LOGINكانت الركوبة أشبه بصندوق خشبي أنيق يستقر فوق عجلات خشبية ملونة، تتناثر على جوانبه باقات من الزهور البرية بعشوائية خلابة. يجرها مخلوق غريب يشبه الحمار الوحشي، إلا أن تموجاته لم تكن سوداء وبيضاء، بل زرقاء وبرتقالية، فيما تشبه رأسه رأس حصان، لكن بحجم يفوقه قليلًا، كأنما وُلد من رحم الخيال.
تطلع إليهم السائق بنظرة فضولية، قبل أن يومئ لهم بالصعود. اعتلوا العربة واحدًا تلو الآخر، لتنطلق بهم في طريق رملي بدا مستحيلًا أن يكون بهذا القدر من السلاسة. الطريق مستقيم، كأنه مفروش بأمان خفي، والمشهد من حولهم يزداد غرابة وجمالًا في آنٍ معًا. مروا بحدائق واسعة تتفتح فيها أزهار لم يروا مثلها من قبل، بألوان لا تحملها الطبيعة في عالمهم القديم. وعلى أحد الجوانب، بدا منحل ضخم يعج بالحركة، وكأن النحل فيه يعيش وفق نظام صارم ودقيق. ثم ظهرت أمامهم بحيرة رقراقة، تحيطها أسوار خشبية، مياهها تلمع تحت الشمس وكأنها مرآة من زجاج صافي. وعلى الضفة الأخرى، تقف منازل فريدة، ذات طراز معماري لا يشبه أي شيء مألوف؛ جدرانها مطلية بألوان باهتة راقية، وأسقفها مغطاة بألواح معدنية لامعة تلمع تحت الشمس كأنها تتنفس ضوءها. كانت الجزيرة... عالمًا آخر. حياة جديدة لا تشبه ما عرفوه، لكنها رغم كل غرابتها، بدت ممتعة، كرحلة داخل حلم لا يرغب أحد في الاستيقاظ منه. يفيق الجميع على كلمة -وصلنا منزل ابن القمر أطال الله عمره ✨✨✨✨✨✨✨✨ المكان يغلي بالضوضاء، كاميرات الهواتف ترتفع، العيون متسعة بالقلق، والقلوب تنزف انتظارًا. أم سالي تصرخ وهي تدفع رجال الأمن -عاوزة بنتي! بنتي راحت فين؟ إنتو ليه ساكتين؟! الطيارة دي راحت فين؟!" أحد موظفي الأمن يحاول تهدئتها -يا مدام، الرجاء الهدوء، لسه التحقيق شغال. يتدخل شقيق أدهم، شاب عصبي يرتدي قميصًا مفتوحًا عند الصدر، يقول بانفعال -كلام فارغ! بقالنا ساعات! الطيارة اختفت ومحدش بيقول حاجة؟ ولا حتى طمنونا إن في ناجين!" مدير المطار يدخل محاطًا بحراسة مشددة، بنظرات متوترة ووجه مجهد، يرفع يده للتهدئة -إحنا بنتابع مع الجهات الرسمية، والبحث جاري عن أي إشارات للطائرة. نرجو التعاون والصبر. والد هاميس، رجل صارم وعصبي -إنت بتطلب مننا نصبر؟! لو كانت طيارة خاصة برجال أعمال كنتو اتقلبتو الدنيا! دلوقتي تقوللي صبر؟! أم سالي تنهار بالبكاء "قالولي بنتي هتسافر ساعتين وتوصل موصلتشى أخت أدهم تصرخ فجأة -محدش قالهم يسافروا في شركة ملهاش اسم! كان لازم نتأكد! زوجة خال هاميس ترد بحدة -يعني إنتي بتلميح؟ إنتي فاكرة إننا كنا عارفين؟! يتصاعد التوتر، تتداخل الأصوات، يدفع أحدهم الآخر، رجال الأمن يحاولون التدخل. صوت ميكروفون صحفي يرتفع من الخلف -هل في أي معلومات مؤكدة عن مكان اختفاء الطائرة؟ وهل في ضحايا؟ مدير المطار وقد بدى نضغوط للغاية -لا تصريحات إضافية حاليًا! نرجو الانسحاب فورًا! لحظة صمت ثقيل... ثم تصرخ طفلة صغيرة كانت تمسك بيد جدتها -ماما كانت في الطيارة... يسود الصمت... تنهار الأم في البكاء. المشهد ينتهي على وجوه متصلبة، وقلوب مكسورة، والأنظار تتجه نحو الباب المغلق خلف مدير المطار. وسط الفوضى... كانت نهى واقفة في الخلف، لا تصرخ ولا تبكي. عيناها جامدتان، تمسك حقيبة يدها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها أحد أقاربها يهمس -إن شاء الله يرجع بالسلامة... لكنها لا ترد. فقط همست بصوت يكاد يُسمع -هو أصلاً كان بيجهز يسافر معاها... بس أول مرة يسافروا خالص تنظر بعيدًا، كأنها لا تنتظر شيئًا... (يمكن دي أول مرة يخوني فيها القدر مش أنا.) ترتعش شفتاها لكنها لا تبكي. كانت متماسكة بطريقة موجعة. في زاوية أخرى من القاعة، كانت وفاء، زوجة حسن، تبكي بصوت مكتوم وهي تحتضن طفليها. كان ابنها الصغير يهمس -ماما بابا هيرجع؟ بابا راح يجيبلي العربية ولا لأ؟ انهارت على الأرض، تضع رأسها في حجرها وهي تردد -كان بيضحك وهو بيودعني... قال لي سنتين وهرجعلك... ثم التفتت فجأة نحو مدير المطار، تصرخ من بين دموعها -فين جوزي؟! دا طيار! مش المفروض يطمن الركاب؟! دا بيخاف ربنا! لكن لم يجبها أحد. اقتربت منها امرأة تحاول مواساتها، لكنها صاحت -أنا مش زيهم... أنا كنت بحبه بجد! ما خاننيش... ما كذبش عليا... حسن كان راجل بحق! دموعها بللت الأرض، والصغير يحاول مسح دموعها بيديه الصغيرة، والمشهد كله يتحول لجرح مفتوح، كل واحدة فيه بتنزف بطريقتها ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ توقفت العربة الخشبية ببطء، ليترجل الجميع منها وسط نظرات مبهورة تتأمل المشهد أمامهم. كان المنزل يقف شامخًا في قلب الجزيرة، كتحفة فنية من عالم الأساطير. سقفه المقوس يتلألأ كأنه مغطى ببلورات من ضوء القمر، وجدرانه منقوشة بأشكال هندسية دقيقة تتراقص عليها ظلال الأشجار المحيطة. يشبه بيوت أفلام ديزني، لكنه بدا أكثر واقعية وسحرًا في آنٍ معًا. امتدت أمامه حديقة أشبه بلوحة حية، مرتبة بدقة مذهلة، أزهارها متناسقة الألوان وكأن فنانًا اختار مكان كل زهرة بعناية. فراشات بأجنحة شفافة تحوم حول الزهور، وزقزقة طيور غريبة تملأ المكان بلحن لا يُشبه ما عرفوه من قبل. وفي نهاية الحديقة، انفتح الممر على مشهد مبهر... جندول صغير يطفو على مجرى ماء ضيق، لكن مياهه لم تكن زرقاء ولا شفافة، بل كأنها فضة سائلة تنعكس فيها الألوان كقوس قزح. الجندول نفسه بدا كقطعة من زمن قديم، مزين بأحجار ملونة تلمع كلما لامستها أشعة الشمس. تقدم الجميع في صمت مهيب، كأنهم دخلوا حكاية من حكايات الطفولة، لكنهم هذه المرة كانوا الأبطال الحقيقيين لها... ساروا خلف الصبي عبر ممرٍ مرصوف بحجارة ناعمة تتوهج بخفوت تحت أقدامهم، كأنها تستجيب لخطواتهم. الهواء كان عليلًا، يحمل عبق الزهور والماء معًا، بينما الأشجار حولهم تنحني برفق، كأنها ترحب بالغرباء القادمين من عالم آخر. توقف الصبي أمام بوابة خشبية مزخرفة برموز غريبة، وأشار لهم بيده الصغيرة أن يتوقفوا. اقترب من أحد الحراس ذوي الملامح الجامدة والهيبة الصامتة، همس في أذنه ببضع كلمات، ثم عاد إليهم بخطوات واثقة، في يده مفتاح لا يشبه أي مفتاح رأوه من قبل-كان شفافًا كالكريستال، تتخلله خيوط ذهبية تتحرك كأنها حية. ردد الصبي بنبرة هادئة وهو يناول المفتاح لأدهم -اتفضلوا... استنوا الحاكم هنا. فتح أدهم الباب بخفة، ليدخل الجميع إلى غرفة واسعة كأنها صُنعت لملوك الحكايات. الجدران مطلية بألوان هادئة دافئة، مزيج بين الذهبي والفيروزي، تتلألأ تحت ضوء مصابيح تشبه نجومًا معلقة في السماء. في منتصف الغرفة، كان المجلس العربي مفروشًا بأرائك مزخرفة بالحرير والقطيفة، تزينها وسائد مطرزة بخيوط فضية. وعلى أحد الجوانب، استقرت مائدة مستديرة من الخشب الفاخر، يعلوها غطاء من الدانتيل الناعم، وفوقها صف من الأكواب الفضية اللامعة، كأنها تنتظر احتفالًا أو طقوسًا ستبدأ حالًا. وقف الجميع مبهورين، تتجول أعينهم في تفاصيل الغرفة، والهدوء المهيب يفرض نفسه، كأنهم في حضرة شيء أكبر من مجرد مكان... وكأن كل شيء هنا حي، يراقبهم، ويهمس لهم بما هو قادم. رغم روعة المكان، كان الصمت سيد اللحظة. الموقف عصيب... لا أحد يجرؤ على كسر هذا الهدوء الغريب، وكأن الكلمات قد تفسد توازنًا هشًا في هذا العالم الغريب. جلسوا في أماكنهم بتوتر ظاهر، تتنقل نظراتهم بين التفاصيل الساحرة والغريبة للغرفة، ثم ارتفعت أعينهم للسقف... كان مزينًا ببلورات صغيرة، تتدلى كأنها نُجوم مجمدة، ينبعث منها نور خافت متراقص بلون البنفسج والذهب. ضوء لا يُزعج العين، لكنه يثير القلب بالأسئلة. مال يوسف قليلًا نحو الصبي الجالس بالقرب من الباب، وهمس له بنبرة هادئة مترددة -هو... التاريخ إيه عندكم النهارده؟ أجابه الصبي ببساطة وهو ينظر نحوه دون ارتباك -السبت... خمستاشر أبريل. هز يوسف رأسه وهو يحاول السيطرة على ارتباكه، ثم سأل من جديد بصوت أخفض، وقد بدأ القلق يتسلل إلى نبرته -يعني... سنة كام؟ ابتسم الصبي ابتسامة خفيفة كأن السؤال غريب، ثم قال بثقة -سنة ألفين وعشرة. تجمدت ملامح يوسف، واتسعت عينيه، قبل أن ينقل نظره سريعًا إلى وليد، الذي التقط الذهول من على وجهه كمرآة، ثم إلى سالي، ثم أدهم... شُحب وجه الجميع فجأة، كأن أحدهم سحب الدم من عروقهم في لحظة واحدة. الصدمة جمعتهم دون كلمة واحدة... التاريخ صحيح. لا فجوة زمنية. لا قفزة في الزمن. كل ما مروا به، ما شاهدوه، تلك البوابة، الجزيرة، المخلوقات الغريبة... كل ذلك حدث في نفس العالم الذي يعرفونه. لم يكن ما يحيطهم ماضٍ بعيد، ولا مستقبل مجهول... بل واقع آخر موازٍ، موجود بجانبهم طوال الوقت، يختبئ خلف ستار لا يُرى همست هاميس بصوت مرتجف وهي تتلفّت حولها -التاريخ مظبوط... مفيش فجوة زمنية... يعني فيه أمل نرجع تاني!وهنا أدهم قاطعها، صوته غاضب كأنه يواجه الحقيقة لأول مرة-نسيتي كلام الشيخ؟ قال محدش بيخرج من الجزيرة... غير اللي ماتوا فعلاً في الطيارة.تجحظ عينا هاميس، وتصرخ وقد تجمّدت الدماء في عروقها-يعني إحنا اتحبسنا هنا؟! مش هنشوف أهالينا تاني؟!تدخل أيمن بسرعة، يحاول الإمساك بزمام الموقف، ولو بكلمة تهدّئ العاصفة-استنوا... ما نسبقش الأحداث. يمكن لسه في تفسير.تتحول الأنظار نحو وليد، كأن الجميع يحمّله عبء الإجابة، ينتظرون منه كلمة تعيد لهم التوازن.يتنهد وليد، يحاول ترتيب أفكاره، ثم يقول بنبرة باردة كالحقيقة-كان فيه عطل في الطيارة... فقدنا الاتصال من وقتها... ما كنتش متأكد إحنا فين ولا إزاي حصل ده.يتسرب الصمت كالدخان، يخنق الحناجر، وتخبو الهمهمات.فجأة، يشق السكون صوت الغلام الصغير، مرتفعًا بإعلان مهيب-ابن القمر... قادم✨✨✨✨✨✨✨ذهبت لزيارتها تحمل في قلبها ثقل الخبر... كانت تعرف كم كانت جيلان تعشق بهاء، حد الوله، حد اللاعودة.طرقت الباب بخفة، فتحت لها جيلان بابتسامة باهتة، ووجه خالٍ من أي أثر للدموع.جلست بجوارها محاولة أن تستشف حزنها، أن تواسيها، لكن شيئًا ما كان غريبًا... جيلان لم تكن تبكي
كانت الركوبة أشبه بصندوق خشبي أنيق يستقر فوق عجلات خشبية ملونة، تتناثر على جوانبه باقات من الزهور البرية بعشوائية خلابة. يجرها مخلوق غريب يشبه الحمار الوحشي، إلا أن تموجاته لم تكن سوداء وبيضاء، بل زرقاء وبرتقالية، فيما تشبه رأسه رأس حصان، لكن بحجم يفوقه قليلًا، كأنما وُلد من رحم الخيال.تطلع إليهم السائق بنظرة فضولية، قبل أن يومئ لهم بالصعود. اعتلوا العربة واحدًا تلو الآخر، لتنطلق بهم في طريق رملي بدا مستحيلًا أن يكون بهذا القدر من السلاسة. الطريق مستقيم، كأنه مفروش بأمان خفي، والمشهد من حولهم يزداد غرابة وجمالًا في آنٍ معًا.مروا بحدائق واسعة تتفتح فيها أزهار لم يروا مثلها من قبل، بألوان لا تحملها الطبيعة في عالمهم القديم. وعلى أحد الجوانب، بدا منحل ضخم يعج بالحركة، وكأن النحل فيه يعيش وفق نظام صارم ودقيق.ثم ظهرت أمامهم بحيرة رقراقة، تحيطها أسوار خشبية، مياهها تلمع تحت الشمس وكأنها مرآة من زجاج صافي. وعلى الضفة الأخرى، تقف منازل فريدة، ذات طراز معماري لا يشبه أي شيء مألوف؛ جدرانها مطلية بألوان باهتة راقية، وأسقفها مغطاة بألواح معدنية لامعة تلمع تحت الشمس كأنها تتنفس ضوءها.كانت الجز
لكن بهاء، الذي لم يرَ في هذا كله سوى عقبة جديدة بينه وبين جيلان، شق الصفوف بانفعال، يلوّح بذراعه قائلاً-بوابة زمن إيه! الأفلام سيطرت على تفكيرك خلاص؟!أما يوسف، فكان يتلفت حوله كمن يبحث عن مخرج وهمي، يهمس لنفسه وكأنه يتمسك بذرة عقل-يا رب يكون ده خيال... أكيد دي قبيلة في سينا... أكيد.راغب ظل صامتًا، عيناه تراقبان الرجل الغريب، لكن داخله كان صاخبًا. لم يعد واثقًا من شيء.أما ليلى، فلم تحتمل كل هذا التوتر، فهرعت إلى حضن والدتها باكية، لا تنطق إلا برجاء واحد-عايزة أشوف أخويا... عاوزة شادى ربت أيمن على كتفها برفق، صوته مزيج من القوة والحنان-اهدَي يا حبيبتي... هنرجع انكمشت سالي على نفسها كطفلة صغيرة هاربة من كابوس، لم تقوَ على كبح دموعها أكثر، فانفجرت تنهيدةً وانكسارًا.اقتربت هاميس منها، تضمها برفق وتهمس بكلمات غير مكتملة، كأنها تحاول احتضان جراحها قبل أن تمسح دموعها.أما حسن، فقد شعر أن الأرض تذوب تحت قدميه، وكأن ساقيه تحوّلتا إلى هلام لا يقوى على حمله.نظر في الفراغ، صوته بالكاد يُسمع-ولادي... ولادي هيعيشوا إزاي؟ ووفاء... هتربيهم لوحدها؟ساد صمت ثقيل بين الجميع، صمت لم يكن هدوءًا
بدت كلماتها وكأنها طرقت على باب السماء، أو ربما على جدران قلوبهم جميعًا، لتصمت الأصوات للحظة، يتسلل خلالها الخوف إلى أعماق كل منهم.انتفض وكيل أعمالها غاضبًا من كلماتها، ينهـرها بعصبية وهو يلوّح بيده-إنتي بتقولي إيه؟ اتلمي، ده مش وقت الكلام ده!لكن رزان لم تصمت، بل استدارت إليه بعينين يشتعلان وجعًا، تصرخ فيه دون اكتراث-اسكت! كفاية ذنب! إحنا جايين نغني ونرقص على أرض طاهرة... أرض ربنا، مش ملاهي ليلية!وسكبت دموعها فجأة، دافئة، غزيرة، تنساب مختلطة بالكحل المسكوب حول عينيها، لتخطّ سطرًا أسود على وجنتها، كأنها دموع تحمل وزر ذنب لا يُغتفر.ثم تابعت بصوت منكسر، تملأه رجفة الصدق-ده جزاؤنا... جزاء اللي كنا ناويين عليه... ربنا بيحاسبنا من قبل ما نبتدي.ساد صمت ثقيل، لم يجرؤ أحد على قطعه.كان المشهد أمام أعينهم يشبه مشهدًا مسرحيًا حيًا، لكن أبطاله لم يكونوا ممثلين... كانت قلوبهم هي التي تمثّل.ارتسم التأثر في وجوه الجميع، وكأن كل منهم تذكّر ذنبًا دفنه داخله.تقدمت سعاد منها بخطى مترددة، ثم احتضنتها بقوة كأنها تحاول أن تنتشلها من غرقها الداخلي، تمسح بيدها على شعرها هامسة-اهدي يا رزان... ربنا
نظر إليه الجميع بدهشة، مزيج من الغضب والذهول، وكأن كلماته طعنتهم وسط جراحهم.لكن وليد لم ينطق، فقط نظر إليهم جميعًا… يعلم أن القرار القادم ليس فقط إنقاذًا لحياتهم، بل إعادة حسابات لكل شيء ظنوا أنهم يعرفونه عن الحياة.تداخلت الأصوات…كلٌ يصرخ برأيه، كلٌ يرى النجاة من زاويته.ليلى تريد العودة… يوسف يرفض… سالى تبكي… وليد لا يجد أرضًا يقف عليها.وفجأة، شقّ صوت قوي الأجواء كالسهم-كفاية!!!كان أيمن، يقف في منتصف الممر، وجهه متعرق، عيونه مشتعلة بالغضب.صرخ فيهم-إحنا بنتخانق… وإحنا لسه محبوسين جوه الطيارة!حد واخد باله؟!... إحنا لسه ماخرجناش حتى… وكل واحد بيشد في اتجاهه!عمّ الصمت، لحظة نادرة، كأن الجميع تذكّروا أنهم على قيد الحياة فقط.في تلك اللحظة، التفت أيمن إلى شاب يجلس بالقرب من النافذة، لم يتحرك منذ بداية الأزمة.كان جالسًا في صمت تام، لا صراخ، لا دموع، لا اعتراض… فقط ساكن كأن الزمن لا يعنيه.اقترب منه أيمن ببطء وسأله بحذر:-إنت كويس؟ محتاج حاجة؟لم يجب الشاب.تقدّم يوسف أيضًا، جلس بجانبه، ولوّح له بيده في الهواء محاولًا التواصل بلغة الإشارة، كأنما يعتقد أنه لا يسمع أو لا يتكلم.لكن،
تدخل عليه كالعاصفة، عيناها تقدحان شررًا، ونبرتها لا تحتمل التأجيل:-هتسافر مع البت دي برضه؟!يتوقف لحظة، يكز على أسنانه بغضب مكتوم، ثم يتابع تجهيز حقيبته وهو يرد بحدة دون أن يلتفت-هي مش بتطلع معايا... دي موظفة في الشركة، وبيني وبينها مفيش حاجة.لكنها تعرفه... تعرف نظراته، وأكاذيبه المغلّفة بالمنطق.إنه محمود، مساعد الطيار الوسيم، متعدد العلاقات، الذي يتقن فن التلاعب بالحدود.يُجيد الفصل بين حياته الزوجية الرسمية، وبين نزواته التي تملأ رحلاته خارج البلاد.تتأمله بصمت، كأنها تنظر إلى رجل لم تعد تعرفه، رجل بات غريبًا في بيته، حاضرًا بجسده فقط.وفي قلبها سؤال يحترق:إلى متى تظل "الزوجة" مجرد محطة بين رحلاته؟✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨انتهى الأب من حزم أمتعته، ثم التفت إلى ابنه شادي، وفي عينيه رجاء صامت، تمنى لو يسافر معه هذه المرة أيضًا.لكن شادي لم يردّ بالوعود... فقط اكتفى بابتسامة باهتة وهمسة مقتضبة-كفاية غربة، خليني أجرب مرة فى بلدى ولو منجحتش أكيد هحصلكوا كأن قلبه تعب، وكأن الوطن – رغم قسوته – بات أكثر احتمالًا من البعد.قبل الرحيل، احتضن شقيقته ليلى، تلك التي لم يفارقها يومًا، فشعر كأن شيئًا يُ