Home / مافيا / الظل / سكون ما قبل الحريق

Share

سكون ما قبل الحريق

last update publish date: 2026-06-04 07:10:09

انتصف الليل فوق تلال "فيسولي" المظلمة، فغلّف السكون الحذر أرجاء الجناح الغربي للقصر، وبدت أضواء المصابيح الجدارية الخافتة كخيوط من الذهب الشاحب ترسم ظلالاً متطاولة فوق الرخام الأسود الممتد. في قلب الباحة الخارجية، كانت محركات السيارات المدرعة للقافلة العسكرية تطلق هديراً مكتوماً ورتيباً، يعلن عن اقتراب لحظة التحرك الكبرى نحو إقليم "لوكا" لتصفية حسابات الخيانة وإبادة معاقل الدون ماتيو والمستشار باولو بالدم والنار.

داخل غرفتها الشاسعة والمعزولة، وقفت إيلينا أمام النافذة الزجاجية العريضة، مرتدية ثوباً مخملياً دافئاً بلون الليل، غطى ذراعها الأيمن حيث لا يزال جرحها الصغير يحمل أثر الرصاصة الطائشة. كانت أصابعها النحيلة تطوق الغلاف الفضي لولاعته، وعيناها العسليتان تحدقان في عتمة الأشجار بالخارج بشجن مرير وترقب مشحون بالخطر الوشيك، حين سُمعت دقات صامتة ومنتظمة لحركة خطوات ثقيلة تقترب من عتبة بابها الداخلي.

انفتح الباب ببطء وانسيابية مهيبة، ليدخل من خلاله أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة التي كانت تملأ المكان مهابة وطغياناً. لم يكن يرتدي سترة الحرب التكتيكية ولا معطفه الصوفي؛ بل كان يرتدي قميصاً حريرياً أسود اللون يطوق خاصرته وصدره العريض، وعيناه الرماديتان الباردتان تنضحان ببريق الهوس الأعمى والتملك المطلق الذي خبا خلفه كبرياؤه الوحشي لأول مرة منذ أن عَمّدت أصابعها جرحه بالدم.

سار نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومتعثرة جزئياً بفعل الضعف والنزيف المخفي الذي يعتصر أحشاءه سراً، حتى وقف خلف ظهرها مباشرة، ليفصل بين جسديهما مليمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والدم الدافئ. أحاطت ظلال قامته الفارهة بـجسدها الرقيق بالكامل، لتشعر إيلينا بـتلك القشعريرة الباردة والمألوفة تسري في أوصالها، وتجمدت الأنفاس في صدرها من فرط قربه الجسدي والنفسي الحاد والمفاجئ.

لم تلتفت نحوه، وظلت عيناها العسليتان معلقتين بالزجاج البارد، ونبست بصوت خافت، مبحوح، ويحمل بحة الوجع المكتوم: "القافلة تنتظرك بالأسفل يا سيد أليساندرو.. والبنادق جاهزة لإشعال حريق جديد في لوكا، فما الذي جاء بـخطواتك المثقلة بالدم والوجع إلى محراب سجنها العاجي البارد في هذه الساعة؟"

تحركت يد أليساندرو الموشومة برأس الخنجر والتاج ببطء شديد يصارع به طعنات الألم الفظيع، ووضع كفه القوية الدافئة فوق كتفها الرقيق، وجر جسدها برفق شديد لتستدير بالكامل وتصبح في مواجهته مباشرة تحت الضوء الأصفر الخافت للمصباح. انحنى بقامته الفارهة نحو الأسفل، وثبت عينيه الرماديتين اللتين خلتا من الجبروت لتستقر فيهما لوعة التعلق السري والرجاء الخفي في عينيها العسليتين الواسعتين الصافيتين، ونبس بنبرة منخفضة للغاية، رخيمة، وتغلغلت في مسام روحها المعذبة: "جئتُ لأتزود بأنفاسكِ النظيفة قبل أن أهبط إلى جحيم المعركة يا إيلينا.. جئتُ لأتأكد من أن جرح ذراعكِ الصغير لم يعد ينزف، فدماء العالم بأكمله لا تساوي عندي قطرة واحدة تسيل من جسدكِ الرقيق النقي."

امتدت أصابعه الطويلة الموشومة بلمسات دافئة ورقيقة تتناقض تماماً مع طبيعته الوحشية، وتلمست بشرة ذراعها برقة بالغة، ثم ارتفعت ببطء شديد لـتداعب وجنتها الشاحبة وتزيح خصلات شعرها الكستنائي الناعم خلف أذنها بـلمسات تملؤها عاطفة جارفة وحنان حارق كسر كل حصونه النفسية العتيدة أمامها. انقبض قلب إيلينا بعنف، وتسارعت دقات قلبها المنهك بإيقاع مغاير ومجنون لم تعهده من قبل، وشعرت بـأن عواطفها بدأت تتداخل بشكل غامض ومخيف مع قدر هذا الرجل الذي يتأهب لحرق الأرض لأجلها؛ فالخوف من بطشه تحول في أعماق روحها الملتوعة إلى ترقب مشحون بالفضول الإنساني والجاذبية المظلمة التي تذيب آخر بقايا عنادها المكسور.

لم تتراجع، ولم تسحب وجهها من بين أنامله الدافئة؛ بل رفعت عينيها الغارقتين بـالدموع الصافية لتنظر في عمق رماديتيه، وقالت بصوت مرتجف يملؤه الشجن والتعلق السري: "أنت مجنون يا أليساندرو.. هوسك بي وتملكك المطبق لروحي يخيفني لدرجة تشل حركتي، ومع ذلك.. وأنا أنظر إليك الليلة وأرى شحوب وجهك ونزيف خاصرتك لأجلي، أشعر بـغصة حارقة في صدري تختلط برغبة سرية وغامضة في ألا تتركني بمفردي في هذا الظلام، وبأن دفء كفيك الموشومتين بات الملاذ الوحيد الذي يطرد الخوف من عظامي."

امتدت يده الأخرى لتطوق خصرها الرقيق بعناية بالغة، وجذب جسدها بكامل ثقله نحو صدره العريض الصخري، لتلتصق به بالكامل وتشعر بـضربات قلبه المتسارعة والدافئة وهي تصطدم بـصدرها المنهك. انحنى برأسه العريض أكثر، واقتربت أنفاسه الحارة من شفتيها الحادتين لدرجة شعورها بحرارة الحب والتملك المطلق التي تحركه كالآلية الحارقة؛ أغمض عينيه الرماديتين واستسلم لـجاذبيتها الطاهرة، وحاول بـرقة بالغة وشغف مجنون تقبيل شفتيها لـيعمد عهدهم الصامت بلسمة حقيقية تذوب فيها فظاعة الحروب والمجازر.

لامست شفتيه شفتيها لثوانٍ خاطفة ممتدة، لبرهة من الزمن بدا فيها العالم كأنه يتوقف وينكمش داخل تجاويف غرفتهما المعزولة، وتداخلت أنفاسهما العذبة بـتقارب جسدي ونفسي حاد ومفاجئ أطاح بـكل قوانين المافيا وبراءتها الفنية خطوة بخطوة. شعرت إيلينا بـحرارة شفتيه تخترق روحها المعذبة لتفرز سكينة دافئة طردت أشباح السراديب السفلية، وقبضت بكلتا يديها النحيلتين على قميصه الحريري الأسود لتدعمه وتستمد من دفئه القوة التي تحتاجها لمواجهة الكابوس القادم.

وفجأة، وفي وسط هذه الذروة الوجدانية الحادة والالتحام الجسدي النقي، وبينما كان أليساندرو يغرق في عذوبة ملمسها، تحرك جسده الضخم بحركة ارتدادية مفاجئة؛ لقد تسببت حركة ضغطه على خصرها في تمزق إضافي وعنيف لبعض الغرز الطبية الداخلية في خاصرته الأيمن. انبعثت طعنة ألم فظيعة وصاعقة اخترقت أحشاءه وكأنها خنجر مسموم، لـتخمد أنفاسه في حنجرته ويطلق زئير وجع مكتوم ورنان، وتراجع خطوات متعثرة إلى الوراء وهو يمسك بجانبه الأيمن بقوة مرعبة، ووجهه الرجولي الحاد كسته ملامح شحوب الموت والإنهاك الجسدي الشامل.

اندفعت الدماء الدافئة والغزيرة لتغمر الشاش الأبيض وتخترق قماش قميصه الأسود الثمين في ثوانٍ معدودة، وتصبغ ثيابها المخملية الناعمة مجدداً بـاللون القرمزي النازف، ليعيد جحيم الواقع المطبق فرض شروطه القاسية فوق لحظاتهم السحرية الخاطفة. اندفعت إيلينا نحوه بـذعر حاد وخوف صادق صدم وعيها الساكن، وأمسكت بـذراعه العضلية الضخمة لتدعم جسده الفاره ومنعه من السقوط فوق الأرضية، وعيناها العسليتان تتأملان النزيف الجديد بغصة حارقة في صدرها المنهك.

"أليساندرو! خاصرتك تنزف مجدداً.. لقد تمزقت الغرز بالكامل!" صرخت بصوت مرتجف يملؤه التوتر واللوعة، واضعة كفها الباردة النظيفة فوق موضع جرحه المحترق لتحاول كبح تدفق الدم بأصابعها النحيلة المرتعشة.

تشنج فك أليساندرو بصرامة وحشية، واشتعل بريق رماديتيه بنار التحدي والعنفوان الصلب الذي يرفض الانحناء أو إظهار أبسط لمحة من الضعف الجسدي أمامها. أحكم قبضته الموشومة على معصمها، وضغط عليها بثبات صخري ركود ونظر في عمق عينيها العسليتين بنظرة تملكها هوس أعمى وعاطفة وحشية لا ترحم، ونبس بحشرجة خافتة، متهدجة، وتحمل بحة السلطة الأرستقراطية الباردة: "لا تخافي من هذا الدم يا إيلينا.. فالألم الذي يأتيني من قربكِ الجسدي هو الوجود الوحيد الذي يشعرني بأنني لا أزال بشرياً أتنفس في هذا المسلخ المظلم. هذا النزيف هو العهد والقبلة التي لم تكتمل الليلة، وسأركب سيارتي المدرعة وأقود الجيوش نحو لوكا بهذا الجرح المفتوح، لأثبت للقدر وللخونة بالخارج أن ظلي لا ينكسر، وبأن ناري ستبيد عروشهم بالكامل لـأعود إليكِ وأفرض تملكي فوق أنفاسكِ إلى الأبد."

انفتح الباب الخشبي للجناح بعنف شديد، ليندفع من خلاله ماركو بـملامحه القاسية الصارمة، صائحاً بـأمر عاجل كسر سكون غرفتهما: "دون أليساندرو! القافلة العسكرية جاهزة بالكامل وفصائل النخبة الأولى تنتظر إشارتك في السيارات المدرعة! لقد حانت ساعة الصفر والزحف نحو لوكا قد بدأ رسمياً الليلة!"

استدار أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة بثبات صخري أذهل ماركو نفسه، مسحاً عرق الوجع عن جبينه العريض بيده، وقبض بقوة على كف إيلينا النظيفة ليسحب جسدها الرقيق بجانبه بـآلية حارقة لا تقبل النقاش، وقادها صعوداً وهبوطاً نحو الممرات الخارجية للقصر، مخلّفين وراءهم دفء الغرفة المعزولة ليدخلوا معاً في عتمة السيارات المدرعة الشاسعة التي ستقودهم نحو معركة الفناء والإبادة الجديدة بالخارج، لتنتهي سطور الفصل الخامس بـبدء الزحف الدموي العنيف وبفرض السيادة المطلقة للظل بجانب معشوقته النظيفة التي غدت الأنفاس والعهد والملكة غير المتوجة لإمبراطورية الكامورا التي لا تعرف معنى الرحمة أو النسيان.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status