登入
الذين ماتوا قبل أن يولدوا
الفصل الأول: المكالمة في الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة من صباح يوم الثلاثاء، رن هاتف سليم. لم يكن في الأمر شيء غريب في البداية. هواتف الناس ترن في منتصف الليل. قد يكون خطأً، أو اتصالًا عابرًا، أو شخصًا لم ينتبه إلى الوقت. لكن سليم لم يكن ينتظر اتصالًا. ولم يكن أحد يعرف رقمه الجديد سوى أربعة أشخاص. أمه. مديره في العمل. صديقه الوحيد، ياسر. وشخص مات قبل أحد عشر عامًا. ظهر الاسم على الشاشة. مريم. فتح سليم عينيه. ظل ينظر إلى الهاتف دون أن يلمسه. كانت الغرفة مظلمة، والستائر تتحرك ببطء مع هواء المكيف. في الخارج كان المطر يهطل على زجاج النافذة، والمدينة غارقة في صمت ثقيل. عاد الهاتف إلى الرنين. مريم تتصل بك. ابتلع سليم ريقه. كان الاسم مسجلًا في هاتفه منذ سنوات. لم يحذفه. لا يعرف لماذا. ربما لأن حذف اسمها كان بالنسبة إليه اعترافًا نهائيًا بأنها لن تعود. مد يده. توقفت أصابعه فوق زر الإجابة. ثم قال لنفسه إن الأمر مستحيل. إنها مجرد مشكلة في الهاتف. رقم قديم أعيد استخدامه. خطأ تقني. أي تفسير، مهما كان سخيفًا، أفضل من التفسير الوحيد الذي يصرخ به عقله. أجاب. — ألو؟ لم يأتِ رد. ظل صامتًا. — ألو؟ سمع صوت تنفس. بطيئًا. قريبًا. ثم جاء صوت امرأة. — سليم؟ تجمد. لم يكن الصوت يشبه مريم. كان صوتها. بالضبط. نفس النبرة. نفس الطريقة التي كانت تنطق بها اسمه عندما تكون غاضبة منه. جلس في السرير. — من أنت؟ ضحكت المرأة ضحكة قصيرة. — أنت تعرف من أنا. انقطع الخط. ظل سليم ينظر إلى الشاشة. ثم فتح سجل المكالمات. الرقم موجود. لم يكن رقمًا مجهولًا. كان الرقم القديم لمريم. الرقم الذي احتفظ به منذ يوم وفاتها. رقم لم يعمل منذ أحد عشر عامًا. نهض من السرير. أشعل المصباح. أعاد الاتصال. جاءه الرد بعد رنة واحدة. — لماذا اتصلت بي؟ قال سليم: — أنتِ من اتصلت. صمت. ثم جاء الصوت: — لم يكن يجب أن تجيب. — مريم؟ لم ترد. — إذا كنتِ أنتِ فعلًا، قولي شيئًا لا يعرفه أحد. صمت طويل. ثم قالت: — عندما كنت في الثامنة، كسرت ساعة أبي. توقف سليم عن التنفس. تابعت: — خبأتها تحت أرضية غرفتي. ثم أضافت: — وأبي عرف. أغمض سليم عينيه. لم يكن أحد يعرف تلك القصة. حتى أمّه لم تكن تعرف. قال بصوت مرتجف: — أين أنتِ؟ أجابته: — في المكان الذي دفنوني فيه. ثم انقطع الخط. --- جلس سليم على طرف السرير قرابة دقيقة. لم يفكر. لم يستطع. كان عقله يرفض كل شيء. ثم بدأ الهاتف يهتز من جديد. رسالة. فتحها. كانت من مريم. "لا تذهب إلى المقبرة." ثم وصلت رسالة ثانية. "أبوك كان يعرف." وثالثة: "وأمك كانت هناك." رفع سليم رأسه. كان والده ميتًا منذ سبع سنوات. لكن الجملة الأخيرة كانت أسوأ. أمي كانت هناك. اتصل بأمه. لم تجب. اتصل مرة ثانية. لا شيء. ثالثة. ثم جاءه تسجيل صوتي منها. فتح التسجيل. لم يسمع صوتها. سمع صوتًا آخر. صوت أبيه. — إذا كنت تسمع هذا التسجيل، فهذا يعني أن سليم عرف. توقف التسجيل. حدق سليم في الهاتف. أعاد تشغيله. نفس الصوت. نفس النبرة. صوت والده الذي مات قبل سبع سنوات. بدأ قلبه يخفق بعنف. ضغط على التسجيل مرة أخرى. هذه المرة استمر. — لا أعرف متى سيصل إليه هذا التسجيل. ولا أعرف إن كنت سأكون حيًا عندما يحدث ذلك. توقف الصوت للحظة. ثم قال: — لكن هناك شيئًا واحدًا يجب أن تعرفه يا سليم. جاء صوت تنفس ثقيل. — مريم لم تكن أول واحدة. ثم انقطع التسجيل. جلس سليم دون حركة. ماذا يعني "لم تكن أول واحدة"؟ أول واحدة في ماذا؟ فتح محادثة أمه. كتب: أين أنتِ؟ ظهرت علامة القراءة فورًا. ثم بدأت تكتب. اختفت الكتابة. عادت. ثم وصلت رسالة واحدة: "اهرب من البيت." كتب: أي بيت؟ لم تجب. ثم وصلت رسالة أخرى. "بيتك القديم." نظر إلى الساعة. كانت الثالثة وثلاثون دقيقة. فكر في ترك الأمر. إغلاق الهاتف. النوم. إقناع نفسه غدًا بأن ما حدث كان مجرد كابوس. لكن شيئًا واحدًا منعه. تذكر صوت أبيه. مريم لم تكن أول واحدة. ارتدى ملابسه. أخذ مفاتيح سيارته. وقبل أن يغادر، توقف أمام المرآة. كان وجهه شاحبًا. عيناه حمراوان. لكنه لاحظ شيئًا لم يلاحظه من قبل. خلف أذنه اليمنى توجد ندبة صغيرة. دائرية. مثل أثر حرق قديم. رفع يده ولمسها. لم يتذكر كيف حصل عليها. وفجأة... عاد إليه مشهد. غرفة بيضاء. ضوء قوي. طفل يبكي. رجل يقف بجانب سرير. وأبوه يقول: — لا تجعله يتذكر. فتح سليم عينيه بسرعة. كان وحده. قال لنفسه: — أنا أتخيل. لكن الهاتف اهتز. رسالة جديدة. من مريم. "تذكرت الغرفة، أليس كذلك؟" سقط الهاتف من يده. --- وصل سليم إلى البيت القديم بعد أربعين دقيقة. كان المنزل قائمًا في نهاية شارع مهجور، تحيط به أشجار طويلة غطتها مياه المطر. لم يزره منذ وفاة أبيه. كان والده قد ترك المنزل مهجورًا، ورفض بيعه رغم أن عدة أشخاص عرضوا شراءه. كان يقول دائمًا: "هناك أشياء في هذا البيت لا تُباع." في ذلك الوقت ظن سليم أنه يقصد الذكريات. الآن لم يعد متأكدًا. أوقف السيارة أمام البوابة. نزل. كانت البوابة الحديدية مفتوحة. تقدم ببطء. الباب الرئيسي كان مغلقًا. أخرج المفتاح القديم الذي احتفظ به في درج مكتبه. أدخله. دار القفل بسهولة. فتح الباب. رائحة الغبار والرطوبة ضربت وجهه. أضاء مصباح هاتفه. كل شيء كان كما يتذكره تقريبًا. الأريكة القديمة. المدفأة. الساعة المعلقة على الجدار. وصورة العائلة. اقترب من الصورة. توقف. كانت الصورة تجمع والده وأمه ومريم وهو. أربعة أشخاص. لكنه شعر بشيء غريب. حدق في منتصف الصورة. كانت هناك مساحة فارغة بينه وبين مريم. مساحة غير طبيعية. كأن شخصًا كان واقفًا هناك. ثم تم محوه. اقترب أكثر. رفع إطار الصورة. وجد خلفه ورقة مطوية. فتحها. خط والده. عرفه فورًا. كانت جملة واحدة: "إذا وجدت هذه الورقة، فلا تبحث عن الغرفة." شعر سليم بقشعريرة. لأنه كان يعرف عن أي غرفة يتحدث. الغرفة التي تذكرها قبل قليل. غرفة لم يكن يعرف بوجودها. أمامه مباشرة كان السلم المؤدي إلى الطابق الثاني. صعد. درجة. ثم أخرى. كلما ارتفع، بدأ يسمع صوتًا خافتًا. طرق. توقف. عاد الصوت. طرق... طرق... كان يأتي من نهاية الممر. من خلف باب خشبي صغير. اقترب. وضع يده على المقبض. ثم تذكر الرسالة. لا تبحث عن الغرفة. سحب يده. وفجأة جاءه صوت طفل من خلف الباب. — سليم؟ تجمد. الصوت كان ضعيفًا. طفوليًا. ثم قال الطفل: — أنا خائف. تراجع سليم. — من أنت؟ صمت الطفل. ثم أجاب: — أخوك. شعر سليم أن الدم غادر وجهه. قال: — ليس لدي أخ. ضحك الطفل. ضحكة صغيرة. ثم قال: — هذا ما جعلهم يقولونه لك. تراجع سليم خطوة أخرى. في تلك اللحظة، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. أمي. أجاب فورًا. — أمي! أين أنتِ؟ جاء صوتها مرتجفًا: — هل وصلت؟ — نعم. — هل دخلت المنزل؟ — نعم. صمتت. ثم قالت: — هل أنت أمام الغرفة؟ نظر سليم إلى الباب. — نعم. بدأت أمه تبكي. — اسمعني جيدًا. — ماذا؟ — لا تفتح الباب. — لماذا؟ صمتت لثوانٍ. ثم قالت: — لأن الشخص الموجود خلفه... توقفت. — أمي؟ سمع شهقة. ثم قالت: — ليس أخاك. انقطع الاتصال. وفي اللحظة نفسها، بدأ مقبض الباب يتحرك. ببطء. مرة إلى اليمين. ثم إلى اليسار. ثم توقف. اقترب وجه سليم من الباب دون أن يشعر. سمع الطفل يقول: — أمي كذبت عليك. ثم صمت. وبعد لحظات جاء الصوت مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يكن صوت طفل. كان صوت مريم. — سليم... افتح الباب. تجمد مكانه. ثم قالت: — أنا أعرف أنك تتذكر الآن. وضع سليم يده على فمه. جاءت الجملة الأخيرة همسًا: — لأنك كنت معي عندما قتلوا أخانا. تراجع سليم. وفجأة انطفأ مصباح هاتفه. حل الظلام. ثم سمع صوت قفل الباب من الداخل. طَق. فتح الباب وحده. وفي الظلام خلفه، ظهر ضوء خافت. ضوء أبيض. ومن داخل الغرفة جاء صوت طفل يبكي. ثم صوت أبيه. واضحًا. قريبًا. وكأنه يقف بجانبه تمامًا: — أخيرًا عدت يا سليم. ثم أضاف: — هذه المرة... لن نسمح لك أن تنسى.لم يكن هناك ظلام هذه المرة، بل بياض كامل، بياض لا نهاية له، بلا جدران ولا أرض ولا سقف. كان سليم واقفًا في مكان لا يعرفه، ينظر إلى يديه اللتين لم تعودا ترتجفان، ويحاول أن يتذكر كيف وصل إلى هنا. آخر شيء يتذكره هو اصطدامه بالرجل الذي خرج من جسد الطفل رقم 08، ثم الضوء الذي ابتلع المختبر، ثم صوته هو نفسه وهو يقول: «استيقظ يا سليم». حاول أن ينادي مريم، لكن صوته لم يخرج. حاول أن يتحرك، فاكتشف أن قدميه لا تلامسان شيئًا. ثم سمع صوتًا خلفه: «أخيرًا استيقظت». استدار بسرعة. كان هناك رجل يقف على بعد خطوات منه. لم يكن نسخة منه هذه المرة، ولم يكن يشبه والده، ولم يكن طفلًا. كان رجلًا مسنًا بوجه هادئ وعينين سوداويين تمامًا، وكأنهما لا تعكسان أي ضوء. قال سليم: «من أنت؟» ابتسم الرجل وقال: «هذا السؤال لم يتغير منذ البداية». أجابه سليم بعصبية: «قلت لك من أنت؟» فرد الرجل: «أنا أول شخص مات هنا». شعر سليم بقشعريرة. «أبي؟» هز الرجل رأسه. «لا». «إذًا من؟» اقترب الرجل ببطء وقال: «أنا أنت». تراجع سليم. «كفى. الجميع يقولون إنهم أنا». ضحك الرجل. «لأنك لم تفهم حتى الآن أن كلمة أنا هي المشكلة». ثم أشار إلى الفراغ ال
لم يتحرك سليم.ظل واقفًا أمام الدرج المفتوح، يحدق في العتمة التي ابتلعت نهايته.صوت الرجل الذي في الأسفل ما زال يتردد في رأسه:— سليم! لا تصدقهم!ثم صوت أبيه:— اتركوه ينزل.كان هناك شيء خاطئ.شيء يعرفه سليم دون أن يستطيع تفسيره.الأصوات متشابهة.الوجوه متشابهة.والذكريات التي استعادها خلال الساعات الماضية كانت تتناقض مع بعضها.كل حقيقة تقوده إلى حقيقة أخرى أكثر رعبًا.التفت إلى مريم.— الرسالة.كانت تحدق في هاتفه.— ماذا؟— أنت قلتِ إنك لم ترسليها.— لم أفعل.— إذًا من فعل؟هزت رأسها.— لا أعرف.رفع الهاتف.— الرسالة تقول إن الشخص الموجود في الأسفل هو سليم الحقيقي.قال الرجل الذي يشبهه:— لا تنزل.نظر إليه سليم.— لماذا؟— لأن هذا ما يريدونه.— ومن "هم"؟— الجميع.ضحك سليم بمرارة.— إجابة رائعة.اقترب منه الرجل.— اسمعني.— لا أستطيع الوثوق بك.— أعرف.— ربما أنت أبي.— لست أباك.— ربما أنت أنا.— ربما.— وربما أنت الشخص الذي قتلني.صمت الرجل.ثم قال:— هذا هو الشيء الوحيد الذي أخشاه.— لماذا؟خفض عينيه.— لأنني لا أتذكر.توقف سليم.— ماذا لا تتذكر؟— آخر مرة مت فيها.سألت مريم:— ما
لم يكن سليم يعرف أيهما أكثر رعبًا.أن يرى عشرات الرجال الذين يشبهونه يقفون خلف باب المختبر...أم أن يدرك أنهم جميعًا ينظرون إليه كما لو أنهم كانوا ينتظرونه منذ سنوات.كانوا متشابهين في الوجه والطول تقريبًا، لكنهم لم يكونوا متطابقين تمامًا.أحدهم كان أكبر سنًا.آخر بدا في العشرين.ثالث كان يحمل ندبة فوق عينه.رابع كانت ذراعه اليسرى مختلفة اللون.لكن جميعهم كانوا يحملون شيئًا واحدًا.نفس النظرة.نظرة شخص يعرف أنه ليس الوحيد.تراجع سليم.قال:— من هؤلاء؟مريم لم تجب.كانت تحدق فيهم بوجه شاحب.قال الرجل الذي يشبه سليم:— لا تنظر إليهم.— لماذا؟— لأنهم ليسوا نسخًا.توقف.— ماذا؟قال:— هم ذكريات بأجساد.بدأ الرجال يدخلون المختبر.واحدًا تلو الآخر.لم يهاجموا.لم يتكلموا.فقط تقدموا حتى أصبحوا دائرة حول سليم.ثم قال أحدهم:— هل تتذكرنا؟هز سليم رأسه.— لا.قال آخر:— ستتذكر.قال ثالث:— لقد انتظرنا طويلًا.صرخ سليم:— ماذا تريدون مني؟جاءت الإجابة من الجميع في اللحظة نفسها:— أن تعود إلى مكانك.أمسكت مريم بيده.— لا تستمع إليهم.قال سليم:— أين أبي؟أشارت إلى الباب.— هرب.— لماذا؟— لأنه
حين انفتح باب المختبر، لم يدخل أحد.دخل الظلام.كان الممر خلف الباب غارقًا في عتمة كاملة، رغم أن أضواء الطوارئ في بقية المختبر كانت تعمل.ظل سليم يحدق فيه.ثم سمع صوت خطوات.خطوة.ثم أخرى.بطيئة.ثقيلة.قالت أمه:— لا تتحرك.لكن سليم لم يستطع.كان الصوت القادم من الممر مألوفًا.صوت أبيه.— سليم...تراجع.— لا.قالت ليلى:— لا تسمعه.— إنه داخل رأسي.— أعرف.— كيف؟نظرت إليه بخوف.— لأن هذا هو الجزء الذي أخفناه.قال الرجل الذي يشبهه:— لقد بدأ يستيقظ.صرخ سليم:— من؟لم يجب.ظهرت في الظلام هيئة رجل.كان يمشي ببطء.وعندما وصل إلى الضوء، توقف سليم عن التنفس.كان والده.نفس الوجه.نفس الملابس التي دُفن بها.نفس الندبة فوق حاجبه.لكن عينيه كانتا مختلفتين.باردتين.فارغتين.قال:— كنت أتساءل متى ستتذكرني.تراجع سليم حتى اصطدم بالسرير.— أنت ميت.ابتسم الرجل.— نعم.— رأيتك في القبر.— القبر كان لجسدي.— إذًا من أنت؟قال:— الجزء الذي لم يُدفن.اقترب خطوة.— أنا الذاكرة التي زرعناها فيك.قال سليم:— أنت أبي.— كنت أباك.— وماذا أنت الآن؟نظر إليه.— أنا الشيء الذي يحاول العودة.صرخت ليلى:—
كان صوت الجهاز يتكرر في أرجاء المختبر.بدء الاستيقاظ.مرة.ثم مرة ثانية.ثم بدأت الأضواء الحمراء تشتعل فوق الأبواب.سليم لم يفهم ما يحدث، لكنه عرف شيئًا واحدًا:كانوا جميعًا ينتظرون هذه اللحظة.الرجل الذي يشبهه وقف خلف الزجاج، هادئًا.أما مريم الأولى فكانت تراقبه بنظرة لم يستطع تفسيرها.قال سليم:— ماذا يعني "الاستيقاظ"؟لم تجبه.صرخ:— ماذا سيحدث؟قال الرجل:— ستتذكر.— ماذا؟— موتك.ارتجف سليم.— أنا لم أمت.ابتسم الرجل.— بل مت.— متى؟— قبل أن تولد.توقفت الأصوات في رأسه.شعر أن شيئًا يضغط على جمجمته من الداخل.ثم انفتح باب الغرفة.دخل رجلان.حاولا دفعه إلى الداخل.قاوم.— لا!أمسك أحدهما بذراعه.صرخ:— اتركني!ثم جاءت أمه.كانت تبكي.— سليم!نظر إليها.— ساعديني!اقتربت.لكنها لم تساعده.قالت:— آسفة.— أمي!وضعت يدها على وجهه.— إذا أردت أن تعرف الحقيقة، يجب أن تذهب حتى النهاية.ثم ابتعدت.أغلق الباب.وبقي سليم وحده.---الغرفة كانت دائرية.في منتصفها كرسي معدني.فوقه جهاز يشبه خوذة ضخمة متصلة بعشرات الأسلاك.وعلى الجدار شاشة كبيرة.ظهر عليها رقم:00ثم تغير إلى:01ثم:02حتى و
الذين ماتوا قبل أن يولدواالفصل الخامس: الرجل الذي كان أبياستيقظ سليم على صوت قطرات ماء.قطرة.ثم أخرى.ثم ثالثة.فتح عينيه ببطء.سقف أبيض.مصباح دائري.رائحة مطهر.حاول تحريك يده، فاكتشف أنها مقيدة إلى جانب السرير.حاول رفع رأسه.ألم حاد اخترق عنقه.أغمض عينيه.تذكر كل شيء.البيت.مريم.النسخة.أمه.الرجل الذي قال إنه والده.ثم الإبرة.فتح عينيه مرة أخرى.كان هناك شخص يجلس بجانب السرير.رجل في منتصف العمر.شعره أسود، لكنه بدأ يتحول إلى الرمادي.كان يرتدي قميصًا أبيض.لم يتكلم.ظل ينظر إلى سليم.قال سليم:— أين أنا؟الرجل لم يجب.— من أنت؟ابتسم.— تعرفني.— لا.— بلى.اقترب من السرير.— فقط أخبروك أن تنساني.تجمد سليم.كان صوت الرجل مألوفًا.ليس كصوت أبيه الذي سمعه في التسجيلات.بل كصوت جاء من مكان أعمق.من ذاكرة لم يستطع الوصول إليها.قال الرجل:— أنا نادر.— أبي مات.— نعم.— رأيت جثته.— لم تكن جثتي.— رأيت وجهه.— وجه نسخة.رفع سليم رأسه.— أين أمي؟تغير وجه الرجل.— أمك اختارت جانبها.— ماذا يعني ذلك؟— ستفهم.— أين مريم؟لم يجب.صرخ سليم:— أين مريم؟اقترب الرجل.— مريم هي الس







