Home / مافيا / الظل / خيوط القدر

Share

خيوط القدر

last update publish date: 2026-05-23 03:12:31

استحالت فلورنسا مع اقتراب خيوط الفجر الأولى إلى مدينة من الضباب الشاحب، كأنما تلاشت معالمها الأثرية خلف ستار من الأسرار والغموض. لم يعد صوت الرعد بالخارج بتلك العنفوانية التي كان عليها قبل ساعات، بل تحول إلى دوي خافت وبعيد، يتردد صداه بين الجبال المحيطة بإقليم توسكانا كأنه زئير وحش جريح ينسحب ببطء نحو جحره. كانت حبات المطر قد تحولت إلى رذاذ ناعم وبارد، يداعب زجاج النوافذ في شقة (إيلينا) برقة متناهية، تاركاً قطرات مائية صغيرة تنساب كاللآلئ فوق أسطح الزجاج البارد. كان السكون الذي حلّ على المكان ثقيلاً، مشحوناً برائحة الموت والولادة الجديدة التي جرت تفاصيلها فوق تلك الأرضية الخشبية العتيقة.

كانت إيلينا لا تزال جالسة على الأرض، مستندة بظهرها إلى جدار الردهة البارد، وعيناها العسليتان تحدقان في الفراغ بركود يملؤه الذهول والإنهاك الشديد. كانت يدها الرقيقة، الملوثة ببعض بقع الدم الجاف، ترتجف قسراً كلما نظرت إلى الرجل الضخم الراقد أمامها. لم يكن نومها القصير الذي خطفته في اللحظات الأخيرة كافياً ليريح جسدها أو يهدئ عقلها الثائر؛ بل كان أشبه بكابوس متصل استيقظت منه لتجد الواقع أكثر غرابة وتخويفاً من أي حلم.

نظرت إلى (أليساندرو)؛ كان جسده ممدداً بكامل طوله، وصدره العريض يرتفع وينخفض ببطء وثبات، يعلن عن انتصاره المؤقت في معركته الشرسة ضد الفناء. الشاش الأبيض الذي لفت به خاصرته كان لا يزال ناصعاً، باستثناء بقعة صغيرة وردية اللون في المنتصف، طمأنتها إلى أن غرزها الطبية الدقيقة قد نجحت في إغلاق مجرى النزيف المروّع. وجهه الشاحب، الذي كان قبل ساعات يشبه بياض الرخام الميت، بدأت تدب فيه حمرة طفيفة ودافئة، تعكس عودة الدورة الدموية إلى مسارها الطبيعي. كانت ملامحه الحادة في حالة سكون مؤقت، لكنه سكون لا يوحي بالراحة؛ بل كان أشبه بهدوء سلاح محشو بالرصاص، ينتظر أبسط لمسة لينفجر.

استسلمت إيلينا لمونولوغها الداخلي، وهو حوار فصيح وعميق كانت تتقاسم فيه أفكارها مع جدران بيتها الصامتة: "ما الذي اقترفته يداي في هذه الليلة العاصفة؟ هل أنقذتُ إنساناً، أم أنني أيقظتُ شيطاناً كان الأجدر به أن يرحل في صمت؟ هذا الوشم الممتد على ذراعه كالأفعى السوداء.. إنه ليس مجرد حبر، إنه صك ملكية لعالم لا يعرف الرحمة. عائلة الكامورا.. المافيا التي نسمع عن فظائعها في نشرات الأخبار ونقرأ عنها في روايات الرعب، أصبحت اليوم مستلقية في قلب محرابي الآمن. إذا عاد إليه وعيه، هل سيرى فيّ منقذة أم شاهداً يجب التخلص منه؟"

تنهدت بعمق، وشعرت بغصة حارقة في حلقها. وقفت ببطء، مستندة بالجدار لتدعم قدميها اللتين تخور قواهما من فرط التعب والتوتر. سارت نحو الحمام، وفتحت صنبور المياه، وبدأت تغسل يديها بالصابون والمطهر بعنف، كأنها تحاول غسل آثار الليلة بأكملها من فوق جلدها. كانت تراقب الماء الأحمر وهو ينساب في البالوعة، وشعرت بأن براءتها وعزلتها القديمة تندفعان مع ذلك الماء إلى غير رجعة. نظرت إلى مرآتها؛ كانت عيناها العسليتان محاطتين بهالات سوداء من السهر والخوف، ووجهها يحمل تعابير امرأة واجهت المجهول بمفردها وخرجت منه بنصف روح.

عادت إلى الردهة، وحملت وعاء الماء الملوث والقطع القطنية المستعملة، ونظفت المكان بدقة بالغة، مستخدمة مهاراتها كممرمة فنية تعيد الأسطح إلى نقائها الأصلي. كانت حريصة على ألا تترك أثراً واحداً للدماء، ليس خوفاً من الشرطة، بل خوفاً من أن يظل رمز الموت عالقاً في بيتها. بعد أن انتهت، أحضرت غطاءً صوفياً دافئاً وثقيلاً، واقتربت من أليساندرو بحذر شديد، كمن يقترب من أسد هامد، ووضعت الغطاء فوق جسده بلطف، متجنبة لمس جرحه.

في تلك اللحظة، وبينما كانت تسحب يدها بسرعة، تحرك أليساندرو حركة مفاجئة وطفيفة. انقبضت عضلات فكه العريض، وصدر عنه أنين عميق ومكتوم، أشبه بزئير منخفض يأتي من أعماق سحيقة. تحركت يده اليمنى، الموشومة بالخنجر والتاج، لتقبض بقوة على الهواء كأنه يبحث عن سلاحه المفقود، قبل أن ترتخي أصابعه الطويلة مجدداً وتستقر فوق الأرض.

تراجعت إيلينا إلى الخلف بسرعة، ونبضات قلبها تسارعت لتدق كالطبول في صدغيها. حبست أنفاسها وهي تراقبه، ظانة أنه سيفتح عينيه في أي لحظة. لكنه ظل غارقاً في برزخه بين الوعي والغياب.

أخذت خطوت وتوجهت نحو غرفتها الفنية، حيث يقبع حامل اللوحة الزيتية القديمة التي كانت تعمل عليها قبل أن ينقلب عالمها. جلست على مقعدها الخشبي المرتفع، وأمسكت بفرشاتها دون أن تغمسها في الألوان. نظرت إلى لوحة القديس المجهول؛ كانت عيناه المليئتان بالرجاء تبدوان وكأنهما تعاتبانها أو تحذرانها من القادم.

تحدثت في نفسها بنبرة يملؤها الشجن: "أيها القديس الراقد في لوحتك منذ قرون، أنت تعلم معنى المعاناة، وتعلم أن الإنقاذ ليس خطيئة أبداً. لقد نذرتُ نفسي لإعادة الحياة للأشياء الميتة، وجسد هذا الغريب لم يكن سوى لوحة فنية ممزقة وممزوجة بالدماء، تطلب من يرممها. لم يكن يسعني أن أغلق الباب.. لم يكن يسعني أن أكون القاتلة بالصمت. ولكن، هل سيغفر لي القدر هذه الهفوة الإنسانية، أم أنني سأدفع ثمن طهارتي دماً وناراً؟"

كان الصراع النفسي داخل إيلينا يشتد مع مرور الدقائق. كانت تفكر في الهروب؛ أن تترك شقتها وتخرج إلى الشارع، وتلجأ إلى أي مكان آمن حتى يستيقظ هذا الرجل ويرحل. لكن فكرة تركه وحيداً وعاجزاً، وهو في هذه الحالة التي قد تعرضه لانتكاسة صحية أو نزيف جديد، كانت تتنافى تماماً مع مبادئها ونشأتها. كانت تعلم أن رقتها ليست ضعفاً، بل هي مصدر قوتها التي مكنتها من الصمود أمام فظاعة الحادث القديم الذي أودى بحياة عائلتها.

مرت ساعتان أخريان في هذا الانتظار الثقيل والمضني. انقشع الظلام تماماً، وحلّ الفجر التوسكاني الفضي، ليرسل أشعته الباردة والخافتة عبر النوافذ، لتخترق ضباب الغرفة وتلقي بظلال طويلة ومعقدة فوق الأرضية. كان هذا الوقت هو المفضل لدى إيلينا؛ وقت السكينة التامة حيث تبدأ المدينة بالاستيقاظ ببطء. لكن اليوم، كان الفجر يحمل نبرة مختلفة، نبرة ترقب مشوب بالخطر.

قررت إيلينا أن تصنع بعض الشاي الدافئ لتهدئة أعصابها المنهكة. توجهت إلى المطبخ الصغير، وأشعلت الموقد، واستمعت إلى صوت غليان الماء الذي كان الصوت الطبيعي الوحيد في هذا البيت المحتقن. صبت الشاي في كوب خزفي عتيق، وأمسكت به بشتى يديها لتمتص حرارته، معيدة بعض الدفء إلى أصابعها التي جمدها الخوف.

بينما كانت تقف في المطبخ، عاد عقله ليحلل هوية الغريب. أليساندرو.. لم تكن تعرف اسمه بعد، لكن ملامحه وبنيته والوشم وثيابه الفاخرة، كلها كانت تشير إلى أنه ليس مجرد جندي عادي في صفوف المافيا. الملابس المصنوعة يدوياً من أفخم أنواع الأقمشة الإيطالية، الساعية الثمينة التي كانت تطوق معصمه والتي تلطخت بالدماء، والبرود الذي كان ينضح من ملامحه حتى وهو غائب عن الوعي؛ كل هذه التفاصيل كانت تؤكد لها أنها التقت برأس الأفعى، برجل يجلس في قمة الهرم المظلم.

قالت في مونولوجها: "الرجال مثله لا يقعون بالصدفة على عتبات البيوت، إلا إذا كانت الخيانة قد طعنتهم في الظهر. إنه طريد.. وحش جريح يفر من صياديه. وإذا كان الصيادون يملكون القوة لملاحقته حتى هنا، فإن هذا البيت الصغير لن يحميني ولن يحميه. أنا الآن أقف على حافة الهاوية، وخطوة واحدة خاطئة قد تهوي بي إلى قاع الجحيم الذي يعيش فيه."

رغم هذا الرعب، كان هناك شعور خفي وغريب يتسلل إلى أعماقها، شعور لم تفهمه ولم تجرؤ على الاعتراف به لنفسها. كانت هناك جاذبية مظلمة تنبعث من ذلك الرجل؛ جاذبية تكمن في التناقض الصارخ بين عالمها النقي والهادئ وعالمه المليء بالعنف والدمار. كانت ملامحه الوسيمة والقاسية في آن واحد تبدو وكأنها تتحدى رقتها، وتثير فضولها المعرفي والإنساني لمعرفة ما خلف هذا القناع الصخري.

خرجت من المطبخ وهي تحمل كوب الشاي ببطء، وعادت إلى الردهة حيث يرقد أليساندرو. جلست على مقعد خشبي صغير يقع على مسافة آمنة منه، وظلت ترقبه بعينين ساهرتين ومليئتين بالتساؤلات.

بدأت أنفاس أليساندرو تتغير في هذه اللحظات؛ أصبحت أكثر تسارعاً، وبدأ جسده يفرز عرقاً بارداً يعكس صراعه الداخلي للعودة إلى الوعي. كانت تقاطيع وجهه تنقبض وتنبسط بحركات سريعة ومتتالية، كأنه يخوض معركة عنيفة في أحلامه ضد الأشباح التي تلاحقه. تحركت شفته السفلى قسراً، ونبس بكلمات غير مفهومة، بصوت متحشرج وعميق زاد من رهبة المكان.

اقتربت إيلينا منه قليلاً، مدفوعة بفضولها وبواجبها الإنساني كممرضة مؤقتة له. انحنت بجانبه، ووضعت يدها الرقيقة فوق جبهته العريضة لتقيس حرارته. كانت بشرته ساخنة للغاية، تعلن عن بداية حمى خفيفة ناتجة عن صدمة الجرح وفقدان الدماء.

عندما لامست أصابعها الناعمة والباردة جبهته المشتعلة، حدث شيء غير متوقع. هدأ أليساندرو فجأة، وانبسطت أسارير وجهه المنقبضة بحركة انسيابية غريبة، كأن لمستها كانت ترياقاً سحرياً طرد الأشباح من عقله وثبت السكينة في روحه الملتوعة. كانت هذه اللمسة بمثابة خيط الحرير الأول الذي يربط بين عالمين متناقضين تماماً؛ عالم الظل والدم، وعالم النور والفن.

تأملت إيلينا وجهه عن قرب في هذه اللحظة الخاطفة. رأت الندبة الصغيرة على وجنته اليسرى، وفكرت في الحكاية التي تختبئ خلفها. رأت رموشه السوداء الطويلة والكثيفة التي كانت تغطي عينيه الرماديتين المخيفتين، وفكرت في النظرات التي ستستقبلها عندما يفتح تلك الأجفان. شعرت برغبة عارمة في النفاذ إلى روحه، في معرفة كيف يمكن لرجل بهذه الوسامة والمهابة أن يكون مصدراً للرعب والموت لآلاف البشر.

ابعدت يدها ببطء، وشعرت بحرارة جبهته لا تزال عالقة في أطراف أصابعها، حرارة غريبة سرت في جسدها لتجعل قلبها ينبض بطريقة لم يعهدها من قبل. عادت إلى مقعدها، ووضعت كوب الشاي الذي أصبح بارداً الآن، وأسندت رأسها إلى الجدار، ممررة عينيها بين لوحاتها الفنية وجسد الرجل الراقد أمامها.

قالت في نفسها بالفصحى وهي تغلق جفنيها ببطء لتستقبل اللحظات الأخيرة من الانتظار: "القدر لا يلقي بالأشياء عبثاً يا إيلينا. هذا الرجل لم يأتِ إلى بابكِ لأن الشوارع ضيقة، بل لأن هناك حكاية قديمة كُتبت في لوح الغيب، وحان وقت قراءتها. لقد رممتُ جسده المصاب بالرصاص.. ولكنني أشعر أن الصراع الحقيقي سيبدأ عندما يستيقظ هذا الوحش، وعندها لن تكون الألوان والشاش كافية لحمايتي من ناره."

ومع بزوغ الشمس بالكامل، واختفاء الضباب الفلورنسي تدريجياً ليحل محله ضوء الصباح الذهبي الدافئ، بدأت جفون أليساندرو تتحرك ببطء شديد وبصعوبة بالغة. كانت تلك الحركة بمثابة إعلان رسمي عن انتهاء فصل وبدء فصل جديد من حياتهما سويا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   مجالس المال

    ما إن أُسدل الستار على جلسة التوقيع الكبرى في قاعة العرش الاستراتيجية بقصر الكامورا، واستقرت بنود "ميثاق الشمال" في يد القيادة العليا، حتى انتقل ثقل الأحداث والاهتمامات الإمبراطورية إلى صالون الاستقبال الملكي الفسيح؛ حيث كان أباطرة المال، كبار المستثمرين، ونُبلاء الأقاليم التجارية المجاورة ينتظرون بلهفة بالغة وترقب حذر للحصول على موطئ قدم أو حصة استثمارية في العهد القيصري الجديد. لم تكن العاصمة روما تحكم بالسلاح والحديد وحدهما، بل كان الاقتصاد والأسواق هما الركيزة الكبرى التي تُبنى عليها دعائم الإمبراطورية، وهو ما أدركه أليساندرو جيداً حين قرر أن تدار عمليات إعادة الاعمار التجاري تحت رقابة صارمة ومباشرة من شفرات عقل ملكته.امتد الصالون الملكي الفسيح بأعمدته الرخامية السوداء الضخمة المطرزة بصفائح الفضة الخالصة والنوافذ القوسية الطويلة التي تعكس أشعة الشمس المائلة على الأرضيات المرمرية المصقولة بدقة، بينما انسابت في الخلفية نغمات أوركسترا كلاسيكية هادئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة تليق بحجم التحولات التاريخية الكبرى. وفي منتصف المنصة الهندسية المرتفعة، وقفت إيلينا ب

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار. كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار.كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من الكريستال النمساوي الثق

  • الظل   سكون العواصف

    انحسرت آخر ظلال المواجهة الميدانية والدماء المتناثرة عن أفق العاصمة روما، لـتستقر الإمبراطورية في هدوء أرستقراطي مهيب وعميق يعكس ثبات العرش القيصري وسطوة الكامورا التي لا تقهر ولا تلين، وكأن التاريخ يكتب فصوله الجديدة بمداد من حديد وذهب. وفي هذا المساء الاستثنائي الذي لفّ أسوار قصر الكامورا المصفح والمعلق بـكبرياء فوق هضاب التافر، تراجعت حدة التوتر العسكري والإنذارات الاستخبارية الحادة لـتفسح المجال أمام أفق زمني جديد ومجيد تتشكل فيه ملامح السلام الأبدي وإعادة صياغة مقدرات الشمال بـأكمله، تحت راية القيصر أليساندرو ورفيقته الملكة إيلينا، لـتطوي المدينة صفحة الصراعات الدامية وتفتح أبواب العصر الذهبي للسيادة المطلقة والتشييد الإمبراطوري الشامل.كانت الحديقة الخلفية للقصر تحفة بصرية ناطقة بالفخامة الإيطالية العتيقة والمهابة المطلقة؛ إذ تتوسطها نافورة أثرية منحوتة بـدقة من حجر البازلت الأسود الصخري، تتدفق منها مياه نقية متدفقة تعكس أضواء المشاعل النحاسية الموزعة بانتظام دقيق على طول الممرات المرمرية الواسعة والأعمدة الرخامية المرتفعة التي تحمل تاريخ العائلات المالكة. وفي قلب هذه

  • الظل   مواثيق المستثمرين

    لم تكد شمس الفجر الذهبية تعلن اكتمال التطوير الأمني وتأمين القطاعات التحتية لـأنفاق العاصمة روما، حتى تحولت الشرفات الملكية والأروقة المصفحة لـقصر الكامورا الإمبراطوري إلى مقصدٍ لـكبار المستثمرين، أباطرة التجارة، ونُبلاء الأقاليم المجاورة الذين سارعوا لـحجز موطئ قدم لهم في العهد القيصري الجديد. كانت الرغبة العارمة في ضخ رؤوس الأموال وإعادة بناء الأسطول التجاري عبر الموانئ الشمالية هي العنوان الأبرز لـهذا الحشد الأرستقراطي، عقب القضاء الشامل على ابتزاز المحفل المظلم وتطهير أحياء المدينة من شبكات الجريمة والتسلل.امتد الصالون الإمبراطوري الشاسع بـأعمدته الرخامية السوداء المطرزة بـالفضة ونوافذه القوسية الضخمة التي تعكس زهاء النهار على الثريات الكريستالية الثقيلة، حيث انسابت نغمات أوركسترا كلاسيكية دافئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة. وفي منتصف الشرفة القيصرية الشامخة المطلة على ضفاف نهر التافر والجسر الإمبراطوري العتيق، التفت النخب المالية حول المنصة الهندسية التي وضعتها الملكة إيلينا لـعرض مخططات التطوير الهيكلي لـلأسواق والموانئ، وسط حراسة مشددة من فرسان الشمال المصف

  • الظل   حصاد التطهير

    لم تكن الساعات الأولى التي تلت صدور أوامر الإغلاق الهيدروليكي وتأمين المحاور التحتية لـأنفاق العاصمة سوى ملحمة حاسمة كشفت عن السطوة المطلقة لـعرش الكامورا الجديد؛ حيث استكملت فرسان القيصر المصفحة عملية التمشيط الدقيقة في الأحياء العتيقة والقطاعات المتاخمة لـنهر التافر. تهاوت آخر المعاقل الخفية التي اختبأت فيها فلول المحفل المظلم، لـتُسحب أدوات الابتزاز، والخرائط المزورة، وشحنات السلاح غير المشروعة تحت الحراسة العسكرية المشددة، ويتحول الليل الداجي في روما إلى فجر قاطع أزاح عن صدر المدينة أطياف الخيانة والذعر إلى غير رجعة.في قاعة العرش والمراقبة العليا بـالبرج الإمبراطوري الشامخ، كانت الأجواء المفعمة بـالترقب القتالي تبث الدفء والمهابة الصارمة في الأثير. تناثرت المخطوطات الهندسية المحدثة والتقارير الميدانية النهائية فوق الطاولة الأبنوسية العملاقة المطرزة بـالفضة والرخام الأسود، بينما انعكست أضواء القناديل الكريستالية الدافئة على الأسوار العتيقة والمقاعد الجلدية الفاخرة التي شهدت صياغة الدستور السري لـالحكم القيصري. خفت صدى أجهزة الاتصالات التكتيكية لـتفسح المجال أمام هدوء أر

  • الظل   عتبات الجحيم العاجي

    كانت سيارات الدفع الرباعي السوداء والمدرعة تشق طريقها الصاعد عبر المنحدرات المتعرجة لتلال "فيسولي" كأنها قطيع من الوحوش الحديدية التي تفر من أضواء فلورنسا المتلاشية في الأفق. كان رذاذ المطر الناعم يضرب النوافذ الزجاجية المعتمة للسيارة الخلفية الفارهة، ليرسم خطوطاً مائية متعرجة تشبه الندوب ال

  • الظل   إلى عرش الظلام

    كانت الدقائق التي تلت تلك المجزرة الرهيبة تمر على إيلينا كأنها مسامير من الجليد تُدق في وعيها المنهك. لم تعد تشعر ببرودة الأرض الخشبية تحت جسدها، ولا برذاذ المطر الناعم الذي بدأ يتسلل مجدداً عبر النوافذ المحطمة ليمتزج بغبار الجدران المتداعية. كان كل ما يحيط بها قد استحال إلى رماد؛ لوحاتها ال

  • الظل   انكسار الحصن

    لم يكن السكون الذي لفّ شقة إيلينا في تلك الليلة سوى غشاء رقيق يخفي خلفه مخالب الموت. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وتحولت أزقة فلورنسا القديمة إلى سراديب من العتمة التي لا يكسرها سوى وميض مصباح الشارع النحاسي الشاحب، الذي كان يرسل ضوءاً أصفر مريضاً يرتعش عبر زجاج نافذتها. كان الهو

  • الظل   أنفاس العدو

    في الجانب الجنوبي من إقليم توسكانا، حيث تلتقي التلال الخضراء بظلال قلاع روما القديمة، كان يمتد معقل عائلة "ليون"، العدو اللدود الذي لا ينام لشبكة الكامورا. في قصر ريفي مهيب يحيطه الغموض، كان يجلس (ليون) خلف طاولة بلياردو مصنوعة من الخشب العتيق، يمسك بعصا اللعب ويوجه ضربات قاسية ومركزة للكرات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status