Home / التشويق / الإثارة / السر المدفون / الجزء الثاني: السرداب المظلم

Share

الجزء الثاني: السرداب المظلم

Author: Frank
last update publish date: 2026-08-02 07:08:28

لم يغمض لي جفن طوال تلك الليلة.

ظل الصوت يتردد من أسفل المنزل، مرة يقترب ومرة يبتعد، حتى خُيّل إليّ أن شخصًا يسير تحت الأرض بخطوات متأنية. لم يكن الأمر مجرد أوهام، فقد كنت طوال سنوات عملي في الشرطة أميز جيدًا بين الأصوات الطبيعية وتلك التي تخفي وراءها سرًا.

أيقظت ياسر بهدوء وقلت له:

"احمل المصباح وتعال معي، لكن لا تُصدر أي صوت."

خرجنا إلى الفناء، وكانت الريح تعصف بأغصان الأشجار، بينما استمرت الكلاب في النباح باتجاه الجهة الخلفية للمنزل. تفقدنا الإسطبل والمخزن وبقية المزرعة، لكننا لم نعثر على شيء.

وأثناء عودتنا، لاحظت آثار أقدام على التراب الرطب.

انحنيت أتفحصها بعناية.

كانت حديثة، ويبدو أنها لرجل يرتدي حذاءً عسكريًا، والغريب أنها تنتهي عند الجدار الخلفي للمنزل، دون أن تستمر في أي اتجاه آخر.

قال ياسر بدهشة:

"كيف اختفت الآثار هنا؟"

أجبته وأنا أحدق في الجدار:

"لا أحد يختفي... لا بد من وجود ممر أو مدخل خفي."

قربت المصباح من أسفل الجدار.

كانت هناك فتحة تهوية ضيقة، لا يتجاوز عرضها الشبر، مغطاة بشبكة حديدية صدئة.

لمستها.

فتحركت بين أصابعي.

لم تكن مثبتة كما ينبغي، وكان الغبار حولها ممسوحًا حديثًا.

قلت في نفسي: لا يمر رجل من فتحة كهذه.

لكن الهواء يمر... والصوت يمر... ومن يعرف المكان جيدًا يستطيع أن يعرف متى ننام ومتى نستيقظ.

أعدت الشبكة إلى مكانها، وقررت ألا أتحدث عنها بعد.

مع بزوغ الفجر، جاء محمود كعادته لإطعام المواشي، فاستوقفته وسألته إن كان يعرف شيئًا عن تاريخ هذا المنزل.

تردد للحظات، ثم قال:

"الناس هنا يتجنبون الحديث عنه."

سألته:

"ولماذا؟"

خفض صوته وقال:

"يقال إن تحت هذا البيت سردابًا قديمًا، وإن بعض الرجال كانوا يدخلونه ليلًا منذ عشرات السنين، لكن أحدًا لم يعرف إلى أين يقود."

شكرته، لكن كلماته زادت شكوكي.

لم يكن ما قاله هو ما أثار انتباهي، بل الطريقة التي قاله بها.

الرجل الذي ينقل إشاعة يبتسم وهو يحكيها.

أما محمود فقد كان يختار كلماته واحدة واحدة، كمن يمشي فوق أرض يعرف أين توجد الحفر فيها.

وبعد أن غادر، بدأت أفتش المنزل كله.

أزحت السجاد، وطرقت الجدران بعصا خشبية، حتى وصلت إلى غرفة صغيرة كانت تستخدم لتخزين الأدوات الزراعية القديمة.

هناك سمعت صوتًا مختلفًا.

كان الصوت أجوف، وكأن الأرض تخفي فراغًا تحتها.

استدعيت ياسر، وبدأنا بإبعاد صندوق خشبي ثقيل لم يتحرك من مكانه منذ سنوات.

وما إن أزلناه حتى ظهرت حلقة حديدية مثبتة في بلاطة حجرية.

تبادلنا النظرات.

أمسكت الحلقة وسحبتها بقوة.

ارتفعت البلاطة ببطء، وانبعثت رائحة رطوبة خانقة.

أضاء ياسر المصباح، فظهرت درجات حجرية تنزل إلى عمق الأرض.

قال ياسر بحماس:

"لننزل الآن."

لكنني أوقفته.

"لا... من يدخل مكانًا مجهولًا دون استعداد، قد لا يخرج منه أبدًا."

أغلقنا الفتحة، واتفقنا على العودة في صباح اليوم التالي بعد تجهيز الحبال، والمصابيح الاحتياطية، وبعض أدوات الدفاع.

غير أن الليل لم يمهلنا.

في حدود الواحدة بعد منتصف الليل، دوى صوت ارتطام قوي في الفناء.

خرجنا مسرعين.

وجدنا باب الإسطبل مفتوحًا، رغم أنني كنت متأكدًا من إغلاقه قبل النوم.

دخلنا بحذر.

كانت الأبقار مضطربة، والخراف متجمعة في زاوية واحدة وكأنها فزعت من شيء.

وفجأة...

لاحظ ياسر نافذة صغيرة مفتوحة في الجدار الخلفي.

اقترب منها، ثم نادى بصوت خافت:

"أبي... انظر."

تقدمت نحوه.

كانت هناك قطعة قماش سوداء ممزقة عالقة بمسمار في النافذة، وأسفلها قطرات دم لم تجف بعد.

لم تكن كثيرة، لكنها كانت كافية لتؤكد أن أحدهم كان هنا قبل دقائق.

نزعت قطعة القماش بحذر، ولففتها في منديل نظيف، ثم وضعتها في جيبي.

قال ياسر:

"لماذا تحتفظ بها؟"

أجبته:

"لأن الرجل الذي جرحه مسمار الليلة، سيرتدي غدًا قميصًا ممزقًا أو ضمادة على يده. ومن ذلك اليوم فصاعدًا، لن أنظر إلى أيدي الناس كما كنت أنظر إليها من قبل."

في الصباح، قررت ألا أخبر أحدًا بما وجدناه.

حتى عبد الرحمن لم أعد أثق به كما في السابق، خصوصًا بعد موقفه الغريب من المفتاح الصدئ.

جهزنا كل ما نحتاج إليه، ثم فتحنا الفتحة الحجرية مرة أخرى.

نزلت أولًا، وكان ياسر خلفي مباشرة.

كان السرداب ضيقًا، تتدلى من سقفه جذور الأشجار، بينما تغطي الرطوبة جدرانه الحجرية.

بعد مسافة قصيرة، وصلنا إلى باب خشبي قديم تتدلى منه سلسلة حديدية صدئة.

أخرجت المفتاح الذي وجدته قرب الإسطبل.

تأملته للحظة.

ثم أدخلته في القفل.

استدار المفتاح بصعوبة، وانفتح الباب محدثًا صريرًا حادًا دوى في الممر كله.

رفع ياسر المصباح.

كانت الغرفة واسعة على غير المتوقع.

تنتشر فيها صناديق خشبية قديمة، وأدوات حفر صدئة، وعدة مصابيح زيتية، وكأن المكان كان يُستخدم في زمن ما.

لكن شيئًا واحدًا شد انتباهي أكثر من كل ذلك.

وجدت آثار أقدام حديثة على الأرض المغبرة.

لم تكن قديمة.

بل مر عليها وقت قصير جدًا.

انحنيت لأتفحصها، فسمعت فجأة صوت حجر يتحرك خلفنا.

استدرت بسرعة.

لكن الباب الذي دخلنا منه...

كان قد أُغلق وحده.

وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت رجل مجهول يقول من أعماق الظلام:

"لقد تأخرتم كثيرًا... كنت أنتظركم."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • السر المدفون   الفصل الرابع عشر — دفتر التواريخ

    عدنا إلى بيت محمود بعد شروق الشمس بساعتين.كنت أعرف أنه لن يكون هناك، وكنت أعرف أيضًا أنني لم أنتهِ من غرفته الخلفية.الرجل الذي يترك خزانة مليئة بصور عائلتي، يتركها لأنه يريدني أن أراها. والرجل الذي يُري خصمه شيئًا، يخفي شيئًا آخر في المكان نفسه.وقفت أمام الجدار مرة أخرى.عشرات الصور، مرتبة بعناية موظف، كل واحدة عليها تاريخ بخط صغير في الخلف.قال ياسر من خلفي:"لماذا عدنا؟ لقد رأينا كل شيء."قلت:"رأينا الصور. ولم نقرأ الترتيب."بدأت أنزعها واحدة واحدة، وأصفّها على السرير حسب تواريخها.أقدمها قبل أربعة عشر عامًا. وأحدثها قبل أسبوع، أمام باب بيتي.لكن بينهما فجوة.سنة كاملة لا توجد فيها صورة واحدة.قلت لسليم:"السنة التي مات فيها ناصر السيوفي."رفع رأسه ببطء."تسع سنوات.""تسع سنوات بالضبط. توقف عن تصويرنا سنة كاملة، ثم عاد."جلس سليم على طرف السرير، وأخذ نفسًا طويلًا."لأنه في تلك السنة لم يكن يعمل لأحد. كان يقرر من سيرث."نظرت إلى الجدار الفارغ الذي تركته الصور المنزوعة.رجل قضى سنة كاملة يوزّع شبكة رجل ميت على ورثته، ثم عاد إلى مزرعتي يحمل دلو الأعلاف.قلت:"إذن نادر ليس رئيسه. نا

  • السر المدفون   الفصل الثالث عشر — الرجل الذي فتح لنا كل الأبواب

    وصلنا إلى المستشفى قبل الفجر بساعة. كان الممر خاليًا إلا من ممرضة شابة تجلس خلف مكتب الاستقبال، وأمامها سجل مفتوح لم يُغلق منذ ساعات. قلت لها: "الغرفة 17." رفعت رأسها. "سبق أن أخبرتك على الهاتف يا سيدي. غادر المريض مع ابنه." "أريد أن أرى ما وقّعه." ترددت، ثم أدارت السجل نحوي. كان الخط منتظمًا، هادئًا، بلا ارتجاف. قرأت الاسم: "محمود بن العربي... صفة القرابة: ابن." شعرت بشيء بارد ينزل في ظهري. سألتها: "وهل رأيتِه؟" "نعم. رجل في الأربعين، طويل، قليل الكلام. كان مهذبًا جدًا. حتى إنه شكرنا واحدًا واحدًا قبل أن يخرج." قال ياسر بصوت خافت: "محمود؟" لم أجب. كنت أفكر في شيء آخر. الرجل الذي يخطف مريضًا من مستشفى لا يقف ليشكر الممرضات. إلا إذا كان لا يخاف من أن يتذكره أحد. طلبت تسجيل كاميرا المدخل. بعد نصف ساعة من الجدال، جلسنا الثلاثة أمام شاشة صغيرة في غرفة الحراسة. الساعة 11:42 مساءً. يدخل رجل من الباب الرئيسي، يمشي بخطوات هادئة، لا يلتفت يمينًا ولا يسارًا. يعرف أين يذهب. بعد إحدى عشرة دقيقة، يخرج وهو يدفع كرسيًا متحركًا، وفوقه الشيخ ملفوفًا ببطانية. ثم يفعل شيئًا لم

  • السر المدفون   الفصل الثاني عشر — نصف الحقيقة الآخر

    لم أُنزل مسدسي. وقف سليم أمامي، وبندقية الصيد لا تزال في يده، بينما كان الدخان يتصاعد من نوافذ منزلي خلفنا، وأصوات الكلاب تملأ الليل. قلت له وأنا أصوّب نحو صدره: "خمسة وعشرون عامًا وأنت ميت. ثم تظهر فجأة في الليلة التي يحاول فيها أربعة رجال قتلي. هذه ليست صدفة." ابتسم ابتسامة متعبة، ثم وضع بندقيته على الأرض ببطء، ورفع يديه. قال: "لو كنت معهم، لما أطلقت النار على أحدهم أمام عينيك." قال ياسر وهو يمسح الدخان عن وجهه: "أو أنك أطلقت النار عليه لتكسب ثقتنا." نظر إليه سليم طويلًا، ثم قال: "ابنك يفكر مثلك تمامًا... هذا جيد. ستحتاجان إلى ذلك." لم نبقَ في المنزل. كان الضابط يعرف عنواني، ونادر يملك صورًا لبابي، ولم يعد للجدران معنى. أخذنا الحاسوب والملف الجلدي، وسرنا في الظلام قرابة نصف ساعة حتى وصلنا إلى المنزل المهجور الذي احتمينا فيه من قبل. أشعل ياسر شمعة قصيرة، ووضعها على الأرض، فامتدت ظلالنا الثلاثة على الجدار. جلس سليم مقابلي، وقال: "اسأل." قلت: "من هو الحاج؟" فوجئ بالسؤال. ثم قال ببطء: "من أخبرك بهذا الاسم؟" "رجل مسن قابلته في المقبرة، وأصيب برصاصة أمامي." صمت سليم

  • السر المدفون   الجزء الحادي عشر: الخيانة الكبرى

    وقفت أحدق في سحابة الغبار التي خلفتها سيارة نادر السيوفي، بينما كانت صفارات الشرطة تقترب من المستودع. قال ياسر وهو يلهث: "لقد هرب مرة أخرى." أجبته وأنا أحمل الحاسوب المحمول: "لا يهم... هذه المرة ترك خلفه ما هو أخطر من وجوده." وصل رجال الشرطة بعد دقائق، وطلب الضابط المسؤول معرفة ما حدث. قدمت له رواية مختصرة، متجنبًا الحديث عن الحاسوب والملفات. لم أعد أميز بين من يمكن الوثوق به ومن يعمل لصالح نادر. عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس. كان البيت خاليًا منذ سافرت زوجتي إلى المدينة، ولأول مرة شعرت بالامتنان لذلك القرار. أغلقنا الأبواب والنوافذ، ثم وضع ياسر الحاسوب على الطاولة. قال وهو يبتسم: "أتمنى ألا يكون محميًا بكلمة مرور." ضغط زر التشغيل. ظهرت الشاشة... ثم ظهرت نافذة تطلب كلمة السر. حاول ياسر عدة كلمات، لكن جميع المحاولات فشلت. جلست أفكر في كل ما مررنا به خلال الأيام الماضية. ثم تذكرت العبارة المنقوشة على القلادة، والرقم المحفور في جذع الشجرة. قلت لياسر: "جرّب الرقم سبعة عشر." كتب الرقم. فشلت المحاولة. قلت له: "ابتعد." جلست مكانه. "الأرقام وحدها لن تنفع. هؤلاء لا يكت

  • السر المدفون   الجزء العاشر: المستودع القديم

    وقفت للحظات أحدق في وجه عبد الرحمن، وقد فارق الحياة وهو يحمل في صدره أسرارًا كثيرة لم يمهله القدر ليكشفها كاملة. أغمضت عينيه بيدي، ثم وقفت بصمت. قال ياسر بصوت يملؤه الحزن: "رحل قبل أن يخبرنا بكل شيء." أجبته وأنا أضم مفتاح السيارة في قبضتي: "لكنه ترك لنا خيطًا جديدًا... ويجب ألا نضيعه." بعد وصول الشرطة، أدليت بإفادة مختصرة، وتعمدت إخفاء أمر المفتاح والملف الجلدي. لم أكن أشك في نزاهة الجميع، لكنني لم أعد أستطيع الوثوق بأي شخص قبل أن تنكشف الحقيقة كاملة. وفي صباح اليوم التالي، انطلقت أنا وياسر إلى المستودع القديم الذي ذكره عبد الرحمن. كان يقع في منطقة نائية، تحيط به الأشجار من كل جانب، ويبدو مهجورًا منذ سنوات. اقتربنا بحذر. كان الباب الحديدي الضخم موصدًا بسلسلة غليظة. أخرجت المفتاح الذي سلمني إياه عبد الرحمن، فإذا به يفتح القفل بسهولة. تبادلنا النظرات. ثم دفعنا الباب. أصدر صريرًا حادًا، وانفتح ببطء. دخلنا إلى الداخل. كان المستودع واسعًا، تغطي الغبار معظم محتوياته، وتنتشر فيه سيارات قديمة وآلات زراعية مهترئة. لكن في الزاوية البعيدة، كانت تقف سيارة رباعية الدفع سوداء، مغطاة

  • السر المدفون   الجزء التاسع: الشاهد الهارب

    عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس، وأخفيت الملف الجلدي والرسالة في مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه. كنت أعلم أن ما أصبح بحوزتنا كافٍ لإسقاط شبكة كاملة، لكنني كنت أفتقد العنصر الأهم... الشاهد الذي يعرف الحقيقة من بدايتها. ذلك الشاهد كان عبد الرحمن. جلس ياسر أمامي وقال: "إذا كان عبد الرحمن قد هرب منهم، فلماذا لا يسلم نفسه للشرطة؟" أجبته بعد لحظة من التفكير: "لأنه يعلم أن الشبكة تمتد إلى أشخاص نافذين. ربما لم يعد يثق بأحد، أو ربما يخشى أن يُقتل قبل أن يدلي بشهادته." وفي تلك اللحظة، رن هاتفي. كان رقمًا مجهولًا. ترددت في الرد، ثم ضغطت زر الإجابة. جاءني صوت خافت ومضطرب: "سالم... لا وقت لدي." عرفت الصوت فورًا. "عبد الرحمن!" قال وهو يلهث: "إنهم يطاردونني منذ يومين. أخطأت عندما تعاونت معهم، لكنني لم أشارك في قتل والدك، أقسم بذلك." قلت بحزم: "أين أنت؟" ساد صمت قصير، ثم قال: "الليلة... بعد صلاة العشاء... عند الطاحونة القديمة." وقبل أن أسأله أي سؤال آخر، انقطع الاتصال. نظر إليّ ياسر وقال: "سنذهب معًا." أومأت برأسي، لكنني كنت أشعر أن الأمر لن يكون بهذه السهولة. مع حلول الليل، توجه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status