Home / التشويق / الإثارة / السر المدفون / الجزء الأول: العودة إلى الظلال

Share

السر المدفون
السر المدفون
Author: Frank

الجزء الأول: العودة إلى الظلال

Author: Frank
last update publish date: 2026-08-02 07:07:29

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

اسمي سالم، وقد أمضيت أكثر من عشرين عامًا في جهاز الشرطة بالولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن أتقاعد وأقرر العودة إلى وطني. لم أعد أبحث عن المال ولا عن المناصب، بل كنت أبحث عن حياة هادئة أقضي فيها ما تبقى من عمري بعيدًا عن صخب المدن وضجيجها.

اخترت أن أستقر في بيت والدي القديم، ذلك المنزل الريفي الذي شهد طفولتي، واحتفظ بين جدرانه بذكريات لا يمكن أن تمحوها السنوات. أبنائي الكبار فضلوا البقاء في الخارج بسبب أعمالهم واستقرار حياتهم هناك، أما ابني الأصغر، ياسر، فقد أصر على مرافقتي أنا ووالدته، قائلاً إنه يريد أن يبدأ حياة جديدة إلى جانبنا.

استغرقت الرحلة الليل كله. كنت أقود السيارة حينًا، ويتولى ياسر القيادة حينًا آخر كلما غلبني التعب. ومع أول خيوط الفجر، بدأت معالم القرية تظهر أمامنا، كما تركتها قبل سنوات طويلة؛ الحقول الممتدة، الأشجار العتيقة، والبيوت الطينية التي قاومت الزمن بصمت.

كان أبناء عمومتي في استقبالنا، وتعالت الضحكات بمجرد أن التقينا. جلسنا نستعيد ذكريات الطفولة، ونتحدث عن الذين رحلوا، وعن الأيام التي لم يبق منها سوى الحنين.

مر أسبوع كامل ونحن ننظم أمور المنزل والمزرعة، حتى جاءني ابن عمي عبد الرحمن، الذي كان يتولى الإشراف على أرضي ومواشيّ منذ وفاة والدي.

قال لي وهو يحتسي الشاي:

"لقد آن الأوان لتستلم كل شيء بنفسك. أنا أنوي الانتقال إلى المدينة، ولم يعد بإمكاني متابعة العمل هنا."

حاولت إقناعه بالبقاء، لكنه ابتسم قائلاً:

"لا تقلق... أعرف رجلاً أمينًا ونشيطًا، وسيكون خير معين لك."

وفي مساء اليوم نفسه، حضر الرجل.

كان اسمه محمود.

في الأربعين من عمره تقريبًا، طويل القامة، قليل الكلام، وعيناه تحملان نظرة يصعب تفسيرها. تحدثنا طويلًا عن العمل، واتفقنا على كل التفاصيل بسرعة، ولم أجد سببًا يدعوني إلى رفضه.

بدأ العمل منذ اليوم التالي، وأثبت خلال أسبوع واحد أنه يعرف الزراعة وتربية المواشي أكثر مما توقعت.

وفي صباح أحد أيام السوق الأسبوعي، طلبت منه أن يأخذ بقرة وخمسة خراف ليبيعها في السوق، بينما اصطحبت زوجتي إلى الطبيبة بعد أن أصيبت بحساسية شديدة بسبب رائحة مجهولة داخل المنزل.

طمأنتنا الطبيبة وأكدت أن الأمر بسيط، ثم عدنا إلى البيت بعد الظهر. وفي الطريق، طلبت من إحدى نساء القرية أن تأتي لتنظيف المنزل تنظيفًا شاملًا، رغم أننا كنا قد نظفناه قبل أيام.

لم أكن أعلم أن ذلك القرار سيكشف أول خيط في قصة لم أتخيل يومًا أنني سأعيشها.

بعد انتهاء المرأة من عملها، أحضرت لنا الشاي وجلست زوجتي بجانبي، بينما كنت أحدثها عن رغبتي في بيع الدجاج واستبداله بالأغنام، بعدما ارتفعت أسعار الأعلاف وأصبح الربح يتضاءل يومًا بعد يوم.

وفجأة...

دخل ياسر إلى المنزل.

كان الغضب واضحًا على وجهه، وعيناه ممتلئتان بالإحباط.

سألته:

"ماذا حدث يا بني؟"

تنهد بعمق وقال:

"ظهرت نتائج امتحان الشرطة... ولم أنجح."

ربتُ على كتفه وقلت بهدوء:

"لا تيأس. الرسوب ليس نهاية الطريق، وستحصل على فرصة أخرى."

ابتسم ابتسامة باهتة، لكنه ظل شارد الذهن بقية المساء.

وفي تلك الليلة...

استيقظت على صوت غريب.

كان أشبه بضربات معدنية خفيفة، تأتي من خارج المنزل.

نظرت إلى الساعة، فوجدتها تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل.

حملت مصباحًا يدويًا وخرجت بهدوء.

كان الفناء خاليًا تمامًا.

لكن الكلاب كانت تنبح باتجاه الإسطبل بشكل هستيري، وكأنها ترى شيئًا لا أراه.

اقتربت بحذر...

كل شيء بدا طبيعيًا.

الأبقار في أماكنها، والخراف نائمة، ولا أثر لأي شخص.

وقبل أن أعود إلى الداخل، لمح بصري شيئًا لامعًا قرب باب الإسطبل.

انحنيت والتقطته.

كان مفتاحًا صدئًا، كبير الحجم، يختلف عن جميع مفاتيح المنزل.

لم أعرف لأي باب يعود.

وفي الصباح، سألت عبد الرحمن عنه، فتغير لون وجهه للحظة، ثم قال بسرعة:

"تخلص منه... هذا المفتاح لا يخص أحدًا."

استغربت رده، وسألته:

"وكيف لا يخص أحدًا وقد وجدته داخل مزرعتي؟"

تردد قليلًا، ثم قال وهو يشيح بنظره:

"بعض الأشياء... من الأفضل ألا نفتش وراءها."

كانت تلك أول مرة أشعر أن أحدًا يخفي عني سرًا.

وبحكم سنوات عملي في الشرطة، تعلمت أن الإنسان قد يكذب بكلماته، لكنه نادرًا ما يستطيع إخفاء الحقيقة عن عينيه.

وعينا عبد الرحمن كانتا تقولان شيئًا مختلفًا تمامًا.

وفي مساء اليوم التالي، عاد محمود من السوق متأخرًا على غير عادته.

سلمني ثمن المواشي كاملًا، لكنني لاحظت آثار خدوش حديثة على يده اليمنى.

سألته عنها.

أجاب بسرعة:

"مجرد سلك شائك."

ورغم بساطة الجواب، لم أشعر بالاطمئنان.

وفي تلك الليلة...

تكرر الصوت نفسه.

لكن هذه المرة...

لم يكن صادرًا من الإسطبل.

بل كان يأتي من أسفل المنزل نفسه...

وكأن أحدًا يتحرك تحت الأرض.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • السر المدفون   الفصل الرابع عشر — دفتر التواريخ

    عدنا إلى بيت محمود بعد شروق الشمس بساعتين.كنت أعرف أنه لن يكون هناك، وكنت أعرف أيضًا أنني لم أنتهِ من غرفته الخلفية.الرجل الذي يترك خزانة مليئة بصور عائلتي، يتركها لأنه يريدني أن أراها. والرجل الذي يُري خصمه شيئًا، يخفي شيئًا آخر في المكان نفسه.وقفت أمام الجدار مرة أخرى.عشرات الصور، مرتبة بعناية موظف، كل واحدة عليها تاريخ بخط صغير في الخلف.قال ياسر من خلفي:"لماذا عدنا؟ لقد رأينا كل شيء."قلت:"رأينا الصور. ولم نقرأ الترتيب."بدأت أنزعها واحدة واحدة، وأصفّها على السرير حسب تواريخها.أقدمها قبل أربعة عشر عامًا. وأحدثها قبل أسبوع، أمام باب بيتي.لكن بينهما فجوة.سنة كاملة لا توجد فيها صورة واحدة.قلت لسليم:"السنة التي مات فيها ناصر السيوفي."رفع رأسه ببطء."تسع سنوات.""تسع سنوات بالضبط. توقف عن تصويرنا سنة كاملة، ثم عاد."جلس سليم على طرف السرير، وأخذ نفسًا طويلًا."لأنه في تلك السنة لم يكن يعمل لأحد. كان يقرر من سيرث."نظرت إلى الجدار الفارغ الذي تركته الصور المنزوعة.رجل قضى سنة كاملة يوزّع شبكة رجل ميت على ورثته، ثم عاد إلى مزرعتي يحمل دلو الأعلاف.قلت:"إذن نادر ليس رئيسه. نا

  • السر المدفون   الفصل الثالث عشر — الرجل الذي فتح لنا كل الأبواب

    وصلنا إلى المستشفى قبل الفجر بساعة. كان الممر خاليًا إلا من ممرضة شابة تجلس خلف مكتب الاستقبال، وأمامها سجل مفتوح لم يُغلق منذ ساعات. قلت لها: "الغرفة 17." رفعت رأسها. "سبق أن أخبرتك على الهاتف يا سيدي. غادر المريض مع ابنه." "أريد أن أرى ما وقّعه." ترددت، ثم أدارت السجل نحوي. كان الخط منتظمًا، هادئًا، بلا ارتجاف. قرأت الاسم: "محمود بن العربي... صفة القرابة: ابن." شعرت بشيء بارد ينزل في ظهري. سألتها: "وهل رأيتِه؟" "نعم. رجل في الأربعين، طويل، قليل الكلام. كان مهذبًا جدًا. حتى إنه شكرنا واحدًا واحدًا قبل أن يخرج." قال ياسر بصوت خافت: "محمود؟" لم أجب. كنت أفكر في شيء آخر. الرجل الذي يخطف مريضًا من مستشفى لا يقف ليشكر الممرضات. إلا إذا كان لا يخاف من أن يتذكره أحد. طلبت تسجيل كاميرا المدخل. بعد نصف ساعة من الجدال، جلسنا الثلاثة أمام شاشة صغيرة في غرفة الحراسة. الساعة 11:42 مساءً. يدخل رجل من الباب الرئيسي، يمشي بخطوات هادئة، لا يلتفت يمينًا ولا يسارًا. يعرف أين يذهب. بعد إحدى عشرة دقيقة، يخرج وهو يدفع كرسيًا متحركًا، وفوقه الشيخ ملفوفًا ببطانية. ثم يفعل شيئًا لم

  • السر المدفون   الفصل الثاني عشر — نصف الحقيقة الآخر

    لم أُنزل مسدسي. وقف سليم أمامي، وبندقية الصيد لا تزال في يده، بينما كان الدخان يتصاعد من نوافذ منزلي خلفنا، وأصوات الكلاب تملأ الليل. قلت له وأنا أصوّب نحو صدره: "خمسة وعشرون عامًا وأنت ميت. ثم تظهر فجأة في الليلة التي يحاول فيها أربعة رجال قتلي. هذه ليست صدفة." ابتسم ابتسامة متعبة، ثم وضع بندقيته على الأرض ببطء، ورفع يديه. قال: "لو كنت معهم، لما أطلقت النار على أحدهم أمام عينيك." قال ياسر وهو يمسح الدخان عن وجهه: "أو أنك أطلقت النار عليه لتكسب ثقتنا." نظر إليه سليم طويلًا، ثم قال: "ابنك يفكر مثلك تمامًا... هذا جيد. ستحتاجان إلى ذلك." لم نبقَ في المنزل. كان الضابط يعرف عنواني، ونادر يملك صورًا لبابي، ولم يعد للجدران معنى. أخذنا الحاسوب والملف الجلدي، وسرنا في الظلام قرابة نصف ساعة حتى وصلنا إلى المنزل المهجور الذي احتمينا فيه من قبل. أشعل ياسر شمعة قصيرة، ووضعها على الأرض، فامتدت ظلالنا الثلاثة على الجدار. جلس سليم مقابلي، وقال: "اسأل." قلت: "من هو الحاج؟" فوجئ بالسؤال. ثم قال ببطء: "من أخبرك بهذا الاسم؟" "رجل مسن قابلته في المقبرة، وأصيب برصاصة أمامي." صمت سليم

  • السر المدفون   الجزء الحادي عشر: الخيانة الكبرى

    وقفت أحدق في سحابة الغبار التي خلفتها سيارة نادر السيوفي، بينما كانت صفارات الشرطة تقترب من المستودع. قال ياسر وهو يلهث: "لقد هرب مرة أخرى." أجبته وأنا أحمل الحاسوب المحمول: "لا يهم... هذه المرة ترك خلفه ما هو أخطر من وجوده." وصل رجال الشرطة بعد دقائق، وطلب الضابط المسؤول معرفة ما حدث. قدمت له رواية مختصرة، متجنبًا الحديث عن الحاسوب والملفات. لم أعد أميز بين من يمكن الوثوق به ومن يعمل لصالح نادر. عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس. كان البيت خاليًا منذ سافرت زوجتي إلى المدينة، ولأول مرة شعرت بالامتنان لذلك القرار. أغلقنا الأبواب والنوافذ، ثم وضع ياسر الحاسوب على الطاولة. قال وهو يبتسم: "أتمنى ألا يكون محميًا بكلمة مرور." ضغط زر التشغيل. ظهرت الشاشة... ثم ظهرت نافذة تطلب كلمة السر. حاول ياسر عدة كلمات، لكن جميع المحاولات فشلت. جلست أفكر في كل ما مررنا به خلال الأيام الماضية. ثم تذكرت العبارة المنقوشة على القلادة، والرقم المحفور في جذع الشجرة. قلت لياسر: "جرّب الرقم سبعة عشر." كتب الرقم. فشلت المحاولة. قلت له: "ابتعد." جلست مكانه. "الأرقام وحدها لن تنفع. هؤلاء لا يكت

  • السر المدفون   الجزء العاشر: المستودع القديم

    وقفت للحظات أحدق في وجه عبد الرحمن، وقد فارق الحياة وهو يحمل في صدره أسرارًا كثيرة لم يمهله القدر ليكشفها كاملة. أغمضت عينيه بيدي، ثم وقفت بصمت. قال ياسر بصوت يملؤه الحزن: "رحل قبل أن يخبرنا بكل شيء." أجبته وأنا أضم مفتاح السيارة في قبضتي: "لكنه ترك لنا خيطًا جديدًا... ويجب ألا نضيعه." بعد وصول الشرطة، أدليت بإفادة مختصرة، وتعمدت إخفاء أمر المفتاح والملف الجلدي. لم أكن أشك في نزاهة الجميع، لكنني لم أعد أستطيع الوثوق بأي شخص قبل أن تنكشف الحقيقة كاملة. وفي صباح اليوم التالي، انطلقت أنا وياسر إلى المستودع القديم الذي ذكره عبد الرحمن. كان يقع في منطقة نائية، تحيط به الأشجار من كل جانب، ويبدو مهجورًا منذ سنوات. اقتربنا بحذر. كان الباب الحديدي الضخم موصدًا بسلسلة غليظة. أخرجت المفتاح الذي سلمني إياه عبد الرحمن، فإذا به يفتح القفل بسهولة. تبادلنا النظرات. ثم دفعنا الباب. أصدر صريرًا حادًا، وانفتح ببطء. دخلنا إلى الداخل. كان المستودع واسعًا، تغطي الغبار معظم محتوياته، وتنتشر فيه سيارات قديمة وآلات زراعية مهترئة. لكن في الزاوية البعيدة، كانت تقف سيارة رباعية الدفع سوداء، مغطاة

  • السر المدفون   الجزء التاسع: الشاهد الهارب

    عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس، وأخفيت الملف الجلدي والرسالة في مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه. كنت أعلم أن ما أصبح بحوزتنا كافٍ لإسقاط شبكة كاملة، لكنني كنت أفتقد العنصر الأهم... الشاهد الذي يعرف الحقيقة من بدايتها. ذلك الشاهد كان عبد الرحمن. جلس ياسر أمامي وقال: "إذا كان عبد الرحمن قد هرب منهم، فلماذا لا يسلم نفسه للشرطة؟" أجبته بعد لحظة من التفكير: "لأنه يعلم أن الشبكة تمتد إلى أشخاص نافذين. ربما لم يعد يثق بأحد، أو ربما يخشى أن يُقتل قبل أن يدلي بشهادته." وفي تلك اللحظة، رن هاتفي. كان رقمًا مجهولًا. ترددت في الرد، ثم ضغطت زر الإجابة. جاءني صوت خافت ومضطرب: "سالم... لا وقت لدي." عرفت الصوت فورًا. "عبد الرحمن!" قال وهو يلهث: "إنهم يطاردونني منذ يومين. أخطأت عندما تعاونت معهم، لكنني لم أشارك في قتل والدك، أقسم بذلك." قلت بحزم: "أين أنت؟" ساد صمت قصير، ثم قال: "الليلة... بعد صلاة العشاء... عند الطاحونة القديمة." وقبل أن أسأله أي سؤال آخر، انقطع الاتصال. نظر إليّ ياسر وقال: "سنذهب معًا." أومأت برأسي، لكنني كنت أشعر أن الأمر لن يكون بهذه السهولة. مع حلول الليل، توجه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status