Home / مافيا / الظل / إلى عرش الظلام

Share

إلى عرش الظلام

last update publish date: 2026-05-25 09:00:27

كانت الدقائق التي تلت تلك المجزرة الرهيبة تمر على إيلينا كأنها مسامير من الجليد تُدق في وعيها المنهك. لم تعد تشعر ببرودة الأرض الخشبية تحت جسدها، ولا برذاذ المطر الناعم الذي بدأ يتسلل مجدداً عبر النوافذ المحطمة ليمتزج بغبار الجدران المتداعية. كان كل ما يحيط بها قد استحال إلى رماد؛ لوحاتها التي أمضت عمرها تعيد ألوانها الميتة إلى الحياة تحولت إلى قطع قماش ممزقة ومخضبة بدماء قذرة، وأدواتها الفنية الدقيقة تناثرت كشظايا حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. كانت راقدة في زاويتها، منكمشة على نفسها كجنين يرفض الخروج إلى عالم مشوه، ويدها المرتجفة لا تزال تقبض بوهن على سكين القشط الصغيرة الملطخة بالدم، بينما كانت شهقاتها المتقطعة تصدر حفيفاً خافتاً يمزق صمت المرسم الخانق.

تحرك رجال المافيا في الردهة كأشباح صامتة؛ يجرون الجثث الهامدة ويخفون آثار الرصاص بمهارة عسكرية مدربة، لكن ماركو ظل واقفاً على مسافة آمنة منها، وعيناه القلقتان تراقبان الباب المكسور بترقب يملؤه الوجع. كان الصمت الذي حلّ على المكان أثقل من دوي المدافع، صمت يخنقه رائحة البارود الكثيفة ورائحة الموت الحاضر التي طغت على كل تفاصيل المكان الدافئة.

وفجأة، انقطع ذلك السكون المريب بصوت إغلاق أبواب سيارات فارهة في الأزقة السفلية، تلاها دوي خطوات واثقة، قوية، ورنانة تصعد درجات السلالم العتيقة للمبنى. لم تكن تلك خطوات رجال عاديين؛ بل كانت خطوات تحمل نبرة السلطة المطلقة، وتهتز لها الجدران الحجرية لفلورنسا مهابة وإجلالاً.

تسمرّ ماركو في مكانه، وانخفضت رؤوس الحراس غريزياً، بينما تجمدت الأنفات في الصدور مع ظهور (أليساندرو) عند عتبة الباب المحطم.

لم يكن يبدو كالرجل الجريح الذي لجأ إليها قبل أيام؛ بل كان يبدو كقائد جيش مظلم يستعد لحرق الأرض ومن عليها. كان يرتدي معطفاً أسود طويلاً من الصوف الفاخر يتدلى حتى ركبتيه، برزت من تحته سترة بذلته القاتمة الحادة الملامح، وشعره الفاحم كان مصففاً بعناية إلى الخلف بينما كانت عيناه الرماديتين تشتعلان ببريق شيطاني من الغضب العنيف والهوس الأعمى الذي جعل الهواء المحيط به يتجمد فوراً. كانت يده اليمنى تقبض بقوة وعنفوان على عصاه الأثرية ذات الرأس الفضي، وخطواته كانت سريعة ومندفعة، متجاهلاً آلام جرحه النازف سراً تحت الضمادات.

دخل أليساندرو إلى المرسم، ودارت عيناه الرماديتين في أرجاء المكان كصقر يرصد ركام دمار مملكته. رأى اللوحات الممزقة، ورأى بقع الدماء الممتزجة بالطلاء، ثم وقعت عيناه أخيراً على إيلينا المستلقية في زاويتها المعتمة، وجهها الشاحب، وشفتها الممزقة التي يسيل منها خيط رفيع من الدم القرمزي، وجسدها الذي يرتجف بعنف جراء الصدمة النفسية الشاملة.

في تلك اللحظة بالذات، حدث تحول مرعب في ملامحه الصخرية القاسية. انقبض فكه العريض بحركة عنيفة كادت أن تحطم أسنانه، وعيناه اشتعلتا بنار أحرقت كل بقايا بروده الأرستقراطي. التفت نحو ماركو بسرعة صاعقة، ورفع عصاه الفضية ليوجهها نحو صدره بنبرة رعدية هزت أركان الشقة بالكامل: "كيف حدث هذا يا ماركو؟ كيف تجرأ الأوغاد على لمسها وأنت ورجالك تحيطون بالمكان؟ لقد أصدرتُ أمراً صارماً بحمايتها، ولم يكن مسموحاً بأن يمس شعرة واحدة من رأسها!"

انخفض رأس ماركو باحترام شديد، وقال بصوت متحشرج خائف: "أنا أعتذر بشدة يا دون أليساندرو. لقد تحركوا بسرعة فائقة مستخدمين أدوات تفكيك صامتة لم نرصدها إلا في اللحظات الأخيرة. لقد أبنا الفرقة بأكملها، ولم ينجُ منهم أحد ليعود إلى روما، لكن الفتاة.. لقد أصيبت بصدمة عنيفة قبل دخولنا."

أشار أليساندرو بيده بغضب أعمى ليخرس ماركو تماماً، ثم رمى بعصاه الفضية على الأرض دون مبالاة، وتقدم نحو إيلينا بخطوات وئيدة، بطيئة، ومحكومة بتراجع مفاجئ لنبرة قسوته عندما اقترب منها. ركع على ركبتيه فوق الأرضية الخشبية الملوثة، غير مبالٍ بثياب ثوبه الفاخرة، ومد يده اليمنى الموشومة بشعار الخنجر والتاج نحو وجهها برقة متناهية تتناقض تماماً مع طبيعته الدموية.

بمجرد أن لامست أصابعه الطويلة والدافئة وجنتها الباردة الملتوعة، انتفضت إيلينا انتفاضة عنيفة، ورفعت سكين القشط الصغيرة المرتجفة أمام وجهه، وصراخ مكتوم ومبحوح خرج من حنجرتها: "ابتعد عني! لا تلمسني! كلكم وحوش.. كلكم قتلة! ارحلوا من بيتي.. ارحلوا واتركوا لي بقايا حياتي المدمرة!"

ثبت أليساندرو في مكانه، ولم يتراجع خطوة واحدة أمام سكينها؛ بل ظل ينظر في عينيها العسليتان الواسعتين اللتين غرقتا بالدموع، وعيناه الرماديتين نضحتا بوجع خفي وتملك لا يعرف الرحمة. قبض بأصابعه القوية على معصم يدها الممسكة بالسكين بضغط مدروس، وسحب يدها ببطء شديد حتى أنزل السلاح الصغير من بين أصابعها، ثم رماه بعيداً، وأحكم قبضتيه على كفيها المرتجفتين ليجبرها على النظر إليه مباشرة.

"انظري إليّ يا إيلينا،" خرج صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل نبرة حازمة سرت في جسدها كتيار دافئ هدأ من روع انتفاضتها الطفيفة. "انظري في عينيّ.. أنا أليساندرو. الخطر قد زال، والأوغاد الذين دنسوا محرابكِ ولطخوا وجهكِ الرقيق بالدم قد أرسلتُ أرواحهم إلى الجحيم حيث ينتمون. أنتِ آمنة الآن معي."

نظرت إليه إيلينا وعيناها تعكسان انهياراً نفسياً حقيقياً، وشفتها الممزقة ترتعش وهي تجيبه بصوت يملؤه الشجن والغضب المرير: "آمنة معك؟ كيف أكون آمنة مع الرجل الذي جلب الموت إلى عتبة بيتي؟ انظر حولك يا أليساندرو.. انظر إلى لوحاتي، إلى تاريخي، إلى سلامي الذي أمضيتُ عمري في بنائه! لقد تدمر كل شيء في دقائق معدودة لأنني أنقذتك! عالمي الساكن قد مات، وبيتي تحول إلى مسلخ، وأنت تقول لي إنني آمنة؟ أنا أكره عالمك، وأكره دماءك، وأكره اللحظة التي فتحتُ فيها لك الباب تحت المطر!"

لم تحرك كلمات قاسية شعرة واحدة في كبرياء أليساندرو العنيف؛ بل بدا وكأن بكاءها وانهيارها يزيد من إصراره وهوسه بها. شدد قبضتيه على يديها، واقترب بوجهه منها لدرجة شعورها بحرارة أنفاسه المتسارعة، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل وعيداً قاطعاً كحد السيف: "اعلمي جيداً يا حارسة التاريخ أنني لم أختر أن أسقط على عتبة بابكِ، لكن القدر اختار ذلك، وعندما تلوثت دمائي بأرضيتكِ، أصبحتِ جزءاً مني. أعدائي عرفوا مكانكِ، وعائلة ليون لن تتوقف حتى تستخدم نقاءكِ لكسر عنقي. بقاؤكِ هنا في هذه الشقة المحطمة هو انتحار صرف، ولن أسمح لعالم الجريمة بأن يمسكِ مجدداً وأنا حي."

"إذن ماذا تريد مني؟" صرخت بضعف والدموع تلتهم تعابير وجهها. "هل تتركني أرحل وأختفي في مدينة أخرى؟ هل تتركني أعود لعزلتي؟"

"لا،" أجابها بصرامة مطلقة وعينان تشعان بتملك أعمى وعنيف سرى في أوصالها كالبرق. "الرحيل والفرار خيارات لم تعد متاحة لكِ. عالمكِ القديم الساكن قد دُفن الليلة تحت أقدام هؤلاء القتلة، ومكانكِ الوحيد الآمن في هذا العالم من الآن فصاعداً هو بجانبي، تحت حمايتي، وداخل قلعتي المحصنة. سآخذكِ معي يا إيلينا، سواء قبلتِ بهذا المصير أم رفضتِهِ بكبريائكِ."

"أنت تسرقني! أنت تخطفني!" قالت بنبرة حادة وهي تحاول جاهدة سحب يديها من بين كفيه القويتين، لكنه كان كالجبل الراسخ الذي لا يتحرك. "أنا لستُ أسيرة عندك، ولستُ قطعة أرض تملكها بعائلتك! أنا امرأة حرة، ولن أذهب إلى جحيمك بكامل إرادتي!"

وقف أليساندرو ببطء وبحركة انسيابية مهيبة، دون أن يفلت يدها اليسرى، وسحبها معه لتقف على قدميها المرتجفتين بصعوبة بالغة. نظر إلى وجهها الملتوع، وإلى بقعة الدم على شفتها، وشعر برغبة عارمة في إخفاء هذا النقاء عن عيون العالم بأكمله والاحتفاظ به لنفسه فقط.

التفت نحو ماركو، وأصدر أمراً صارماً بصوت رخيم لا يقبل النقاش: "ماركو، خذ الرجال وطهروا المكان بالكامل، أخلوا الشقة من أي أثر، واجمعوا ما تبقى من أدوات الرسم واللوحات الخاصة بها واحملوها إلى القصر. السيارات يجب أن تتحرك الآن."

"حاضر يا دون أليساندرو،" أجاب ماركو، وتحرك الحراس فوراً لتنفيذ الأوامر بحرفية صامتة.

انحنى أليساندرو فجأة، وقبل أن تدرك إيلينا نيتها أو تتمكن من المقاومة، لف ذراعه اليسرى القوية حول خصرها الرقيق، ورفع جسدها بالكامل عن الأرض بحركة واحدة سريعة ومفاجئة، متجاهلاً موجة الألم الحارق التي ضربت خاصرته جراء حركة جرحه الطري. أحاط بها بجسده الضخم كدرع بشري لا يمكن اختراقه، وحملها قسراً وسط صرخاتها المكتومة ومحاولاتها اليائسة لضربه بقبضتيها الصغيرتين على صدره العريض الصخري.

"أفلتني يا أليساندرو! أرجوك.. لا تفعل هذا بي!" كانت ترجوه بصوت مبحوح والإنهاك الجسدي والنفسي بدأ يسيطر عليها بالكامل، لتقل حركتها تدريجياً ويستسلم جسدها الرقيق لدفء معطفه الصوفي وثقل حضوره الطاغي.

سار بها أليساندرو بخطوات ثقيلة ورنانة عبر الردهة المهدومة، ممرّاً بجثث رجال ليون التي كانت تُسحب بعيداً، وخرج بها من باب الشقة المكسور ليهبط درجات السلالم العتيقة وسط حراسة مشددة من رجاله الذين انتشروا في كل زاوية من زوايا المبنى. كانت ملامحه حادة وصارمة تعكس فوزه بالجائزة الكبرى في هذه الليلة الدموية؛ فقد تحول هوسه بها من مراقبة عن بعد إلى امتلاك جسدي ونفسي مباشر.

خرج إلى الزقاق المظلم حيث كانت تقف سيارات الدفع الرباعي السوداء والمدرعة، ومصابيحها تشتعل بقوة لتبدد عتمة الليل ورذاذ المطر الناعم الذي بدأ يغسل شوارع فلورنسا مجدداً. فتح الحارس الشخصي باب السيارة الفارهة الخلفي بسرعة، فوضع أليساندرو إيلينا بالداخل برفق شديد يتناقض مع قسوة خطفها، ثم صعد بجانبها وأغلق الباب الحديدي الثقيل ليعزل عوالمهم تماماً عن الخارج.

تحركت القافلة المدرعة بسرعة وانسيابية عبر شوارع فلورنسا الحجرية القديمة، متجهة نحو التلال العالية المحصنة حيث يقبع قصر عائلة الكامورا.

داخل السيارة التي كان يلفها صمت خانق ومخيف، كانت إيلينا تجلس ملتصقة بنوافذ الزجاج المعتم في أقصى الزاوية، ويدها تلامس شفتها الممزقة الدافئة بالدم، وعيناها العسليتان تراقبان أضواء المدينة الساحرة وهي تبتعد وتتلاشى تدريجياً خلف ضباب الشفق الفضي. شعرت بغصة حارقة في حلقها وبأن برودة سلاسل القدر قد أطبقت حول عنقها بالفعل؛ فقد غادرت محرابها الآمن وماتت حياتها القديمة كمرممة لوحات عادية، ودخلت رسمياً إلى عرش الظلام.

التفتت بنظراتها المنهكة نحو أليساندرو الجالس بجانبها بكامل هيبته ووقاره الأرستقراطي البارد. كان يضع يده اليمنى الموشومة على ركبته، وعيناه الرماديتين تحدقان في أفق فلورنسا عبر النافذة الأمامية بركود مخيف يملؤه النصر والهوس المطلق. لم يكن ينظر إليها، لكن وجوده الضخم وأنفاسه الثقيلة كانت تطوقها وتملأ الغرفة الفارهة للسيارة بنبرة الخطر والتعلق السري الذي لا يرحم.

كان هذا الفراق المؤقت عن عالمها القديم هو البداية الحقيقية لرحلتها في دهاليز المافيا، رحلة لن تكون فيها مجرد منقذة عابرة للزعيم الشاب، بل ستصبح الأسيرة والملكة واللعنة التي ستشعل حرباً شاملة بين قياصرة الجريمة في إيطاليا، بعد أن أجبر وحش الشمال نقاءها على دخول ناره، وأعلن رسمياً عن بدء عصر "الظل" في حياة "حارسة التاريخ" داخل أسوار قلعته المحصنة التي لا تعرف معنى الرحمة أو النسيان.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   المرمر والحبر

    توغل الأبطال الأربعة بـخطى حذرة وموزونة في جوف النفق الأثري العريض، حيث أخذت القنوات المائية تزداد عمقاً وضيقاً، وأضحت أقدامهم تشق المياه الآسنة الباردة بـصوت رتيب يتردد صداه الخافت بين الأقبوة الرخامية المقوسة لـروما السفلية. كانت جدران القبو الأثري الممتد تحت أحياء القيصر القديم مغطاة بـطبقات كثيفة من العفن والأحجار الجيرية المتآكلة التي امتصت برودة القرن السابع عشر، بينما كانت خيوط الرطوبة الثقيلة تنهمر كـالدموع الباردة من السقف الرخامي لـتتساقط فوق أكتاف الرجال وستراتهم التكتيكية السوداء. خيّم صمت أمني خانق ومشحون بـأثير البارود الميت والترقب القتالي القاطع، حيث تحول المجرى المائي إلى شريان أثري معزول بالكامل عن العالم الخارجي، لا يقطعه سوى صفير الهواء القادم من فتحات التهوية العمودية المهجورة. كان ماركو يتقدم الموكب القتالي بكامل بنيته العضلية الضخمة وقامته الشامخة الفارهة، يمسك بـبندقيته الآلية القاطعة بـقبضة فولاذية دافئة لم تتأثر بـبرودة المكان؛ كانت عيناه الحادتان الشبيهتان بـالشفرات ترصدان بـتصويب حراري دقيق أدنى حركة في زوايا الظلام الدامس، متقدماً بـ

  • الظل   تحت الأرض

    انزلقت الموكب التكتيكي السوداء المؤلف من ثلاث سيارات مصفحة ضخمة ورباعية الدفع ببطء شديد وحذر أمني قاطع داخل الأزقة الخلفية الضيقة والمنعزلة لحي "تراستيفيري" الأثري في قلب روما؛ كانت خيوط الضباب الصباحي البارد تتصاعد من أرصفة الحجارة العتيقة كأردية هلامية تحجب الرؤية وتضفي غموضاً ساحراً على المعالم الرومانية القديمة. توقفت السيارات داخل باحة هادئة ومسقوفة لمستودع نبيذ أثري مهجور يعود تاريخ تشييده إلى القرن السابع عشر، وهو الموقع الطبوغرافي الدقيق الذي حددته إيلينا بذكائها الفذ كمدخل سري ونادر يربط أحياء السطح بـ "قنوات الغسق" المائية السفلية الممتدة تحت أساسات العاصمة. هبط ماركو أولاً من المقعد الأمامي للسيارة القيادية بكامل بنيته العضلية الفارهة وقامته الشامخة التي تسد الأفق كالجبل الصخر؛ كان يرتدي درعه التكتيكي الأسود، ويده القوية تحكم قبضتها حول السلاح الآلي المزود بكاشف حراري وكتم صوتي متطور. تفحص ماركو زوايا المستودع المظلم بعينين الحادتين اللتين تشبهان الشفرات القاطعة، موزعاً رجال النخبة من جيوش الشمال على النقاط الأمنية للباحة بآلية عسكرية ميتة شلت أي احتم

  • الظل   انفلات الحصان الاسود

    خيمت على الضواحي النائية والمعزولة لعاصمة روما عاصفة رعدية هوجاء، ومحملة بـرياح عاتية وأمطار غزيرة انهمرت كـالسيول الداكنة بـقسوة فوق الأسقف القوطية والجدران الخرسانية العتيقة لـلقصر المهجور؛ كانت صواعق البرق الخاطفة تشق استار الظلام الدامس بين الثنية والأخرى، لـتلقي بـأضواء هلامية زرقاء وشديدة السطوع عبر النوافذ المصفحة المغلقة لـلمخبأ السري لعائلة الكامورا. أحدثت الطبيعة الهائرة بـخارج القصر صخباً مجنوناً وصفيراً مرعباً ابتلع كافة الأصوات الخافتة، لـتتحول المساحات الطبوغرافية والمحيط الجغرافي الخارجي إلى مسرح مظلم، لزج، ومغلف بـالغموض الأمني الخانق الذي يحبس أنفاس أعتى القادة والرجال، محولاً ثنايا الليل إلى كابوس تتداخل فيه رائحة الأتربة المبتلة بـأثير الكبريت المنبعث من الصواعق.وفي عمق الممر الغربي المظلم والمؤدي إلى المنافذ السفلية الأثرية لـلقصر الأرستقراطي، كان ماركو يقف بكامل قامته العضلية الفارهة وبنيته الشامخة التي تسد الفراغ كـالدرع الفولاذي المنيع؛ كان يرتدي سترته التكتيكية السوداء المقاومة للمطر والحرارة، ويده القوية تعصر مقبض بندقيته الآلية المزودة بـمكبر بصري

  • الظل   عرش الرماد

    انغلقت الأبواب الخشبية السميكة للجناح الداخلي المعزول بـصوت مصمت قطع كل صلة للأبطال بـفضاء القصر الخارجي، ليحل صمت حذر وطاغٍ امتزج بـرائحة الأثاث المعتق وأثير البارود الميت العالق فوق الجدران؛ حيث كان الضوء الشاحب والمنكسر من خلف الستائر المخملية الداكنة يرسم ظلالاً طويلة ومرعبة لـقامة أليساندرو الفارهة الشامخة التي سدت أفق المكان بجبروت أرستقراطي لم ينحنِ يوماً أمام الأعاصير. تقدم القيصر الشاب نحو طاولة القراءة المرمرية الوسطى، وجلس بكامل بنيته العضلية المهيبة، وعيناه الرماديتين اللتين تشبهان الرخام الصقيل تلمعان بـبريق ناري مستعر ينم عن الهوس المطلق والشغف الشرس نحو إيلينا؛ كانت ذراعه اليمنى الموشومة بـرأس الخنجر والتاج الملكي تنزف ببطء، والدماء القانية الدافئة تسيل بغزارة لتصبغ بشرته الفولاذية الممزقة إثر رصاصة النهر الغادرة التي تلقاها فداءً لسلامة نبضها الطاهر.وقفت إيلينا على مسافة قصيرة منه بجسدها الرقيق النبيل، وهي تحتضن الحقيبة المصفحة بقوة ضد صدرها المنهك كأنها تتمسك بـآخر ما تبقى من براءتها الضائعة؛ كان قلبها معتصراً بـالوجع الحارق والشجن الوجداني العارم جراء صدم

  • الظل   ملاذ

    استقرت العجلات الضخمة والمصفحة للسيارة التكتيكية داخل الباحة السفلية المظلمة والمشيدة من الخرسانة المسلحة والفولاذ السميك؛ حيث انغلق خلفهم الباب الهيدروليكي العملاق لـلمخبأ السري الجديد بـدوي حديدي مكتوم، لـيعلن عزل الأبطال الأربعة بالكامل عن جحيم روما المشتعلة بالخارج. كان هذا المعقل السري لعائلة الكامورا يقبع في الضواحي النائية والمعزولة للعاصمة، وهو عبارة عن قصر أرستقراطي قديم ومهجور من القرن الثامن عشر، تم تحصينه وتحديث أجزائه السفلية الممتدة تحت الأرض بـأحدث تقنيات الرصد الراداري، وغرف العمليات المعزولة، والجدران المصفحة ضد الانفجارات الكبرى؛ ليتحول إلى قلعة صخرية منيعة لا تطولها أعين الخصوم أو رادارات عائلة "ليون".دلف ماركو أولاً بخطواته العسكرية الرنانة الموزونة، وقامته الفارهة الشامخة تسد الأفق والظل كـالحصن الحامي؛ ورغم نزيف كتفه الأيمن الذي تيبس فوق درعه الممزق، إلا أن الصرامة الصخرية والجفاف الميداني لم يفارقا ملامحه الرجولية الحادة. تفحص ماركو زوايا الباحة بـعينين شبيهتين بـالشفرات القاطعة، وأشار لـرجالات النخبة من جيوش الشمال الذين انتشروا بـأسلحتهم الآلية عند

  • الظل   شظايا نهر التيبر

    انشقت عتمة المجرى المائي الأثري الخانقة أخيراً عن فتحة دائرية واسعة ومغطاة بـقضبان حديدية متآكلة، نفذت من خلالها خيوط الضباب الصباحي الأبيض الكثيف الذي كان يغمر ضفاف نهر "التيبر" في العاصمة روما بـغطاء هلامي بارد. دفع ماركو البوابة الحديدية بـعزم جسده الصخر وبنيته العضلية الفارهة، لـتتحطم الأقفال الصدئة بصرير خافت ابتلعه صوت تدفق مياه النهر الرمادية المضطربة؛ ودلف الأبطال الأربعة واحداً تلو الآخر نحو الرصيف الحجري المهجور للضفة السفلى، وهم يتنفسون الصعداء بعد الكيلومترات الطويلة التي قطعوها في جوف الأرض، حيث اختلطت برودة الطقس الصباحي بـأنفاس الفتاتين المتهدجة وأثير البارود الميت العالق فوق ثياب الحراس. كان الضباب يفرض غموضاً بصرياً مطلقاً، ويحجب الرؤية لأمتار قليلة، مما جعل المحيط الميداني برميلاً مغلقاً من الترقب والحذر العسكري الصارم؛ تقدم ماركو الموكب الميداني لـتأمين مسار الصعود نحو الشارع العلوي حيث تنتظرهم سيارات الدعم البديلة، بينما كان أليساندرو يحكم ذراعه القوية حول خصر إيلينا النحيل التي كانت تحتضن الحقيبة المصفحة بـثبات ونبل أرستقراطي لم تزعزعه مرارة

  • الظل   هدنة بطعم الدموع

    انسلّ نهار فلورنسا الذهبي ببطء شديد من بين شقوق الستائر المخملية العريضة للجناح الشرقي، ليترك مكانه لغسق قرمزي حزين يصبغ التلال المحيطة بقصر الكامورا بلون يشبه مساحيق الدم الجاف. كان الصمت داخل الغرفة الملكية ثقيلاً، مشحوناً برائحة حطب الصنوبر المشتعل في المدفأة الحجرية الكبيرة، والذي كان يت

  • الظل   عتبات الجحيم العاجي

    كانت سيارات الدفع الرباعي السوداء والمدرعة تشق طريقها الصاعد عبر المنحدرات المتعرجة لتلال "فيسولي" كأنها قطيع من الوحوش الحديدية التي تفر من أضواء فلورنسا المتلاشية في الأفق. كان رذاذ المطر الناعم يضرب النوافذ الزجاجية المعتمة للسيارة الخلفية الفارهة، ليرسم خطوطاً مائية متعرجة تشبه الندوب ال

  • الظل   انكسار الحصن

    لم يكن السكون الذي لفّ شقة إيلينا في تلك الليلة سوى غشاء رقيق يخفي خلفه مخالب الموت. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وتحولت أزقة فلورنسا القديمة إلى سراديب من العتمة التي لا يكسرها سوى وميض مصباح الشارع النحاسي الشاحب، الذي كان يرسل ضوءاً أصفر مريضاً يرتعش عبر زجاج نافذتها. كان الهو

  • الظل   أنفاس العدو

    في الجانب الجنوبي من إقليم توسكانا، حيث تلتقي التلال الخضراء بظلال قلاع روما القديمة، كان يمتد معقل عائلة "ليون"، العدو اللدود الذي لا ينام لشبكة الكامورا. في قصر ريفي مهيب يحيطه الغموض، كان يجلس (ليون) خلف طاولة بلياردو مصنوعة من الخشب العتيق، يمسك بعصا اللعب ويوجه ضربات قاسية ومركزة للكرات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status