Compartilhar

قسوة هشة

last update Data de publicação: 2026-08-11 13:07:53

 بعد خروج معاذ، ظلّ الصمت في الغرفة قائمًا لثوانٍ قليلة، قبل أن ينفتح الباب بهدوء محسوب.

 دخل رجل آخر، شرقيّ الملامح، يختلف حضوره عن معاذ تمامًا.

 شعره الأسود القصير كان مجعدًا قليلًا، وعيناه الخضراوان الداكنتان المخفية وراء نظراته الطبية تحملان هدوءًا حذرًا، بينما منحته بشرته الحنطية مظهرًا أكثر دفئًا من برودة المكان.

 كان لا يزال يرتدي معطفه الطبي الأبيض، مفتوحًا فوق ملابس داكنة، كأن حضوره جاء مباشرة من مكان آخر داخل المبنى.

 تقدم حتى توقف أمام المكتب.

 في الجهة المقابلة، كانت نتاشا ما تزال جالسة، منحنية قليلًا فوق الملف، تقلب إحدى الصفحات ببطء، كأن دخولَه لم يقطع شيئًا من تركيزها.

 انتظر لحظة قصيرة قبل أن يتكلم:

 — تلك أول مرة أراه يتجاهل أمرًا بهذا الشكل.

 رفعت عينيها نحوه ببطء.

 نظرتها جاءت مستقرة، باردة، لكن في عمقها لمع شيء قريب من الرضا الخافت.

 — وكنتُ أنتظر متى سيحدث ذلك.

 اقترب يحيى خطوة بسيطة:

 — تقصدي إنه بدأ التردد؟

 مرّت ابتسامة صغيرة على طرف فمها، بالكاد ظهرت.

 — أقصد إن وجودها صنع فرق… وهذا يكفي حاليًا.

 ظلّ صامتًا لحظة، كأنه يعيد ترتيب المعنى داخل رأسه.

 ثم قال بحذر:

 ما يزال من المبكر الوصول إلى استنتاج كهذا.

 أغلقت الملف أمامها بهدوء.

 — أنا لم أستنتج… بل أُخمّن.

 نهضت ببطء، وأسندت كفّيها على حافة المكتب.

 الضوء الجانبي التقط زرقة عينيها بوضوح أكبر.

 — المصادفة الوحيدة المفيدة حقًا… هي تلك التي تعرف كيف تستغلها قبل أن تتبخر.

 راقبها يحيى بصمت.

 كان يعرف تلك النبرة جيدًا.

 النبرة التي تسبق دائمًا شيئًا أكبر مما تقوله.

 قال:

 — لديك تصور؟

 رفعت رأسها قليلًا.

 — وإن استمر على هذا النحو… فسيكون لدينا أول خلل حقيقي فيه منذ سنوات.

 ثم أضافت، بنبرة هادئة تمامًا:

 — والخلل… يبني عليه.

 ظلّ يراقبها.

 في عينيه مرّ تردد واضح.

 — لكن الأمر قد يخرج عن السيطرة.

 جاء ردّها فورًا، بلا أدنى تردد:

 — كل شيء قد يخرج عن السيطرة… إن تركته يتحرك وحده.

 ثم أعادت نظرها إلى الملف.

 وفي هذه المرة، استقرّت عيناها على صورة رغد.

 — ولهذا السبب… سنبقى قريبين.

 ساد الصمت ثانية.

 ثم قال يحيى، بصوت أخفض:

 — سنرى.

 لم ترفع رأسها.

 لكن الابتسامة الخفيفة عادت إلى شفتيها.

 بينما بقي عقلها يتحرك أبعد من الغرفة كلها، حيث الاحتمالات تتفرع…

 وكل طريق تقريبًا، في نظرها، قابل لأن ينتهي لصالحها.

 ---

 في زاوية أخرى من المبنى، داخل الغرفة نفسها التي لم يتغيّر فيها شيء سوى ثقل الوقت، بقيت رغد جالسة على طرف السرير المعدني، ظهرها مشدود، ويديها متشابكتان بقوة فوق ركبتيها.

 الإضاءة الخافتة جعلت الجدران الخرسانية أكثر برودة، حتى بدا المكان كله كأنه يحتفظ بالصمت عمدًا.

 منذ خروجه، لم تستطع أن تحدد كم مرّ من الوقت.

 الدقائق هناك فقدت شكلها.

 كل ما كانت تسمعه هو صوت أنفاسها، وأحيانًا ارتطامًا بعيدًا غير واضح يأتي من مكان ما خلف الجدران.

 لكن عينيها لم تفارقا الباب.

 كلما طال الصمت، ازداد الترقب ثقلاً.

 وحين انفتح أخيرًا، انتفض جسدها قبل أن تدرك ذلك.

 دخل معاذ.

 خطواته جاءت ثابتة، هادئة، على نحو زاد توترها أكثر مما لو دخل بعجلة.

 توقف عند العتبة لثانية قصيرة، ثم أغلق الباب خلفه.

 ملامحه بقيت مغلقة، باردة، لا تسمح بأي قراءة واضحة.

 وقفت فورًا، دون أن تشعر أنها فعلت.

 قالت، والسخرية المرتبكة تسبق خوفها:

 — ماذا… هل غيّرت رأيك؟ وقررت أخيرًا أن تقتلني؟

 لم يجب...

 بدأ يقترب....خطوة.

 ثم أخرى.

 ومع كل اقتراب، كانت هي تتراجع دون وعي حتى لامست ساقاها حافة السرير.

 عيناه بقيتا ثابتتين عليها.

 هادئتين أكثر مما يحتمل الموقف.

 وحين صار قريبًا بما يكفي، خرج صوته أخيرًا، منخفضًا جدًا، كأنه انتزع الجملة من مكان لا يحب أن يعود إليه:

 — آسف.

 لم تفهم.

 ارتفع حاجباها تلقائيًا، وفي اللحظة نفسها لمحت اللمعة المعدنية الصغيرة بين أصابعه.

 تأخرت لحظة واحدة فقط.

 لكنها كانت كافية.

 غرز الإبرة في ذراعها بحركة سريعة، دقيقة.

 شهقت، ومدّت يدها تدفعه بغريزة مرتبكة.

 — إنت… ماذا… تفعل…؟

 خرج صوتها متقطعًا، مثقلًا بالارتباك أكثر من القوة.

 حاولت الابتعاد، لكن جسدها بدأ يخذلها أسرع مما توقعت.

 شعرت أولًا بثقل غريب في أطرافها.

 ثم اهتزّ الضوء أمام عينيها قليلًا.

 ثم انخفضت الأرض تحتها.

 مدّ يده فورًا قبل أن تسقط.

 استقرت بين ذراعيه رغم مقاومتها الضعيفة، ورأسها مال على صدره دون قدرة على التماسك.

 بدأت الرؤية تتشوش تدريجيًا.

 والأصوات تبتعد.

 وعند حافة وعيها، جاءها صوته مرة أخرى، أخفض من قبل:

 — ما كان من قبل قد انتهى.

 توقف لحظة قصيرة.

 ثم أضاف:

 — ولم يعد هناك طريق يعيدك إليه.

 لم تعرف إن كانت سمعت الجملة كاملة أم لا.

 كل شيء بدأ يبتعد.

 ظلّ ممسكًا بها لحظة أطول مما احتاجه الموقف.

 في داخله مرّ ذلك الإحساس نفسه الذي لم يجد له تفسيرًا واضحًا منذ رآها تسقط أمامه في الشارع؛ شيء غير مريح، يشبه الذنب لكنه ليس هو تمامًا.

 خفضها برفق فوق السرير.

 تأمل ملامحها للحظة قصيرة؛ الارتجاف الخفيف الذي لم يختفِ تمامًا من أطرافها، وشحوب وجهها الذي ما زال يحمل أثر الذعر.

 ثم استدار.

 خرج من الغرفة كما دخل.

 هادئًا.

 لكن هذه المرة، لم يكن الصمت خلفه شبيهًا بالصمت الذي دخل به.

 ---

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • الجانب الآخر    صدمة...

    اختفى كل شيء بالنسبة لها في ظلامٍ هادئ، لا صوت فيه ولا إحساس بالوقت. ثم بدأت تستعيد وعيها ببطء، كأن الضوء يتسلل تدريجيًا إلى رأسها بعد نومٍ ثقيل لم تختره. فتحت عينيها على غرفة لا تعرفها كانت واسعة، هادئة، يغمرها ضوء النهار. الأثاث أنيق وفخم، والجدران البيضاء الناعمة تعكس أشعة الشمس القادمة من النافذة الكبيرة، حتى بدا المكان مريحًا أكثر مما ينبغي، على نحوٍ أثار ارتباكها بدل أن يطمئنها. ظلت مستلقية لثوانٍ، تحدق في السقف دون فهم، ثم اعتدلت ببطء وهي تلمس الغطاء فوقها، كأنها تتأكد أن ما تراه حقيقي. ملامحها ازدادت توترًا وهي تنظر حولها. لا أثر للغرفة الخرسانية، ولا للقيود، ولا لذلك الضوء البارد الذي علِق في ذاكرتها. نهضت من السرير بخطوات مترددة، واتجهت نحو الباب الزجاجي المؤدي إلى الشرفة. .ما إن فتحته حتى اندفع الهواء إلى وجهها، نقيًا ومحمّلًا برائحة البحر. وقفت لحظة تتأمل المشهد أمامها. مياه زرقاء واسعة تمتد بلا نهاية، تلمع تحت الشمس، وفي البعيد ظهرت جزيرة صغيرة منعزلة وسط الامتداد الهادئ. سحبت نفسًا عميقًا، لكنها لم تشعر بأي راحة. أغلقت الباب وعادت إلى الداخل، ثم اتجهت نحو باب ا

  • الجانب الآخر    قسوة هشة

    بعد خروج معاذ، ظلّ الصمت في الغرفة قائمًا لثوانٍ قليلة، قبل أن ينفتح الباب بهدوء محسوب. دخل رجل آخر، شرقيّ الملامح، يختلف حضوره عن معاذ تمامًا. شعره الأسود القصير كان مجعدًا قليلًا، وعيناه الخضراوان الداكنتان المخفية وراء نظراته الطبية تحملان هدوءًا حذرًا، بينما منحته بشرته الحنطية مظهرًا أكثر دفئًا من برودة المكان. كان لا يزال يرتدي معطفه الطبي الأبيض، مفتوحًا فوق ملابس داكنة، كأن حضوره جاء مباشرة من مكان آخر داخل المبنى. تقدم حتى توقف أمام المكتب. في الجهة المقابلة، كانت نتاشا ما تزال جالسة، منحنية قليلًا فوق الملف، تقلب إحدى الصفحات ببطء، كأن دخولَه لم يقطع شيئًا من تركيزها. انتظر لحظة قصيرة قبل أن يتكلم: — تلك أول مرة أراه يتجاهل أمرًا بهذا الشكل. رفعت عينيها نحوه ببطء. نظرتها جاءت مستقرة، باردة، لكن في عمقها لمع شيء قريب من الرضا الخافت. — وكنتُ أنتظر متى سيحدث ذلك. اقترب يحيى خطوة بسيطة: — تقصدي إنه بدأ التردد؟ مرّت ابتسامة صغيرة على طرف فمها، بالكاد ظهرت. — أقصد إن وجودها صنع فرق… وهذا يكفي حاليًا. ظلّ صامتًا لحظة، كأنه يعيد ترتيب المعنى داخل رأسه. ثم قال بحذر:

  • الجانب الآخر    عالم مظلم...

    في غرفة الاجتماعات الواسعة داخل المقر السري في الطابق ذاته، كان الصمت أثقل من أن يُحتمل. الجدران المكسوة بخشب داكن امتصّت الضوء الخافت، حتى بدا الهواء نفسه محصورًا بين الظلال. في منتصف القاعة امتدت طاولة طويلة من الزجاج الأسود، ينعكس فوق سطحها ملف مفتوح، تتناثر داخله صور رغد، صفحات مطبوعة، وملاحظات دقيقة كُتبت بعناية باردة. في أقصى الطاولة جلست امرأة شقراء، في منتصف الثلاثينات، بهدوء لا يحمل أي ارتخاء. أناقتها كانت حادة كأنها جزء من سلطتها؛ بدلة رمادية داكنة، شعر مصفف بعناية صارمة، وبشرة شديدة البياض تكاد تلتقط الضوء وحدها. أمامها وقف معاذ. ظهره مستقيم، كتفاه مشدودتان، ووجهه مغلق بإحكام، لكن الصمت الذي اختاره كان يكشف ما يحاول إخفاءه أكثر من أي تعبير مباشر. مرّت أصابعها ببطء فوق إحدى الصور الموضوعة أمامها، تتبع حوافها كما لو كانت تزن خطأً لا صورة. ثم رفعت نظرها إليه أخيرًا. حين تكلمت، خرج صوتها منخفضًا، ناعمًا على نحو جعل التهديد أشد حضورًا: — اتذكر اني اخبرتك ان تحل المشكلة من جذورها. ظلّ معاذ صامتًا لثوانٍ قصيرة، عيناه ثابتتان على الملف كأنه يتجنب الاصطدام المباشر بعينيها

  • الجانب الآخر    الكابوس

    لم تعرف كم مرّ من الوقت. في البداية، لم يكن هناك سوى صوت بعيد، متقطع، كأنه يصلها من خلف جدارٍ سميك؛ ارتطام معدني غير واضح، وخفق ثقيل داخل رأسها، ثم صمت يعود فيبتلع كل شيء. قبل أن تستعيد وعيها كاملًا، شعرت أولًا بالبرد. برد قاسٍ يتسلل إلى جلدها ببطء، يبدأ من معصميها ويصعد إلى ذراعيها. حاولت أن تتحرك. فشدّ الحديد معصميها بقوة مفاجئة، وارتد الألم على طول ذراعيها. فتحت عينيها ببطء، لكن الضوء المعلّق فوقها ضرب بصرها مباشرة، فاضطرت أن تغلقهما ثانية قبل أن تفتحهما بحذر أكبر. كانت الغرفة شبه غارقة في العتمة، لا يكسرها إلا ذلك المصباح الوحيد المتدلّي من السقف الخرساني، يسكب ضوءًا باهتًا فوق مساحة محدودة، تاركًا الزوايا غارقة في الظل. استغرقت ثواني طويلة حتى استقرت الصورة. جدار خرساني عارٍ. أرضية باردة خشنة. رائحة رطوبة معدنية ثقيلة في الهواء. وصمت خانق، كأن المكان نفسه معزول عن العالم. قفز الذعر إلى صدرها بعنف حتى شعرت أن قلبها اصطدم بضلعها من الداخل. اتسعت أنفاسها، قصيرة ومضطربة، فيما بدأت ذاكرتها تتجمع على هيئة صور متقطعة خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا، متكسرًا، كأنه خرج رغمًا عنها:

  • الجانب الآخر    من يكون؟

    ----مرّت الأيام التالية من الحفل بإيقاعٍ مزدحم، ساعات طويلة من التنقّل بين القاعات، الوجوه المتكررة، والأسئلة السريعة التي تفرضها التغطية الصحفية. كانت رغد تتحرك كما اعتادت؛ تلتقط الصور، تدوّن الملاحظات، وتنتقل من زاوية إلى أخرى دون أن تمنح نفسها فرصة للتوقف. ومع ذلك، ظلّ انتباهها يلتقطه على فتراتٍ متباعدة، كأن وجوده صار يظهر دائمًا في طرف المشهد، لا في مركزه. مرةً عند مدخل القاعة، واقفًا وحده يراقب الداخلين بصمت. ومرةً أخرى قرب الممر الجانبي، يتحدث قليلًا ثم يختفي قبل أن يلتفت إليه أحد. لم يكن يفعل شيئًا لافتًا بوضوح، لكن حضوره نفسه كان يحمل شيئًا يصعب تجاوزه؛ هالة تميزه وكأنه لا يشبه بقية الموجودين. في مساء اليوم الثالث، وبينما كانت تلتقط صورًا متتابعة قرب المنصة الرئيسية، التقطت عيناها مشهدًا جعلها تتوقف لحظة. كان يقف إلى جوار Cillian Murphy، الوجه الذي ملأ الشاشات والصحف مؤخرًا بعد تتويجه بالأوسكار. لكن ما شدّها لم يكن وجودهما معًا، بل الطريقة التي جرى بها الحديث بينهما. لم يكن يقف قربه كأحد الضيوف العابرين، ولا كمرافقٍ رسمي. كان الحديث بينهما قصيرًا، مركزًا، خاليًا من

  • الجانب الآخر    صدفة عابره...💝

    كانت رغد تراقب المدينة من نافذة سيارة الأجرة بصمت، تتنقّل بعينيها بين الواجهات الزجاجية الممتدة، والأضواء المتشابكة، والوجوه العابرة على الأرصفة المزدحمة. رغم الأشهر التي قضتها هنا، ظلّ في داخلها شيءٌ يتعامل مع المكان كما لو أنه جديد؛ دهشة خافتة لا تختفي تمامًا، يتسلّل معها شعور آخر أكثر غموضًا، فراغٌ صغير لم تفهمه بعد. كانت تظن، يومًا ما، أن الوصول إلى أول أحلامها سيمنحها امتلاءً أكبر. لكن الأحلام حين تتحقق، لا تأتي دائمًا بالشكل الذي نتخيّله. التقط السائق شرودها عبر المرآة الأمامية، وظلّ يراقبها لحظات قبل أن يقول بإنجليزية ثقيلة ولهجة بريطانية واضحة: — أهذه أول مرة تأتين إلى هذا المكان؟ التفتت إليه بابتسامة خفيفة. — لا… لكن كل شيء فيه ما يزال يمنحني شعورًا بأنه جديد. رمقها بنظرة إعجابٍ سريعة. — لكنتك ممتازة جدًا… مكنتش متوقع. ضحكت بخفة، وعبر ذهنها ارتباك أيامها الأولى، حين كانت اللهجات تسبق فهمها بثوانٍ مربكة قبل أن تعتادها تدريجيًا. توقفت السيارة أمام بوابة The Savoy الفاخرة. كان المشهد وحده كافيًا لأن يصمت السائق أخيرًا، بينما دفعت هي الباب وخرجت تتنفس براحة قصيرة. لكن

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status