Home / مافيا / الظل / حياكة المؤامرة

Share

حياكة المؤامرة

last update publish date: 2026-05-29 07:21:05

في العاصمة الإيطالية روما، حيث تمتد ظلال الكنائس القوطية القديمة وأسوار القلاع الأثرية العتيقة لتلقي بوشاح قاتم وكثيف فوق أرصفة الشوارع الحجرية الضيقة، كان يمتد وكر عائلة "ليون" كشبكة عنكبوتية خبيثة استنفدت كل حيل الصمت والغدر السري، وبدأت تحيك خيوطها في العتمة بحقد يتأجج. داخل قاعة الاجتماعات الكبرى للقصر الريفي المحصن، كان الدخان الكثيف الرمادي المنبعث من السيجار الكوبي الفاخر المعتق يتصاعد في الهواء برتابة مخيفة، ليتشابك كأرواح قلقة متمردة تبحث عن مخرج من مأزقها، بينما كانت الأجواء المحيطة بالطاولة المستديرة شاسعة ومحتقنة بثقل يخنقه رائحة التبغ ونبيذ أحمر قديم سُكب جزئياً فوق خشب الطاولة المصقولة، ليعكس طبيعة الغضب الوحشي الذي كان ينهش صدر الدون (ليون) منذ أن وطئت مسامعه الأنباء المروعة القادمة من الشمال التوسكاني.

كان ليون يقف بكامل قامته القاسية خلف طاولة مكتبه الكبيرة المصنوعة من خشب الأبنوس الأسود النادر، ووجهه ذو الملامح الحادة التي تشبه ملامح الذئاب الكاسرة يحمل تعابير وحشية من الغيظ العارم والعناد المشتعل، وعيناه السوداوان الغائرتان تشتعلان برغبة عارمة في التدمير الشامل الذي يمحو عار هزيمة رجاله المتتالية. كانت الأنباء الصاعقة قد تغلغلت إلى معسكره قبل ساعتين فقط؛ إبادة فرقة الاغتيال الانتحارية الثانية بالكامل داخل الجناح الشرقي لقصر أليساندرو المحصن، ومقتل العميل السري الصامت (الطباخ) الذي تم شراؤه بوزنه ذهباً لخرق الأنظمة الأمنية، دمر كل خططه السياسية والعسكرية، وجعله يدرك أن وحش الشمال مستعد لحرق الأرض ومن عليها لمجرد حماية فتاة عادية لا تملك من أمرها شيئاً.

رفع يده القاسية المليئة بالخواتم الذهبية الثقيلة، ووجه ضربة هائلة وهادمة بقبضته فوق سطح مكتبه المصقول بقوة، لتتناثر الأوراق، والملفات السرية، والكرات العاجية في كل مكان بصوت ارتطام عنيف ورنان تردد صداه في أرجاء القاعة الشاسعة ذات السقوف المرتفعة، مسبباً رعباً شديداً جعل الرجال الأشداء من حراسه الواقفين عند الأبواب ينكسون رؤوسهم غريزياً خوفاً من بطشه.

"أبيدوا مجدداً؟" صرخ ليون بصوت رعدي، خشن، ومتحشرج من فرط الغضب المكبوت، وعيناه تدوران في محاجرهما كجمرتين تطلبان الدم. "أليساندرو كان مصاباً وينزف برصاصة في خاصرته، وقصره المنيع تم اختراقه من الداخل بالخيانة الصامتة وتوقفت أنظمته الإلكترونية، ومع ذلك.. يخرج الظل من جحره الطمي حاملاً مسدسه الفضي ليبيد فرقة كاملة من أفضل قناصي النخبة لدي في قلب غرفتها؟ ما هذه المرأة التي جعلت من شبكة الكامورا بأكملها درعاً حديدياً لا يمكن اختراقه بشتى وسائل الغدر؟"

تقدم مستشاره السيكولوجي والأمني، وهو رجل عجوز ذو ملامح ثعلبية خبيثة، يرتدي بذلة رسمية رمادية فاخرة ويضع نظارات طبية دقيقة، وخطا خطوات بطيئة صامتة نحو الطاولة، ونكس رأسه قائلاً بنبرة منخفضة مسمومة: "دون ليون، أليساندرو لم يعد يتصرف كزعيم مافيا تقليدي يحسب الأرباح والخسائر المالية والنفوذ السياسي في الإقليم؛ بل أصبح يتصرف كعاشق مجنون ومخيف، يملؤه الهوس الأعمى بنقاء هذه المرممة الفنية. حقيقة أنه يضحي بنخبة رجاله، ويخاطر بفتح جرحه القاتل والنزيف حتى الموت لأجل حمايتها، تؤكد في قرارة عقولنا أنها أصبحت أنفاسه التي يتنفسها ونقطة ضعفه القاتلة الوحيدة في هذا العالم. العائلات الأخرى في الجنوب وصقلية بدأت تشعر بالخوف والارتياب من بطشه المتزايد ومن رغبته العارمة في الانتقام العنيف بعد مجزرة البارحة؛ فهو يستعد لإعلان حرب شاملة ضد نفوذنا."

ضيق ليون عينيه السوداوين الغائرتين، وارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة مروعة، خبيثة، وتقطر سماً، تعكس حياكة مؤامرة دموية أوسع نطاقاً لم تشهدها البلاد منذ عقود طويلة من تاريخ الجريمة المنظمة. جلس على مقعده الجلدي الفاخر ببطء، وشبك أصابعه الطويلة أمام وجهه القاسي، ونبس بنبرة منخفضة للغاية جعلت الهواء المحيط به يتجمد رعباً: "إذا كان وحش الشمال مستعداً لحرق إيطاليا بأكملها لأجل عيون هذه الفتاة الطاهرة، فسنمنحه الحريق الشامل الذي يشتهيه. نحن لن نواجهه بمفردنا في معقله بتوسكانا؛ فهذا انتحار عسكري سيكلفنا الكثير من الرجال والأموال. بدلاً من ذلك، سنحيك شباك المؤامرة السياسية والعسكرية الكبرى، وسنجمع خيوط العنكبوت حول عنقه."

تابع ليون وهو يلتقط خنجره العتيق ذي المقبض العاجي ويغرسه بقسوة وعنفوان في وسط خشب الطاولة المصقولة: "اتصلوا بزعماء عائلات المافيا الكبرى في صقلية، ونابولي، وميلانو، وأخبروهم جميعاً أن وحش الكامورا الشاب قد فقد عقله وتوازنه بسبب امرأة عادية، وأن نفوذه الطاغي وبطشه المتزايد باتا يهددان مصالح واستقرار الجميع في المعابر البحرية وخطوط التهريب. سنشكل حلفاً عسكرياً شاملاً ومقدساً ضد الكامورا، وسنحشد جيوشنا وسياراتنا المدرعة عند حدود إقليم توسكانا بالكامل من كافة المحاور."

أحكم قبضته على مقبض الخنجر المغروس، وتابع بنبرة فحيح مرعبة: "سنعلنها حرب إبادة شاملة وضارية لا ترحم شيخاً ولا طفلاً في صفوفهم. نريد قطع خطوط إمدادهم المالي، وتصفية فروعهم البنكية في روما وميلانو، وتحريك فرقة الاغتيال الكبرى (الألف قناص) لتطويق تلال فيسولي وقصره بالكامل خطوة بخطوة. لن نكتفي بـاختطاف الفتاة الليلة؛ بل نريد رأس أليساندرو معلقاً على بوابات قصره الحديدية، ونقاء إيلينا الصرف سيكون الكفن الذي ندفن فيه أسطورة الظل إلى الأبد ونطأ عرشه بأقدامنا."

انصاع المستشار والرجال للأوامر الصارمة، وانحنوا باحترام مطلق، ثم خرجوا بسرعة تملؤها الجدية لحياكة المؤامرة الأوسع ونشر الجواسيس، تاركين الدون ليون يتأمل الصور الفوتوغرافية الملقاة لإيلينا تحت ضوء الشمعة بنظرات جائعة، مستعداً لتحويل طهرها الإنساني إلى الطعم القاتل الذي سينهي حقبة الكامورا الشابة في الشمال.

وفي هذه الأثناء، وتحديداً داخل قصر عائلة الكامورا المحصن والمهيب على تلال فلورنسا الخضراء، كان المشهد يعكس صرامة واستنفاراً عسكرياً وأمنياً أشد مهابة وقوة وطغياناً.

رغم مرور أربع وعشرين ساعة فقط على عمليته الجراحية الخطيرة والعميقة في القبو، ورغم تحذيرات الطبيب الخاص الصارمة والتي تنذر بوفاته إذا تحرك، إلا أن أليساندرو رفض بشكل قطعي وبكبرياء وحشي البقاء في سرير العناية الطبية. كان يجلس في مكتب القيادة الشاسع والمظلم بالجناح الغربي للقصر، خلف طاولة الاجتماعات الضخمة والمستديرة المصنوعة من خشب الأبنوس الأسود المصقول. كان يرتدي حُلة رسمية سوداء فاخرة، صُممت يدوياً بدقة بالغة على يد أشهر الخياطين في ميلانو لتخفي تحت قماشها الثمين اللفائف الطبية والضمادات البيضاء الثقيلة التي تطوق خاصرته وصدره العريض، ويمسك بيده اليمنى الموشومة بشعار الخنجر والتاج برأس عصاه الفضية الأثرية، مستنداً عليها بثبات صخري وعنفوان صلب يرفض الانكسار أو إظهار أبسط لمحة من الضعف الجسدي أمام رجاله.

ملامحه الرجولية الحادة، وفكه العريض المتشنج بصرامة، وعيناه الرماديتين الباردتين اللتين عاد إليهما ركودهما المخيف، كانت تنضح بهالة من الموت والخطورة المطلقة التي شلت حركة الحاضرين رعباً، وجعلت أنفاسهم تتردد في صدورهم خوفاً من إثارة غضبه الشيطاني. كان يجلس حول الطاولة (ماركو)، الذراع الأيمن للزعيم، ورؤساء الفصائل العسكرية الخمس، وكبار المهربين التابعين لشبكة الكامورا في الشمال، والذين كانوا يرتدون حُللاً سوداء فاخرة وتعكس تعابير وجوههم القاسية صرامة الحياة التي يحيونها واستعدادهم التام لتنفيذ أبسط إشارة من قائد عائلتهم الشاب.

كانت الأجواء داخل المكتب محتقنة للغاية، والدخان الكثيف المنبعث من السجائر يتصاعد ليتشابك في الهواء كأرواح تنتظر حكم الإعدام. تحدث أليساندرو أخيراً، وكان صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة السلطة الأرستقراطية الباردة التي جمدت الدماء في عروق الحاضرين، ونبس باللغة الفصحى الرصينة: "الخيانة الصامتة التي حدثت البارحة داخل أسوار قصري المنيع، وتمت تصفية ذيولها بالكامل بالدم يا رجال، لم تكن مجرد خرق أمني عادي؛ بل كانت محاولة دنيئة لنيل من كبريائي ومن رغبتي الخاصة. الطباخ الخائن الذي تم شراؤه بذهب روما، وعائلته بالكامل في الجنوب، تم مسح وجودهم من السجلات الرسمية للأحياء ليكونوا عبرة، والفرقة الانتحارية لعائلة ليون تحولت أجسادهم إلى جثث تأكلها الكلاب الضالة في سراديب فلورنسا الخلفية. لكن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد؛ فالطعم النظيف الذي حاول الدون ليون التماس طريقه إليه هو ملك خاص لأليساندرو، ومن يتجرأ على لمس رغبتي.. فقد كتب كفنه بيده."

التفت أليساندرو بنظراته الرمادية الحادة كشفرة الخنجر المسموم نحو وجه ماركو بصرامة وحشية، وتابع بنبرة منخفضة للغاية سرت في أوصال الغرفة كالجليد: "ماركو.. ما هي التقارير الاستخباراتية الجديدة عن تحركات الأوغاد في روما؟"

وقف ماركو باحترام مطلق وعميق كسر صرامة تقاطيعه العضلية، وعدل سترة بذلته السوداء، وقال بصوت حاد، رنان، وواضح تردد صداه بين الجدران الخشبية الداكنة للمكتب: "دون أليساندرو، مصادرنا الموثوقة داخل العاصمة تؤكد أن الدون ليون قد استشاط غضباً بعد إبادة فرقته الثانية، وبدأ بالفعل في التواصل مع زعماء عائلات المافيا الكبرى في صقلية ونابولي وميلانو لتشكيل حلف عسكري ضخم ومقدس ضِد نفوذ الكامورا في الشمال. إنهم يحكون مؤامرة سياسية وعسكرية واسعة لإعلان حرب شاملة ضِدنا، بهدف قطع خطوط إمدادنا المالي والبحري وتصفية فروعنا البنكية، وفرق قناصي النخبة التابعة لهم (الألف قناص) بدأت بالفعل في التحرك سرا والتحشد بأسلحتهم الثقيلة وسياراتهم المدرعة نحو حدود إقليم توسكانا لتطويق التلال وقصرنا من كافة المحاور الخلفية والأمامية. إنهم يريدون رأسك يا سيدي، ويريدون الفتاة (إيلينا) لإذلال كبرياء الكامورا بأكمله."

ارتسمت على شفتي أليساندرو الحادتين ابتسامة ساخرة، خفيفة، ومروعة تنضح بالتهديد والموت الزاحف، ورفع رأسه بكبرياء وعنفوان يملؤه التحدي المطلق، وضغط بقوة مرعبة بيده الموشومة على رأس عصاه الفضية حتى كاد خشبها الأثري العتيق أن ينفلق بين أصابعه الطويلة، ونبس بنبرة منخفضة للغاية هزت وجدان الحاضرين وأركان المكتب بأسره: "التحشد لجيوشهم عند حدودي يعني بداية نهايتهم المحتومة وتلاشي وجودهم من التاريخ يا ماركو. عائلة الكامورا لم تكن يوماً عائلة تدافع عن أسوارها بالانتظار الساكن والترقب؛ بل نحن عائلة تهاجم وتبيد الخصوم في عقر دارهم قبل أن يفكروا في رفع سلاحهم."

تابع أليساندرو وهو يثبت عيناه الرماديتين الباردتين في وجوه رؤساء الفصائل الخمس بصلابة لا ترحم: "أصدر أوامرك الصارمة فوراً لتحريك فصائلنا المسلحة وجيوش الشمال بالكامل بكافة عتادهم وسياراتهم المدرعة نحو حدود روما والجنوب. أريد تصفية فروعهم المالية في ميلانو، وتفجير مستودعات أسلحتهم السرية في الجنوب، وأي قناص أو جندي تابع لعائلة ليون أو حلفائهم يطأ شبر واحد من أرض توسكانا.. يُذبح فوراً ويُعلق جسده الهامد على أشجار السرو العالية ليكون عبرة لعائلات إيطاليا بأكملها. هذه الحرب الشرسة لم تعد مجرد صراع نفوذ عادي على معابر التهريب والحدود الجمركية؛ بل أصبحت حرب كبرياء وهوس مطلق لحماية نقاء المرأة التي جعلتُ من سلامتها قانوني الخاص وقدر الكامورا. احرقوا روما بالكامل إذا تطلب الأمر ذلك، واجعلوا من دماء عائلة ليون بحيرات تسير فيها سياراتنا، ليعلم قياصرة الجريمة في البلاد أن الظل لا يرحم من يتطاول على محراب معشوقته."

كانت حياكة المؤامرة تدور بضراوة وحقد يعصف بالقلوب في روما وفلورنسا، وصوت طبول الحرب الدموية الشاملة بدأ يتردد صداه المخيف في أفق البلاد بأسره، محولاً الأجواء إلى ساحة استنفار شامل لا مكان فيه للرحمة أو التراجع.

وفي هذه الأثناء، وداخل الجناح الشرقي الفاخر للقصر، كانت إيلينا تجلس في مرسمها الجديد، تستمع لأصوات حركتهم الثقيلة والمنظمة وصوت إغلاق أبواب السيارات المدرعة من بعيد عبر الممرات الرخامية الطويلة، وهي تمسك بـالغلاف الفضي لولاعة أليساندرو بين أصابعها النحيلة المرتجفة. كانت عيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين تحدقان في الفراغ بركود يملؤه الشجن المرير والذهول الصرف، مدركة بغصة حارقة في صدرها المنهك أن اسمها الرقيق وبراءتها الفنية قد أصبحا العنوان الرئيسي والعلامة الفارقة لمجزرة تاريخية شاملة ستغير خارطة الجريمة المنظمة في البلاد إلى الأبد، ومدركة بسيكولوجية حادة أن أنفاس المافيا قد أحكمت طوقها حول عنقها، وأن الرماد المشتعل للحرب القادمة سيقتحم جدران قفصها الذهبي قريباً ولن يترك وراءه سوى النيران والدمار المحتوم بجانب "الظل" الذي جعل من حمايتها هوسه الأكبر في الحياة.

تأملت اللوحة البيضاء أمامها، وشعرت بأن عواطفها بدأت تتداخل بشكل غامض ومخيف مع قدر هذا الرجل الذي يتأهب لحرق الأرض لأجلها؛ فالخوف من بطشه تحول في أعماق روحها الملتوعة إلى ترقب مشحون بالفضول الإنساني المعقد، ترقب ينتظر ما ستسفر عنه حياكة المؤامرة بالخارج والتي نسج العنكبوت شباكها بعناية فائقة حول حياتهم المشتركة داخل أسوار القصر الحصين الذي لا يعرف معنى الرحمة أو النسيان. لتنتهي سطور الجزء الرابع بنبرة من الاستنفار العسكري الطاغي الذي يمهد لـانفجار الأوضاع وتحول تلال فيسولي إلى ساحة حرب شاملة ومروعة تُكتب تفاصيلها بحبر من الدم والرماد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status