Home / الآخر / الرحلة 301 / البارت الخامس

Share

البارت الخامس

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-19 00:38:08

لكن بهاء، الذي لم يرَ في هذا كله سوى عقبة جديدة بينه وبين جيلان، شق الصفوف بانفعال، يلوّح بذراعه قائلاً

-بوابة زمن إيه! الأفلام سيطرت على تفكيرك خلاص؟!

أما يوسف، فكان يتلفت حوله كمن يبحث عن مخرج وهمي، يهمس لنفسه وكأنه يتمسك بذرة عقل

-يا رب يكون ده خيال... أكيد دي قبيلة في سينا... أكيد.

راغب ظل صامتًا، عيناه تراقبان الرجل الغريب، لكن داخله كان صاخبًا. لم يعد واثقًا من شيء.

أما ليلى، فلم تحتمل كل هذا التوتر، فهرعت إلى حضن والدتها باكية، لا تنطق إلا برجاء واحد

-عايزة أشوف أخويا... عاوزة شادى

ربت أيمن على كتفها برفق، صوته مزيج من القوة والحنان

-اهدَي يا حبيبتي... هنرجع

انكمشت سالي على نفسها كطفلة صغيرة هاربة من كابوس، لم تقوَ على كبح دموعها أكثر، فانفجرت تنهيدةً وانكسارًا.

اقتربت هاميس منها، تضمها برفق وتهمس بكلمات غير مكتملة، كأنها تحاول احتضان جراحها قبل أن تمسح دموعها.

أما حسن، فقد شعر أن الأرض تذوب تحت قدميه، وكأن ساقيه تحوّلتا إلى هلام لا يقوى على حمله.

نظر في الفراغ، صوته بالكاد يُسمع

-ولادي... ولادي هيعيشوا إزاي؟ ووفاء... هتربيهم لوحدها؟

ساد صمت ثقيل بين الجميع، صمت لم يكن هدوءًا، بل اختناقًا. التوتر نخر القلوب، وجعل الخوف سيد اللحظة.

وليد كان يقف بينهم، لكنه غارق في أعماق نفسه، يجلد ذاته بصمت.كيف لم يخبرهم؟ لماذا أخفى مرضه؟

كلما نظر للطائرة المدمرة، تراءت له كمقبرة جماعية... لا، ليست طائرة، بل نعش كبير طار بهم نحو الهلاك.

لكن ما زال هناك أحياء... وما زال بإمكانه أن يُصلح شيئًا.

فكر بصوتٍ داخلي حاسم

-لازم أنقذ الباقي... قبل ما يتحول الندم لذنب لا يُغتفر.

أخذ وليد نفسًا عميقًا، يحاول لملمة شتات نفسه، عينيه تائهتان في الفضاء وكأنهما تبحثان عن إجابة في الهواء.

راودته الكلمة كوميض برق في عاصفة(ابن القمر.)

ارتجف قلبه، كأن الغموض بدأ ينقشع. هذه ليست مجرد عبارة عابرة... إنها المفتاح. حل اللغز الذي كاد يبتلعهم.

استقام واقفًا، التفت إلى من حوله، وصوته هذه المرة كان يحمل شيئًا من اليقين

-إحنا لازم ندوّر على ابن القمر... هو الحل... هو اللي هيخرجنا من ده.

نظروا إليه باستغراب، لكنهم لم يجدوا بديلاً، فقد فقدوا البوصلة، ولم يبقَ أمامهم سوى أن يتبعوا أي خيط مهما كان غريبًا.

تحرك وليد، وساروا خلفه، خطواتهم مترددة، عيونهم مليئة بالتساؤلات، لكن لا أحد أراد أن يُطفئ الأمل الذي بدأ يشع في ملامحه.

على طول الطريق، أخذوا يتهامسون، يحاول كلٌ منهم طمأنة الآخر، وكأنهم يقيمون سورًا من الكلمات يصدّ عنهم الخوف

-يمكن فعلاً يكون في أمل...ابن القمر... يمكن يكون شخص، أو مكان... لازم نعرف.... المهم مانبقاش لوحدنا... نمشي سوا.

ورغم الغموض، شعرت القلوب بقبس من نور… ربما نجاتهم تبدأ من تلك الكلمة...ابن القمر.

أما بهاء، فكان يسير وحيدًا، تتآكله نيران الندم، يعضّ على أصابعه حسرة على فراق جيلان. ليت الزمن يعود به لحظة، ليته تزوّجها خفية عن الجميع، لعلها كانت الآن إلى جواره، تمسح عنه هذا الألم الصامت.

كانوا يسيرون في ذلك الممر المتعرج، تحفّه الحدائق من الجانبين، تنبعث منها روائح عطرية آسرة، كأنها امتزاج الورد بالياسمين والريحان. الأشجار تتراقص بأوراقها تحت نسمات هادئة، وفوق أغصانها تتدلى ثمار لم يرَ أحدهم مثلها من قبل، بألوان زاهية وأشكال غرائبية.

بين كل مجموعة أشجار، كان سور خشبي يقطع المشهد، منقوشًا عليه أسماء عديدة وكأنها تواقيع لزوار المكان، أو لُعنات عابرة نقشها الزمن.

فجأة، انبثقت أمامهم عين ماء صافية كأنها مرآة للسماء، تتراقص فوق سطحها خيوط الشمس. اقتربت ليلى منها بخطى بطيئة وقد أغراها صفاؤها، همست متمنية:

-يا رب تكون صالحة للشرب...

لكن سعاد أمسكت بذراعها بسرعة، وعيناها تتفقدان المكان بحذر

-استني يا ليلى، ممكن تكون مسمّمة. مفيش حاجة هنا نقدر نثق فيها.

تقدّمت هاميس نحو عين الماء بخطوات مترددة، نظراتها مشوشة بين الريبة والعطش. كانت تشعر أن هناك شيئًا لا يُطمئن في صفاء تلك المياه، ومع ذلك، كان الظمأ يحفر داخله بلا رحمة.

وما إن لامست أطرافها حافة العين، حتى ارتجفت فجأة وتراجعت بعنف، كادت أن تهوي أرضًا لولا أن أسرع يوسف واحتواها بذراعيه في اللحظة الأخيرة.

وقبل أن تلتقط أنفاسها، دوّى صوت غليظ كالصاعقة

-مين اللى بيقرب من عين المواساة؟!

تجمدت الدماء في عروقهم، وارتجف الهواء من حولهم. التفتوا جميعًا ليجدوا رجلاً مسنًا يخرج من خلف الأشجار، يرتدي ملابس غريبة لا تقل غرابة عن ذاك الرجل الذي صادفوه صباحًا.

ملامحه قاسية، وصوته أشبه بطَرقات حديد على صخر، حادٌّ ونافذ، ألقى في قلوبهم رعبًا جعلهم يلتصقون ببعضهم كأطفالٍ باغتَهم العتم.

ارتجفت هاميس وهي تنظر إلى الرجل بعينين تملؤهما الرجاء والخوف، وتمتمت بصوت خافت كاد لا يُسمع:

-أنا... عطشانة بس...

لم تكمل جملتها حتى اشتعلت نظرات الكهل غضبًا، ورفع عصاه وهَوى بها على الأرض بعنف، فاهتز التراب تحت أقدامهم.

صرخ بصوته الغليظ

-ومن إمتى... ومن إمتى والعين دي للظمأ؟! أنتي مين علشان تقتربي منها؟ ده أمر لازم يُعرض على ابن القمر!

ساد صمت مشوب بالفزع، ثم، وما إن نطق اسم (ابن القمر) حتى التفت الجميع نحوه، وكأن هذا الاسم أيقظ فيهم خيط الأمل الوحيد.

تعالت الأصوات فجأة، مرتبكة، متلهفة

-فين ابن القمر؟ خدنا له! عايزين نقابله!

تأملهم الكهل بعينين مشككتين، ثم تساءل بصوت أقل حدّة ولكن لا يخلو من الحذر

-إنتو مين؟ وجايين منين؟

تقدم وليد بخطوة وقال بثقة يعلوها القلق

-إحنا... غرباء. وقعنا هنا بالصدفة، من السماء تقريبًا.

ظل الكهل يرمقهم بصمت لحظات طويلة، قبل أن يُسقط المفاجأة كصاعقة مدوية

-الجزيرة دي... مافيش حد بيدخلها ولا بيخرج منها. وجودكم هنا... كيف

دبّت الهمهمات بين الجميع كالنار في الهشيم، نظراتهم تتبادل الذهول والقلق، وكأنهم استيقظوا للتو على كابوس حيّ.

قالت سالي بصوت مرتجف

-يعنى ايه الكلام ده..... يعني إحنا... محبوسين هنا؟!"

رد يوسف بانفعال، وقد فقد صبره

-ده تخريف! مفيش مكان في العالم مفيهوش طريق للخروج!

وقبل أن يُكمل، قطع الكهل حديثه بصوت حاد كالسوط

-اخفض صوتك، يا بني! ده كلامك مع شيخ كبير، فكيف ترفع صوتك عليه من أبوك

شعر يوسف بالإحراج، وتراجع خطوة للوراء، قبل أن يتمتم بأسف

-أنا آسف، ماقصدتش.

تنهد الكهل وجلس على حجرٍ مائل قرب العين، وعيناه تتفحصان وجوههم وكأنه يقيس صدقهم بالحدس.

ثم قال بصوت أجشّ يحمل في طياته رهبة السنين

-من سنين طويلة... محدّش دخل الجزيرة، ولا حد خرج منها. واللي حاول يخرج ... رجع جثة، أو ما رجعش خالص

ساد صمت ثقيل، قبل أن يقطعه محمود، وقد عقد حاجبيه متسائلًا:

-و... مين هو ابن القمر اللي بتتكلموا عنه؟

اعتدل الكهل في جلسته، وارتسم على وجهه مزيج من التبجيل والخشوع مرددا

-ابن القمر... أعزّه الله وأطال عمره... هو حاكم جزيرتنا. ماحدش يعرف عمره الحقيقي... ولا كيف بقى الحاكم، لكنه، منذ عقود، هو النور الوحيد اللي بيهتدي بيه أهل الجزيرة.

اقترب وليد من الكهل، تتلاحق أنفاسه بين رجاء وقلق، وقال بلهفة لم يستطع إخفاءها

-من فضلك... وصلنا له، عايزين نقابل ابن القمر، ضروري.

تأمل الرجل ملامحه ببطء، ثم أدار وجهه ونادى بصوت مجلجل يتردد صداه بين الأشجار

-يا فارس! يا ولد، تعالى هنا!

أطل صبيّ نحيل من خلف جذع شجرة، يحمل نظرات فضولٍ متقدة، وشعرًا أشعث يتطاير حول وجهه الأسمر. هرول نحو الكهل ثم وقف بجانبه متسائلًا بعينين مفتوحتين على اتساعهما

(دول هما؟) ثم رمق الغرباء من أعلى لأسفل، وعيناه تتوقفان على أحذيتهم، ستراتهم، وألوان ملابسهم الغريبة.

ثم عبس قليلاً وسأل ببراءة ساخرة

-وهما هيمشوا كل المسافة دي؟!

ابتسم الكهل في هدوء، وكأنه اعتاد على غرابة المواقف، ثم أخرج من جيبه بضع قطع معدنية صغيرة، تلمع تحت ضوء الشمس، وقد نُقشت عليها رموز أشبه بالنجوم والأقمار.

ناولها إلى فارس مرددا

-خدهم واركبهم أحد الركوبات. وخد بالك من الطريق... خلّي بالك من اللفايف حوالين الممر التاني، ومتوقفش لو حد ناداك. ممكن أهل الجزيرة يوقفوا الأغراب

تسمرت عيون الجميع على كلمة واحدة (الركوبات) تبادلوا النظرات، لا أحد فهم ما المقصود بها بالضبط، لكن الصبي أومأ بحماس مرددا

-ماشي يا عم الشيخ... اتفضلوا ورايا

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الرحلة 301   البارت السابع

    وهنا أدهم قاطعها، صوته غاضب كأنه يواجه الحقيقة لأول مرة-نسيتي كلام الشيخ؟ قال محدش بيخرج من الجزيرة... غير اللي ماتوا فعلاً في الطيارة.تجحظ عينا هاميس، وتصرخ وقد تجمّدت الدماء في عروقها-يعني إحنا اتحبسنا هنا؟! مش هنشوف أهالينا تاني؟!تدخل أيمن بسرعة، يحاول الإمساك بزمام الموقف، ولو بكلمة تهدّئ العاصفة-استنوا... ما نسبقش الأحداث. يمكن لسه في تفسير.تتحول الأنظار نحو وليد، كأن الجميع يحمّله عبء الإجابة، ينتظرون منه كلمة تعيد لهم التوازن.يتنهد وليد، يحاول ترتيب أفكاره، ثم يقول بنبرة باردة كالحقيقة-كان فيه عطل في الطيارة... فقدنا الاتصال من وقتها... ما كنتش متأكد إحنا فين ولا إزاي حصل ده.يتسرب الصمت كالدخان، يخنق الحناجر، وتخبو الهمهمات.فجأة، يشق السكون صوت الغلام الصغير، مرتفعًا بإعلان مهيب-ابن القمر... قادم✨✨✨✨✨✨✨ذهبت لزيارتها تحمل في قلبها ثقل الخبر... كانت تعرف كم كانت جيلان تعشق بهاء، حد الوله، حد اللاعودة.طرقت الباب بخفة، فتحت لها جيلان بابتسامة باهتة، ووجه خالٍ من أي أثر للدموع.جلست بجوارها محاولة أن تستشف حزنها، أن تواسيها، لكن شيئًا ما كان غريبًا... جيلان لم تكن تبكي

  • الرحلة 301   البارت السادس

    كانت الركوبة أشبه بصندوق خشبي أنيق يستقر فوق عجلات خشبية ملونة، تتناثر على جوانبه باقات من الزهور البرية بعشوائية خلابة. يجرها مخلوق غريب يشبه الحمار الوحشي، إلا أن تموجاته لم تكن سوداء وبيضاء، بل زرقاء وبرتقالية، فيما تشبه رأسه رأس حصان، لكن بحجم يفوقه قليلًا، كأنما وُلد من رحم الخيال.تطلع إليهم السائق بنظرة فضولية، قبل أن يومئ لهم بالصعود. اعتلوا العربة واحدًا تلو الآخر، لتنطلق بهم في طريق رملي بدا مستحيلًا أن يكون بهذا القدر من السلاسة. الطريق مستقيم، كأنه مفروش بأمان خفي، والمشهد من حولهم يزداد غرابة وجمالًا في آنٍ معًا.مروا بحدائق واسعة تتفتح فيها أزهار لم يروا مثلها من قبل، بألوان لا تحملها الطبيعة في عالمهم القديم. وعلى أحد الجوانب، بدا منحل ضخم يعج بالحركة، وكأن النحل فيه يعيش وفق نظام صارم ودقيق.ثم ظهرت أمامهم بحيرة رقراقة، تحيطها أسوار خشبية، مياهها تلمع تحت الشمس وكأنها مرآة من زجاج صافي. وعلى الضفة الأخرى، تقف منازل فريدة، ذات طراز معماري لا يشبه أي شيء مألوف؛ جدرانها مطلية بألوان باهتة راقية، وأسقفها مغطاة بألواح معدنية لامعة تلمع تحت الشمس كأنها تتنفس ضوءها.كانت الجز

  • الرحلة 301   البارت الخامس

    لكن بهاء، الذي لم يرَ في هذا كله سوى عقبة جديدة بينه وبين جيلان، شق الصفوف بانفعال، يلوّح بذراعه قائلاً-بوابة زمن إيه! الأفلام سيطرت على تفكيرك خلاص؟!أما يوسف، فكان يتلفت حوله كمن يبحث عن مخرج وهمي، يهمس لنفسه وكأنه يتمسك بذرة عقل-يا رب يكون ده خيال... أكيد دي قبيلة في سينا... أكيد.راغب ظل صامتًا، عيناه تراقبان الرجل الغريب، لكن داخله كان صاخبًا. لم يعد واثقًا من شيء.أما ليلى، فلم تحتمل كل هذا التوتر، فهرعت إلى حضن والدتها باكية، لا تنطق إلا برجاء واحد-عايزة أشوف أخويا... عاوزة شادى ربت أيمن على كتفها برفق، صوته مزيج من القوة والحنان-اهدَي يا حبيبتي... هنرجع انكمشت سالي على نفسها كطفلة صغيرة هاربة من كابوس، لم تقوَ على كبح دموعها أكثر، فانفجرت تنهيدةً وانكسارًا.اقتربت هاميس منها، تضمها برفق وتهمس بكلمات غير مكتملة، كأنها تحاول احتضان جراحها قبل أن تمسح دموعها.أما حسن، فقد شعر أن الأرض تذوب تحت قدميه، وكأن ساقيه تحوّلتا إلى هلام لا يقوى على حمله.نظر في الفراغ، صوته بالكاد يُسمع-ولادي... ولادي هيعيشوا إزاي؟ ووفاء... هتربيهم لوحدها؟ساد صمت ثقيل بين الجميع، صمت لم يكن هدوءًا

  • الرحلة 301   البارت الرابع

    بدت كلماتها وكأنها طرقت على باب السماء، أو ربما على جدران قلوبهم جميعًا، لتصمت الأصوات للحظة، يتسلل خلالها الخوف إلى أعماق كل منهم.انتفض وكيل أعمالها غاضبًا من كلماتها، ينهـرها بعصبية وهو يلوّح بيده-إنتي بتقولي إيه؟ اتلمي، ده مش وقت الكلام ده!لكن رزان لم تصمت، بل استدارت إليه بعينين يشتعلان وجعًا، تصرخ فيه دون اكتراث-اسكت! كفاية ذنب! إحنا جايين نغني ونرقص على أرض طاهرة... أرض ربنا، مش ملاهي ليلية!وسكبت دموعها فجأة، دافئة، غزيرة، تنساب مختلطة بالكحل المسكوب حول عينيها، لتخطّ سطرًا أسود على وجنتها، كأنها دموع تحمل وزر ذنب لا يُغتفر.ثم تابعت بصوت منكسر، تملأه رجفة الصدق-ده جزاؤنا... جزاء اللي كنا ناويين عليه... ربنا بيحاسبنا من قبل ما نبتدي.ساد صمت ثقيل، لم يجرؤ أحد على قطعه.كان المشهد أمام أعينهم يشبه مشهدًا مسرحيًا حيًا، لكن أبطاله لم يكونوا ممثلين... كانت قلوبهم هي التي تمثّل.ارتسم التأثر في وجوه الجميع، وكأن كل منهم تذكّر ذنبًا دفنه داخله.تقدمت سعاد منها بخطى مترددة، ثم احتضنتها بقوة كأنها تحاول أن تنتشلها من غرقها الداخلي، تمسح بيدها على شعرها هامسة-اهدي يا رزان... ربنا

  • الرحلة 301   البارت الثالث

    نظر إليه الجميع بدهشة، مزيج من الغضب والذهول، وكأن كلماته طعنتهم وسط جراحهم.لكن وليد لم ينطق، فقط نظر إليهم جميعًا… يعلم أن القرار القادم ليس فقط إنقاذًا لحياتهم، بل إعادة حسابات لكل شيء ظنوا أنهم يعرفونه عن الحياة.تداخلت الأصوات…كلٌ يصرخ برأيه، كلٌ يرى النجاة من زاويته.ليلى تريد العودة… يوسف يرفض… سالى تبكي… وليد لا يجد أرضًا يقف عليها.وفجأة، شقّ صوت قوي الأجواء كالسهم-كفاية!!!كان أيمن، يقف في منتصف الممر، وجهه متعرق، عيونه مشتعلة بالغضب.صرخ فيهم-إحنا بنتخانق… وإحنا لسه محبوسين جوه الطيارة!حد واخد باله؟!... إحنا لسه ماخرجناش حتى… وكل واحد بيشد في اتجاهه!عمّ الصمت، لحظة نادرة، كأن الجميع تذكّروا أنهم على قيد الحياة فقط.في تلك اللحظة، التفت أيمن إلى شاب يجلس بالقرب من النافذة، لم يتحرك منذ بداية الأزمة.كان جالسًا في صمت تام، لا صراخ، لا دموع، لا اعتراض… فقط ساكن كأن الزمن لا يعنيه.اقترب منه أيمن ببطء وسأله بحذر:-إنت كويس؟ محتاج حاجة؟لم يجب الشاب.تقدّم يوسف أيضًا، جلس بجانبه، ولوّح له بيده في الهواء محاولًا التواصل بلغة الإشارة، كأنما يعتقد أنه لا يسمع أو لا يتكلم.لكن،

  • الرحلة 301   البارت الثانى

    تدخل عليه كالعاصفة، عيناها تقدحان شررًا، ونبرتها لا تحتمل التأجيل:-هتسافر مع البت دي برضه؟!يتوقف لحظة، يكز على أسنانه بغضب مكتوم، ثم يتابع تجهيز حقيبته وهو يرد بحدة دون أن يلتفت-هي مش بتطلع معايا... دي موظفة في الشركة، وبيني وبينها مفيش حاجة.لكنها تعرفه... تعرف نظراته، وأكاذيبه المغلّفة بالمنطق.إنه محمود، مساعد الطيار الوسيم، متعدد العلاقات، الذي يتقن فن التلاعب بالحدود.يُجيد الفصل بين حياته الزوجية الرسمية، وبين نزواته التي تملأ رحلاته خارج البلاد.تتأمله بصمت، كأنها تنظر إلى رجل لم تعد تعرفه، رجل بات غريبًا في بيته، حاضرًا بجسده فقط.وفي قلبها سؤال يحترق:إلى متى تظل "الزوجة" مجرد محطة بين رحلاته؟✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨انتهى الأب من حزم أمتعته، ثم التفت إلى ابنه شادي، وفي عينيه رجاء صامت، تمنى لو يسافر معه هذه المرة أيضًا.لكن شادي لم يردّ بالوعود... فقط اكتفى بابتسامة باهتة وهمسة مقتضبة-كفاية غربة، خليني أجرب مرة فى بلدى ولو منجحتش أكيد هحصلكوا كأن قلبه تعب، وكأن الوطن – رغم قسوته – بات أكثر احتمالًا من البعد.قبل الرحيل، احتضن شقيقته ليلى، تلك التي لم يفارقها يومًا، فشعر كأن شيئًا يُ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status