تسجيل الدخوللم تستطع ليان النوم تلك الليلة.
كانت مستلقية على سريرها، والهاتف موضوع بجوارها، بينما ظلت الجملة التي ظهرت على الصورة تدور في رأسها بلا توقف. "لن تستطيع حمايتها إلى الأبد." من هو هذا الشخص؟ ولماذا يراقبها؟ ولماذا كان آسر يتصرف وكأن الأمر أكبر بكثير مما يخبرها به؟ أغلقت عينيها محاولةً النوم، لكنها فتحتهما بعد ثوانٍ. كلما تذكرت نظرات آسر في ذلك المساء، شعرت بأن هناك شيئًا خطيرًا يحيط بها. نهضت من السرير واتجهت إلى النافذة. كان المطر قد توقف، لكن الشوارع لا تزال مبللة، وأضواء السيارات تنعكس على الأرض. راقبت الشارع للحظات. ثم شعرت بقشعريرة. أغلقت الستارة بسرعة. "أنا أتخيل." قالتها لنفسها. لكنها لم تكن متأكدة. --- في صباح اليوم التالي، وصلت ليان إلى الشركة قبل موعدها بعشرين دقيقة. كانت تتوقع أن تجد الهدوء المعتاد، لكنها فوجئت برجلين يقفان عند المدخل. ارتدت ملامحها الاستغراب. اقترب أحدهما منها. "السيدة ليان؟" "نعم." "السيد آسر طلب منا مرافقتك." رفعت حاجبها. "مرافقتي إلى أين؟" "إلى مكتبك." تنهدت. "أنا أعرف الطريق." لم يبتسم الرجل. "نعرف." دخلت الشركة، بينما تبعها الرجلان من مسافة قصيرة. شعرت وكأن الجميع ينظر إليها. عندما وصلت إلى مكتبها، وجدت آسر واقفًا أمام النافذة. كان يرتدي بدلة سوداء، ويداه في جيبيه. التفت عندما سمع الباب. "وصلتِ." "كما ترى." نظر إلى الرجلين خلفها. "يمكنكما الانتظار بالخارج." خرج الاثنان. أغلقت ليان الباب. "هل يمكنك أن تشرح لي ماذا يحدث؟" "لا." اتسعت عيناها. "لا؟" "ليس الآن." "أنت تمزح، أليس كذلك؟" اقترب منها. "ليان، هناك أشخاص يراقبونك." "وأنا أريد أن أعرف لماذا." "وأنا أحاول معرفة ذلك." "وأنت تعرف أكثر مما تقول." توقف. كانت محقة. قال أخيرًا: "هناك شخص من الماضي عاد." "نديم." لم يجب. "هو السبب، أليس كذلك؟" نظر إليها طويلًا. "نعم." جلست. "ماذا يريد؟" "أنا." "ولماذا أنا؟" صمت. ثم قال: "لأنه يعرف أنك مهمة بالنسبة إلي." تجمدت. "مهمة؟" نظر بعيدًا. "بمعنى أنك موظفة عندي." ضحكت بسخرية. "طبعًا." التقط ملفًا من مكتبه. "لدينا اجتماع بعد ساعة." "وأنا سأكون معك؟" "نعم." "جيد." استدارت نحو الباب. "ليان." التفتت. "لا تبتعدي عني اليوم." قالتها عيناه قبل صوته. هزت رأسها وخرجت. --- مرّت الساعات التالية ببطء. كان آسر يرفض أن تتحرك ليان وحدها. حتى عندما ذهبت إلى قسم الموارد البشرية، تبعها أحد الحراس. بدأ الأمر يزعجها. في وقت الظهيرة، كانت تقف في الممر عندما سمعت صوتًا يناديها. "ليان!" التفتت. كان كريم. ابتسمت. "أهلًا." اقترب منها. "أردت أن أسألك إذا كنتِ بخير." "أنا بخير." نظر حوله. "سمعت أن هناك حراسة حولك." "لا تسأل." ضحك. "واضح أن الموضوع كبير." ابتسمت رغمًا عنها. "أنت فضولي." "وأنتِ غامضة." وقبل أن تجيبه، ظهر آسر. تغيرت ملامح كريم فورًا. نظر آسر إليه. ثم إلى ليان. "ماذا تفعلان؟" أجاب كريم: "نتحدث." "عن العمل؟" "لا." سادت لحظة صمت. قال آسر: "ليان، تعالي." نظرت إليه. "أنا أتحدث مع كريم." "يمكنك التحدث معه لاحقًا." رفع كريم حاجبه. "لا أعتقد أن هناك مشكلة في أن أتحدث معها." نظر إليه آسر بحدة. "لم أقل إن هناك مشكلة." "لكن تصرفك يقول ذلك." تدخلت ليان: "كريم..." لكنه أكمل: "ليان زميلة، وليست ملكًا لأحد." تجمدت ملامح آسر. اقترب منه. "اختر كلماتك بعناية." "وأنت اختر تصرفاتك بعناية." شعرت ليان أن الوضع سيتحول إلى شجار. وقفت بينهما. "كفاية." نظر الاثنان إليها. قالت: "أنا لست سببًا لمشكلة بينكما." نظر آسر إليها. "عودي إلى مكتبك." "لكن..." "ليان." كانت نبرته حاسمة. نظرت إليه بغضب. "حاضر." غادرت. لكنها لم تكن سعيدة. --- بعد دقائق، دخل كريم مكتب آسر. أغلق الباب خلفه. "أنت تتصرف بطريقة غريبة." آسر لم يرفع عينيه. "اخرج." "أنت تغار منها." توقفت يد آسر. رفع رأسه. "لا تتدخل." ابتسم كريم. "إذن أنا محق." نهض آسر. "كريم." "ماذا؟" "أنا لا أكرر تحذيراتي." ساد الصمت. ثم خرج كريم. أما آسر فبقي واقفًا. كان يعلم أن كريم محق. هو يغار. لم يكن يريد الاعتراف بذلك، حتى لنفسه. لكن رؤية ليان تضحك مع رجل آخر كانت تثير داخله شيئًا لا يفهمه. شيئًا غريبًا. شيئًا لم يشعر به منذ سنوات. --- في المساء، كانت ليان تجمع أغراضها عندما دخل آسر مكتبها. قالت دون أن تنظر إليه: "هل تحتاج شيئًا؟" "أريد أن أتحدث معك." "عن ماذا؟" "عن اليوم." رفعت عينيها. "ماذا عنه؟" "أنا لم أقصد أن أحرجك أمام كريم." "لكنك فعلت." "أعرف." كانت هذه أول مرة تسمعه يعترف بخطئه. صمتت. قال: "أنا فقط..." توقف. "ماذا؟" "لا أحب أن يقترب منك أحد." نظرت إليه بدهشة. "لماذا؟" لم يجب. "آسر." اقترب خطوة. "لا أعرف." "أنت المدير، وأنا موظفة." "أعرف." "إذن تصرف على هذا الأساس." ظل ينظر إليها. ثم قال: "أحاول." "حاول أكثر." ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه. "أنتِ الوحيدة التي تتحدث معي بهذه الطريقة." "ربما لأن الجميع يخاف منك." "وأنتِ؟" فكرت لحظة. "أحيانًا." "وأحيانًا؟" "أحيانًا لا." ضحك. كانت ضحكة قصيرة، لكنها كانت حقيقية. توقفت ليان عن الحركة. حدقت فيه. "أنت تضحك!" اختفت ابتسامته. "لا تخبري أحدًا." ضحكت. "لم أكن أعرف أنك تستطيع." "ولا أنا." ساد بينهما صمت مختلف. كان أكثر دفئًا. وأقل توترًا. لكن اللحظة انتهت عندما رن هاتف آسر. نظر إلى الشاشة. تغير وجهه. أجاب: "نعم." استمع. ثم قال: "هل أنت متأكد؟" صمت. "أرسل لي الموقع." أغلق الهاتف. لاحظت ليان التغير في ملامحه. "ماذا حدث؟" قال: "وجدنا سيارة كانت تراقب منزلك." شعرت بالقلق. "منزلي؟" "نعم." "كيف؟" "لدينا تسجيلات." "وماذا ستفعل؟" "سأذهب." "وأنا؟" "ستبقين هنا." "لا." نظر إليها. "ماذا قلتِ؟" "لن أبقى هنا وحدي." اقترب منها. "ليان، الأمر خطير." "ولهذا لن أبقى وحدي." ظل ينظر إليها. ثم تنهد. "ستأتين معي." --- بعد نصف ساعة، وصلت السيارة إلى شارع هادئ بالقرب من منزل ليان. كان رجال الأمن يقفون حول سيارة سوداء متوقفة بجانب الرصيف. ترجل آسر. نزلت ليان خلفه. اقترب أحد الرجال. "وجدناها هنا منذ أكثر من ساعة." سأل آسر: "هل كان بداخلها أحد؟" "لا." "هل وجدتم شيئًا؟" أخرج الرجل ظرفًا. "هذا كان على المقعد." أخذه آسر. فتحه. كانت بداخله صورة قديمة. نظر إليها. تغير وجهه. اقتربت ليان. "ما هذه؟" رفع الصورة قليلًا. كانت الصورة لرجل وامرأة يقفان أمام منزل قديم. عرفت ليان المرأة فورًا. كانت والدتها. أما الرجل... فلم تعرفه. قال آسر: "هل تعرفين هذا الرجل؟" نظرت إلى الصورة طويلًا. هزت رأسها. "لا." لكنه كان يعرف. الرجل الموجود في الصورة كان والد نديم. والأسوأ من ذلك أن التاريخ المكتوب خلف الصورة يعود إلى أكثر من عشرين عامًا. قال آسر: "علينا أن نذهب." "لماذا؟" "لأن هذه ليست رسالة لك فقط." "ماذا تعني؟" نظر إليها. "إنها رسالة لي." --- في مكان آخر من المدينة، كان نديم يقف أمام نافذة مكتبه. وصلته رسالة على هاتفه. فتحها. كانت صورة آسر وهو يقف بجانب ليان. ابتسم. "بدأت تغار." وضع الهاتف على الطاولة. ثم أخرج صورة قديمة أخرى. كانت صورة لليان وهي طفلة. مرر أصابعه فوقها. "أنت لا تعرف الحقيقة بعد، يا آسر." ثم أضاف: "لكن عندما تعرف... لن تستطيع النظر إليها بالطريقة نفسها." --- في طريق العودة، بقيت ليان صامتة. كان عقلها مليئًا بالأسئلة. عن والدتها. عن الرجل الموجود في الصورة. عن نديم. وعن آسر. قالت أخيرًا: "أريد الحقيقة." لم يجب. "آسر." نظر إليها. "ستعرفين." "متى؟" "عندما أتأكد أنها لن تؤذيك." "وأنت؟" "ماذا؟" "هل تخاف أن تؤذيني الحقيقة؟" صمت طويل. ثم قال: "أخاف أن تخسريني بسببها." توقفت أنفاسها. نظرت إليه. لكنه عاد ينظر إلى الطريق. ولم يقل شيئًا آخر. أما ليان، فبقيت تنظر إليه وهي تشعر للمرة الأولى أن العلاقة بينهما لم تعد مجرد علاقة مدير بموظفة. كان هناك شيء آخر. شيء يتشكل ببطء. شيء يشبه الغيرة. والاهتمام. والخوف. وربما... بداية حب لم يعترف به أي منهما بعد. لكن في مكان آخر، كان نديم يخطط للخطوة التالية. ولم يكن يريد فقط الانتقام من آسر. كان يريد أن يجعل ليان نفسها تكره الرجل الذي بدأت تشعر تجاهه بشيء لم تفهمه بعد. وكان أول مفتاح لهذه الخطة... هو والدها.لم يتحرك أحد.كانت المرأة تقف في نهاية الممر، نصف وجهها غارقًا في الظلام، بينما انعكس الضوء الخافت على عينيها.إلى جوارها وقفت لارا.لكن شيئًا في المشهد كان مختلفًا.لم تكن لارا تبتسم.كانت تنظر إلى ليان وكأنها تحاول أن تمنع شيئًا أسوأ من الحدوث.قال آسر بصوت حاد:— ابعدوا عنها.رفعت المرأة يدها.— لو أردت قتلها، لكانت ماتت منذ سنوات.رفع آسر سلاحه.— آخر تحذير.تدخلت ليان:— آسر... استنى.نظر إليها.— لا.— لازم نعرف مين دي.ردت المرأة:— اسمي سارة.شهقت مريم.تغير وجهها بالكامل.— سارة...تقدم والد ليان خطوة.— مستحيل.ابتسمت المرأة.— كنت متأكد إنكم هتقولوا كده.قالت ليان:— مين سارة؟لم يجب أحد.نظرت إلى مريم.— أمي؟قالت مريم بصوت متردد:— كانت تعمل معي في المختبر القديم.قالت سارة:— بل كنت أعمل معك قبل أن تخونيهم.ردت مريم:— لم أخن أحدًا.— أنتِ أخذتِ ليان وهربتِ.— لأنهم كانوا يريدون قتلها!— وأنا؟تجمدت مريم.اقتربت سارة.— ماذا عني يا مريم؟صمتت مريم.قالت ليان:— إيه اللي حصل لها؟تنفست مريم ببطء.— سارة كانت مسؤولة عن المرحلة الأولى من التجربة.نظر آسر إلى لارا.ثم إلى سا
ساد الصمت داخل الغرفة.لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الإنسان يسمع دقات قلبه وكأنها قادمة من مكان آخر.كانت ليان تحدق في الشاشة أمامها، غير قادرة على استيعاب الكلمات التي ظهرت عليها.المشرف الحقيقي على التجربة: مريم.مريم.اسم المرأة التي احتضنتها منذ طفولتها.المرأة التي كانت تناديها ابنتها.المرأة التي ظنت ليان طوال حياتها أنها أمها.ارتجفت أصابعها ببطء.— أمي؟خرجت الكلمة من فمها ضعيفة، كأنها سؤال لا تنتظر له إجابة.التفت الجميع نحو مريم.كانت مقيدة على الكرسي، ووجهها شاحب، لكن عينيها لم تحملَا دهشة.وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا.صرخت ليان:— قولي إن ده كذب!لم تجب مريم.اقتربت ليان خطوة.— قولي إن فؤاد بيكدب!أغمضت مريم عينيها لثوانٍ، ثم فتحتهما.— فؤاد لا يكذب في هذه النقطة.تجمدت ليان.حتى آسر، الذي كان واقفًا بجانبها، رفع رأسه ببطء.— مريم...قاطعته:— لكن الحقيقة ليست كما يريدكم أن تفهموها.ضحك فؤاد من خلف الزجاج.— بالطبع. دائمًا لديها قصة أخرى.ضرب آسر قبضته على الطاولة.— اخرس!لكن فؤاد لم يهتم.— اسألها يا آسر. اسألها عن الليلة التي وُلد
انطفأت الأنوار.للحظة، لم يسمع أحد شيئًا.ثم جاء الصوت مرة أخرى من الظلام.هادئًا.واثقًا.وكأنه يعرف تمامًا مقدار الخوف الذي يمكن لصوته أن يزرعه في قلوبهم.— أخيرًا بدأتِ تفهمين يا ابنتي.تجمدت ليان.أما آسر، فرفع سلاحه فورًا.— من أنت؟جاءت ضحكة خافتة.— سؤال متأخر يا آسر.ثم أضاءت شاشة صغيرة في نهاية الغرفة.ظهر عليها وجه رجل مسن.وجه لم تره ليان من قبل.لكن شيئًا فيه كان مألوفًا.العيون.طريقة الابتسام.الهدوء.قال سليم بصوت منخفض:— مستحيل.التفتت ليان إليه.— تعرفه؟لم يجب.تقدم والد آسر خطوة.— أنت مت.ابتسم الرجل عبر الشاشة.— يبدو أن هذه الجملة أصبحت عادة في عائلتكم.قال آسر:— من هو؟ظل الرجل صامتًا للحظات.ثم قال:— اسمي فؤاد.شهقت نور.تغير وجهها تمامًا.— فؤاد...قال الرجل:— نعم يا نور.اقتربت منه.— كنت أعتقد أنك مت.— الجميع اعتقد ذلك.قالت:— أنت السبب.أجاب بهدوء:— أنا السبب في أشياء كثيرة.رفع آسر سلاحه نحو الشاشة وكأنه يستطيع إطلاق النار على الماضي نفسه.— أين مريم؟ابتسم فؤاد.— لا تقلق.— أين هي؟— حية.تنفس الجميع.ثم أضاف:— حتى الآن.شد آسر يده.— إذا لمستها.
لم تتحرك ليان.حتى أنفاسها توقفت للحظة.كانت المرأة تقف أمامها، وجهها شاحب، وعيناها ممتلئتان بالدموع.لم تكن ليان بحاجة إلى أحد ليخبرها من تكون.رغم كل السنوات التي عاشتها وهي تظن أن أمها هي مريم، ورغم كل الأكاذيب التي أحاطت بميلادها، كان هناك شيء غريب في تلك اللحظة.شيء داخلها تعرفه.نور.أمها الحقيقية.المرأة التي ظنت أنها ماتت قبل سنوات.المرأة التي بحثت عنها دون أن تعرف أنها تبحث عنها.المرأة التي كانت السبب في كل هذا.همست ليان:— أمي؟ارتجفت شفتا نور.— نعم.خرجت الكلمة ضعيفة.لكنها هزت قلب ليان بالكامل.خطت ليان خطوة إلى الأمام.ثم توقفت.لم تكن تعرف هل تحتضنها أم تسألها أم تصرخ في وجهها.قالت نور:— أعرف أنني لا أستحق أن تناديني بهذا الاسم.ردت ليان بصوت مكسور:— أنا لا أعرف حتى إن كان من حقي أن أناديكِ به.انخفضت عينا نور.— معك حق.قال جابر من الخلف:— مؤثر جدًا.التفت آسر إليه.— اصمت.ضحك جابر.— أنت دائمًا تحاول حماية الجميع، أليس كذلك؟رفع آسر سلاحه.— هذه المرة لن أسمح لك بالاقتراب منها.قال جابر:— لن تحتاج إلى ذلك.ثم نظر إلى نور.— لقد انتهى دورك.رفعت نور رأسها.— ل
لم تنم ليان تلك الليلة.منذ أن قرأت الرسالة الأخيرة، وهي جالسة أمام النافذة، تحدق في الظلام وكأنها تنتظر أن يخرج منه جواب."المرة القادمة لن أتصل بكِ... سأنتظرك."كانت الجملة تدور في رأسها بلا توقف.لكنها لم تكن أكثر ما يؤلمها.كان السؤال الآخر.من كانت المرأة التي ربّتني طوال حياتي؟رفعت ليان عينيها نحو والدتها.كانت مريم جالسة في الجهة الأخرى من الغرفة، صامتة منذ ساعات.لم تكن تنظر إلى ليان.وكأنها تخشى أن تلتقي عيناها بعيني ابنتها.قالت ليان أخيرًا:— أمي.رفعت مريم رأسها.— نعم؟— هل أنتِ أمي فعلًا؟تجمد وجه مريم.تقدم والد ليان خطوة.— ليان...— لا.رفعت يدها.— أريدها أن تجيب.صمتت مريم طويلًا.ثم قالت:— نعم.تنفست ليان ببطء.— وجابر كان يكذب؟— في أغلب كلامه.— وفي بعضه؟لم تجب.قالت ليان:— أمي.أغمضت مريم عينيها.— هناك أشياء لم أخبرك بها لأنني كنت أخشى أن تخسري كل شيء.— أنا أخسر كل شيء الآن بسبب صمتكم.انخفض رأس مريم.— أعرف.اقتربت ليان منها.— هل نور أختي؟— نعم.— هل هي حية؟— لا أعرف.— هل كانت لارا؟هنا رفعت مريم عينيها بسرعة.توقفت ليان.— إذًا أنتِ تعرفين الاسم.لم
ظلّت ليان تحدق في آسر.لم يكن في الغرفة صوت سوى أنفاسهم المتقطعة، وصوت الريح التي كانت تصطدم بالنوافذ المكسورة للمستشفى القديمة.كان السؤال ما زال معلقًا بينهما.— هل كنت تعرف عن نور؟لم يجب آسر.ولأول مرة منذ أن عرفته، لم تجد ليان في عينيه أي محاولة للتهرب أو الكذب.وجدت شيئًا أسوأ.الندم.تراجعت خطوة.— كنت تعرف.قال آسر بصوت منخفض:— نعم.أغمضت ليان عينيها.لم تكن الصدمة في أن آسر عرف اسم نور.الصدمة أنه عرف، وظل صامتًا.فتحت عينيها.— منذ متى؟— منذ فترة قصيرة.— قبل أن نأتي إلى هنا؟— نعم.— قبل أن يظهر جابر؟— نعم.ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح.— وكل هذا الوقت كنت تنظر في عيني وتقول إنك لا تعرف شيئًا.اقترب منها.— كنت أحاول أن أتأكد.— من ماذا؟— من أنها حية.توقفت.— حية؟أومأ.— جابر لم يكن أول شخص يخبرني عنها.قالت:— من أخبرك؟نظر آسر إلى والده.كان الرجل يخفض عينيه.قال آسر:— أبي.رفعت ليان رأسها نحوه.— والدك يعرف نور؟— نعم.قالت مريم:— لم يكن يجب أن يعرف.التفتت ليان إليها.— لكنكم جميعًا تعرفون.لم يجب أحد.صرخت:— جميعكم تعرفون وأنا الوحيدة التي لا تعرف شيئًا!أمس







