首頁 / مافيا / الظل / ترانيم الطاعة والعهد

分享

ترانيم الطاعة والعهد

last update publish date: 2026-05-30 07:53:41

عادت إيلينا إلى جناحها الشرقي الفاخر بعد انقضاء أربعة أيام مريرة على ليلة المجزرة الرهيبة واختراق الحصن، لتصدم عند عتبته بـالكفاءة المرعبة، الصامتة، والسرعة المذهلة التي يتحرك بها رجال عائلة الكامورا؛ فقد تم ترميم الجناح بأسره وإعادة بناء جدرانه وتنظيف كل أنش من أركانه من ركام الانفجار وآثار شظايا الرصاص وكأن شيئاً لم يكن يوماً. كانت الأبواب النحاسية العريضة والجديدة تماماً تنتصب عند المدخل بصلابة حديدية مهيبة، تعكس تشديد التحصينات الأمنية التي فرضها ماركو، والجدران العاجية المرتفعة طُليت مجدداً بطبقة ناصعة طردت رائحة البارود المحترق، بينما كانت المدفأة الحجرية الكبيرة في وسط ردهة الجلوس تطلق دفئاً حقيقياً يلف أرجاء المرسم الجديد بنبرة من السكينة والهدوء الزائف.

وقفت إيلينا في وسط مرسمها، وتأملت الحامل الخشبي الضخم الجديد الذي أُعيد تثبيته في مكانه المعتاد أمام النوافذ الزجاجية الشاهقة المطلة على تلال فلورنسا. لكنها تسمرت في مكانها، وانقبضت أنفاسها في حنجرتها الرقيقة، وتملكتها صدمة نفسية وسيكولوجية حادة عندما رأت اللوحة الفحمية القديمة مستقرة فوق الحامل؛ لم يتخلص الحراس منها وسط الركام بناءً على أوامر صارمة، سرية، ومباشرة من الزعيم الشاب، بل كانت هناك، لكنها أصبحت تحمل تذكاراً حياً ومروعاً يربطها بجحيم معسكرهم؛ بقعة دماء حقيقية، دافئة، وقاتمة تخص المهاجم الذي قتله أليساندرو من مسافة صفر، قد جفت تماماً فوق الزاوية السفلية للقماش الأبيض، لتتداخل الدماء القرمزية المتيبسة مع الخطوط السوداء لوجه أليساندرو في مشهد بصري قاسٍ يعكس تدمير براءتها الفنية ولطخ نقائها الإنساني بالدم والرماد.

لم تبكِ إيلينا هذه المرة، ولم تمزق القماش بكبرياء غاضب أو تصرخ طالبة الفرار؛ بل بدا وكأن عملية التأقلم الإجباري مع جحيم الواقع المطبق عليها قد فرضت شروطها القاسية على روحها المعذبة، وبدأت تذبح براءتها القديمة ببطء. سارت بخطوات واهية، متثاقلة، ومصحوبة بأنفاس هادئة خاوية من الحياة، متجهة نحو طاولة الرسم الفاخرة، وامتدت أصابعها النحيلة لتلتقط فرشاة عريضة مصنوعة من شعر السنجاب النادر. غمرت شعيراتها الدقيقة في وعاء زجاجي صغير يحتوي على طلاء زيتي أحمر حقيقي، قانٍ، ومشتعل، ثم تراجعت خطوة ووقفت أمام اللوحة بثبات وهدوء غامض يلف ملامحها الشاحبة بالكامل، كمن يستعد لتوقيع عهد قسري مع القدر.

بدأت في وضع ضربات فرشاة انسيابية، عريضة، ومتلاحقة فوق بقعة الدم الجاف والخطوط الفحمية لملامحه الحادة. كانت تخلط الطلاء الزيتي الأحمر مع الدماء الحقيقية للمقتحم ومع الظلال السوداء لوجه أليساندرو والندبة الصغيرة التي تزين وجنته، محولة بقعة القتل والدمار إلى جزء لا يتجزأ من حبكة لوحتها الفنية، في رمز سيكولوجي بليغ وعميق يعكس استسلام وعيها الباطن لقوانين المافيا وتأقلم طهرها مع نيران عالمهم المظلم. كانت حركات يدها بطيئة، دقيقة، ومحكومة بتركيز شديد فرضته رغبتها في تفريغ طاقة القهر المكبوتة في صدرها؛ كانت تصبغ اللوحة بلون دمه، وتدرك مع كل حركة للريشة أن براءتها السابقة قد ماتت وتلاشت تحت ركام الليلة العاصفة، لتولد امرأة جديدة تقبل العيش والتنفس في ظل الوحش لتضمن بقاءها.

انحدرت دمعة عنيدة وحيدة من عينيها العسليتين الواسعتين الصافيتين، لتمتزج بالطلاء الأحمر الرطب فوق القماش، لكن ضربات يدها لم تتوقف. كانت الخطوط تتشابك، لتتحول اللوحة من رسم ليلة النزيف إلى ملحمة بصرية تعبر عن صراع الأرواح بين النقاء والنار؛ حيث يمتد الظل الأسود الموشوم ليطوق الحزمة الضوئية النحيلة ويحتويها بالكامل داخل جدرانه العاجية. كانت الألوان تتداخل بإيقاع متباطئ، يعكس موتاً تدريجياً لـعزلتها الاختيارية القديمة، وولادة طاعة إجبارية لقوانين السجان الذي جعل من سلامتها هوسه الأكبر وقانونه الخاص في قصر الكامورا.

وفي وسط هذا الطقس الفني الصامت، المشحون بالترقب ولوعة الضياع الصرف، سُمع صوت حركة خفيفة عند الباب النحاسي العريض للجناح، الذي لم يكن مغلقاً بالأقفال الحديدية البارحة بل كان موارباً بضعة سنتيمترات بناءً على العهد السري لأليساندرو بألا يستعبد جسدها. انفتح الباب ببطء شديد وبانسيابية مهيبة، ليدخل من خلاله أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة التي كانت تملأ المكان مهابة وطغياناً.

لم يكن يرتدي سترة بذلته الرسمية الفاخرة ولا معطفه الصوفي؛ بل كان يرتدي قميصاً حريرياً أسود اللون، ترك أزراره العلوية مفتوحة لتظهر بوضوح اللفائف الطبية والضمادات البيضاء الثقيلة التي تطوق خاصرته الأيمن وصدره العريض، ويمسك بيده اليمنى الموشومة برأس عصاه الفضية الأثرية التي يستند عليها بثبات صخري وعنفوان صلب يرفض الاعتراف بقايا الوجع الجسدي أو التراجع ملمتراً واحداً أمام مرضه. عيناه الرماديتان الباردتان اللتان عاد إليهما ركودهما المخيف كانتا تتأملان ما تصنع يداها بنظرات يملؤها هوس أعمى، وتملك مطلق، يمتزج بـالاحترام العارم والتعلق السري الذي تجذر في أعماق روحه المظلومة تجاهها.

سار نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومتثاقلة أحدثت صوتاً رناناً ومنتظماً فوق الأرضية الخشبية المصقولة للمرسم، حتى وقف خلف ظهرها مباشرة، ليفصل بين جسديهما مليمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والدم المخفي تحت ثيابه الثمينة. تداخلت ظلال قامته الفارهة مع ظلال جسدها الرقيق تحت ضوء الشفق الوردي الذي كان ينساب عبر النوافذ، ليبدو كأنه يطوق وجودها بالكامل ويحميه من العالم الخارجي بـعباءة نفوذه الطاغي.

توقفت يد إيلينا المعلقة في الهواء فجأة، وتراجعت الأنفاس في صدرها الرقيق، وشعرت بـتلك القشعريرة الباردة والمألوفة تسري في أوصالها جراء قربه الجسدي والنفسي الحاد والمفاجئ. لم تلتفت نحوه، ولم تسحب الفرشاة الملوثة باللون الأحمر القاني؛ بل ظلت عيناها العسليتان تحدقان في اللوحة، ونبست بصوت خافت، رصين، ويحمل بحة الشجن المرير والأنفة الجريحة: "انظر إلى ما صنعتُ يداي الليلة يا سيد أليساندرو.. لقد دمجتُ دم رجالك القتلة وأعدائك مع طلاء ألواني النظيفة، وجعلتُ من خنجرك ووشمك المخيف جزءاً لا يتجزأ من لوحة تاريخي وبراءتي الفنية. أنت تعتقد بكبريائك وحق عائلتك أنك خطفت جسدي وحبستني داخل هذا القفص الذهبي الفاخر لتتحكم بمحركاتي، ولا تعلم أن نيران هوسك وتملكك المطبق قد نجحت الليلة في إحراق براءتي القديمة وتدجين حريتي، لأصبح امرأة مجبرة على الرسم بلون دمائك القذرة لكي أضمن بقائي واستمرار أنفاسي بجانبك في هذا الجحيم العاجي البارد."

تحركت تقاطيع وجه أليساندرو الصخرية حركية طفيفة تحت ضوء المرسم الدافئ، وارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة غامضة، مظلمة، وتنضح بالحب والتعلق المطلق الذي كسر كل حصونه النفسية العتيدة أمامها. رمى بعصاه الفضية الأثرية على الأرض دون مبالاة لترتطم بالرخام بصوت معدني حاد تردد صداه في أرجاء الجناح، ومد يده اليمنى الضخمة والموشومة بشعار الخنجر والتاج ببطء شديد ورقة بالغة تتناقض تماماً مع طبيعته الوحشية، ووضع كفه القوية الدافئة فوق كفها الرقيقة والباردة الممسكة بالفرشاة العريضة، ليطبق أصابعه الطويلة حول أصابعها النحيلة، ويجبرها بضغط يديه على وضع ضربة فرشاة حمراء عريضة، قاطعة، وأخيرة في وسط اللوحة الممزقة.

انحنى بقامته الفارهة نحو الأمام ليلتصق بجسدها بالكامل من الخلف، ووضع رأسه العريض قريباً من عنقها الناعم لدرجة شعورها بحرارة أنفاسه المتسارعة التي تداعب جلدها، ونبس بنبرة منخفضة للغاية، رخيمة، وعميقة تغلغلت في مسام روحها الملتوعة: "الطلاء الأحمر الليلة فوق قماش لوحتكِ يا حارسة التاريخ ليس رمزاً لانكساركِ؛ بل هو الطاعة والعهد السري الذي وقّع عليه القدر بحبر لا يمكن محوه بين نقائكِ الطاهر وناري المحرقة. أنتِ لم تدجني حريتكِ في قصري؛ بل جعلتِ من ريشتكِ وألوانكِ السلاح الوحيد والقاتل الذي يملك القدرة المطلقة على تحريك غريزة أليساندرو وتوجيه بطشه وجبروته لحماية وجودكِ. دمائي الممتزجة بأصباغكِ تعني أنكِ أصبحتِ العهد الصامت والملكة الحقيقية لعائلة الكامورا، ولن يستطيع أحد في هذا العالم انتزاعكِ من ظلي بعد أن صبغتِ ملامحي بدموع قهركِ وطهر يديكِ النظيفتين اللتين أعادتا نسج حياتي."

تلاقت عيناهما عبر مرآة اللوحة الزيتية في صمت حاد، عميق، ومحمل بالترقب السيكولوجي العنيف، وشعرت إيلينا بـحرارة كفه الموشومة تخترق جلدها لتسري في جسدها بالكامل كتيار دافئ أطاح بآخر بقايا مقاومتها الصامتة وجعلها تتنفس بإيقاعه. استسلمت بالكامل لقربه الجسدي والنفسي الطاغي، ووضعت رأسها الكستنائي المنهك لثوانٍ خاطفة على صدره العريض الصخري، لتعلن في صمت غرفتها عن قبولها الضمني لـعقد القفص الذهبي الفاخر ولطاعتها الإجبارية لقوانين "الظل" الذي طوق مصيرها بالكامل وصنع لها ولادة جديدة بجانبه.

كانت تلك اللحظة الوجدانية الحادة والعميقة بين النقاء والنار تبدو وكأنها ذروة الاستقرار السكوني داخل القصر، لحظة تلاشت فيها البنادق والحروب لتترك البطلين في مواجهة عواطفهما المعقدة والمخيفة تحت ضوء الشفق.

وفجأة، وفي وسط هذا الالتحام النفسي الصامت، انكسر حبل عهدهم المكتوم بحركة صاعقة، مفاجئة، ومدمرة دوت في أرجاء الجناح الشرقي بأسره كقضاء مستطير.

انفتح الباب النحاسي العريض للجناح بعنف شديد، ليندفع من خلاله ماركو وهو يلهث بعنف، ووجهه القاسي شاحب كالموت وتقاطيع عضلاته الطاغية متشنجة بذعر حقيقي ورعب صرف صدم أليساندرو نفسه وجعله يستدير بسرعة غريزية. كان ماركو يمسك بجهاز اللاسلكي المشفر بيده المرتجفة التي كانت تصدر حركات اضطراب واضحة، وصوته خرج متحشرجاً، رعدياً، وعاجلاً كإعصار يقترب: "دون أليساندرو! لدينا إعلان حرب رسمي، شامل، ومدمر بالخارج الآن! الحلف العسكري لعائلة ليون وجيوش الجنوب وصقلية ونابولي قد بدأوا بالفعل في اختراق حدود إقليم توسكانا بالكامل! مئات من سياراتهم المدرعة وقناصي النخبة (الألف قناص) يطوقون تلال فيسولي بالكامل من كافة المحاور الخلفية والأمامية! إنهم يتقدمون بسرعة فائقة نحو أسوار القصر.. والحرب الشاملة قد بدأت رسمياً الليلة!"

انقبض قلب أليساندرو بعنف، وتحولت عيناه الرماديتين في أجزاء من الثانية إلى شفرتين من الجمر المشتعل الذي ينذر بـالدمار الشامل وإبادة الخصوم دون رحمة. سحب يده اليمنى الموشومة عن كف إيلينا بسرعة صاعقة، والتفت نحو ماركو بكامل قامته الفارهة وعنفوانه الصلب الذي يرفض الانكسار، واستل مسدسه الفضي من عيار 9 ملم من حزامه بحركة سريعة ومحترفة، وصرخ بأمر صارم هز أركان الجناح بالكامل وجعل الأرض تميد تحت الأقدام: "أغلقوا البوابات الحديدية الكبرى فوراً وشغلوا أنظمة الدفاع والهجوم القصوى! حركوا فصائلنا المسلحة وجيوش الشمال بالكامل بكافة عتادهم لتبدأ معركة الإبادة عند الأسوار الخارجية! ماركو.. خذ الفتاة (إيلينا) إلى الملجأ المحصن تحت الأرض فوراً، وتأكد من حمايتها بأرواحكم ودمائكم! روما وصقليّة ونابولي ستدفع ثمن هذا التطاول الليلة بحيرات من الدماء والنار التي ستحرق عروشهم!"

التفت أليساندرو نحو إيلينا في اللحظة الأخيرة قبل اندفاعه نحو ممرات القيادة، وثبت نظراته الرمادية المشتعلة بهوس أعمى وعاطفة وحشية في عينيها العسليتين اللتين عاد إليهما الذعر الشامل، ونبس بصوت رخيم، عميق، وقاطع كحد السيف: "ابقِي قوية يا إيلينا.. ولا تخافي من صخب بنادقهم؛ فالظل الذي أنقذتِ حياته سيمسح وجودهم من الأرض الليلة ليحافظ على نقاء معشوقته حياً داخل حصنه."

اندفع أليساندرو خارجاً مع ماركو والرجال بسرعة مرعبة، لتتحول ممرات القصر الرخامية في ثوانٍ معدودة إلى ساحة حرب حقيقية واستنفار شامل؛ حيث دوت صفارات الإنذار الأمنية العالية والحادة من جديد، وتراقصت الأضواء الحمراء فوق الجدران لتعلن عن بدء معركة الإبادة الكبرى. وقفت إيلينا بمفردها لثوانٍ في وسط مرسمها، والفرشاة الملوثة بالطلاء الأحمر تسقط من يدها المرتجفة لترتطم بالأرض وتصبغ السجاد بلون النار، بينما كانت أصوات طلقات الرصاص الأولى وقذائف المدافع تبدأ في الاشتعال عند الأسوار الخارجية للتلال، معلنة عن بدء الفصل الرابع والأكثر دموية وخطورة من ترانيم الرماد المشتعل، حيث ستحرق نيران الحرب الشاملة مصير فلورنسا وروما بأكملهما لتقيد نقاء حارسة التاريخ بنار زعيم المافيا الشاب إلى الأبد دون ترك أي مساحة للرحمة أو النسيان.

سحبتها أيدي الحراس بسرعة نحو الملجأ المحصن تحت الأرض، وجسدها يرتجف بالكامل وهي تستمع لـدوي الانفجارات الشديدة التي كانت تهز أركان القصر العاجي، مدركة بغصة حارقة في صدرها المنهك أن عهد الطاعة والعهد الذي وقعت عليه البارحة بأصابعها قد أصبح القيد المشتعل الذي سيقود روحها نحو الهاوية أو نحو العرش المظلم بجانب "الظل" في قلب معركة الفناء الكبرى التي بدأت تلتهم توسكانا بأكملها الليلة.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status