LOGINلم تكن الأروقة الملتوية المؤدية إلى عمق البرج الشمالي للقصر تشبه بقية الممرات؛ هنا كان التاريخ يهمس من خلف التماثيل الرخامية النادرة التي تآكلت أطرافها بفعل عوادي الزمن، بينما تزينت الجدران الحجرية بسجاد "أوبيسون" العتيق والمغزول يدوياً ليروي في طياته تفاصيل معارك ملحمية منسية لعائلات إيطاليا القديمة. صعد أليساندرو السلالم الحلزونية الضيقة بخطوات واثقة، متزنة، ولها رنين حاد يتردد في الفراغ، تتبعه إيلينا التي كانت ترفع أطراف ثوبها النيلي بحذر وتوجس، متأملة الضوء الفضي الذي كان يزداد كثافة وعنفواناً كلما اقتربا من قمة البرج الشاهق. وعندما دفع أليساندرو الباب الخشبي الضخم المصفح بالحديد المصقول، حبست إيلينا أنفاسها في صدرها جراء المشهد الباذخ الذي ارتمى أمام عينيها الذهلتين؛ لقد كان مرسماً ملكياً شاسع الأركان، صُمم خصيصاً بنوافذ فرنسية دائرية عملاقة تمتد من السقف المقوس وحتى الأرضية الرخامية البيضاء ذات العروق الرمادية، كاشفة عن إطلالة ساحرة تحبس الأنفاس لتلال "فيسولي" الخضراء والممتدة، وضباب الصباح البارد الذي يداعب قمم أشجار السرو الشامخة في الأفق البعيد.المكان كان مجهزاً ب
لم يكن النور المنساب من النوافذ القوطية الشاهقة لقاعة الطعام الكبرى كافياً لطرد الهيبة القاتمة التي فرضتها الجدران الحجرية الداكنة، والأسلحة الآلية الثقيلة التي كان يحملها رجال الحراسة الواقفون خلف الأعمدة الرخامية الضخمة كالتماثيل الصامتة التي لا تبخل بالحذر. كانت المائدة الطويلة الممتدة في منتصف القاعة، والمصنوعة من خشب الجوز الإيطالي القديم، تبدو وكأنها مسرح لتناقض صارخ؛ إذ غُطيت بمفرش حريري ناصع البياض مطرز بخيوط الذهب الخالص عند الحواف، ومحملة بأوانٍ فضية عتيقة صُقلت بعناية لتعكس الوميض الخافت للثريا الكريستالية الضخمة المتدلية من السقف الخشبي المحفور. كانت الأطباق تحوي ما لذ وطاب من أصناف الفطور الأرستقراطي؛ من معجنات فلورنسية دافئة تنبعث منها رائحة الزبدة الطازجة، وأجبان معتقة جُلبت خصيصاً من مزارع الشمال، وفواكه استوائية نضرة قطعت بتنسيق بديع، إلى جانب كؤوس الكريستال التي امتلأت بالعصائر الملونة والمياه النقية. هذا التناقض المرعب بين منتهى الرفاهية المادية ومنتهى الترقب العسكري كان يفرض على الأجواء صمتاً مشحوناً وثقيلاً، لا يقطعه سوى رنين الفضيات الخفيف وتكهنات النفوس الوجلة
انقشعت عتمة الليل الثقيلة عن تلال "فيسولي" الصامتة، لتفسح المجال لخيوط الفجر الأولى التي تسللت كأطياف فضية باردة عبر الزجاج المعشق للنوافذ الشاهقة. كان الجناح الملكي الغربي يغرق في سكون مهيب، لا يقطعه سوى الصوت الرتيب لـنبضات الساعة الجدارية الأثرية المصنوعة من خشب الأبنوس، وتداخلها مع الأنفاس الهادئة المنتظمة لإيلينا القابعة فوق سريرها الوثير ذي الأعمدة الأربعة الوشاة بالحرير المخملي الداكن. كانت تغط في نوم عميق غسل ملامحها الشاحبة من غبار ليلة البارحة العصيبة، وخصلات شعرها الكستنائي تناثرت بفوضوية ساحرة فوق الوسائد البيضاء النظيفة، لتبدو كقديسة هاربة من لوحات عصر النهضة استقرت أخيراً في عرين وحش الشمال.عند عتبة الشرفة الداخلية للجناح، كان أليساندرو واقفاً بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الصلبة التي تنضح بالمهابة والأرستقراطية الصارمة. لم يكن يرتدي سترته الحربية الثقيلة؛ بل كان يكتفي بقميص حريري أسود غير مصفف الأزرار بالكامل، يكشف عن جزء من وشم الخنجر والتاج الممتد فوق صدره وعنقه. كانت يداه مستقرتين في جيبي بنطاله، وعيناه الرماديتان اللتان تشبهان الرخام البارد تحدقان بثبات صخر وع
انصرفت كلارا نحو جناحها الشرقي المستقل بعد ليلة مشحونة بصخب الرصاص وعواصف العتاب، مخلفة وراءها صمتاً مهيباً يلف أرجاء جناح إيلينا الفاخر. تمددت خيوط القمر الفضية عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة، لترسم ظلالاً هندسية معقدة فوق الأرضية الرخامية المصقولة، ممتزجة بالوميض الخافت للثريا الكريستالية التي بدت وكأنها ترتعد مع أنفاس إيلينا المتهدجة. سارت إيلينا بخطوات وئيدة واهية نحو شرفتها الواسعة المطلة على تلال "فيسولي" المعتمة، وأسندت كفيها النحيلتين فوق السور الحجري البارد، مغمضة عينيها العسليتين لتجد نفسها وحيدة في مواجهة ذلك السؤال الصاعق الذي ألقته كلارا في جوف روحها كحجر ثقيل حرك مياهاً رَاكدة: *"هل بدأتِ تحبين أليساندرو حقاً، وتذوبين في عشق وحش الشمال رغم كل خطاياه ودماء ماضيه؟"*انفتح باب وعيها الباطن على مصراعيه، وبدأت ذكرياتها مع أليساندرو تتدافع كأمواج عاتية تمزق ثباتها المصطنع، وتأخذها إلى دهاليز الأيام الأولى التي قضتها في هذا الحصن المنيع. أخذت تسائل نفسها في حوار داخلي طويل وعميق، ممتزج بالدهشة والوجل: هل هذا الذي ينبض في صدرها كلما اقتربت قامته الفارهة منها هو الحب؟ أم أنه مجرد م
شقّت السيارات المصفحة عتمة تلال "فيسولي" الصاعدة بسرعة خاطفة وانسيابية تامة، مخلّفة وراءها شوارع فلورنسا العتيقة ورماد ليلة كادت أن تطيح بأرواح الجميع. ساد الصمت الثقيل داخل مقصورة السيارة الرئيسية؛ حيث قبع أليساندرو بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الصارم، يطوق كف إيلينا النحيل بقبضته القوية الموشومة برأس الخنجر والتاج، مستمداً من برودة أناملها هدوءه الخاص بعد إعصار الغدر الخاطف الذي هز أركان البناية القديمة. وفي المقعد المقابل، كانت كلارا تجلس منكمشة على نفسها، وجسدها يرتجف ارتعاشاً خفيفاً من فرط الذهول الصرف، وعيناها تتنقلان برعب حذر بين وجه القيصر الشاب الشاحب كالمرمر وبين ملامح إيلينا الغارقة في شجنها المكتوم، متسائلة في جوفها عن هوية هذا الرجل الفاره الذي غيّر مسار حياتهما في ثوانٍ معدودة.توقفت القافلة الفاخرة أخيراً في الباحة الحديدية الكبرى لقصر الكامورا المحصن، لتفتح الأبواب الهيدروليكية بتأنٍ ورصانة عسكرية تعكس نفوذ العائلة الطاغي. ترجل أليساندرو أولاً، وسحب إيلينا برفق شديد لـتدلف خلفه، في حين تولى ماركو اقتياد كلارا وإخراجها من السيارة بحرص واحترافية بالغة تتناسب مع مكانته
تيبست الدماء في عروق إيلينا الشاحبة، والتحمت أنفاسها المتهدجة بصمت الغرفة المفاجئ وهي تتأمل ملامح صديقتها المقربة كلارا الواقفة عند عتبة الباب الخشبي. سقطت المفاتيح النحاسية من يد كلارا لتصدر رنيناً حاداً فوق الرخام البارد، وانهمرت دموعها الغزيرة لتغسل مساحيق وجهها الشاحب، ممتزجة بشهقات ذهول عارم مزق سكون المكان. تقدمت كلارا بخطوات متعثرة وواهية، وعيناها تفيضان بمرارة الفقد والصدمة الصرفة، واندفعت نحو إيلينا لتمسك بكتفيها الرقيقين بعنفوان تملكه الوجع، وبدأت تصب جام غضبها وعتابها المرير بصوت مخنوق تملأه لوعة الشجن: "أنتِ حية؟ كيف تفعلي هذا بي يا إيلينا؟ أسابيع طويلة وأنا أموت رعباً وخوفاً عليكِ، أبحث عنكِ في كل زاوية بفلورنسا، وأطرق أبواب المستشفيات ومراكز الشرطة بعد أن احترق مرسمكِ واختفت أنفاسكِ عن العالم كأنكِ لم تكوني! كيف تتخلين عني وتتركيني لليأس ينهش روحي دون إشارة واحدة تخبرني أنكِ لا تزالين تتنفسين؟"انقبض قلب إيلينا بعنف جراء هذا العتاب الإنساني الحاد، وضمت جسد صديقتها الرقيق نحو صدرها بحركة غريزية تفيض بالدفء والندم الصادق، وامتزجت دموعهما الساخنة في عناق طويل أذاب جليد الغي
انطلقت القافلة الصغيرة المكونة من ثلاث سيارات سوداء مصفحة، تنساب بهدوء مريب في الشوارع الحجرية القديمة لوسط مدينة فلورنسا، ولم يكسر هدوء الليل سوى الحفيف الخافت للعجلات الفولاذية فوق الرصيف الأثري. توقفت السيارات في زاوية معتمة بعيدة عن الأنوار الباهرة، بالقرب من تلك البناية التاريخية القديمة ذات ا
لف السكون الرتيب أرجاء الجناح الغربي للقصر العتيق مع اقتراب ساعات الظهيرة الدافئة، وتسللت أشعة الشمس التوسكانية عبر النوافذ الزجاجية المقوسة لتغسل جدران المكتبة الأثرية بنور ذهبي وهاج. بدت الحركة هادئة تماماً داخل الحصن بعد أن انقشعت عاصفة الحروب وتلاشت تهديدات الخصوم بالخارج، وحل محل صخب الأسلحة م
انقشعت أشباح الليل الطويل تماماً عن أروقة الجناح الغربي، واستيقظت تلال "فيسولي" على وقع صباح صيفي ناصع يحمل دفء الشمس التوسكانية الشابة التي بدأت تغسل غبار الرماد المتبقي فوق الأسوار الحديدية الخارجية للقصر العتيق. غادرت إيلينا مرسمها الجديد بعد أن استقرت أنفاسها بالكامل خلف الأبواب المغلقة، ووقفت
ارتفع القمر الكامل في كبد السماء التوسكانية لينشر نوراً فضياً ساطعاً تخترق خيوطه الباردة النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، راسمة ظلالاً هندسية معقدة تتداخل مع رفوف خشب الجوز الداكنة. ساد السكون التام أرجاء القصر العتيق بعد أن خفتت حركة الأقدام في الباحات الخارجية، وباتت ممرات الجناح الغربي







