ホーム / مافيا / الظل / إلى عرش الظلام

共有

إلى عرش الظلام

last update 公開日: 2026-05-25 09:00:27

كانت الدقائق التي تلت تلك المجزرة الرهيبة تمر على إيلينا كأنها مسامير من الجليد تُدق في وعيها المنهك. لم تعد تشعر ببرودة الأرض الخشبية تحت جسدها، ولا برذاذ المطر الناعم الذي بدأ يتسلل مجدداً عبر النوافذ المحطمة ليمتزج بغبار الجدران المتداعية. كان كل ما يحيط بها قد استحال إلى رماد؛ لوحاتها التي أمضت عمرها تعيد ألوانها الميتة إلى الحياة تحولت إلى قطع قماش ممزقة ومخضبة بدماء قذرة، وأدواتها الفنية الدقيقة تناثرت كشظايا حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. كانت راقدة في زاويتها، منكمشة على نفسها كجنين يرفض الخروج إلى عالم مشوه، ويدها المرتجفة لا تزال تقبض بوهن على سكين القشط الصغيرة الملطخة بالدم، بينما كانت شهقاتها المتقطعة تصدر حفيفاً خافتاً يمزق صمت المرسم الخانق.

تحرك رجال المافيا في الردهة كأشباح صامتة؛ يجرون الجثث الهامدة ويخفون آثار الرصاص بمهارة عسكرية مدربة، لكن ماركو ظل واقفاً على مسافة آمنة منها، وعيناه القلقتان تراقبان الباب المكسور بترقب يملؤه الوجع. كان الصمت الذي حلّ على المكان أثقل من دوي المدافع، صمت يخنقه رائحة البارود الكثيفة ورائحة الموت الحاضر التي طغت على كل تفاصيل المكان الدافئة.

وفجأة، انقطع ذلك السكون المريب بصوت إغلاق أبواب سيارات فارهة في الأزقة السفلية، تلاها دوي خطوات واثقة، قوية، ورنانة تصعد درجات السلالم العتيقة للمبنى. لم تكن تلك خطوات رجال عاديين؛ بل كانت خطوات تحمل نبرة السلطة المطلقة، وتهتز لها الجدران الحجرية لفلورنسا مهابة وإجلالاً.

تسمرّ ماركو في مكانه، وانخفضت رؤوس الحراس غريزياً، بينما تجمدت الأنفات في الصدور مع ظهور (أليساندرو) عند عتبة الباب المحطم.

لم يكن يبدو كالرجل الجريح الذي لجأ إليها قبل أيام؛ بل كان يبدو كقائد جيش مظلم يستعد لحرق الأرض ومن عليها. كان يرتدي معطفاً أسود طويلاً من الصوف الفاخر يتدلى حتى ركبتيه، برزت من تحته سترة بذلته القاتمة الحادة الملامح، وشعره الفاحم كان مصففاً بعناية إلى الخلف بينما كانت عيناه الرماديتين تشتعلان ببريق شيطاني من الغضب العنيف والهوس الأعمى الذي جعل الهواء المحيط به يتجمد فوراً. كانت يده اليمنى تقبض بقوة وعنفوان على عصاه الأثرية ذات الرأس الفضي، وخطواته كانت سريعة ومندفعة، متجاهلاً آلام جرحه النازف سراً تحت الضمادات.

دخل أليساندرو إلى المرسم، ودارت عيناه الرماديتين في أرجاء المكان كصقر يرصد ركام دمار مملكته. رأى اللوحات الممزقة، ورأى بقع الدماء الممتزجة بالطلاء، ثم وقعت عيناه أخيراً على إيلينا المستلقية في زاويتها المعتمة، وجهها الشاحب، وشفتها الممزقة التي يسيل منها خيط رفيع من الدم القرمزي، وجسدها الذي يرتجف بعنف جراء الصدمة النفسية الشاملة.

في تلك اللحظة بالذات، حدث تحول مرعب في ملامحه الصخرية القاسية. انقبض فكه العريض بحركة عنيفة كادت أن تحطم أسنانه، وعيناه اشتعلتا بنار أحرقت كل بقايا بروده الأرستقراطي. التفت نحو ماركو بسرعة صاعقة، ورفع عصاه الفضية ليوجهها نحو صدره بنبرة رعدية هزت أركان الشقة بالكامل: "كيف حدث هذا يا ماركو؟ كيف تجرأ الأوغاد على لمسها وأنت ورجالك تحيطون بالمكان؟ لقد أصدرتُ أمراً صارماً بحمايتها، ولم يكن مسموحاً بأن يمس شعرة واحدة من رأسها!"

انخفض رأس ماركو باحترام شديد، وقال بصوت متحشرج خائف: "أنا أعتذر بشدة يا دون أليساندرو. لقد تحركوا بسرعة فائقة مستخدمين أدوات تفكيك صامتة لم نرصدها إلا في اللحظات الأخيرة. لقد أبنا الفرقة بأكملها، ولم ينجُ منهم أحد ليعود إلى روما، لكن الفتاة.. لقد أصيبت بصدمة عنيفة قبل دخولنا."

أشار أليساندرو بيده بغضب أعمى ليخرس ماركو تماماً، ثم رمى بعصاه الفضية على الأرض دون مبالاة، وتقدم نحو إيلينا بخطوات وئيدة، بطيئة، ومحكومة بتراجع مفاجئ لنبرة قسوته عندما اقترب منها. ركع على ركبتيه فوق الأرضية الخشبية الملوثة، غير مبالٍ بثياب ثوبه الفاخرة، ومد يده اليمنى الموشومة بشعار الخنجر والتاج نحو وجهها برقة متناهية تتناقض تماماً مع طبيعته الدموية.

بمجرد أن لامست أصابعه الطويلة والدافئة وجنتها الباردة الملتوعة، انتفضت إيلينا انتفاضة عنيفة، ورفعت سكين القشط الصغيرة المرتجفة أمام وجهه، وصراخ مكتوم ومبحوح خرج من حنجرتها: "ابتعد عني! لا تلمسني! كلكم وحوش.. كلكم قتلة! ارحلوا من بيتي.. ارحلوا واتركوا لي بقايا حياتي المدمرة!"

ثبت أليساندرو في مكانه، ولم يتراجع خطوة واحدة أمام سكينها؛ بل ظل ينظر في عينيها العسليتان الواسعتين اللتين غرقتا بالدموع، وعيناه الرماديتين نضحتا بوجع خفي وتملك لا يعرف الرحمة. قبض بأصابعه القوية على معصم يدها الممسكة بالسكين بضغط مدروس، وسحب يدها ببطء شديد حتى أنزل السلاح الصغير من بين أصابعها، ثم رماه بعيداً، وأحكم قبضتيه على كفيها المرتجفتين ليجبرها على النظر إليه مباشرة.

"انظري إليّ يا إيلينا،" خرج صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل نبرة حازمة سرت في جسدها كتيار دافئ هدأ من روع انتفاضتها الطفيفة. "انظري في عينيّ.. أنا أليساندرو. الخطر قد زال، والأوغاد الذين دنسوا محرابكِ ولطخوا وجهكِ الرقيق بالدم قد أرسلتُ أرواحهم إلى الجحيم حيث ينتمون. أنتِ آمنة الآن معي."

نظرت إليه إيلينا وعيناها تعكسان انهياراً نفسياً حقيقياً، وشفتها الممزقة ترتعش وهي تجيبه بصوت يملؤه الشجن والغضب المرير: "آمنة معك؟ كيف أكون آمنة مع الرجل الذي جلب الموت إلى عتبة بيتي؟ انظر حولك يا أليساندرو.. انظر إلى لوحاتي، إلى تاريخي، إلى سلامي الذي أمضيتُ عمري في بنائه! لقد تدمر كل شيء في دقائق معدودة لأنني أنقذتك! عالمي الساكن قد مات، وبيتي تحول إلى مسلخ، وأنت تقول لي إنني آمنة؟ أنا أكره عالمك، وأكره دماءك، وأكره اللحظة التي فتحتُ فيها لك الباب تحت المطر!"

لم تحرك كلمات قاسية شعرة واحدة في كبرياء أليساندرو العنيف؛ بل بدا وكأن بكاءها وانهيارها يزيد من إصراره وهوسه بها. شدد قبضتيه على يديها، واقترب بوجهه منها لدرجة شعورها بحرارة أنفاسه المتسارعة، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل وعيداً قاطعاً كحد السيف: "اعلمي جيداً يا حارسة التاريخ أنني لم أختر أن أسقط على عتبة بابكِ، لكن القدر اختار ذلك، وعندما تلوثت دمائي بأرضيتكِ، أصبحتِ جزءاً مني. أعدائي عرفوا مكانكِ، وعائلة ليون لن تتوقف حتى تستخدم نقاءكِ لكسر عنقي. بقاؤكِ هنا في هذه الشقة المحطمة هو انتحار صرف، ولن أسمح لعالم الجريمة بأن يمسكِ مجدداً وأنا حي."

"إذن ماذا تريد مني؟" صرخت بضعف والدموع تلتهم تعابير وجهها. "هل تتركني أرحل وأختفي في مدينة أخرى؟ هل تتركني أعود لعزلتي؟"

"لا،" أجابها بصرامة مطلقة وعينان تشعان بتملك أعمى وعنيف سرى في أوصالها كالبرق. "الرحيل والفرار خيارات لم تعد متاحة لكِ. عالمكِ القديم الساكن قد دُفن الليلة تحت أقدام هؤلاء القتلة، ومكانكِ الوحيد الآمن في هذا العالم من الآن فصاعداً هو بجانبي، تحت حمايتي، وداخل قلعتي المحصنة. سآخذكِ معي يا إيلينا، سواء قبلتِ بهذا المصير أم رفضتِهِ بكبريائكِ."

"أنت تسرقني! أنت تخطفني!" قالت بنبرة حادة وهي تحاول جاهدة سحب يديها من بين كفيه القويتين، لكنه كان كالجبل الراسخ الذي لا يتحرك. "أنا لستُ أسيرة عندك، ولستُ قطعة أرض تملكها بعائلتك! أنا امرأة حرة، ولن أذهب إلى جحيمك بكامل إرادتي!"

وقف أليساندرو ببطء وبحركة انسيابية مهيبة، دون أن يفلت يدها اليسرى، وسحبها معه لتقف على قدميها المرتجفتين بصعوبة بالغة. نظر إلى وجهها الملتوع، وإلى بقعة الدم على شفتها، وشعر برغبة عارمة في إخفاء هذا النقاء عن عيون العالم بأكمله والاحتفاظ به لنفسه فقط.

التفت نحو ماركو، وأصدر أمراً صارماً بصوت رخيم لا يقبل النقاش: "ماركو، خذ الرجال وطهروا المكان بالكامل، أخلوا الشقة من أي أثر، واجمعوا ما تبقى من أدوات الرسم واللوحات الخاصة بها واحملوها إلى القصر. السيارات يجب أن تتحرك الآن."

"حاضر يا دون أليساندرو،" أجاب ماركو، وتحرك الحراس فوراً لتنفيذ الأوامر بحرفية صامتة.

انحنى أليساندرو فجأة، وقبل أن تدرك إيلينا نيتها أو تتمكن من المقاومة، لف ذراعه اليسرى القوية حول خصرها الرقيق، ورفع جسدها بالكامل عن الأرض بحركة واحدة سريعة ومفاجئة، متجاهلاً موجة الألم الحارق التي ضربت خاصرته جراء حركة جرحه الطري. أحاط بها بجسده الضخم كدرع بشري لا يمكن اختراقه، وحملها قسراً وسط صرخاتها المكتومة ومحاولاتها اليائسة لضربه بقبضتيها الصغيرتين على صدره العريض الصخري.

"أفلتني يا أليساندرو! أرجوك.. لا تفعل هذا بي!" كانت ترجوه بصوت مبحوح والإنهاك الجسدي والنفسي بدأ يسيطر عليها بالكامل، لتقل حركتها تدريجياً ويستسلم جسدها الرقيق لدفء معطفه الصوفي وثقل حضوره الطاغي.

سار بها أليساندرو بخطوات ثقيلة ورنانة عبر الردهة المهدومة، ممرّاً بجثث رجال ليون التي كانت تُسحب بعيداً، وخرج بها من باب الشقة المكسور ليهبط درجات السلالم العتيقة وسط حراسة مشددة من رجاله الذين انتشروا في كل زاوية من زوايا المبنى. كانت ملامحه حادة وصارمة تعكس فوزه بالجائزة الكبرى في هذه الليلة الدموية؛ فقد تحول هوسه بها من مراقبة عن بعد إلى امتلاك جسدي ونفسي مباشر.

خرج إلى الزقاق المظلم حيث كانت تقف سيارات الدفع الرباعي السوداء والمدرعة، ومصابيحها تشتعل بقوة لتبدد عتمة الليل ورذاذ المطر الناعم الذي بدأ يغسل شوارع فلورنسا مجدداً. فتح الحارس الشخصي باب السيارة الفارهة الخلفي بسرعة، فوضع أليساندرو إيلينا بالداخل برفق شديد يتناقض مع قسوة خطفها، ثم صعد بجانبها وأغلق الباب الحديدي الثقيل ليعزل عوالمهم تماماً عن الخارج.

تحركت القافلة المدرعة بسرعة وانسيابية عبر شوارع فلورنسا الحجرية القديمة، متجهة نحو التلال العالية المحصنة حيث يقبع قصر عائلة الكامورا.

داخل السيارة التي كان يلفها صمت خانق ومخيف، كانت إيلينا تجلس ملتصقة بنوافذ الزجاج المعتم في أقصى الزاوية، ويدها تلامس شفتها الممزقة الدافئة بالدم، وعيناها العسليتان تراقبان أضواء المدينة الساحرة وهي تبتعد وتتلاشى تدريجياً خلف ضباب الشفق الفضي. شعرت بغصة حارقة في حلقها وبأن برودة سلاسل القدر قد أطبقت حول عنقها بالفعل؛ فقد غادرت محرابها الآمن وماتت حياتها القديمة كمرممة لوحات عادية، ودخلت رسمياً إلى عرش الظلام.

التفتت بنظراتها المنهكة نحو أليساندرو الجالس بجانبها بكامل هيبته ووقاره الأرستقراطي البارد. كان يضع يده اليمنى الموشومة على ركبته، وعيناه الرماديتين تحدقان في أفق فلورنسا عبر النافذة الأمامية بركود مخيف يملؤه النصر والهوس المطلق. لم يكن ينظر إليها، لكن وجوده الضخم وأنفاسه الثقيلة كانت تطوقها وتملأ الغرفة الفارهة للسيارة بنبرة الخطر والتعلق السري الذي لا يرحم.

كان هذا الفراق المؤقت عن عالمها القديم هو البداية الحقيقية لرحلتها في دهاليز المافيا، رحلة لن تكون فيها مجرد منقذة عابرة للزعيم الشاب، بل ستصبح الأسيرة والملكة واللعنة التي ستشعل حرباً شاملة بين قياصرة الجريمة في إيطاليا، بعد أن أجبر وحش الشمال نقاءها على دخول ناره، وأعلن رسمياً عن بدء عصر "الظل" في حياة "حارسة التاريخ" داخل أسوار قلعته المحصنة التي لا تعرف معنى الرحمة أو النسيان.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status