Home / مافيا / الظل / انكسار الحصن

Share

انكسار الحصن

last update publish date: 2026-05-24 09:06:23

لم يكن السكون الذي لفّ شقة إيلينا في تلك الليلة سوى غشاء رقيق يخفي خلفه مخالب الموت. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وتحولت أزقة فلورنسا القديمة إلى سراديب من العتمة التي لا يكسرها سوى وميض مصباح الشارع النحاسي الشاحب، الذي كان يرسل ضوءاً أصفر مريضاً يرتعش عبر زجاج نافذتها. كان الهواء داخل المرسم ثقيلاً، مشبعاً برطوبة الشتاء التي بدأت تتسلل عبر الشقوق، يختلط بها رائحة طلاء الجوز والكتان التي بدت الليلة وكأنها رائحة كفن أثري يلتف حول عنق المكان.

كانت إيلينا تجلس على الأرض الخشبية الباردة، في زاوية معتمة تماماً تفصل بين حامل اللوحة الجدارية وخزانة الأدوات الطبية والمذيبات. لم تكن تجرؤ على تحريك جفن، وكانت تضم ركبتيها إلى صدرها بقوة، وتطوق جسدها بذراعيها المرتجفتين كأنها تحاول الاختباء من ظلال الأبنية التي كانت تنعكس على السقف الأبيض المرتفع كأشباح متطاولة. أنفاسها كانت قصيرة، متلاحقة، وتصدر حفيفاً خافتاً كانت تخشاه هي نفسها، ظناً منها أن الآذان المتربصة بالخارج قد تلتقط هذا الصوت الواهن.

كانت الأفكار تتدفق في رأسها كشلال من الجمر المشتعل، تتصارع في عقلها تساؤلات مريرة لا تجد لها جواباً: "لماذا لم أهرب عندما كانت الفرصة سانحة؟ لقد رأيتُ سيارتهم، وشعرتُ بأنفاسهم القذرة تحيط بعتبة بيتي منذ الفجر. هذا الحصن الخشبي الذي ظننتُه يحميني طوال سنوات عزلتي، يبدو الليلة واهناً كقطعة ورق أمام وحشية العالم الذي يلاحق أليساندرو. أنا امرأة تعيد الحياة للألوان الميتة، فكيف أصبحتُ الطعم الذي ينتظره القناصون في الظلام؟ ليتني كنتُ لوحة منسية في قبو مظلم، لا يراها أحد، ولا يطأ عالمها رجال الدم."

مدت يدها الرقيقة ببطء شديد، ومسحت حبة عرق باردة انحدرت من صدغها لتستقر عند فكها المرتجف. نظرت نحو ولاعة أليساندرو الفضية المستقرة فوق الطاولة القريبة، وبدت لها في العتمة كقطعة مغناطيس خبيثة تجذب الموت نحو محرابها. كل ثانية تمر كانت تبدو كدهر ممتد، وصوت دقات الساعة الجدارية القديمة أصبح كضربات مطرقة ثقيلة تدق في رأسها، تعلن عن اقتراب لحظة الصفر التي لا مفر منها.

وفجأة، انقطع ذلك الإيقاع الرتيب لدقات الساعة.

تسمرّت إيلينا في مكانها، وتجمدت الأنفاس في حنجرتها حتى شعرت بألم حاد في صدرها. لم يكن الصوت رعداً، ولم يكن حفيف رياح. كان صوتاً خافتاً للغاية ومعدنياً، ينبعث مباشرة من قفل الباب الخشبي العتيق للشقة. صوت احتكاك بطيء، كأن هناك أداة حادة تُدار بعناية فائقة لتفكيك تروس الحديد الداخلية دون إحداث جلبة تثير انتباه حراس الكامورا المتواجدين في الشارع الرئيسي.

اتسعت عيناها العسليتان بذعر شلّ أطرافها بالكامل. حاولت الوقوف، لكن ركبتيها خانتاها، فزحفت ببطء وصمت فوق الخشب، مستندة بأطراف أصابعها المرتجفة على حافة طاولة الرسم. كانت تراقب مقبض الباب بنظرات مرعوبة، ورأته يتحرك بالفعل. انخفض المقبض النحاسي ببطء شديد إلى الأسفل، ملمتراً تلو الآخر، في مشهد سيكولوجي مرعب كاد أن يفقدها وعيها.

"يا رب.. أرجوك،" همست في سرها بصوت مبحوح، والدموع تنهمر أخيراً بحرية فوق وجنتيها الشاحبتين.

لم يفتح الباب بهدوء. وبدلاً من ذلك، دَوَى صوت ارتطام عنيف وهائل هزّ أركان الجدران العاجية للمبنى بالكامل. لقد تخلّى المقتحمون عن حذرهم بعد أن واجهوا قفلاً داخلياً إضافياً، ووجهوا ضربة قاسية بأجسادهم الضخمة نحو خشب الباب العتيق. انفلقت الخشبة الطولية للباب بصوت حاد يشبه انكسار العظام، وتناثرت شظايا الخشب القديم في الردهة لتعلن عن انكسار الحصن المنيع، واقتحام العالم الآمن لحارسة التاريخ.

اندفع عبر الممر ثلاثة رجال ضخام البنية، يرتدون سترات جلدية قاسية وأقنعة سوداء قماشية لا تظهر منهم سوى أعينهم الحادة التي تنضح برغبة القتل والوحشية. كانوا يحملون في أيديهم مسدسات كاتمة للصوت، ويتحركون بانسيابية عسكرية مدربة تعكس تبعيتهم لعائلة "ليون".

"ابحثوا عن الفتاة فوراً! لا تطلقوا النار عليها، الدون يريدها حية!" صرخ أحدهم بصوت جهير ومتحشرج، وبدأوا في تفتيش الشقة بعنف، ملقين بالمقاعد الخشبية والكتب التاريخية أرضاً، ليتدمر هدوء المكان في ثوانٍ معدودة.

تملكت إيلينا غريزة البقاء؛ فالخوف الذي كان يشلها تحول فجأة إلى طاقة حارقة من الأدرينالين الخالص. وقفت على قدميها بسرعة، وراجعت خطوتها نحو الخلف داخل المرسم. تعثرت يدها بحامل اللوحات، فأمسكت بسكين حادة وصغيرة ومقوسة الرأس، وهي الأداة المعدنية التي تستخدمها عادة لقشط طبقات الطلاء القديمة المتيبسة عن اللوحات الأثرية. قبضت عليها بكلتا يديها المرتجفتين، ورفعتها أمام صدرها كمحاولة أخيرة ويائسة للدفاع عن حرمة بيتها ونفسها.

دخل الرجل الأول إلى المرسم، ووقعت عيناه الصقريتان عليها في زاوية الغرفة. ارتسمت على ملامحه المخفية خلف القناع نظرة ساخرة، وتقدم نحوها ببطء وثقة، واضعاً مسدسه في حزامه، قائلاً بنبرة تقطر خسة: "إذن، أنتِ هي الطعم الناعم الذي أنقذ وحش الشمال. تعالي معي أيتها الجميلة دون جلبة، فالدون ليون يتشوق للقائكِ، ولن ينفعكِ هذا السكين الصغير في شيء."

مدّ يده الضخمة المكسوة بقفاز جلدي أسود ليمسك بشعرها الكستنائي. وفي تلك اللحظة، ومع اقتراب وجهه منها ورؤيتها لبريق عينيه القذر، لم تفكر إيلينا؛ بل اندفعت نحو الأمام بكل ما تملكه من قوة نفسية وجسدية، ووجهت ضربة عنيفة عشوائية بالسكين المقوسة نحو يده الممتدة.

اخترق النصل المعدني الحاد جلد القفاز الجلدي، ليشق ظهر يده بغزارة. صرخ الرجل بألم حاد وتراجع خطوتين إلى الوراء، والدماء الدافئة بدأت تتدفق من جرحه لتصبغ أرضية المرسم النظيفة. التفتت ملامحه إلى غضب أعمى ووحشي، ورفع يده الأخرى ليوجه صفعة قاسية إلى وجه إيلينا.

ارتطم كفه بوجهها الرقيق بقوة هائلة، لتبصق إيلينا رشفة دم صغيرة من شفتها الممزقة، وتطير لترتطم بجسدها بالكامل بحامل اللوحة الجدارية الضخمة. سقط الحامل الخشبي الثقيل، ومعه سقطت اللوحة التاريخية التي أمضت أشهراً في ترميمها، لتتحطم أجزاء من إطارها الذهبي وتتمزق الأقمشة العتيقة تحت ثقل السقوط، في مشهد مثل انكسار روح إيلينا وتدمير كل ما عاشت لأجله.

استلقت على الأرض، ورأسها يدور بعنف، والألم يعتصر وجنتها وشفتها، بينما كان الرجل يتقدم نحوها والغضب يعمي عينيه، مستعداً لسحقها تحت قدميه. أغلقت عينيها واستسلمت للمصير، منتظرة الضربة القاضية.

ولكن، في تلك اللحظة بالذات، انشقت الأرض عن جحيم آخر تماماً.

دَوَى صوت تحطم زجاج النوافذ الكبيرة للمرسم في آن واحد، وتناثرت آلاف القطع الكريستالية الصغيرة في الهواء كالمطر الفضي تحت ضوء القمر. اندفع عبر النوافذ وعبر الباب المكسور رجال الكامورا، يقودهم (ماركو) الذي كان وجهه يحمل تعابير شيطانية من الغضب والصرامة العنيفة. لم يكونوا يحملون مسدسات صامتة؛ بل اقتحموا المكان ببنادق رشاشة أوتوماتيكية أطلقت وابلاً من الرصاص الذي مزق صمت الليلة.

"أبيدوهم! لا تتركوا أحداً منهم يتنفس!" صرخ ماركو بصوت رعدي هزّ أركان المبنى.

انقلب المرسم في ثوانٍ إلى ساحة مجزرة حقيقية وشاملة. تعالت صرخات الرجال، ودوي طلقات الرصاص ساد المكان، مخترقاً الجدران العاجية، وممزقاً بقية اللوحات الفنية المعلقة، لتتناثر قطع القماش والألوان والورق في الهواء كشظايا من تاريخ يتفتت. كان رجال ليون يقاتلون بضراوة، لكن تفوق رجال الكامورا في العدد والعتاد والمفاجأة جعل المعركة محسومة منذ بدايتها.

رأت إيلينا، وعيناها نصف مغلقتين من فرط الصدمة والألم، ماركو وهو يتقدم نحو الرجل الذي صفعها. أمسكه ماركو من عنقه، ووجه إليه ضربات متتالية وقاسية بيده وبمقبض مسدسه حتى حطم عظام وجهه بالكامل، ثم أطلق رصاصة مباشرة في جبهته ليرديه قتيلاً فوق اللوحة الممزقة، لتختلط دماء المافيا القذرة بألوان الرسم القديمة، وتتحول أرضية المرسم الهادئ إلى بركة من القرمز والرماد.

تمت تصفية بقية المقتحمين في الممر والردهة؛ سقطوا جثثاً هامدة غارقة في دمائها، وعاد الصمت ليحل على المكان ببطء، صمت ثقيل يخنقه رائحة البارود الكثيفة والدخان الذي تشابك في الهواء كأرواح قلقة تبحث عن مخرج.

كانت إيلينا راقدة في زاويتها، وجسدها يرتجف بالكامل بشكل لا إرادي جراء الصدمة النفسية العنيفة. كانت أنفاسها تخرج على شكل شهقات متقطعة، وعيناها العسليتان تحدقان في جثة الرجل الراقد قريباً منها دون أن تستوعب الواقع. كان عالمها قد دمر بالكامل؛ مرسمها، لوحاتها، سلامها، وأمانها المزعوم، كل شيء تحول إلى ركام ودماء في دقائق معدودة.

تقدم ماركو نحوها بحذر، وأنزِل سلاحه، وحاول الاقتراب لمساعدتها، قائلاً بنبرة يحملها الاحترام والاعتذار: "آنسة إيلينا.. هل أنتِ بخير؟ أنا أعتذر بشدة، لقد تأخرنا في التدخل بضع ثوانٍ لكي نضمن إيقاعهم في الفخ بالكامل بناءً على الأوامر. رجاءً، لا تخافي، الخطر قد زال."

لم تجبه؛ لم تكن قادرة على سماع كلماته. كانت تضع يديها الملطختين بالدم على أذنيها، وتصرخ بصوت مكتوم ومبحوح يملؤه الوجع والانهيار النفسي، وجسدها ينكمش أكثر فأكثر نحو الجدار البارد، رافضة السماح لأي شخص بالاقتراب منها، بعد أن رأت وحشية هؤلاء الرجال وعلمت أن النقاء الذي عاشت لحمايته قد ذُبح الليلة على أرصفة عالمهم المظلم.

أدرك ماركو أن الصدمة أكبر من قدرتها على التحمل، فالتفت نحو رجاله وأشار إليهم ببدء تنظيف المكان بسرعة وتأمين المداخل الخلفية، بينما تراجع هو خطوتين إلى الوراء، ممسكاً بجهاز اللاسلكي ليبلغ الزعيم الشاب بالنتيجة، ومستعداً لاستقبال العاصفة الحقيقية التي ستجتاح فلورنسا فور وصول أليساندرو ورؤيته لانهيار الفتاة التي جعل من حمايتها هوسه الأكبر في الحياة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status