بيت / التشويق / الإثارة / الصفحة 104 / الفصل 2: الصفقة المظلمة

مشاركة

الفصل 2: الصفقة المظلمة

مؤلف: liro
last update تاريخ النشر: 2026-07-16 16:20:04

تراجعت مارا خطوة إلى الوراء غريزياً، وهي تضع حقيبتها الجلدية أمام صدرها كدرع واقٍ واهٍ، وعيناها متسعتان من أثر الصدمة والذهول اللذين أصابا شلل أطرافها. تداخلت الأفكار والأسئلة في رأسها كالعاصفة المدمرة؛ هل تصرخ ملء صوتها لعل حارس الأمن الليلي يسمعها؟ هل تدير ظهرها وتركض في الاتجاه المعاكس مستغلة معرفتها بممرات الدار المظلمة؟ لكن صوته الهادئ ورزانته الباردة كانا يملكان سلطة غريبة، هالة غير مرئية جمدت الدماء في عروقها وشلت حركتها تماماً، وكأنها طائر صغير تيبس أمام نظرة أفعى.

رددت بنبرة مرتجفة، تكاد تخرج بصعوبة من حلقها الذي جف تماماً كصحراء قاحلة: "أنت.. أنت تريستان؟ الكاتب الشبح الذي تبحث عنه نصف دور النشر في الشرق الأوسط؟"

تقدم خطوة بطيئة ومدروسة نحو الأمام، ومع كل حركة منه كانت ظلال معطفه الأسود الطويل تتمدد على الجدران الرمادية للممر بفعل الضوء الخافت المتسلل من الخارج، لتغطس الغرفة في سواد أعمق كأنه يسحب النور خلفه.

"لقد استغرق الأمر منكِ خمس سنوات كاملة لتلاحظي تلك التفاصيل الدقيقة التي زرعتها بعناية فائقة في كتاباتي يا مارا،" قال تريستان وعيناه الرماديتان تلتمعان ببريق غامض. "كنت أظنكِ أذكى من ذلك بكثير، بالنظر إلى طبيعة عملكِ كمصححة لغوية يفترض بها قراءة ما خلف الكلمات وتحليل التراكيب، لا مجرد تصحيح الفواصل والنقاط."

"أين أختي مالوري؟!" صرخت مارا فجأة، متخلية عن كل ذرة خوف متبقية فيها، ومستسلمة لمشاعر الغضب والألم والانتظار القاتل التي كتمتها في صدرها لخمس سنوات طوال. أخذت خطوة جريئة للأمام وهي تشد بقبضتها المرتعشة على مسودة الرواية حتى تجعدت الأوراق بين أصابعها. "ماذا فعلت بها؟ لماذا اسمها، وعقدة حذائها، وسوارها الفضي الذي صنعته لها بيدي موجود في روايتك المشؤومة؟ أجبني وإلا أقسم أنني سأملأ هذا المكان صراخاً!"

لم يبدِ تريستان أي ردة فعل غاضبة أو قلقة من تهديدها، بل تنهد ببرود قاتل يثير الأعصاب، وانتشل هاتفه الذكي ذو الغلاف الأسود من جيب معطفه الداخلي، ووجه الشاشة نحو وجهها مباشرة وعرض عليها المحتوى.

كان العداد الزمني الذي رأته في الإيميل منذ قليل يتحرك تنازلياً بسرعته المرعبة والقاسية: **47:45:12**.. **47:45:11**.. وتحت العداد مباشرة، كان هناك بث مرئي حي وعالي الدقة لغرفة خرسانية رطبة، كأنها قبو تحت الأرض، يغمرها ضوء رمادي شاحب. في زاويتها كرسي خشبي عتيق، وفوقه تماماً حبل مشنقة غليظ مصنوع من الكتان الخشن يتأرجح ببطء شديد تحت فتحة تهوية، مرسلاً إيحاءً مرعباً بالموت الوشيك. وفي زاوية الكادر، لمح طيف يد مقيدة بسوار فضي لامع.. سوار مالوري.

شحبت ملامح مارا، وشعرت بغثيان يهاجم معدتها.

"أختكِ ليست في حوزتي الآن، لكنها ستكون بالتأكيد الضحية القادمة في هذا البث المباشر الذي يشاهده شخص واحد حالياً.. وهو أنا،" قال تريستان بنبرة خالية تماماً من أي تعاطف إنساني، كأنه يصف مشهداً تراجيدياً في إحدى رواياته. "هناك قاتل حقيقي طليق، سيكوباتي مهووس يقرأ مسوداتي قبل نشرها، ويطبق كل جريمة أكتبها حرفياً في الواقع كنوع من التحدي المجنون وبسط السيطرة بيني وبينه. والحل الوحيد لإنقاذ مالوري هو أن ترافقيني، وتصبحي عيني الثانية، وتساعديني في صياغة أحداث وتفاصيل الفصول القادمة لنصنع معاً فخاً أدبياً محكماً نوقع به هذا الوحش في شباكنا قبل أن يضغط على زر النهاية."

نظرت مارا برعب إلى شاشة الهاتف، إلى الحبل الذي يتأرجح مهدداً حياة شقيقتها التي حُرمت منها لسنوات، ثم رفعت نظراتها المليئة بالدموع المتجمدة لتصطدم بعينيه الرماديتين اللتين بدتا كبئر عميق من الأسرار. تملكها شعور بالاختناق وضيق الخيارات؛ فإما أن تثق بهذا الشبح المريب وتلقي بنفسها في لعبته المظلمة، أو ترفض وتفقد أختها للأبد.

تنحنحت لتستعيد صوتها، وقالت بنبرة مكسورة ومستسلمة: "ما هي شروطك؟"

ارتسمت على شفتي تريستان ابتسامة غامضة، خالية تماماً من الدفء، وقال: "الشرط الأول.. من هذه اللحظة تصبحين مساعدتي الشخصية والمصححة الخاصة بي، وستنتقلين للعيش معي في منزلي المعزول وسط الغابات لندرس الأدلة والرسائل معاً بعيداً عن أعين المتطفلين. والشرط الثاني والأساسي.. لا تخبري مخلوقاً بما حدث، لا الشرطة ولا أصدقائك، وإلا سيعرف (دميان) فوراً أننا كشفنا اللعبة، ويموت الجميع في غضون دقائق."

شهقت مارا وتراجعت خطوتين للخلف بعنف وكأن صاعقة ضربت الأرض تحت قدميها عندما سمعت ذلك الاسم تحديداً يخرج من بين شفتيه. "دميان؟! تقصد دميان.. مدير عام دار النشر 'أوبسيديان' التي أعمل بها الآن؟! رئيسي في العمل؟!"

تذكرت على الفور نظرات دميان الحادة والباردة، وتحكمه الغريب في تفاصيل العمل، وحرصه الغامض على مراجعة مسودات تريستان بنفسه قبل أي شخص آخر. تداخلت قطع الأحجية المرعبة في رأسها لتشكل صورة وحش حقيقي يعيش معها في نفس المبنى.

لكن قبل أن يتسنى لتريستان الإجابة على سؤالها أو شرح خيوط هذه المؤامرة المشتركة، انقطعت أنوار الممر الطويل بالكامل بضربة واحدة دوت في لوحة المفاتيح الكهربائية للمبنى.

ساد ظلام دامس، حالك كالحبر، سحق تماماً قدرتها على الرؤية وجعلها تعيش في عمى مؤقت. وفي نفس اللحظة، اخترق الصمت صوت خطوات ركض ثقيلة وسريعة، تصدر من أحذية عسكرية ضخمة، وهي تقترب بنحو متسارع من نهاية الممر المعتم متجهة نحوهما مباشرة.

"لقد عثروا علينا أسرع مما توقعت.. تماسكِ!" همس تريستان في الظلام بقرب أذنها، ولامست يده القوية والباردة معصمها، شادةً عليها بقوة تمهد لرحلة الهروب الكبرى.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الصفحة 104   الفصل 10: السطر الأخير

    مر شهر كامل وسريع على تلك الليلة المشؤومة التي غيرت مجرى حياة الجميع، وكأنها كانت إعصاراً مدمراً عبر وأفسح المجال لربيع جديد. تم القبض على دميان، الذي نجا بأعجوبة من الموت المحتم في انفجار المصنع الكيميائي، لكنه خرج منه جسداً مشوهاً بحروق بليغة وندوب قاسية سترافقه طوال حياته خلف القضبان. وتحت وطأة التحقيق المكثف والمواجهة بالأدلة، انهار تماماً واعترف بكل جرائمه البشعة؛ من تصفية خصومه وتدبير الحوادث، إلى إدارة شبكة الابتزاز المعقدة التي كان يتستر عليها لسنوات خلف ستار الثقافة والأدب الراقي. ولم يكن هذا الاعتراف ليحدث لولا تلك الصاعقة الرقمية التي ضربت بريد الشرطة الفيدرالية ووسائل الإعلام الكبرى في نفس ليلة الانفجار—حزم ضخمة من المستندات والملفات الصوتية المرسلة من مصدر مشفر ومجهول الهوية، ذُيّل بتوقيع واحد مألوف: "تريستان". أما مالوري، فقد بدأت رحلة تعافيها الطويلة من آثار الصدمة الجسدية والنفسية. وبمساعدة شقيقتها مارا التي لم تترك يدها للحظة، بدأت حياة جديدة تماماً وهادئة، متخلية عن رغبات الطمع السابقة وسوء الحظ الذي كاد يودي بحياتها، مدركة أن الحياة الحقيقية أثمن بكثير من الأسرار

  • الصفحة 104   الفصل 9: الهروب الكبير

    "مارا! خذي أختكِ فوراً واخرجي من المخرج الخلفي للمصنع دون أن تلتفتي وراءكِ لثانية واحدة! اركضي!" دوى صوت تريستان جهورياً وقوياً، حاملاً نبرة آمرة لم تجرؤ مارا على عصيانها. وفي نفس اللحظة، ألقى بجسده بكل ثقله وقوته فوق دميان، يثبته على الأرض الطينية اللزجة ويطبق قبضته على حركته ليمنعه من القيام بأي محاولة يائسة للهرب أو إدخال رمز خاطئ يسرّع الكارثة. "وماذا عنك أنت؟! لن أتركك هنا بمفردك لتواجه هذا الجحيم! لن أسمح بموتك!" صرخت مارا وصوتها يتهدج بالبكاء المرير، وهي تسحب يد أختها الضعيفة مالوري، التي كانت بالكاد تقوى على الوقوف على قدميها من شدة الإنهاك العضلي والجسدي وتترنح كغصن مكسور. "سأحاول اختراق كمبيوتر التحكم الرئيسي وتفكيك شيفرة القنابل في هذه الثواني المتبقية! لا تضيعي تضحيتي هباءً يا مارا.. ارحلي الآن!" صرخ تريستان وهو يتفادى ضربة من يد دميان الحرة. وفي تلك الأجزاء الضيقة من الثانية، ولأول مرة منذ لقائهما، التقت عيناه الرماديتان بعينيها مباشرة. اختفى الجليد والبرود منهما تماماً، وحلت مكانهما نظرة دافئة، عميقة، ممتلئة بوعود غير منطوقة، وبخوف صادق ونبيل على سلامتها.. نظرة حب ول

  • الصفحة 104   الفصل 8: التضحية المشؤومة

    وقف تريستان في منتصف القاعة الخرسانية كتمثال إغريقي منحوت من الجليد، ونظراته الحائرة مشتتة بين المسدس الأسود الثقيل الملقى في الطين البارد عند قدميه، وجسد مارا الذي كان يرتجف بعنف وهي تبكي بصمت مرير، ومالوري المعلقة في الأعلى والتي بدأت ملامح وجهها تذبل تدريجياً وأنفاسها تشخب وهي تصارع حبل المشنقة الغليظ. كان الموقف مستحيلاً، خالياً من أي مخرج ذكي، والثواني تمر كشفرات حادة تقطع خيوط النجاة. ببطء شديد، وتحت نظرات دميان المتلذذة والمليئة بالتشفي المترقب، انحنى تريستان والتقط المسدس المعدني. نفض عنه الطين ببرود مدروس، ووجه الفوهة السوداء مباشرة نحو منتصف صدر مارا. كانت عيناه الرماديتان تلمعان بدموع متجمدة غريبة، كأنها تعكس وداعاً أخيراً. وقال بنبرة منخفضة ورخيمة: "أنا آسف جداً يا مارا.. لكن الحزن والخراب الذي يمثله اسمي (تريستان) يجب دائماً وأبراً أن ينتهي بمأساة سوداوية تليق به." "لا! تريستان أرجوك لا تفعل هذا! لا تكن وحشاً بلا قلب مثلهم!" صرخت مارا وهي تتراجع خطوات مهزوزة للخلف حتى اصطدم ظهرها ببرودة الجدار الأسمنتي للمصنع. تملكتها مرارة خيانة قاتلة؛ خيانة تأتيها من الشخص الوحيد الذ

  • الصفحة 104   الفصل 7: العشاء الأخير للحقائق

    "أهلاً ومرحباً بكما في الفصل الأخير والمثير من روايتي المفضلة،" قال دميان بنبرة تقطر خبثاً وغطرسة، وهو يرفع يده ببطء لينظر بسخرية واستعلاء إلى ساعة يده الذهبية الفاخرة التي لمعت تحت أضواء الكشافات الصفراء. "تريستان الكاتب العبقري الذي حير الملايين بقلمه المظلم، ومارا الكابوس الصغير الذي تجرأ على تحدي الكبار. لقد جئتما في الوقت المناسب تماماً، السيناريو يسير بدقة متناهية، وحضوركما كان ضرورياً لإتمام المشهد الختامي لقصتنا." تلاشى كل تعقل من رأس مارا ما إن رأت ملامح شقيقتها الشاحبة. كادت تندفع بجنون وتهور أعمى نحو مالوري، التي كانت تبدو مجهدة للغاية، تفوح منها رائحة الرطوبة وشبه غائبة عن الوعي، معلقة بين حافتي الحياة والموت. لكن قبضة تريستان الحديدية والتفت حول معصمها فجأة وجذبتها إلى الخلف بقوة مانعة إياها من التقدم خطوة واحدة. كان تريستان يعلم جيداً، بحسه الأمني والتحليلي الذي صقلته سنوات من كتابة الجريمة، أن أي حركة عشوائية أو اندفاع غير محسوب سيجعل إصبع دميان يضغط فوراً على زر تشغيل آلة المشنقة الأوتوماتيكية، لينهي حياة مالوري في كسر من الثانية. "ما الذي تريده فعلاً يا دميان لتنهي

  • الصفحة 104   الفصل 5: الخدعة المزدوجة

    رفعت مارا يديها أمام وجهها بحركة دفاعية غريزية وهي تغلق عينيها بإحكام وتستعد لتلقي الطعنة القاتلة، لكن بدلاً من الألم الذي توقفت أنفاسها بانتظاره، سمعت صوت تكة خفيفة ومعدنية على سطح المكتب الخشبي العتيق. فتحت عينيها ببطء وصدمة لتجد أن تريستان قد تجاوزها ببرود تام وجاذبية هادئة، ووضع السكين الطويل بجانب طبق خزفي قديم يحتوي على تفاحة حمراء ناضجة؛ كان ببساطة يقطع التفاحة إلى نصفين، والسائل الأحمر اللزج الذي سال على يديه وعلى نصل السكين لم يكن سوى عصير التفاحة الطازج والقاتم الذي بدا في العتمة مرعباً كالدماء. "التسجيل الصوتي الذي سمعتِهِ للتو في الخزنة يعود لتاريخ قديم، قبل ثلاث سنوات من الآن،" قال تريستان بهدوء تام وهو يقضم قطعة من التفاحة بحركات بطيئة ومدروسة كأن العالم لا يغلي من حولهما. ثم تابع وعيناه الرماديتان مثبتتان عليها: "لقد كان ذلك الحوار بأكمله فخاً متقناً صممته لدميان لجعله يعتقد واهماً أنني مستعد للتضحية بكِ في أي وقت مقابل سلامة شقيقتك، وكان هذا طريقتي الوحيدة والوحشية لكسب بعض الوقت الثمين لحمايتكِ ومراقبتكِ عن بعد دون أن تشعري بأي خطر أو تدري بوجودي حولك. دميان و

  • الصفحة 104   الفصل 6: شفرة دميان

    كانت مارا تشعر باختناق حقيقي يمزق حنجرتها، وقبضة الرجل المقنع الحديدية تضغط على مجرى تنفسها بقوة تسلبها الوعي تدريجياً، بينما بدأت تظهر بقع سوداء تتراقص أمام عينيها. تذكرت وسط ذعرها المطبق ومقاومتها اليائسة بعض تدريبات الدفاع عن النفس الأساسية التي تلقتها قديماً في نادٍ محلي. وبكل ما تبقّى لها من قوة جسدية ضئيلة وإرادة مستميتة للحياة، رفعت قدمها اليمنى عالياً، وثبتت كعب حذائها لتسدد ضربة خلفية دقيقة ومستهدفة بكل قوة في ركبة المهاجم الضعيفة. تراجع الرجل المقنع خطوة إلى الوراء متألماً، ومطلقاً صرخة مكتومة غاضبة إثر الضربة المفاجئة التي أرخت قبضته لثوانٍ. استغلت مارا هذه الفرصة الذهبية، وتملصت من بين يديه لتنهض مندغمة في الظلام، وراحت تركض بجنون بين جذوع الأشجار الكثيفة وهي تسعل بعنف وتستنشق الهواء البارد المحمل برائحة المطر بصعوبة بالغة، محاولةً تجاهل الألم الحارق في عنقها. وفجأة، انشق سكون الغابة بصوت طلقة نارية صامتة وخافتة شبيهة بصفير الرياح *(سسسفت)*. تعثر الرجل المقنع الذي كان يلاحقها وسقط أرضاً على وجهه كجثة هامدة دون حراك. ومن بين ظلال الأشجار الكثيفة المبتلة، انسل تريستان

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status