Share

part 3

last update publish date: 2026-07-03 17:08:29

لم يكن الصباح في بيت ندى يبدأ بنور الشمس، بل بزئير المنبه المزعج الذي ينطلق من هاتفها ذو الشاشة المشروخة ليشق سكون الغرفة الضيقة. فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقل النوم لا يزال يداعب جفونها، لكنها لم تملك ترف البقاء في الفراش لدقيقة إضافية. أزاحت اللحاف الباهت

ووقفت على الأرضية الإسمنتية الباردة التي جعلت قشعريرة تسري في جسدها، ثم توجهت مباشرة نحو المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط الخشبي لدولابها القديم.

رغم قسوة الفقر والظروف المحيطة بها، إلا أن المرآة كانت تعكس كل صباح لوحة ربانية بديعة لم تستطع الأيام المضنية أن تمحو سحرها.

نظرت ندى إلى وجهها المتعب؛ كانت تملك بشرة بيضاء صافية كالحليب، تعتني بها بوسائلها البسيطة والبدائية؛

قطرات من ماء الورد تضعها قبل النوم، وبقايا زيت زيتون تمسح به وجنتيها لتظل ناعمة رغماً عن حرارة الأفران وغبار الشوارع. رفعت يدها لتزيح خصلات شعرها الذهبي الغزير الذي كان يتدلى على كتفيها كشلال من خيوط الشمس، وهو شعر ناعم تحرص على تمشيطه الطويل كل صباح ليظل محتفظاً ببريقه رغماً عن قلة الإمكانيات.

تأملت عينيها البنيتين الواسعتين اللتين تشبهان حبات اللوز في دافئهما، واللتين كانتا تتطابقان تماماً مع لون حواجبهما الكثيفة المرسومة بدقة طبيعية دون حاجة لأي مساحيق تجميل. كان جمالها هادئاً، فادحاً، ونقياً، يبرز وسط جدران الغرفة المقشرة كزهرة نمت في شق صخرة متهالكة.

فتحت الدولاب، وأخرجت فستانها الوردي المفضّل. كان فستاناً قطنياً بسيطاً، قديماً بعض الشيء وبهت لونه الوردي الرقيق قليلاً من كثرة الغسيل، لكنه كان يلتف حول جسدها المتناسق بنعومة ويمنحها مظهراً يفيض بالأنوثة والبراءة. أصلحت ياقتُه المستديرة، وربطت حزامه القماشي حول خصرها الصغير،

ثم لفت شعرها الذهبي في كعكة مرتفعة وأبقت بعض الخصلات متمردة على جبينها.

خرجت من غرفتها بخطوات حذرة، متوجهة نحو المطبخ لإعداد كوب من الشاي الدافئ يسند طولها قبل الخروج،

لكن صوت وقع خطواتها أيقظ المرأة الرابضة في الغرفة الرئيسية. انفتح الباب بعنف، وخرجت منها زوجة أبيها المتوفى، تلك المرأة التي كانت ندى تظنها أمها وتتحمل قسوتها لسنوات طويلة دون أن تدري أن رحِمها لم يحملها يوماً. وقفت المرأة واضعة يديها في وسطها، وعيناها الضيقتان

تتأملان فستان ندى الوردي بنظرات يملأها الغل والحقد:

"هو أنتِ قايمة على ملاش ملايكتك كدة؟ وشك منور وفستان وردي وعاملة فيها هانم.. فاكرة نفسك رايحة جنينة؟ اخلصي فزي اعملي لقمة ناكلها قبل ما تغوري على دكان القهوة بتاعك ده!"

تراجعت ندى خطوة للخلف، وانخفضت عيناها البنيتان إلى الأرض، وقالت بصوت هادئ ومطيع يحمل انكساراً مألوفاً:

"حاضر يا أمي.. الشاي بيغلي اهو، هحط لك الجبنة والعيش على التربيزة قبل ما أنزل."

نهرتها المرأة بقسوة وهي تتجه نحو الأريكة:

"أمي لما تؤمك! اخلصي مش عايزة لوع.. ومترجعيش بالليل وايدك فاضية، الإيجار فاضل عليه يومين والست صاحبة البيت مش هترحمنا، فاهمة ولا لا؟"

"فاهمة يا أمي، حاضر"،

قالتها ندى والغصة تكاد تخنقها.

وضعت الطعام بسرعة على الطاولة الخشبية، ولم تذق هي قطرة ماء واحدة. التفتت وحملت حقيبتها القماشية، وخرجت من باب الشقة وهي تجر خلفها خيبة أمل جديدة، متسائلة في سرها لماذا تعاملها هذه المرأة بكل هذا الجفاء، ولماذا لا تجد في حضنها الدفء الذي تسمع عنه في قصص الأمهات.

على الجانب الآخر من المدينة، وفي التوقيت ذاته، كان الصباح في القصر الشاهق يبدأ بطقوس صارمة وأنيقة كأنها مراسم عسكرية لا تقبل الخطأ. استيقظ أدهم مع دقات السابعة صباحاً. نهض من سريره الملكي الواسع،

ودخل الحمام الملحق بغرفته والمصنوع بالكامل من الرخام الإيطالي الأسود. وقف تحت المياه الدافئة لعدة دقائق ليطرد بقايا النوم عن جسده، ثم خرج واضعاً منشفة بيضاء ناصعة حول خصره.

توجه نحو غرفة الملابس الشاسعة، والتي كانت أشبه بمتجر فاخر للملابس الرجالية الراقية. كانت البدلات السوداء والكحلية معلقة بنظام هندسي دقيق، والقمصان البيضاء مصطفة بعد كَيّها بعناية فائقة.

اختار بدلة سوداء كلاسيكية من قماش الصوف الفاخر، وارتدى قميصاً أبيض ناصعاً بياقة منشاة. بدأ في إغلاق أزرار القميص واحداً تلو الآخر بتمهل وثبات، وعيناه مثبتتان في المرآة الضخمة التي أمامه.

ارتدى سترته، وأصلح ياقة البدلة لتقع بدقة متناهية فوق كتفيه العريضين. مشى نحو درج زجاجي مخصص للساعات الفاخرة والمجوهرات؛ أخرج ساعته الميكانيكية السويسرية النادرة المصنوعة من الذهب الأبيض والبلاتين،

والتي يتجاوز ثمنها ميزانية حي كامل من أحياء المدينة. وضعها حول معصمه وقفل سوارها الجلدي الفاخر بصوت "تكة" خفيفة ترمز للدقة والوقت الذي لا يرحم. رش عطرًا فرنسيًا قويًا يفوح برائحة الأخشاب النادرة والتبغ الفاخر، عطر يترك أثراً في المكان لفترة طويلة بعد مغادرته.

تأمل نفسه في المرآة؛ ملامحه الحادة، شعره الأسود الكثيف المصفف بعناية، وعيناه القاسيتان اللتان لا تظهران أي مشاعر. كان يبدو كقائد مستعد لخوض معركة مالية جديدة.

خرج من الغرفة ونزل السلم الرخامي العريض بخطوات منتظمة رنانة. في نهاية السلم، كانت تقف "جليلة"، رئيسة الخدم ومنظمة القصر الكبيرة،

وهي امرأة في الخمسين من عمرها، ترتدي زياً أسود موحداً وأنيقاً، وتمتاز بملامحها الجادة والمنظمة التي تناسب طبيعة القصر. انحنت جليلة باحترام وقالت بصوت هادئ ومنخفض:

"صباح الخير يا أدهم بيه. الفطار جاهز ومحطوط في قةضه السفره زي ما حضرتك طلبت."

أومأ أدهم برأسه ببرود دون أن يتكلم:

"شكراً يا جليلة. السائق برة؟"

"أيوا يا فندم، عم حسن مستني حضرتك من ربع ساعة والسيارة جاهزة"، أجابت جليلة وهي تتراجع لتفسح له الطريق.

توجه أدهم نحو غرفة الطعام الواسعة. كانت الغرفة تحتوي على طاولة خشبية عملاقة تتسع لأكثر من عشرين شخصاً،

مصنوعة من الخشب الأبنوسي المصقول وتتوسطها ثريا كريستالية ضخمة غير مضاءة، إذ كان نور الشمس الخفيف يتسلل من النوافذ الزجاجية العملاقة ليعطي المكان هالة باردة.

جلس أدهم في رأس الطاولة بمفرده، مترئساً الفراغ الشاسع من حوله. وضعت أمامه أطباق فضية صغيرة تحتوي على فطور صحي ومحدد بدقة؛ قطع صغيرة من الفاكهة الطازجة، وبيض مسلوق، وكوب من العصير الأخضر،

بجانب فنجان القهوة المقطرة الساخنة. بدأ يأكل ببطء وبرود، وصوت حركات الشوكة والسكين المعدنية وهي تصطدم بالطبق الصيني الفاخر كان الصوت الوحيد الذي يتردد في أرجاء الغرفة الواسعة.

كان مشهد جلوسه وحيداً على هذه الطاولة العملاقة يجسد تماماً طبيعة حياته؛ قمة النفوذ والرفاهية، يقابلها قمة العزلة والوحدة الصامتة.

لم يكن هناك من يشاركه الحديث، ولا من يبتسم في وجهه صباحاً. كان يأكل ليشحن جسده بالطاقة اللازمة لإدارة إمبراطوريته، وعقله مشغول بالكامل بأرقام البورصة واجتماع الاستحواذ الذي سينطلق بعد أقل من ساعة،

لان في عالمه لا يوجد وقت للرحمه ولا للانتظار، كل شئ يسير وفق الخطط

الموضوعه واللازمة، ولا مجال المخالفه

دون أن يدري أن هذا الصباح الروتيني البارد، يحمل في طياته بداية النهاية لعالمه المستقر، وأن خيوط القدر بدأت تنسج لقاءً قريباً جداً بين ساعته الفاخرة وفستان ندى الوردي البسيط.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الجميله والمليونير    part 5

    مع دقات السابعة صباحاً، كان الضباب الخفيف يغلف واجهة المقهى الزجاجية الفاخرة، كأنه عازل يفصل هذا المكان الأنيق عن صخب الشوارع بالخارج. دخلت ندى من الباب الجانبي بخطوات هادئة ومتزنة، وبدأت روتينها الصباحي المعتاد الذي حفظته عن ظهر قلب طوال هذا العام الطويل من العمل الشاق. وضعت حقيبتها القماشية الصغيرة في الخزانة المخصصة لها، وأصلحت من شأن ملابسها أمام المرآة؛ عدلت ياقة قميصها الأبيض الناصع، وتأكدت من استقامة تنورتها السوداء التي تصل إلى أسفل ركبتيها، ثم ربطت المريلة القطنية السوداء بعناية حول خصرها الصغير، لتخفي خلفها جزئياً فستانها الوردي البسيط الذي يمثل لمحة رقة وسط هذا الزي الرسمي الصارم.الهدوء في هذا الوقت المبكر يكون ساحراً ومهيباً قبل أن يمتلئ المكان بصخب الزبائن وحركتهم العشوائية. بدأت ندى في التحرك بين الطاولات الرخامية الفاخرة، ممسكة بقماش قطني ناعم ومحلول مخصص لتلميع الأسطح الثمينة. انحنت على الطاولة الأولى، وبدأت تمسحها بحركات دائرية منتظمة بطيئة، تتأكد من إزالة أي أثر خفيف أو بقعة صغيرة قد يكون تركها زبائن الليلة الماضية، لتعكس الطاولة ضوء الثريات الكريستالية الخاف

  • الجميله والمليونير    part 4

    امتدت خطوط الشمس الذهبية لتنعكس على الواجهة الزجاجية الضخمة للمقهى، واجهة مصقولة بعناية لا تسمح بمرور ذرة غبار واحدة إلى الداخل. لم يكن هذا المكان يشبه ذلك المقاهي الصغير الذي يرتاده عامة الناس، بل كان مقهى فخماً يقع في قلب واحدة من أرقى مناطق العاصمة السكنية والتجارية؛ حيث تصطف السيارات الرياضية الفارهة على الجانبين، ويتجول البشر بملابسهم الموقعة بأسماء دور الأزياء العالمية. لكي تصل ندى إلى هذا المكان كل صباح، كانت تخوض رحلة يومية مضنية تستغرق ساعة كاملة في وسائل المواصلات العامة، تنتقل فيها من أزقة حيها الشعبي المتهالك، مراراً بالحافلات المزدحمة والميكروباصات الخانقة، لتخرج في النهاية إلى هذا العالم المخملي الأنيق كأنها عبرت بوابات الزمن في رحله يوميه لا تستطيع الغائها او تأجيلها وقفت ندى أمام المرآة الكبيرة في غرفة تبديل الملابس المخصصة للعاملين، لتصلح من شأن مظهرها الذي يفرضه نظام المقهى الصارم. كانت ترتدي قميصاً أبيض ناصعاً بأكمام طويلة زرّتها بدقة حتى المعصم، وتنورة سوداء مستقيمة تصل إلى أسفل ركبتيها، وتلف فوقها مريلة قطنية سوداء مطرزة بشعار المقهى الذهبي عند الصدر.

  • الجميله والمليونير    part 3

    لم يكن الصباح في بيت ندى يبدأ بنور الشمس، بل بزئير المنبه المزعج الذي ينطلق من هاتفها ذو الشاشة المشروخة ليشق سكون الغرفة الضيقة. فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقل النوم لا يزال يداعب جفونها، لكنها لم تملك ترف البقاء في الفراش لدقيقة إضافية. أزاحت اللحاف الباهت ووقفت على الأرضية الإسمنتية الباردة التي جعلت قشعريرة تسري في جسدها، ثم توجهت مباشرة نحو المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط الخشبي لدولابها القديم.رغم قسوة الفقر والظروف المحيطة بها، إلا أن المرآة كانت تعكس كل صباح لوحة ربانية بديعة لم تستطع الأيام المضنية أن تمحو سحرها. نظرت ندى إلى وجهها المتعب؛ كانت تملك بشرة بيضاء صافية كالحليب، تعتني بها بوسائلها البسيطة والبدائية؛ قطرات من ماء الورد تضعها قبل النوم، وبقايا زيت زيتون تمسح به وجنتيها لتظل ناعمة رغماً عن حرارة الأفران وغبار الشوارع. رفعت يدها لتزيح خصلات شعرها الذهبي الغزير الذي كان يتدلى على كتفيها كشلال من خيوط الشمس، وهو شعر ناعم تحرص على تمشيطه الطويل كل صباح ليظل محتفظاً ببريقه رغماً عن قلة الإمكانيات. تأملت عينيها البنيتين الواسعتين اللتين تشبهان حبات اللوز في دافئهما،

  • الجميله والمليونير    part 2

    انطفأت أنوار المقهى الخارجية أخيراً، تاركةً المكان الغارق في الظلال يبدو أصغر حجماً وأكثر كآبة مما هو عليه في النهار. وقفت ندى خلف المنضدة الخشبية ترتدي معطفها القطني القديم الذي بهت لونه من كثرة الغسيل. كانت عضلات سحرها ورقبتها تؤلمها بشكل متواصل، كأنها تحمل ثقلاً لا تراه. التفتت إلى زميلها الجديد الذي كان يمسح الطاولة الأخيرة بتكاسل وقالت بنبرة خافتة يملأها التعب:"أنا قفلت حساب الدرج يا محمد، وباقي اللبن حطيته في التلاجة الكبيرة ورا.. مش محتاج مني حاجة تانية قبل ما أمشي؟"رمى محمد الفوطة على الطاولة وتنهد بعمق:"لا يا ندى، تسلمي.. روحي أنتِ عشان تلحقي الميكروباص، الساعة دخلت في عشرة والجو بدأ يبرد برة."أومأت برأسها، والتقطت حقيبتها القماشية الصغيرة التي تضع فيها هاتفها ذو الشاشة المشروخة وبعض النقود القليلة. خرجت إلى الشارع، واستقبلها الهواء الليلي البارد بلفحة قاسية جعلتها تشد أطراف معطفها حول جسدها. كانت الشوارع الجانبية شبه خالية، بينما الشارع الرئيسي يعج بضجيج السيارات المسرعة. مشت بخطوات متثاقلة نحو الموقف، وشعرت أن حذاءها المهترئ يكاد يخذلها مع كل خطوة.صعدت إلى الميكروباص

  • الجميله والمليونير    part 1

    تطايرت حبات البن المطحون في الهواء لتستقر على حافة الآلة النحاسية الضخمة التي كانت تطلق زفيراً ساخناً متواصلاً. مسحت ندى جبهتها بظهر يدها بسرعة، تاركةً أثراً خفيفاً من الدقيق فوق حاجبها، قبل أن تلتقط كوباً ورقياً آخر وتضع عليه الغطاء البلاستيكي. كانت الأصوات حولها تتداخل في كتلة واحدة صاخبة؛ رنين الجرس المعلق على الباب الخشبي، صرير المقاعد المعدنية وهي تُسحب بعجالة، وتمتمات الزبائن الواقفين في طابور لا ينتهي."لو سمحتي.. بقالي رربع ساعة مستني الكرواسون، القطر هيفوتني!"صاح رجل يرتدي بدلة مجعدة وهو ينظر في ساعة يده بتوتر، فالتفتت إليه ندى بابتسامة سريعة حاولت جاهدة أن تبدو حقيقية وهي تفتح باب الفرن الصغير لتلتقط المخبوزات الساخنة بملقاط معدني:"ثواني وهيكون جاهز مع حضرتك، متقلقش هتلحق القطر."وضعت الطلب في الكيس الورقي وسلمته له، لتلتفت فوراً إلى ماكينة الإسبريسو التي بدأت تسرب بعض الماء الساخن على الأرضية الخشبية المتهالكة. تراجعت خطوة للخلف، وسحبت قماشاً قديماً لتمسح الماء قبل أن يتعثر أحد. تحركت أصابعها بخفة على أزرار الماكينة، يداها اللتان حملتا حروقاً صغيرة باهتة من بخار الأيام

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status