Mag-log in
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
اسمي سالم، وقد أمضيت أكثر من عشرين عامًا في جهاز الشرطة بالولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن أتقاعد وأقرر العودة إلى وطني. لم أعد أبحث عن المال ولا عن المناصب، بل كنت أبحث عن حياة هادئة أقضي فيها ما تبقى من عمري بعيدًا عن صخب المدن وضجيجها. اخترت أن أستقر في بيت والدي القديم، ذلك المنزل الريفي الذي شهد طفولتي، واحتفظ بين جدرانه بذكريات لا يمكن أن تمحوها السنوات. أبنائي الكبار فضلوا البقاء في الخارج بسبب أعمالهم واستقرار حياتهم هناك، أما ابني الأصغر، ياسر، فقد أصر على مرافقتي أنا ووالدته، قائلاً إنه يريد أن يبدأ حياة جديدة إلى جانبنا. استغرقت الرحلة الليل كله. كنت أقود السيارة حينًا، ويتولى ياسر القيادة حينًا آخر كلما غلبني التعب. ومع أول خيوط الفجر، بدأت معالم القرية تظهر أمامنا، كما تركتها قبل سنوات طويلة؛ الحقول الممتدة، الأشجار العتيقة، والبيوت الطينية التي قاومت الزمن بصمت. كان أبناء عمومتي في استقبالنا، وتعالت الضحكات بمجرد أن التقينا. جلسنا نستعيد ذكريات الطفولة، ونتحدث عن الذين رحلوا، وعن الأيام التي لم يبق منها سوى الحنين. مر أسبوع كامل ونحن ننظم أمور المنزل والمزرعة، حتى جاءني ابن عمي عبد الرحمن، الذي كان يتولى الإشراف على أرضي ومواشيّ منذ وفاة والدي. قال لي وهو يحتسي الشاي: "لقد آن الأوان لتستلم كل شيء بنفسك. أنا أنوي الانتقال إلى المدينة، ولم يعد بإمكاني متابعة العمل هنا." حاولت إقناعه بالبقاء، لكنه ابتسم قائلاً: "لا تقلق... أعرف رجلاً أمينًا ونشيطًا، وسيكون خير معين لك." وفي مساء اليوم نفسه، حضر الرجل. كان اسمه محمود. في الأربعين من عمره تقريبًا، طويل القامة، قليل الكلام، وعيناه تحملان نظرة يصعب تفسيرها. تحدثنا طويلًا عن العمل، واتفقنا على كل التفاصيل بسرعة، ولم أجد سببًا يدعوني إلى رفضه. بدأ العمل منذ اليوم التالي، وأثبت خلال أسبوع واحد أنه يعرف الزراعة وتربية المواشي أكثر مما توقعت. وفي صباح أحد أيام السوق الأسبوعي، طلبت منه أن يأخذ بقرة وخمسة خراف ليبيعها في السوق، بينما اصطحبت زوجتي إلى الطبيبة بعد أن أصيبت بحساسية شديدة بسبب رائحة مجهولة داخل المنزل. طمأنتنا الطبيبة وأكدت أن الأمر بسيط، ثم عدنا إلى البيت بعد الظهر. وفي الطريق، طلبت من إحدى نساء القرية أن تأتي لتنظيف المنزل تنظيفًا شاملًا، رغم أننا كنا قد نظفناه قبل أيام. لم أكن أعلم أن ذلك القرار سيكشف أول خيط في قصة لم أتخيل يومًا أنني سأعيشها. بعد انتهاء المرأة من عملها، أحضرت لنا الشاي وجلست زوجتي بجانبي، بينما كنت أحدثها عن رغبتي في بيع الدجاج واستبداله بالأغنام، بعدما ارتفعت أسعار الأعلاف وأصبح الربح يتضاءل يومًا بعد يوم. وفجأة... دخل ياسر إلى المنزل. كان الغضب واضحًا على وجهه، وعيناه ممتلئتان بالإحباط. سألته: "ماذا حدث يا بني؟" تنهد بعمق وقال: "ظهرت نتائج امتحان الشرطة... ولم أنجح." ربتُ على كتفه وقلت بهدوء: "لا تيأس. الرسوب ليس نهاية الطريق، وستحصل على فرصة أخرى." ابتسم ابتسامة باهتة، لكنه ظل شارد الذهن بقية المساء. وفي تلك الليلة... استيقظت على صوت غريب. كان أشبه بضربات معدنية خفيفة، تأتي من خارج المنزل. نظرت إلى الساعة، فوجدتها تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. حملت مصباحًا يدويًا وخرجت بهدوء. كان الفناء خاليًا تمامًا. لكن الكلاب كانت تنبح باتجاه الإسطبل بشكل هستيري، وكأنها ترى شيئًا لا أراه. اقتربت بحذر... كل شيء بدا طبيعيًا. الأبقار في أماكنها، والخراف نائمة، ولا أثر لأي شخص. وقبل أن أعود إلى الداخل، لمح بصري شيئًا لامعًا قرب باب الإسطبل. انحنيت والتقطته. كان مفتاحًا صدئًا، كبير الحجم، يختلف عن جميع مفاتيح المنزل. لم أعرف لأي باب يعود. وفي الصباح، سألت عبد الرحمن عنه، فتغير لون وجهه للحظة، ثم قال بسرعة: "تخلص منه... هذا المفتاح لا يخص أحدًا." استغربت رده، وسألته: "وكيف لا يخص أحدًا وقد وجدته داخل مزرعتي؟" تردد قليلًا، ثم قال وهو يشيح بنظره: "بعض الأشياء... من الأفضل ألا نفتش وراءها." كانت تلك أول مرة أشعر أن أحدًا يخفي عني سرًا. وبحكم سنوات عملي في الشرطة، تعلمت أن الإنسان قد يكذب بكلماته، لكنه نادرًا ما يستطيع إخفاء الحقيقة عن عينيه. وعينا عبد الرحمن كانتا تقولان شيئًا مختلفًا تمامًا. وفي مساء اليوم التالي، عاد محمود من السوق متأخرًا على غير عادته. سلمني ثمن المواشي كاملًا، لكنني لاحظت آثار خدوش حديثة على يده اليمنى. سألته عنها. أجاب بسرعة: "مجرد سلك شائك." ورغم بساطة الجواب، لم أشعر بالاطمئنان. وفي تلك الليلة... تكرر الصوت نفسه. لكن هذه المرة... لم يكن صادرًا من الإسطبل. بل كان يأتي من أسفل المنزل نفسه... وكأن أحدًا يتحرك تحت الأرض.وقفت أحدق في سحابة الغبار التي خلفتها سيارة نادر السيوفي، بينما كانت صفارات الشرطة تقترب من المستودع.قال ياسر وهو يلهث:"لقد هرب مرة أخرى."أجبته وأنا أحمل الحاسوب المحمول:"لا يهم... هذه المرة ترك خلفه ما هو أخطر من وجوده."وصل رجال الشرطة بعد دقائق، وطلب الضابط المسؤول معرفة ما حدث.قدمت له رواية مختصرة، متجنبًا الحديث عن الحاسوب والملفات. لم أعد أميز بين من يمكن الوثوق به ومن يعمل لصالح نادر.عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس.أغلقنا الأبواب والنوافذ، ثم وضع ياسر الحاسوب على الطاولة.قال وهو يبتسم:"أتمنى ألا يكون محميًا بكلمة مرور."ضغط زر التشغيل.ظهرت الشاشة...ثم ظهرت نافذة تطلب كلمة السر.حاول ياسر عدة كلمات، لكن جميع المحاولات فشلت.جلست أفكر في كل ما مررنا به خلال الأيام الماضية.ثم تذكرت عبارة كانت مكتوبة في رسالة والدي:"الشجرة 17."قلت لياسر:"جرّب الرقم سبعة عشر."كتب الرقم.فشلت المحاولة.ثم كتبت بنفسي:Tree17فُتح الحاسوب مباشرة.نظر إليّ ياسر بدهشة.قلت مبتسمًا:"المجرمون يتركون أخطاءهم دائمًا... ولو كانت صغيرة."بدأنا نستعرض الملفات.كانت هناك صور لعشرات القطع الأثرية،
وقفت للحظات أحدق في وجه عبد الرحمن، وقد فارق الحياة وهو يحمل في صدره أسرارًا كثيرة لم يمهله القدر ليكشفها كاملة.أغمضت عينيه بيدي، ثم وقفت بصمت.قال ياسر بصوت يملؤه الحزن:"رحل قبل أن يخبرنا بكل شيء."أجبته وأنا أضم مفتاح السيارة في قبضتي:"لكنه ترك لنا خيطًا جديدًا... ويجب ألا نضيعه."بعد وصول الشرطة، أدليت بإفادة مختصرة، وتعمدت إخفاء أمر المفتاح والملف الجلدي. لم أكن أشك في نزاهة الجميع، لكنني لم أعد أستطيع الوثوق بأي شخص قبل أن تنكشف الحقيقة كاملة.وفي صباح اليوم التالي، انطلقت أنا وياسر إلى المستودع القديم الذي ذكره عبد الرحمن.كان يقع في منطقة نائية، تحيط به الأشجار من كل جانب، ويبدو مهجورًا منذ سنوات.اقتربنا بحذر.كان الباب الحديدي الضخم موصدًا بسلسلة غليظة.أخرجت المفتاح الذي سلمني إياه عبد الرحمن، فإذا به يفتح القفل بسهولة.تبادلنا النظرات.ثم دفعنا الباب.أصدر صريرًا حادًا، وانفتح ببطء.دخلنا إلى الداخل.كان المستودع واسعًا، تغطي الغبار معظم محتوياته، وتنتشر فيه سيارات قديمة وآلات زراعية مهترئة.لكن في الزاوية البعيدة، كانت تقف سيارة رباعية الدفع سوداء، مغطاة بغطاء رمادي.قا
عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس، وأخفيت الملف الجلدي والرسالة في مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه. كنت أعلم أن ما أصبح بحوزتنا كافٍ لإسقاط شبكة كاملة، لكنني كنت أفتقد العنصر الأهم... الشاهد الذي يعرف الحقيقة من بدايتها.ذلك الشاهد كان عبد الرحمن.جلس ياسر أمامي وقال:"إذا كان عبد الرحمن قد هرب منهم، فلماذا لا يسلم نفسه للشرطة؟"أجبته بعد لحظة من التفكير:"لأنه يعلم أن الشبكة تمتد إلى أشخاص نافذين. ربما لم يعد يثق بأحد، أو ربما يخشى أن يُقتل قبل أن يدلي بشهادته."وفي تلك اللحظة، رن هاتفي.كان رقمًا مجهولًا.ترددت في الرد، ثم ضغطت زر الإجابة.جاءني صوت خافت ومضطرب:"سالم... لا وقت لدي."عرفت الصوت فورًا."عبد الرحمن!"قال وهو يلهث:"إنهم يطاردونني منذ يومين. أخطأت عندما تعاونت معهم، لكنني لم أشارك في قتل والدك، أقسم بذلك."قلت بحزم:"أين أنت؟"ساد صمت قصير، ثم قال:"الليلة... بعد صلاة العشاء... عند المطحنة القديمة."وقبل أن أسأله أي سؤال آخر، انقطع الاتصال.نظر إليّ ياسر وقال:"سنذهب معًا."أومأت برأسي، لكنني كنت أشعر أن الأمر لن يكون بهذه السهولة.مع حلول الليل، توجهنا إلى المطحنة القديمة.
لم يغمض لي جفن طوال تلك الليلة.كنت أقلب القلادة الفضية بين يدي، وأتأمل النقش الصغير الذي يحمل صورة شجرة ورقم 17. كلما أعدت النظر إليها، ازدادت قناعتي بأن والدي ترك هذا الأثر عمدًا، وكأنه كان يعلم أنني سأعود يومًا لأكمل ما بدأه.في صباح اليوم التالي، أخبرت ياسر بما تذكرته من طفولتي.قلت له:"هناك شجرة بلوط ضخمة تقع في آخر الوادي، كان والدي يمنعني من الاقتراب منها كلما رافقته إلى هناك. كنت أظن أنه يخشى عليّ من السقوط، لكنني الآن أدرك أن الأمر كان أكبر من ذلك."أخرج ياسر الخريطة التي وجدناها في السرداب، وبعد دقائق من التدقيق، ابتسم وقال:"انظر يا أبي... هنا علامة صغيرة تشبه الشجرة تمامًا، لكنها بعيدة عن بقية الرموز، وكأن من رسم الخريطة أراد إخفاءها."انطلقنا بعد الظهيرة نحو الوادي، واخترنا طريقًا جانبيًا حتى لا يلاحظنا أحد.كان المكان موحشًا، تغطيه الأعشاب اليابسة، وتحيط به الصخور من كل جانب. وبعد مسير دام أكثر من ساعة، ظهرت أمامنا شجرة بلوط عملاقة، بدت أقدم من كل ما حولها.تقدمت نحو جذعها، وما إن لمست لحاءها حتى لاحظت وجود نقش قديم بالكاد يظهر.كان الرقم...17.نظر إليّ ياسر وقال بحماس
حلّ الليل، وساد الصمت أرجاء القرية، إلا من صوت الرياح التي كانت تعصف بين الأشجار العتيقة. نظرت إلى ياسر وقلت بحزم:"ستبقى هنا."اعترض فورًا:"مستحيل يا أبي. لقد حاولوا قتلك أكثر من مرة، ولن أتركك تذهب وحدك."ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:"لهذا السبب تحديدًا يجب أن تبقى. إذا كان الأمر فخًا، فلا أريد أن نقع فيه معًا."بعد نقاش طويل، وافق على مضض، لكنني كنت أعلم أنه لن يلتزم بكلامي.حملت مصباحًا صغيرًا، وأخفيت مسدسي القديم الذي احتفظت به منذ سنوات عملي في الشرطة بعد حصولي على ترخيص قانوني، ثم انطلقت نحو المقبرة القديمة.كانت تقع فوق تلة مرتفعة، بعيدة عن البيوت، يحيط بها سور حجري متهالك، وتنتشر بين قبورها أشجار السرو العالية.وصلت قبل الموعد بعشر دقائق.مرّت الدقائق ببطء، حتى سمعت وقع خطوات خلفي.استدرت بسرعة، موجهًا ضوء المصباح نحو القادم.كان رجلًا مسنًا، تجاوز السبعين من عمره، يرتدي عباءة داكنة، ويستند إلى عصا خشبية.قال بصوت هادئ:"أطفئ المصباح... فهناك من يراقبنا."نفذت طلبه، ثم اقتربت منه بحذر.سألته:"أنت من أرسل الرسالة؟"أجاب:"نعم... لأن الوقت حان لتعرف الحقيقة."جلس على صخرة قديمة
ارتفعت سحابة الغبار حتى كادت تخنق أنفاسنا، بينما أخذت الحجارة تتساقط من سقف السرداب.أمسكت بذراع ياسر وصرخت:"ابتعد عن المدخل... قد ينهار بالكامل!"تراجعنا إلى الغرفة الحجرية، ولم تمضِ لحظات حتى سقطت آخر الصخور، فأغلقت الممر الوحيد الذي دخلنا منه.نظر إليّ ياسر بقلق وقال:"لقد انتهى الأمر... نحن محاصرون."وضعت يدي على كتفه وقلت بثبات:"لا يا بني. طوال سنوات عملي تعلمت أن من يخطط لمخبأ سري، لا يكتفي بمخرج واحد."أخذنا نفتش الغرفة بدقة.كانت تضم الطاولة الحجرية، والحقيبة الجلدية، وعدة صناديق قديمة، إضافة إلى رفوف مليئة بالأوراق التي أتلفتها الرطوبة.وبينما كنت أقلب الملفات، وجدت خريطة مرسومة يدويًا للسرداب.لم تكن واضحة بالكامل، لكن في أحد أركانها كُتب بخط أحمر:"مخرج الطوارئ... خلف البئر القديمة."قلت لياسر:"إذن هناك طريق آخر."أكملنا تفتيش الغرفة حتى لاحظ ياسر حجرًا بارزًا عن بقية الجدار.ضغط عليه بحذر.في البداية لم يحدث شيء.ثم سُمع صوت احتكاك ميكانيكي خافت، وبدأ جزء من الجدار يتحرك ببطء، كاشفًا عن نفق ضيق لا يتجاوز عرضه مترًا واحدًا.دخلناه بحذر، وكانت رائحة الهواء فيه أقل رطوبة،