Home / مافيا / الظل / انكسار الحصن

Share

انكسار الحصن

last update publish date: 2026-05-24 09:06:23

لم يكن السكون الذي لفّ شقة إيلينا في تلك الليلة سوى غشاء رقيق يخفي خلفه مخالب الموت. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وتحولت أزقة فلورنسا القديمة إلى سراديب من العتمة التي لا يكسرها سوى وميض مصباح الشارع النحاسي الشاحب، الذي كان يرسل ضوءاً أصفر مريضاً يرتعش عبر زجاج نافذتها. كان الهواء داخل المرسم ثقيلاً، مشبعاً برطوبة الشتاء التي بدأت تتسلل عبر الشقوق، يختلط بها رائحة طلاء الجوز والكتان التي بدت الليلة وكأنها رائحة كفن أثري يلتف حول عنق المكان.

كانت إيلينا تجلس على الأرض الخشبية الباردة، في زاوية معتمة تماماً تفصل بين حامل اللوحة الجدارية وخزانة الأدوات الطبية والمذيبات. لم تكن تجرؤ على تحريك جفن، وكانت تضم ركبتيها إلى صدرها بقوة، وتطوق جسدها بذراعيها المرتجفتين كأنها تحاول الاختباء من ظلال الأبنية التي كانت تنعكس على السقف الأبيض المرتفع كأشباح متطاولة. أنفاسها كانت قصيرة، متلاحقة، وتصدر حفيفاً خافتاً كانت تخشاه هي نفسها، ظناً منها أن الآذان المتربصة بالخارج قد تلتقط هذا الصوت الواهن.

كانت الأفكار تتدفق في رأسها كشلال من الجمر المشتعل، تتصارع في عقلها تساؤلات مريرة لا تجد لها جواباً: "لماذا لم أهرب عندما كانت الفرصة سانحة؟ لقد رأيتُ سيارتهم، وشعرتُ بأنفاسهم القذرة تحيط بعتبة بيتي منذ الفجر. هذا الحصن الخشبي الذي ظننتُه يحميني طوال سنوات عزلتي، يبدو الليلة واهناً كقطعة ورق أمام وحشية العالم الذي يلاحق أليساندرو. أنا امرأة تعيد الحياة للألوان الميتة، فكيف أصبحتُ الطعم الذي ينتظره القناصون في الظلام؟ ليتني كنتُ لوحة منسية في قبو مظلم، لا يراها أحد، ولا يطأ عالمها رجال الدم."

مدت يدها الرقيقة ببطء شديد، ومسحت حبة عرق باردة انحدرت من صدغها لتستقر عند فكها المرتجف. نظرت نحو ولاعة أليساندرو الفضية المستقرة فوق الطاولة القريبة، وبدت لها في العتمة كقطعة مغناطيس خبيثة تجذب الموت نحو محرابها. كل ثانية تمر كانت تبدو كدهر ممتد، وصوت دقات الساعة الجدارية القديمة أصبح كضربات مطرقة ثقيلة تدق في رأسها، تعلن عن اقتراب لحظة الصفر التي لا مفر منها.

وفجأة، انقطع ذلك الإيقاع الرتيب لدقات الساعة.

تسمرّت إيلينا في مكانها، وتجمدت الأنفاس في حنجرتها حتى شعرت بألم حاد في صدرها. لم يكن الصوت رعداً، ولم يكن حفيف رياح. كان صوتاً خافتاً للغاية ومعدنياً، ينبعث مباشرة من قفل الباب الخشبي العتيق للشقة. صوت احتكاك بطيء، كأن هناك أداة حادة تُدار بعناية فائقة لتفكيك تروس الحديد الداخلية دون إحداث جلبة تثير انتباه حراس الكامورا المتواجدين في الشارع الرئيسي.

اتسعت عيناها العسليتان بذعر شلّ أطرافها بالكامل. حاولت الوقوف، لكن ركبتيها خانتاها، فزحفت ببطء وصمت فوق الخشب، مستندة بأطراف أصابعها المرتجفة على حافة طاولة الرسم. كانت تراقب مقبض الباب بنظرات مرعوبة، ورأته يتحرك بالفعل. انخفض المقبض النحاسي ببطء شديد إلى الأسفل، ملمتراً تلو الآخر، في مشهد سيكولوجي مرعب كاد أن يفقدها وعيها.

"يا رب.. أرجوك،" همست في سرها بصوت مبحوح، والدموع تنهمر أخيراً بحرية فوق وجنتيها الشاحبتين.

لم يفتح الباب بهدوء. وبدلاً من ذلك، دَوَى صوت ارتطام عنيف وهائل هزّ أركان الجدران العاجية للمبنى بالكامل. لقد تخلّى المقتحمون عن حذرهم بعد أن واجهوا قفلاً داخلياً إضافياً، ووجهوا ضربة قاسية بأجسادهم الضخمة نحو خشب الباب العتيق. انفلقت الخشبة الطولية للباب بصوت حاد يشبه انكسار العظام، وتناثرت شظايا الخشب القديم في الردهة لتعلن عن انكسار الحصن المنيع، واقتحام العالم الآمن لحارسة التاريخ.

اندفع عبر الممر ثلاثة رجال ضخام البنية، يرتدون سترات جلدية قاسية وأقنعة سوداء قماشية لا تظهر منهم سوى أعينهم الحادة التي تنضح برغبة القتل والوحشية. كانوا يحملون في أيديهم مسدسات كاتمة للصوت، ويتحركون بانسيابية عسكرية مدربة تعكس تبعيتهم لعائلة "ليون".

"ابحثوا عن الفتاة فوراً! لا تطلقوا النار عليها، الدون يريدها حية!" صرخ أحدهم بصوت جهير ومتحشرج، وبدأوا في تفتيش الشقة بعنف، ملقين بالمقاعد الخشبية والكتب التاريخية أرضاً، ليتدمر هدوء المكان في ثوانٍ معدودة.

تملكت إيلينا غريزة البقاء؛ فالخوف الذي كان يشلها تحول فجأة إلى طاقة حارقة من الأدرينالين الخالص. وقفت على قدميها بسرعة، وراجعت خطوتها نحو الخلف داخل المرسم. تعثرت يدها بحامل اللوحات، فأمسكت بسكين حادة وصغيرة ومقوسة الرأس، وهي الأداة المعدنية التي تستخدمها عادة لقشط طبقات الطلاء القديمة المتيبسة عن اللوحات الأثرية. قبضت عليها بكلتا يديها المرتجفتين، ورفعتها أمام صدرها كمحاولة أخيرة ويائسة للدفاع عن حرمة بيتها ونفسها.

دخل الرجل الأول إلى المرسم، ووقعت عيناه الصقريتان عليها في زاوية الغرفة. ارتسمت على ملامحه المخفية خلف القناع نظرة ساخرة، وتقدم نحوها ببطء وثقة، واضعاً مسدسه في حزامه، قائلاً بنبرة تقطر خسة: "إذن، أنتِ هي الطعم الناعم الذي أنقذ وحش الشمال. تعالي معي أيتها الجميلة دون جلبة، فالدون ليون يتشوق للقائكِ، ولن ينفعكِ هذا السكين الصغير في شيء."

مدّ يده الضخمة المكسوة بقفاز جلدي أسود ليمسك بشعرها الكستنائي. وفي تلك اللحظة، ومع اقتراب وجهه منها ورؤيتها لبريق عينيه القذر، لم تفكر إيلينا؛ بل اندفعت نحو الأمام بكل ما تملكه من قوة نفسية وجسدية، ووجهت ضربة عنيفة عشوائية بالسكين المقوسة نحو يده الممتدة.

اخترق النصل المعدني الحاد جلد القفاز الجلدي، ليشق ظهر يده بغزارة. صرخ الرجل بألم حاد وتراجع خطوتين إلى الوراء، والدماء الدافئة بدأت تتدفق من جرحه لتصبغ أرضية المرسم النظيفة. التفتت ملامحه إلى غضب أعمى ووحشي، ورفع يده الأخرى ليوجه صفعة قاسية إلى وجه إيلينا.

ارتطم كفه بوجهها الرقيق بقوة هائلة، لتبصق إيلينا رشفة دم صغيرة من شفتها الممزقة، وتطير لترتطم بجسدها بالكامل بحامل اللوحة الجدارية الضخمة. سقط الحامل الخشبي الثقيل، ومعه سقطت اللوحة التاريخية التي أمضت أشهراً في ترميمها، لتتحطم أجزاء من إطارها الذهبي وتتمزق الأقمشة العتيقة تحت ثقل السقوط، في مشهد مثل انكسار روح إيلينا وتدمير كل ما عاشت لأجله.

استلقت على الأرض، ورأسها يدور بعنف، والألم يعتصر وجنتها وشفتها، بينما كان الرجل يتقدم نحوها والغضب يعمي عينيه، مستعداً لسحقها تحت قدميه. أغلقت عينيها واستسلمت للمصير، منتظرة الضربة القاضية.

ولكن، في تلك اللحظة بالذات، انشقت الأرض عن جحيم آخر تماماً.

دَوَى صوت تحطم زجاج النوافذ الكبيرة للمرسم في آن واحد، وتناثرت آلاف القطع الكريستالية الصغيرة في الهواء كالمطر الفضي تحت ضوء القمر. اندفع عبر النوافذ وعبر الباب المكسور رجال الكامورا، يقودهم (ماركو) الذي كان وجهه يحمل تعابير شيطانية من الغضب والصرامة العنيفة. لم يكونوا يحملون مسدسات صامتة؛ بل اقتحموا المكان ببنادق رشاشة أوتوماتيكية أطلقت وابلاً من الرصاص الذي مزق صمت الليلة.

"أبيدوهم! لا تتركوا أحداً منهم يتنفس!" صرخ ماركو بصوت رعدي هزّ أركان المبنى.

انقلب المرسم في ثوانٍ إلى ساحة مجزرة حقيقية وشاملة. تعالت صرخات الرجال، ودوي طلقات الرصاص ساد المكان، مخترقاً الجدران العاجية، وممزقاً بقية اللوحات الفنية المعلقة، لتتناثر قطع القماش والألوان والورق في الهواء كشظايا من تاريخ يتفتت. كان رجال ليون يقاتلون بضراوة، لكن تفوق رجال الكامورا في العدد والعتاد والمفاجأة جعل المعركة محسومة منذ بدايتها.

رأت إيلينا، وعيناها نصف مغلقتين من فرط الصدمة والألم، ماركو وهو يتقدم نحو الرجل الذي صفعها. أمسكه ماركو من عنقه، ووجه إليه ضربات متتالية وقاسية بيده وبمقبض مسدسه حتى حطم عظام وجهه بالكامل، ثم أطلق رصاصة مباشرة في جبهته ليرديه قتيلاً فوق اللوحة الممزقة، لتختلط دماء المافيا القذرة بألوان الرسم القديمة، وتتحول أرضية المرسم الهادئ إلى بركة من القرمز والرماد.

تمت تصفية بقية المقتحمين في الممر والردهة؛ سقطوا جثثاً هامدة غارقة في دمائها، وعاد الصمت ليحل على المكان ببطء، صمت ثقيل يخنقه رائحة البارود الكثيفة والدخان الذي تشابك في الهواء كأرواح قلقة تبحث عن مخرج.

كانت إيلينا راقدة في زاويتها، وجسدها يرتجف بالكامل بشكل لا إرادي جراء الصدمة النفسية العنيفة. كانت أنفاسها تخرج على شكل شهقات متقطعة، وعيناها العسليتان تحدقان في جثة الرجل الراقد قريباً منها دون أن تستوعب الواقع. كان عالمها قد دمر بالكامل؛ مرسمها، لوحاتها، سلامها، وأمانها المزعوم، كل شيء تحول إلى ركام ودماء في دقائق معدودة.

تقدم ماركو نحوها بحذر، وأنزِل سلاحه، وحاول الاقتراب لمساعدتها، قائلاً بنبرة يحملها الاحترام والاعتذار: "آنسة إيلينا.. هل أنتِ بخير؟ أنا أعتذر بشدة، لقد تأخرنا في التدخل بضع ثوانٍ لكي نضمن إيقاعهم في الفخ بالكامل بناءً على الأوامر. رجاءً، لا تخافي، الخطر قد زال."

لم تجبه؛ لم تكن قادرة على سماع كلماته. كانت تضع يديها الملطختين بالدم على أذنيها، وتصرخ بصوت مكتوم ومبحوح يملؤه الوجع والانهيار النفسي، وجسدها ينكمش أكثر فأكثر نحو الجدار البارد، رافضة السماح لأي شخص بالاقتراب منها، بعد أن رأت وحشية هؤلاء الرجال وعلمت أن النقاء الذي عاشت لحمايته قد ذُبح الليلة على أرصفة عالمهم المظلم.

أدرك ماركو أن الصدمة أكبر من قدرتها على التحمل، فالتفت نحو رجاله وأشار إليهم ببدء تنظيف المكان بسرعة وتأمين المداخل الخلفية، بينما تراجع هو خطوتين إلى الوراء، ممسكاً بجهاز اللاسلكي ليبلغ الزعيم الشاب بالنتيجة، ومستعداً لاستقبال العاصفة الحقيقية التي ستجتاح فلورنسا فور وصول أليساندرو ورؤيته لانهيار الفتاة التي جعل من حمايتها هوسه الأكبر في الحياة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   مجالس المال

    ما إن أُسدل الستار على جلسة التوقيع الكبرى في قاعة العرش الاستراتيجية بقصر الكامورا، واستقرت بنود "ميثاق الشمال" في يد القيادة العليا، حتى انتقل ثقل الأحداث والاهتمامات الإمبراطورية إلى صالون الاستقبال الملكي الفسيح؛ حيث كان أباطرة المال، كبار المستثمرين، ونُبلاء الأقاليم التجارية المجاورة ينتظرون بلهفة بالغة وترقب حذر للحصول على موطئ قدم أو حصة استثمارية في العهد القيصري الجديد. لم تكن العاصمة روما تحكم بالسلاح والحديد وحدهما، بل كان الاقتصاد والأسواق هما الركيزة الكبرى التي تُبنى عليها دعائم الإمبراطورية، وهو ما أدركه أليساندرو جيداً حين قرر أن تدار عمليات إعادة الاعمار التجاري تحت رقابة صارمة ومباشرة من شفرات عقل ملكته.امتد الصالون الملكي الفسيح بأعمدته الرخامية السوداء الضخمة المطرزة بصفائح الفضة الخالصة والنوافذ القوسية الطويلة التي تعكس أشعة الشمس المائلة على الأرضيات المرمرية المصقولة بدقة، بينما انسابت في الخلفية نغمات أوركسترا كلاسيكية هادئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة تليق بحجم التحولات التاريخية الكبرى. وفي منتصف المنصة الهندسية المرتفعة، وقفت إيلينا ب

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار. كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار.كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من الكريستال النمساوي الثق

  • الظل   سكون العواصف

    انحسرت آخر ظلال المواجهة الميدانية والدماء المتناثرة عن أفق العاصمة روما، لـتستقر الإمبراطورية في هدوء أرستقراطي مهيب وعميق يعكس ثبات العرش القيصري وسطوة الكامورا التي لا تقهر ولا تلين، وكأن التاريخ يكتب فصوله الجديدة بمداد من حديد وذهب. وفي هذا المساء الاستثنائي الذي لفّ أسوار قصر الكامورا المصفح والمعلق بـكبرياء فوق هضاب التافر، تراجعت حدة التوتر العسكري والإنذارات الاستخبارية الحادة لـتفسح المجال أمام أفق زمني جديد ومجيد تتشكل فيه ملامح السلام الأبدي وإعادة صياغة مقدرات الشمال بـأكمله، تحت راية القيصر أليساندرو ورفيقته الملكة إيلينا، لـتطوي المدينة صفحة الصراعات الدامية وتفتح أبواب العصر الذهبي للسيادة المطلقة والتشييد الإمبراطوري الشامل.كانت الحديقة الخلفية للقصر تحفة بصرية ناطقة بالفخامة الإيطالية العتيقة والمهابة المطلقة؛ إذ تتوسطها نافورة أثرية منحوتة بـدقة من حجر البازلت الأسود الصخري، تتدفق منها مياه نقية متدفقة تعكس أضواء المشاعل النحاسية الموزعة بانتظام دقيق على طول الممرات المرمرية الواسعة والأعمدة الرخامية المرتفعة التي تحمل تاريخ العائلات المالكة. وفي قلب هذه

  • الظل   مواثيق المستثمرين

    لم تكد شمس الفجر الذهبية تعلن اكتمال التطوير الأمني وتأمين القطاعات التحتية لـأنفاق العاصمة روما، حتى تحولت الشرفات الملكية والأروقة المصفحة لـقصر الكامورا الإمبراطوري إلى مقصدٍ لـكبار المستثمرين، أباطرة التجارة، ونُبلاء الأقاليم المجاورة الذين سارعوا لـحجز موطئ قدم لهم في العهد القيصري الجديد. كانت الرغبة العارمة في ضخ رؤوس الأموال وإعادة بناء الأسطول التجاري عبر الموانئ الشمالية هي العنوان الأبرز لـهذا الحشد الأرستقراطي، عقب القضاء الشامل على ابتزاز المحفل المظلم وتطهير أحياء المدينة من شبكات الجريمة والتسلل.امتد الصالون الإمبراطوري الشاسع بـأعمدته الرخامية السوداء المطرزة بـالفضة ونوافذه القوسية الضخمة التي تعكس زهاء النهار على الثريات الكريستالية الثقيلة، حيث انسابت نغمات أوركسترا كلاسيكية دافئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة. وفي منتصف الشرفة القيصرية الشامخة المطلة على ضفاف نهر التافر والجسر الإمبراطوري العتيق، التفت النخب المالية حول المنصة الهندسية التي وضعتها الملكة إيلينا لـعرض مخططات التطوير الهيكلي لـلأسواق والموانئ، وسط حراسة مشددة من فرسان الشمال المصف

  • الظل   حصاد التطهير

    لم تكن الساعات الأولى التي تلت صدور أوامر الإغلاق الهيدروليكي وتأمين المحاور التحتية لـأنفاق العاصمة سوى ملحمة حاسمة كشفت عن السطوة المطلقة لـعرش الكامورا الجديد؛ حيث استكملت فرسان القيصر المصفحة عملية التمشيط الدقيقة في الأحياء العتيقة والقطاعات المتاخمة لـنهر التافر. تهاوت آخر المعاقل الخفية التي اختبأت فيها فلول المحفل المظلم، لـتُسحب أدوات الابتزاز، والخرائط المزورة، وشحنات السلاح غير المشروعة تحت الحراسة العسكرية المشددة، ويتحول الليل الداجي في روما إلى فجر قاطع أزاح عن صدر المدينة أطياف الخيانة والذعر إلى غير رجعة.في قاعة العرش والمراقبة العليا بـالبرج الإمبراطوري الشامخ، كانت الأجواء المفعمة بـالترقب القتالي تبث الدفء والمهابة الصارمة في الأثير. تناثرت المخطوطات الهندسية المحدثة والتقارير الميدانية النهائية فوق الطاولة الأبنوسية العملاقة المطرزة بـالفضة والرخام الأسود، بينما انعكست أضواء القناديل الكريستالية الدافئة على الأسوار العتيقة والمقاعد الجلدية الفاخرة التي شهدت صياغة الدستور السري لـالحكم القيصري. خفت صدى أجهزة الاتصالات التكتيكية لـتفسح المجال أمام هدوء أر

  • الظل   صدى الغياب

    مرت خمسة أيام على تلك الليلة التي انشقت فيها السماء عن "الظل"، خمسة أيام بدت لإيلينا وكأنها دهر ممتد من السهد والترقب الذي لا ينتهي. كانت فلورنسا قد استعادت وجهها الصيفي المشمس، واغتسلت شوارعها من آثار المطر العنيف، وخرج السائحون يملأون الساحات الأثرية بضحكاتهم وصخبهم العابر. لكن داخل الشقة العتيقة

  • الظل   هدوء ما قبل العاصفة

    استقرت في الردهة برودة مفاجئة أثقل من غسق الموت، وتبخرت تلك السكينة الصباحية الشاحبة التي صنعتها أشعة الشمس فوق اللوحات الفنية. لم يعد دوي العاصفة الطبيعية هو ما يرعب إيلينا، بل تلك العاصفة البشرية القادمة من دهاليز الخيانة والدم. كانت الخطوات الثقيلة المتسارعة بالخارج تصدر صدىً معدنياً مرعباً فوق

  • الظل   استيقاظ الوحش

    تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر شقوق الستائر المخملية لشقة إيلينا، لترسم خطوطاً مستقيمة من النور تتراقص فيها ذرات الغبار الفني الدقيق. كان الصباح قد حلّ بالكامل على مدينة فلورنسا، حاملاً معه هدوءاً غريباً يتدثر برائحة المطر الجاف على الأرصفة العتيقة. في هذا الصمت المشحون بالترقب، كانت الأنفاس داخل الر

  • الظل   خيوط القدر

    استحالت فلورنسا مع اقتراب خيوط الفجر الأولى إلى مدينة من الضباب الشاحب، كأنما تلاشت معالمها الأثرية خلف ستار من الأسرار والغموض. لم يعد صوت الرعد بالخارج بتلك العنفوانية التي كان عليها قبل ساعات، بل تحول إلى دوي خافت وبعيد، يتردد صداه بين الجبال المحيطة بإقليم توسكانا كأنه زئير وحش جريح ينسحب ببطء

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status