LOGINكانت ساعات المساء الأخيرة تخيم بسكونها البارد على أطراف محافظة الديوانية، والضباب الريفي يلتف حول جذوع النخيل المتشابكة في البستان المهجور. داخل المنزل الخرساني الصغير، كانت سارة تقف عند الزاوية المظلمة القريبة من النافذة، تتفحص محيط المكان بعينين تمرستا على قراءة لغة الخطر قبل وقوعه. كانت حواسها الاستخبارية تشير بوضوح إلى أن الإقامة هنا أصبحت مجازفة غير محسوبة؛ فالعيون الخفية التي ينشرها زين البغدادي في قطاعات الجنوب بدأت تضيق الدائرة ببطء، والبقاء في المكان نفسه يعطي خصمها فرصة إحكام الطوق دون جهد. "---" اتخذت سارة قراراً حاسماً ومصيرياً؛ لم يكن الهدف الاستمرار في الاختباء الموضعي بالجنوب، بل إطلاق خطة تحرك عكسية وغير متوقعة. قررت البدء برحلة التسلل نحو العاصمة بغداد كطريق ترانزيت محفوف بالمخاطر، لتكون نقطة عبور أولية ومرحلية تُقربها مستقبلاً من الشريط الشمالي والإقليم، حيث يمكنها هناك العثور على مساحة مناورة أكبر وشبكة تواصل أكثر أماناً بعيداً عن السيطرة المطلقة لنفوذ البغدادي. "---" جلست سارة على الأرضية الخرسانية الباردة لتفحص تجهيزاتها الأخيرة. أخرجت وثائق ثبوتية مزورة أ
انقضت ساعات الليل الأولى على أطراف مدينة الديوانية، وكانت البرودة تنخر عظام الجدران الطينية المتهالكة في المنزل المهجور خلف سكة القطار القديمة. سارة، التي قضت الأسابيع الماضية تصارع الحمى وآلام الجرح الناتجة عن إطلاق النار، كانت تقف أمام مرآة مكسورة مثبتة على الحائط الإسمنتي. بدت ملامحها أكثر حدة، وشاحبة بفعل النزيف والتغذية الضعيفة، لكن عينيها كشفت عن استعادة جزء غير هين من قدرتها على التركيز والتخطيط الاستخباري. "---" تأملت سارة الشاش الطبي الملفوف حول كتفها؛ لم يعد هناك نزيف نشط، والجرح بدأ يلتئم برغم الأثر الندبي الغائر الذي سيرافقها طوال حياتها. كانت تعلم يقيناً أن البقاء في هذا البيت الطيني لم يعد آخذاً في توفير الحماية المطلوبة. الاستمرار في المكان نفسه بعد مرور شهر كامل يعرضها لمخاطر الكشف، خصوصاً أن المفارز والأعين الخفية التابعة لنفوذ زين البغدادي لم تتوقف عن تمشيط المناطق القريبة من السكة والقطاعات النائية بالديوانية. "---" جمعت سارة أغراضها الشحيحة داخل حقيبة ظهر سوداء صغيرة؛ بعض العتاد المتبقي، مسدسها الذي تم تنظيفه وتجهيزه، وثائق مزورة، وبعض الأدوية والمطهرات. ا
مرّ شهرٌ كاملٌ على ذلك الفجر الأسود الذي وُري فيه جثمان ياسين الثرى في مقبرة العاصمة. ثلاثون يوماً انقضت كالدهر، تغيّر فيها وجه بغداد وانكمشت شوارعها تحت وطأة شتاء قارص هطلت معه الأمطار الأولى، بينما كان السواد لا يزال يخيم على بيت العائلة الكبير، ممتداً بظلاله الهادئة إلى البيت المستقل الذي يجمع زين بزوجته ليلى وابنهما بغداد. لم يكن مروره سهلاً على النفوس، لكنه كان شهراً من الصمت والترتيب الثقيل؛ شهرٌ لالتقاط الأنفاس وترميم الجراح الغائرة، وإعادة لملمة شتات الحياة الأسرية والعملية قبل اتخاذ أي خطوة قادمة. "---" في الدار المستقلة الخاصة بزين، كان الصباح يبدأ بهدوء حذر يحاول الجميع فيه استعادة روتين الحياة الطبيعية. استعاد الصغير "بغداد" نشاطه وحيويته بعد انقضاء أيام الحزن الأولى، ورغم أنه كان يلمح أحياناً شريط الذكريات والحزن الدفين في عيني أبيه، إلا أن وجوده اليومي بين والده وأمه ليلى خفف كثيراً من ثقل الفاجعة على البيت. كان زين يحرص كل صباح على أن يتناول الفطور مع عائلته الصغيرة، يحتضن طفله بطلب دفء حقيقي، ويطمئن على ليلى التي بدأت تستعيد توازنها النفسي والبدني بالتدريج، محاول
هبطت الطائرة المروحية العسكرية في المهبط المخصص بالعاصمة بغداد، مترافقة مع صوت محركاتها الثقيلة التي كانت تصارع هواء الفجر البارد. توقفت مروحة المروحية رويداً رويداً، ليتصاعد الغبار في الفضاء المحيط. ترجل زين من الطائرة بخطوات ثقيلة ومترددة، ملامح وجهه قاسية وجامدة كأنها قد قُدت من صخر، وعيناه المحمرتان تعكسان حجم الفاجعة التي تسكن أحشاءه. "---" انقض الضباط والمرافقون بمهابة ووقار لرفع التابوت المغطى بعلم البلاد من بطن المروحية. زين لم يسمح لأحد بلمس الموضع الأيمن للتابوت؛ بل امتدت يده العريضة لتمسك بالمقبض الخشبي، وسار بجوار التابوت نحو سيارة النقل العسكرية المصفحة. كانت العاصمة بغداد تسير في صمت الفجر المبكر، وأزقتها القديمة تغرق في سكون حزين قبل أن تستيقظ على نبا الفاجعة. "---" توقفت القافلة عند مشارف الحي البغدادي القديم حيث يقع منزل العائلة. كان الباب الخشبي الكبير المزين بالنحاس موارباً، والأضواء الخارجية مشتعلة بشكل غير معتاد في هذا الوقت. ما إن ترجل زين وظهر التابوت المحمول على أكتاف الرجال حتى انكسر صمت الشارع. "---" كانت ليلى تقف عند العتبة، ترتدي عبا
كان الليل يخيم بكلكله الثقيل على بساتين الديوانية المتاخمة للضفة. صوت خرير الماء المنساب في المجرى الصغير كان يختلط بصفير الريح الباردة وهي تحرك سعف النخل ببطء حزين. على التراب المبتل، كان جثمان ياسين مستلقياً بلا حراك، بينما أخذت بركة الدم الداكنة تتوسع حوله، تمتد رويداً رويداً لتمتزج بماء النهر الشفاف وتغير لونه تحت ضوء القمر الخافت. "---" على بعد عدة شوارع... كان النقيب خليل يصرخ عبر جهاز اللاسلكي ونبرته تفيض بالتوتر والريبة: "ياسين! أجب يا ياسين! سمعنا صوت إطلاق نار قادم من جهة المزارع الجنوبية... هل أنت في موقع اشتباك؟" لم يأته أي رد سوى أزيز التشويش اللاسلكي المتردد بين الفينة والأخرى. التفت خليل نحو عناصر المفرزة المرافقة له وصاح بنبرة حادة: "تحركوا فوراً باتجاه ضفة النهر! ضعوا الكشافات في حالة استنفار وسدوا الممر الترابي الخلفي!" "---" انطلقت ثلاث سيارات أمنية بسرعة جنونية عبر الأزقة الترابية الضيقة، تقطع الظلمة بأشعاع كشافاتها الساطعة. ترجل خليل وسلاحه الأوتوماتيكي في يده، والجنود ينتشرون بحذر شديد خلف الجدران الطينية المتآكلة. كان الصمت المخيف الذي يخيم على البس
كان الليل في البستان المهجور يخيم بسكون ثقيل ومشرع على كل الاحتمالات. لا صوت سوى حفيف سعف النخل المتباعد وخرير المجرى المائي الصغير على مقربة من الجدار الطيني المتآكل. توقف الزمان عند تلك المسافة الضيقة التي تفصل بين ياسين وسارة—مسافة لا تتعدى ثلاث خطوات، لكنها تشبه برزخاً من النار والدماء والذكريات القديمة التي احترقت في جحيم الفرار. "---" كان ياسين يقف بصلابته المعهودة، جسده المشوق يرسم ظلاً طويلاً على الأرض الطينية، ويداه الممسكتان بمسدسه لا ترتجفان قيد أنملة. كانت حافة السبطانة السوداء موجهة بنعومة ودقة متناهية نحو منتصف صدر سارة. عايَنَ ملامحها الشاحبة في العتمة، وعينيها اللتين تنبضان ببريق غريبين مزيج من الإجهاد الشديد والتمرد الشرس. "ضعي يديكي على جدار الطين واديري ظهركِ يا سارة..." قال ياسين بنبرة خفيفة، لكنها صلبة كصخرة جلامود لم تؤثر فيها رياح السنوات: "الشرطة والنقيب خليل يبحثون عنكِ في المربعات التجارية... لا أحتاج لإراقة دمائكِ هنا، لكن لن أسمح لكي بالخروج من هذا البستان حية أو طليقة إن أظهَرتِ أية حركة غادرة." "---" سارة لم تدر وجهها، ولم تضع يديها على الجدار.







