن شيئًا أصابها.
مدّت يدها إليها بعفوية، لكن مجرد اللمس زاد الألم أكثر.
خرجت الدموع من عينيها من دون مقاومة، واختلطت أنفاسها المرتبكة بشهقات قصيرة متقطعة.
في الداخل، فتح معاذ عينيه على صوت السقوط.
اعتدل فورًا، كأن جسده سبق وعيه.
امتدت يده تلقائيًا نحو السلاح، ثم توقفت في منتصف الحركة.
أبعده جانبًا ونهض بسرعة، واتجه إلى الباب.
فتحه بعنف، وعيناه تبحثان مباشرة في الخارج حتى وقعتا عليها.
كانت ممددة على الرمال، جسدها ملتف قليلًا حول الألم.
خرج الاسم من فمه بلا تفكير:
— رغد.
هبط نحوها بسرعة، وجثا إلى جوارها.
كانت تحاول كتم بكائها، لكن الألم كان أقوى من أن يُخفى.
قالت بصوت متقطع:
— قدمي…
انقطعت أنفاسها، ثم أكملت بصعوبة:
— لا استطيع تحريكها…
نظر إلى ساقها بنظرة سريعة، وكانت الزاوية التي استقرت بها كافية ليفهم.
شدّ فكه، ثم رفع رأسه لحظة نحو الشرفة المفتوحة بالأعلى، كأنه يستوعب ما فعلته.
أخرج هاتفه فورًا.
وحين تكلم، جاء صوته أسرع من المعتاد، لكنه بقي منخفضًا:
— يجب ان تأتي حالًا… إصابة واضحة في الساق، غالبًا كسر.
أغلق الهاتف، ثم أعاد نظره إليها.
كانت دموعها ما تزال تنزل بصمت، وملامحها مشدودة من شدة الألم.
مدّ يده نحوها بحذر، وتوقف لحظة قصيرة قبل أن يثبتها تحت كتفها.
قال بهدوء حاسم:
— لا تتحركى.
رفعت عينيها إليه رغم الدموع، وفي تلك اللحظة بدت ملامحه مختلفة قليلًا؛ القسوة لم تختفِ، لكنها لم تكن وحدها الحاضرة.
كان هناك شيء آخر، شيء ثقيل، أقرب إلى ضيقٍ لم يعرف كيف يخفيه.
وفي الخلف، ظلّ البحر يواصل هديره المنتظم، بينما بقيت الشرفة العالية مفتوحة فوقهما تحت ضوء القمر، كأنها شاهدة صامتة على محاولة هروب انتهت أسرع مما تخيلت.
اختفى كل شيء بالنسبة لها في ظلامٍ هادئ، لا صوت فيه ولا إحساس بالوقت. ثم بدأت تستعيد وعيها ببطء، كأن الضوء يتسلل تدريجيًا إلى رأسها بعد نومٍ ثقيل لم تختره. فتحت عينيها على غرفة لا تعرفها كانت واسعة، هادئة، يغمرها ضوء النهار. الأثاث أنيق وفخم، والجدران البيضاء الناعمة تعكس أشعة الشمس القادمة من النافذة الكبيرة، حتى بدا المكان مريحًا أكثر مما ينبغي، على نحوٍ أثار ارتباكها بدل أن يطمئنها. ظلت مستلقية لثوانٍ، تحدق في السقف دون فهم، ثم اعتدلت ببطء وهي تلمس الغطاء فوقها، كأنها تتأكد أن ما تراه حقيقي. ملامحها ازدادت توترًا وهي تنظر حولها. لا أثر للغرفة الخرسانية، ولا للقيود، ولا لذلك الضوء البارد الذي علِق في ذاكرتها. نهضت من السرير بخطوات مترددة، واتجهت نحو الباب الزجاجي المؤدي إلى الشرفة. .ما إن فتحته حتى اندفع الهواء إلى وجهها، نقيًا ومحمّلًا برائحة البحر. وقفت لحظة تتأمل المشهد أمامها. مياه زرقاء واسعة تمتد بلا نهاية، تلمع تحت الشمس، وفي البعيد ظهرت جزيرة صغيرة منعزلة وسط الامتداد الهادئ. سحبت نفسًا عميقًا، لكنها لم تشعر بأي راحة. أغلقت الباب وعادت إلى الداخل، ثم اتجهت نحو باب ا
بعد خروج معاذ، ظلّ الصمت في الغرفة قائمًا لثوانٍ قليلة، قبل أن ينفتح الباب بهدوء محسوب. دخل رجل آخر، شرقيّ الملامح، يختلف حضوره عن معاذ تمامًا. شعره الأسود القصير كان مجعدًا قليلًا، وعيناه الخضراوان الداكنتان المخفية وراء نظراته الطبية تحملان هدوءًا حذرًا، بينما منحته بشرته الحنطية مظهرًا أكثر دفئًا من برودة المكان. كان لا يزال يرتدي معطفه الطبي الأبيض، مفتوحًا فوق ملابس داكنة، كأن حضوره جاء مباشرة من مكان آخر داخل المبنى. تقدم حتى توقف أمام المكتب. في الجهة المقابلة، كانت نتاشا ما تزال جالسة، منحنية قليلًا فوق الملف، تقلب إحدى الصفحات ببطء، كأن دخولَه لم يقطع شيئًا من تركيزها. انتظر لحظة قصيرة قبل أن يتكلم: — تلك أول مرة أراه يتجاهل أمرًا بهذا الشكل. رفعت عينيها نحوه ببطء. نظرتها جاءت مستقرة، باردة، لكن في عمقها لمع شيء قريب من الرضا الخافت. — وكنتُ أنتظر متى سيحدث ذلك. اقترب يحيى خطوة بسيطة: — تقصدي إنه بدأ التردد؟ مرّت ابتسامة صغيرة على طرف فمها، بالكاد ظهرت. — أقصد إن وجودها صنع فرق… وهذا يكفي حاليًا. ظلّ صامتًا لحظة، كأنه يعيد ترتيب المعنى داخل رأسه. ثم قال بحذر:
في غرفة الاجتماعات الواسعة داخل المقر السري في الطابق ذاته، كان الصمت أثقل من أن يُحتمل. الجدران المكسوة بخشب داكن امتصّت الضوء الخافت، حتى بدا الهواء نفسه محصورًا بين الظلال. في منتصف القاعة امتدت طاولة طويلة من الزجاج الأسود، ينعكس فوق سطحها ملف مفتوح، تتناثر داخله صور رغد، صفحات مطبوعة، وملاحظات دقيقة كُتبت بعناية باردة. في أقصى الطاولة جلست امرأة شقراء، في منتصف الثلاثينات، بهدوء لا يحمل أي ارتخاء. أناقتها كانت حادة كأنها جزء من سلطتها؛ بدلة رمادية داكنة، شعر مصفف بعناية صارمة، وبشرة شديدة البياض تكاد تلتقط الضوء وحدها. أمامها وقف معاذ. ظهره مستقيم، كتفاه مشدودتان، ووجهه مغلق بإحكام، لكن الصمت الذي اختاره كان يكشف ما يحاول إخفاءه أكثر من أي تعبير مباشر. مرّت أصابعها ببطء فوق إحدى الصور الموضوعة أمامها، تتبع حوافها كما لو كانت تزن خطأً لا صورة. ثم رفعت نظرها إليه أخيرًا. حين تكلمت، خرج صوتها منخفضًا، ناعمًا على نحو جعل التهديد أشد حضورًا: — اتذكر اني اخبرتك ان تحل المشكلة من جذورها. ظلّ معاذ صامتًا لثوانٍ قصيرة، عيناه ثابتتان على الملف كأنه يتجنب الاصطدام المباشر بعينيها
لم تعرف كم مرّ من الوقت. في البداية، لم يكن هناك سوى صوت بعيد، متقطع، كأنه يصلها من خلف جدارٍ سميك؛ ارتطام معدني غير واضح، وخفق ثقيل داخل رأسها، ثم صمت يعود فيبتلع كل شيء. قبل أن تستعيد وعيها كاملًا، شعرت أولًا بالبرد. برد قاسٍ يتسلل إلى جلدها ببطء، يبدأ من معصميها ويصعد إلى ذراعيها. حاولت أن تتحرك. فشدّ الحديد معصميها بقوة مفاجئة، وارتد الألم على طول ذراعيها. فتحت عينيها ببطء، لكن الضوء المعلّق فوقها ضرب بصرها مباشرة، فاضطرت أن تغلقهما ثانية قبل أن تفتحهما بحذر أكبر. كانت الغرفة شبه غارقة في العتمة، لا يكسرها إلا ذلك المصباح الوحيد المتدلّي من السقف الخرساني، يسكب ضوءًا باهتًا فوق مساحة محدودة، تاركًا الزوايا غارقة في الظل. استغرقت ثواني طويلة حتى استقرت الصورة. جدار خرساني عارٍ. أرضية باردة خشنة. رائحة رطوبة معدنية ثقيلة في الهواء. وصمت خانق، كأن المكان نفسه معزول عن العالم. قفز الذعر إلى صدرها بعنف حتى شعرت أن قلبها اصطدم بضلعها من الداخل. اتسعت أنفاسها، قصيرة ومضطربة، فيما بدأت ذاكرتها تتجمع على هيئة صور متقطعة خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا، متكسرًا، كأنه خرج رغمًا عنها:
----مرّت الأيام التالية من الحفل بإيقاعٍ مزدحم، ساعات طويلة من التنقّل بين القاعات، الوجوه المتكررة، والأسئلة السريعة التي تفرضها التغطية الصحفية. كانت رغد تتحرك كما اعتادت؛ تلتقط الصور، تدوّن الملاحظات، وتنتقل من زاوية إلى أخرى دون أن تمنح نفسها فرصة للتوقف. ومع ذلك، ظلّ انتباهها يلتقطه على فتراتٍ متباعدة، كأن وجوده صار يظهر دائمًا في طرف المشهد، لا في مركزه. مرةً عند مدخل القاعة، واقفًا وحده يراقب الداخلين بصمت. ومرةً أخرى قرب الممر الجانبي، يتحدث قليلًا ثم يختفي قبل أن يلتفت إليه أحد. لم يكن يفعل شيئًا لافتًا بوضوح، لكن حضوره نفسه كان يحمل شيئًا يصعب تجاوزه؛ هالة تميزه وكأنه لا يشبه بقية الموجودين. في مساء اليوم الثالث، وبينما كانت تلتقط صورًا متتابعة قرب المنصة الرئيسية، التقطت عيناها مشهدًا جعلها تتوقف لحظة. كان يقف إلى جوار Cillian Murphy، الوجه الذي ملأ الشاشات والصحف مؤخرًا بعد تتويجه بالأوسكار. لكن ما شدّها لم يكن وجودهما معًا، بل الطريقة التي جرى بها الحديث بينهما. لم يكن يقف قربه كأحد الضيوف العابرين، ولا كمرافقٍ رسمي. كان الحديث بينهما قصيرًا، مركزًا، خاليًا من
كانت رغد تراقب المدينة من نافذة سيارة الأجرة بصمت، تتنقّل بعينيها بين الواجهات الزجاجية الممتدة، والأضواء المتشابكة، والوجوه العابرة على الأرصفة المزدحمة. رغم الأشهر التي قضتها هنا، ظلّ في داخلها شيءٌ يتعامل مع المكان كما لو أنه جديد؛ دهشة خافتة لا تختفي تمامًا، يتسلّل معها شعور آخر أكثر غموضًا، فراغٌ صغير لم تفهمه بعد. كانت تظن، يومًا ما، أن الوصول إلى أول أحلامها سيمنحها امتلاءً أكبر. لكن الأحلام حين تتحقق، لا تأتي دائمًا بالشكل الذي نتخيّله. التقط السائق شرودها عبر المرآة الأمامية، وظلّ يراقبها لحظات قبل أن يقول بإنجليزية ثقيلة ولهجة بريطانية واضحة: — أهذه أول مرة تأتين إلى هذا المكان؟ التفتت إليه بابتسامة خفيفة. — لا… لكن كل شيء فيه ما يزال يمنحني شعورًا بأنه جديد. رمقها بنظرة إعجابٍ سريعة. — لكنتك ممتازة جدًا… مكنتش متوقع. ضحكت بخفة، وعبر ذهنها ارتباك أيامها الأولى، حين كانت اللهجات تسبق فهمها بثوانٍ مربكة قبل أن تعتادها تدريجيًا. توقفت السيارة أمام بوابة The Savoy الفاخرة. كان المشهد وحده كافيًا لأن يصمت السائق أخيرًا، بينما دفعت هي الباب وخرجت تتنفس براحة قصيرة. لكن







