Home / التشويق / الإثارة / الجنرال الأول / الفصل العاشر: خريطة الكنز

Share

الفصل العاشر: خريطة الكنز

Author: الصياد
last update publish date: 2026-07-09 01:54:52

في صباح اليوم التالي، وبينما كان الجميع يطوي الخيام استعدادًا للعودة إلى الفيلا، والشمس الصباحية تتسلل بين أوراق الأشجار في خيوط ذهبية رقيقة، تبادلت خلود ونوران نظرة سريعة مليئة بالمؤامرة، ثم اختفتا لدقائق خلف أحد الأشجار، تتحدثان بصوت منخفض وضحكات مكتومة، قبل أن تعودا حاملتين ورقة مطوية بعناية، حوافها محروقة قليلاً بعمد لتبدو قديمة، وقد استخدمتا حتى قليلاً من تراب الأرض لتلطيخ أطرافها.

“لقينا حاجة غريبة!” صرخت خلود بحماس مصطنع، وهي تلوح بالورقة في الهواء وتجري نحو المخيم. “خريطة كنز! لازم تكون مدفونة هنا من زمان طويل”

اقترب الجميع بفضول، بعضهم لا يزال يحمل أعمدة الخيام في يديه، وفتحت خلود الورقة بحذر مبالغ فيه، بحركات مسرحية بطيئة تزيد من التشويق المصطنع، لتظهر خريطة مرسومة بخط يدها ونوران، فيها علامات “X” متعددة وأسهم متشابكة ورسمة صغيرة لجزيرة تشبه إلى حد كبير الجزيرة التي يقفون عليها.

نظر أدم إلى الخريطة بعين فاحصة، متفقدًا الورقة من كل جانب بخبرته المعتادة في تحليل التفاصيل، ثم إلى خلود بشك واضح: “الورقة دي جديدة، والحبر لسه طري، وده تراب حقيقي حطيتوه على الحواف مش أثر زمن”

“ده تأثير الرطوبة، الجزيرة دي بتحافظ على الأشياء بشكل غريب” ردت خلود بجدية تامة، غير مقتنعة بمحاولتها الخاصة في الكذب، من غير أن تفقد ابتسامتها الواسعة.

“وليه فيها رسمة قلب صغيرة في الزاوية؟” سأل يوسف بابتسامة، مشيرًا إلى تفصيلة صغيرة نسيت نوران محوها، رسمة قلب صغير بجانب علامة X الأخيرة.

احمر وجه نوران خفيفًا، وتبادلت مع خلود نظرة سريعة، قبل أن تضحك خلود بصوت عالٍ، مستسلمة تمامًا: “طيب، خلاص، إحنا اللي رسمناها. بس ده مش مهم، المهم إننا نلعب اللعبة”

“يعني إحنا هندور على كنز مزيف؟” سأل أدهم بضحكة، وهو يضع آخر عمود خيمة في الحقيبة.

“الكنز الحقيقي هو المرح، الكنز المادي تفصيلة” ردت نوران بفلسفة مصطنعة، أثارت ضحك الجميع من جديد.

“ومين قال إننا موافقين نلعب أصلاً؟” سأل ليث بابتسامة خفيفة، رافعًا حاجبًا في تحدٍ ودود.

“محدش سألكم، ده قرار متخذ” ردت خلود بثقة، وهي تطوي الخريطة من جديد استعدادًا للانطلاق.

وسط هذا النقاش، لاحظ الجميع أن يونس كان يحمل حقيبة ظهر ضخمة بشكل غير طبيعي، منتفخة من كل جانب حتى بدت على وشك الانفجار، وكانت أشرطتها تترك أثرًا واضحًا على كتفيه من شدة الوزن.

“يونس، الحقيبة دي فيها إيه بالظبط؟” سأل أدم بحذر، وهو ينظر إلى الحقيبة بشك متزايد.

“استعدادات ضرورية للرحلة” رد يونس بثقة، وهو يربط حزام الحقيبة بجهد واضح، متجاهلاً النظرات المتبادلة بين إخوته.

فتح أدهم الحقيبة من غير استئذان، ليجد بداخلها كميات هائلة من الطعام المعلب، وأكياس بسكويت، وعلب تونة، وحتى بعض الخضروات المجففة، وزجاجات مياه إضافية، وأدوية متنوعة، ومصباح يدوي احتياطي، وحبل طويل، وحتى مجموعة صغيرة من الألعاب النارية، وشماعة صغيرة لتعليق الملابس، ومروحة يدوية.

“ده أكل يكفي شهر كامل يا يونس، إحنا رايحين نمشي ساعتين بس!” قال أدهم بصوت مرتفع بين الضحك والذهول، وهو يستخرج قطعة تلو الأخرى من الحقيبة.

“الحيطة واجبة، ومين يعرف، يمكن نتوه في الجزيرة دي وناخد وقت أطول من المتوقع” رد يونس بجدية مصطنعة تمامًا.

“إحنا في جزيرة صغيرة، مش في غابات الأمازون” رد يوسف بضحكة، وهو يقلب في محتويات الحقيبة بذهول متزايد. “وده مروحة يدوية؟ إحنا مش في الصحراء يا يونس”

“التغيرات المناخية غير متوقعة، أفضل أكون مستعد” رد يونس بجدية، غير متأثر بحجم السخرية المتصاعدة.

“و الألعاب النارية دي ليه؟” سأل أدم، رافعًا علبة صغيرة من الحقيبة.

“في حالة لو احتفلنا بإيجاد الكنز، محتاجين احتفال يليق بالمناسبة” رد يونس بفخر، غير مدرك تمامًا لحجم السخرية التي أثارها في الجميع.

“وده حبل، طوله عشرة أمتار على الأقل” أضافت خلود بضحكة، وهي تسحب الحبل الملفوف من زاوية الحقيبة. “ناوي تعمل حاجة معينة بيه؟”

“الحبل مفيد في كل الظروف، ده أساس النجاة” رد يونس بجدية، وهو يحاول استرداد الحبل من يدها.

انفجر الجميع ضاحكًا، وبدأ كل واحد منهم يستخرج قطعة من محتويات حقيبة يونس ويعرضها للجميع بتعليقات ساخرة، بينما كان يونس يحاول الدفاع عن كل قطعة بجدية متزايدة الغرابة، حتى نجية نفسها، التي انضمت للمشهد لاحقًا، لم تستطع كتم ضحكتها من كمية “الاستعدادات” غير المعقولة.

“خلاص، هسيبكم تضحكوا عليا، بس لو حصل جوع مفاجئ، هتيجوا تطلبوا مني” قال يونس أخيرًا، وهو يعيد كل شيء إلى الحقيبة بعناية مبالغ فيها، محاولاً استعادة كرامته المفقودة من غير جدوى كبيرة.

انطلق الجميع في البحث عن “الكنز” وفق الخريطة المزيفة، يتبعون العلامات عبر ممرات الغابة، وسط ضحك متواصل وتعليقات ساخرة كل ما وصلوا لعلامة “X” جديدة لم يجدوا تحتها شيئًا سوى تراب وأحجار.

“يا نوران، الكنز ده وهمي زي ما توقعت، مفيش تحت العلامة دي غير دودة” قال أدم بضحكة، وهو يحفر بعصا صغيرة في التربة عند أول علامة.

“الرحلة هي الكنز يا أدم، مش الوجهة” ردت نوران بابتسامة فلسفية أخرى، تبعتها ضحكة جماعية.

وصلوا إلى العلامة الثانية، حفرها ليث بصبر، ليجد فقط جذر شجرة قديم. “ده مش كنز، ده جذر” قال بجفاف معتاد، لكن ابتسامة خفيفة كانت واضحة على وجهه.

“يمكن الجذر ده كنز بطريقته، فكر في كل الحكمة اللي شافها وهو تحت الأرض ده” ردت خلود بجدية مصطنعة، فضحك الجميع من محاولتها المستميتة لإنقاذ اللعبة الفاشلة.

عند العلامة الثالثة، اقترحت خلود، بحماس متجدد، أن يحفروا بأيديهم مباشرة “لأن الكنوز الحقيقية تستحق التضحية”، فوافق يونس فورًا، وبدأ الاثنان في الحفر بحماس زائد، من غير أن يجدا شيئًا سوى مزيد من التراب، بينما راقبهما الباقون بضحك متزايد.

“إنتوا الاتنين شكلكم أطفال في رحلة مدرسية” قال أدم بضحكة، وهو يجلس على صخرة قريبة يتابع المشهد.

“الطفولة الداخلية مهمة للصحة النفسية” رد يونس بجدية، وهو يمسح التراب عن يديه، من غير أن يتوقف عن الحفر لثانية واحدة.

لكن بينما كانوا يتجهون نحو آخر علامة على الخريطة المزيفة، لاحظ أدهم، بعينه المدربة على ملاحظة كل تفصيلة في محيطه، مبنى صغيرًا خشبيًا نصف مخفي بين الأشجار الكثيفة، لم يكن أحد منهم يعرف بوجوده من قبل رغم زياراتهم المتكررة للجزيرة.

“في مبنى هناك” قال أدهم بجدية، مشيرًا نحوه. “وده مش جزء من خريطتكم المزيفة”

اقترب الجميع بحذر وفضول متزايد، ليجدوا كوخًا خشبيًا قديمًا، بابه شبه متهالك من التعرض للرطوبة والزمن، وحوله نباتات متسلقة نمت بشكل عشوائي حول الجدران كأنها تحاول حماية سره من أي زائر. فتحه أدم بحذر، دافعًا الباب برفق حتى لا ينهار تمامًا، ليكتشفوا بالداخل مفاجأة حقيقية هذه المرة: رفوف خشبية مليئة بكتب وسجلات قديمة، بعضها مكتوب بخط يد واضح، وبعضها مطبوع بحروف باهتة، وغبار رقيق يغطي كل شيء، شاهدًا على سنوات طويلة من الإهمال.

“ده شكله مستودع كتب قديم” قال يوسف بحماس، وهو يتفقد أحد السجلات بعناية، يمسح الغبار عن غلافه بلطف. “وشكل الكتابة قديم جدًا، يمكن يكون ده كان تابع لأهل الجزيرة الأصليين قبل ما نشتريها”

بدأ الجميع يتفقدون المحتويات بعناية، ليكتشفوا أن السجلات كانت توثق مشاريع زراعية وحيوانية قديمة نفذها سكان الجزيرة الأصليون قبل عقود، بتفاصيل دقيقة عن أنواع النباتات التي نجحت في تربة الجزيرة، وطرق تربية الأسماك في مياهها الساحلية، وحتى مخططات بسيطة لأنظمة ري وتخزين مياه ذكية بُنيت بأدوات بسيطة، ورسومات يدوية توضح تصميم أحواض تربية سمكية بجانب الشاطئ استُخدمت قبل عشرات السنين.

“ده كنز حقيقي، أهم بكتير من أي كنز وهمي” قال يوسف بإثارة واضحة، وهو يقلب صفحات أحد السجلات المتخصصة في الزراعة، عيناه تتحركان بسرعة بين الرسومات والملاحظات المكتوبة بخط يد دقيق. “شوفوا هنا، فيه توصيف كامل لنوع تربة معين نجح فيه زرع أشجار فاكهة نادرة، ومفيش زرعها في أي مكان تاني في المنطقة كلها”

نظر حمزة إلى السجلات بصمت طويل، عقله يعمل بسرعة، متجولاً بين الصفحات ببطء، حتى قال أخيرًا، بصوت يحمل تلك النبرة التي يعرفها إخوته جيدًا حين تولد فكرة كبيرة في ذهنه: “الجزيرة دي مش لازم تفضل بس مكان استراحة لينا”

نظر الجميع إليه بانتباه، منتظرين ما سيقوله، حتى خلود نفسها توقفت عن تصفح أحد الكتب لتستمع بانتباه كامل.

“فكروا معايا” استكمل حمزة. “عندنا سجلات كاملة عن زراعة وتربية أسماك وحيوانات ناجحة هنا. وعندنا حي العقرب مليان بعائلات وأطفال محتاجين فرص شغل ومستقبل أوسع من مجرد الوظائف اللي عندنا في المدينة. ليه ما نبنيش هنا مشروع كامل — سكن واستثمار زراعي وحيواني وسمكي، ونخلي أهل الحي يديروه ويعيشوا فيه؟”

اتسعت عينا نوران بحماس فوري: “يعني نوسع حي العقرب لجزيرة كاملة؟ ده حلم حقيقي يا حمزة”

“مش بس سكن” أضاف يوسف بحماس متزايد. “لو استخدمنا التكنولوجيا المناسبة، نقدر نطور أنظمة الري والزراعة دي لمستوى تجاري كامل، ده استثمار مربح كمان، مش بس مشروع اجتماعي”

“وأنا أقدر أساعد في تصميم المباني السكنية” أضاف ليث بحماس هادئ، وهو يتفقد أحد المخططات القديمة بعناية. “لو بنينا بشكل يحترم طبيعة الجزيرة، هيكون المكان جميل جدًا للعيش، مش بس عملي”

“وأنا هساعد في تدريب الأهالي على تربية الأسماك، فيه أنظمة في السجلات دي بسيطة وممكن نطورها بسرعة” قال أدم بحماس، وهو يقلب في أحد الكتب المتخصصة بتربية الأسماك.

ابتسم حمزة، سعيدًا برؤية الحماس ينتشر بين إخوته بهذه السرعة، كل واحد منهم يجد فورًا الزاوية التي يستطيع أن يساهم بها. نظر إلى ياسين، الذي كان صامتًا يفكر بعمق، أصابعه تحسب بصمت كعادته حين يخطط لشيء كبير، وقال: “ياسين، عايزك تبدأ تبحث عن جزيرة تانية، اكبر وأكثر خصوصية، تكون هي جزيرتنا الخاصة من دلوقتي. الجزيرة دي هتتحول لمشروع لحي العقرب، ومحتاجين مكان جديد لينا نفسنا نهرب ليه من ضجيج المدينة”

أومأ ياسين برأسه بجدية، وقد بدأ عقله بالفعل يعمل على تفاصيل البحث: “هبدأ فورًا لما نرجع. متأكد إن هنلاقي مكان يناسبنا، يمكن حتى أحسن من ده”

نظرت خلود إلى حمزة بابتسامة فخر غير متوقعة: “يعني رحلة الكنز المزيفة بتاعتي هي اللي خلت كل ده يحصل؟”

“يمكن الكنز الحقيقي كان مخبي فعلاً، بس مش بالشكل اللي كنتِ متخيلاه” رد حمزة بابتسامة هادئة، وهو ينظر إلى الكوخ وسجلاته القديمة بامتنان صامت لتلك الصدفة التي بدأت بمزحة بريئة، وانتهت ببذرة مشروع قد يغير حياة مئات العائلات في حي العقرب إلى الأفضل.

جلس الجميع لدقائق حول طاولة خشبية صغيرة وجدوها داخل الكوخ، يناقشون تفاصيل الفكرة أكثر، بينما كانت نوران تدوّن ملاحظات سريعة على هاتفها. “محتاجين نحسب تكلفة تقريبية للمشروع، وعدد العائلات اللي ممكن تستوعبها الجزيرة في المرحلة الأولى” قالت بجدية، عقلها الإداري يعمل بسرعة معتادة.

“وأنا أقدر أبدأ في وضع تصور أولي للمباني، شكل يحافظ على طابع الجزيرة الطبيعي” أضاف ليث، وهو يقلب صفحات إحدى المخططات القديمة بتركيز.

“والمهم كمان إننا نتأكد إن أهل الحي عايزين ينتقلوا فعلاً، مش نفرض عليهم قرار” قال حمزة بجدية، حريصًا على ألا يتحول المشروع إلى فرض من فوق. “نعرض عليهم الفكرة، ونسيب القرار لهم”

“ده أهم حاجة فيه بالنسبالي” رد أدهم بتقدير واضح. “إحنا ما بنينا حي العقرب عشان نتحكم في الناس، بنيناه عشان نديهم فرصة”

نظرت خلود إلى الجميع بإعجاب متزايد، تشعر بشيء جديد ينمو في داخلها، إحساس بالانتماء لعائلة لا تدير مجرد شركات، بل تبني حياة حقيقية لأناس فقدوا الأمل يومًا.

“يبقى خدي حقك، ده كنزك الحقيقي الأول” قال يونس بضحكة، وهو يربت على كتف خلود بفخر مصطنع.

جمع الفريق أهم السجلات بعناية، استعدادًا لحملها معهم عند العودة، كل واحد يحمل ما استطاع من كتب ومخططات، بينما كانت الشمس تبدأ في الميل نحو الغروب، ترسم على أوراق الأشجار ظلالًا ذهبية هادئة، وكأن الجزيرة نفسها تحتفي بميلاد فكرة جديدة ستحمل معها أملاً حقيقيًا لعائلات كثيرة لم تكن تعرف بعد أن يومًا عاديًا من مغامرة بسيطة سيغير مستقبلها بالكامل.

في طريق العودة إلى الفيلا، سار يونس بجانب خلود، حقيبته الثقيلة لا تزال على كتفيه رغم كل السخرية التي تعرض لها طوال اليوم. “شفتي؟ قولت لكم الاستعدادات ضرورية، ولو محتاجين حاجة من الحقيبة عشان نحمل الكتب، أنا جاهز” قال بفخر، وهو يخرج كيسًا إضافيًا فاضيًا من جيب صغير في الحقيبة.

نظرت خلود إليه بضحكة معجبة رغم كل شيء: “إنت فعلاً غريب يا يونس، بس مفيد أحيانًا بطريقتك الغريبة دي”

“ده أحلى مديح سمعته من زمان” رد يونس بفخر، وهو يساعدها في حمل بعض الكتب الإضافية في الكيس الجديد.

سار الجميع خلفهما ببطء، يتحدثون بحماس عن تفاصيل المشروع الجديد، أصواتهم تتردد بين أشجار الغابة الهادئة، بينما كانت طيور المساء تبدأ في الغناء استعدادًا لغروب الشمس، وكأنها تشارك بدورها في الاحتفال بيوم بدأ بمزحة صغيرة، وانتهى بحلم كبير يستحق أن يُروى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الجنرال الأول   الفصل الثاني والعشرون: الرحلة إلى الماضي

    خلال الأيام التالية، عمل فريق ياسين بصمت وسرية تامة، يتحرى عن مصير الطفل المسجل في دار الأيتام البعيدة، يراجعون كل وثيقة متاحة بدقة متناهية خوفًا من تفويت أي تفصيلة قد تكون مهمة. تبين أن الدار نفسها أُغلقت منذ سنوات طويلة بعد تقاعد القائمين عليها، لكن سجلاتها انتقلت إلى أرشيف حكومي مركزي، حيث تمكن ياسين، بمساعدة علاقاته الواسعة وصبره المعتاد في تتبع التفاصيل، من الحصول على نسخة كاملة من ملف الطفل بعد أيام من المراسلات الرسمية.كشف الملف أن الطفل، الذي سُجل باسم “كريم” من غير أي لقب عائلة، أمضى سنوات طفولته في الدار قبل أن يتبناه رجل أعمال متوسط الحال من مدينة أخرى، واختفى أثره الرسمي بعدها، إذ لم تُحدَّث السجلات لاحقًا كما هو معتاد في مثل هذه الحالات القديمة.“عندنا اسم المتبني على الأقل” قال ياسين في اجتماع عاجل ضم حمزة وليث، وهو يعرض الملف على الشاشة الكبيرة. “لو قدرنا نوصله، ممكن نعرف مصير الولد دلوقتي، وهل لسه في نفس المدينة ولا انتقل لمكان تاني”نظر حمزة إلى الملف بصمت طويل، يقلب الصفحات القليلة ببطء، وكأنه يحاول أن يستشعر شيئًا من تفاصيلها الجافة، بحثًا عن أي أثر إنساني يخبره أن

  • الجنرال الأول   الفصل الحادي والعشرون: خيط جديد

    أقيم في القصر تلك الليلة احتفال عائلي بسيط، بعيد عن أي فخامة أو ضيوف من خارج الدائرة الضيقة، احتفالاً بلمّ شمل يوسف وخلود. أعدت نجية مائدة طعام دافئة بيديها، أطباقها المفضلة لكل واحد من أفراد العائلة، وجلس الجميع حول الطاولة الكبيرة، يتبادلون الحديث والضحك وسط فرح لا يزال طازجًا من صدمة الصباح السعيدة. “لازم نحتفل بطريقة تليق بالمناسبة” قال يونس، وهو يرفع كأس عصير عاليًا، واقفًا على كرسيه بمسرحية معتادة. “نخب يوسف وخلود، الأخ والأخت اللي التاريخ نفسه اتآمر عشان يجمعهم تاني، بعد رحلة كنز مزيفة وصورة قديمة وتحليل نسب، القصة دي تستاهل تتحول لفيلم” ضحك الجميع، ورفعوا أكوابهم معًا، بينما جلست خلود بجانب يوسف، لا تزال تشعر بذلك الدفء الغريب لوجود أخ حقيقي أخيرًا، تتبادل معه نظرات صامتة مليئة بالمعنى بين الحين والآخر، وكأنهما يعوضان بصمت سنوات من الغياب القسري. “عايزة أسألك حاجة” قالت خلود ليوسف بجدية هادئة وسط الاحتفال، صوتها يخفت قليلاً وسط ضجيج الفرح العام. “تعرف حاجة عن والدينا؟ عن سبب اختفائي وقت الولادة؟” هز يوسف رأسه بأسى، وجهه يحمل حزنًا خفيفًا وسط الفرح العام: “للأسف لأ. كل الل

  • الجنرال الأول   الفصل العشرون: العودة

    في صباح اليوم الأخير على الجزيرة، استيقظ الجميع على مزيج من الحزن الخفيف لانتهاء الرحلة، والترقب المتصاعد لما ينتظرهم عند العودة. جمعت خلود أغراضها بهدوء غير معتاد منها، عقلها لا يزال مشغولاً بالسؤال الذي رافقها منذ اكتشاف الصورة والاسم المشترك، من غير أن تتمكن من الاستمتاع بآخر لحظات المرح على الشاطئ كما فعلت في الأيام السابقة. جهز يونس، كعادته، حقيبته الضخمة من جديد، هذه المرة محملة بعينات من الرمال والأصداف التي جمعها كـ”تذكارات ضرورية”، وسط سخرية أدهم المعتادة التي لم تفلح في إثنائه عن جمع المزيد. وقف سامر وعائلته عند مرسى القارب، يودعون الجميع بعناق حار، وامتنان واضح على وجوه الجميع لأيام لن ينسوها بسهولة. اقترب فريد من نوران في لحظة أخيرة، وقال بصدق، صوته يحمل نضجًا غير متوقع من شاب في السابعة والعشرين: “مبسوط جدًا إني اتعرفت عليكِ، وحتى لو الظروف ما ساعدتش، محترم جدًا اللي حسيته، وهفضل صديق ليكي ولعيلتك دايمًا” ابتسمت نوران بامتنان، تدرك أن فريد لاحظ ما بينها وبين يوسف رغم عدم تصريحهما به لأي منهما حتى تلك اللحظة: “إنت شاب محترم بجد يا فريد، وأتمنى لك كل خير، وهفضل صديقة مق

  • الجنرال الأول   الفصل التاسع عشر: صورة قديمة وأسرار جديدة

    في صباح اليوم الثالث، وبينما كانت خلود تساعد حمزة في ترتيب بعض أغراضه المبعثرة على طاولة غرفته بعد يوم طويل من المسابقات، والشمس الصباحية تتسلل بلطف عبر النافذة المفتوحة على الشاطئ، سقطت محفظته الجلدية القديمة على الأرض، وانفتحت صدفة عند جزء صغير مخفي بداخلها لم تكن خلود تعرف بوجوده. انحنت لالتقاطها، فوقعت عيناها على صورة قديمة مطوية بعناية فائقة، حوافها مصفرة من قدمها، صورة طفلة صغيرة تبتسم بجانب زاوية شارع بسيط. جمدت خلود في مكانها، تحملق في الصورة بذهول متزايد، قلبها يتسارع بشكل لم تعتده. كانت ملامح الطفلة، رغم قدم الصورة واهتراء حوافها، أقرب ما يكون لملامحها هي نفسها في طفولتها، من صور قديمة نادرة كانت تحتفظ بها من أيام المؤسسة، صور قليلة جدًا لم تشاركها مع أحد من قبل. “ده… ده أنا؟” سألت بصوت مرتجف، وهي ترفع الصورة نحو حمزة الذي دخل الغرفة في تلك اللحظة، يداها ترتجفان بشكل ملحوظ. نظر حمزة إلى الصورة في يدها، ثم إليها، صمت طويل يخيم على وجهه وهو يحاول استيعاب ما يراه. “دي خلود، حب طفولتي اللي حكيت عنها امبارح. احتفظت بالصورة دي طول السنين دي، من غير ما أوريها لحد، حتى إخواتي”

  • الجنرال الأول   الفصل الثامن عشر: ليلة الصراحة

    استيقظ الجميع في اليوم الثاني على صوت خلود، التي كانت تجول بين الغرف تعلن عن “مسابقات اليوم الثاني” بحماس لم يقل عن اليوم السابق، حاملة قائمة طويلة كتبتها بنفسها في الليل. “النهاردة الكل بيشارك، من غير استثناءات” أعلنت بجدية، وهي تقف أمام الجميع في صالة الإفطار. “وأول استثناء هحذفه من القائمة هو حمزة، اللي عادةً بيهرب من أي مسابقة بحجة الشغل” نظر حمزة إليها بحيرة: “أنا مش بهرب، أنا بس عندي أولويات” “أولوياتك النهاردة هي المشاركة، ولو رفضت، هفعّل اتفاق ‘المسؤولية الرسمية’ اللي وقعته من زمان” ردت خلود بثقة، مشيرة إلى اتفاق قديم لم يكن حمزة قد نسيه بالكامل. ضحك سامر بصوت عالٍ من الطرف الآخر من الطاولة: “يا حمزة، إنت محاصر تمامًا، اقبل الهزيمة بشرف” “وإنت وسهر كمان هتشاركوا” أضافت خلود، ناظرة إلى سامر وزوجته بابتسامة عريضة. “مفيش استثناءات النهاردة” وافق سامر بحماس فوري، بينما ابتسمت سهر بخجل محبب، غير معتادة على هذا النوع من المرح الجماعي بعد سنوات من حياة اجتماعية رسمية صارمة. المسابقة الأولى: شد الحبل انقسم الجميع إلى فريقين، فريق يقوده أدهم وأدم، وفريق يقوده ليث وياس

  • الجنرال الأول   الفصل السابع عشر: جزيرة الأسرار

    استدعى حمزة سامر إلى مكتبه الخاص، وأغلق الباب بعناية قبل أن يبدأ الحديث. “عايزك تعرف سر مهم، سر عائلتنا الحقيقي، ومحتاج وعدك إنه ما يخرجش من بينا” نظر سامر إليه بجدية، يشعر بثقل اللحظة: “وعدني عائلة، وكلامي معاك زي كلامي مع نفسي” شرح له حمزة عن الجزيرة الجديدة، تلك التي بحث عنها ياسين منذ زمن بعيد بعد تحويل جزيرة العقرب لمشروع سكني، الملاذ الخاص الذي لا يعرف بوجوده أحد خارج الدائرة الضيقة للعائلة. “وعايزك تيجي معانا، إنت وسهر وفرح وفريد، أول عائلة برة دايرتنا الأساسية تشرفنا بزيارتها” أضاف حمزة بصدق. تأثر سامر بشدة بهذه الثقة، ووعد أن يحافظ على السر كأنه جزء من روحه. وصلت عائلة سامر إلى القصر في اليوم المحدد، واستقبلهم الجميع بحفاوة. كانت فرح، ابنة سامر، شابة في الثانية والعشرين، جمالها الهادئ وذكاؤها اللافت جعلا كل من قابلها ينتبه لها فورًا، لكن عينيها لم تتوقفا كثيرًا عند أي أحد سوى ليث، الذي كانت تسرقه نظرات خجولة متكررة كل ما تحدث بهدوئه المعتاد. “شفتوا إزاي بنت سامر بتبقى ساكتة كل ما ليث يتكلم؟” همست خلود لنوران بضحكة خبيثة، وهما يراقبان المشهد من بعيد. “وليث نفسه بقى يتل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status