Accueil / مافيا / الظل / خيوط القدر

Partager

خيوط القدر

last update Date de publication: 2026-05-23 03:12:31

استحالت فلورنسا مع اقتراب خيوط الفجر الأولى إلى مدينة من الضباب الشاحب، كأنما تلاشت معالمها الأثرية خلف ستار من الأسرار والغموض. لم يعد صوت الرعد بالخارج بتلك العنفوانية التي كان عليها قبل ساعات، بل تحول إلى دوي خافت وبعيد، يتردد صداه بين الجبال المحيطة بإقليم توسكانا كأنه زئير وحش جريح ينسحب ببطء نحو جحره. كانت حبات المطر قد تحولت إلى رذاذ ناعم وبارد، يداعب زجاج النوافذ في شقة (إيلينا) برقة متناهية، تاركاً قطرات مائية صغيرة تنساب كاللآلئ فوق أسطح الزجاج البارد. كان السكون الذي حلّ على المكان ثقيلاً، مشحوناً برائحة الموت والولادة الجديدة التي جرت تفاصيلها فوق تلك الأرضية الخشبية العتيقة.

كانت إيلينا لا تزال جالسة على الأرض، مستندة بظهرها إلى جدار الردهة البارد، وعيناها العسليتان تحدقان في الفراغ بركود يملؤه الذهول والإنهاك الشديد. كانت يدها الرقيقة، الملوثة ببعض بقع الدم الجاف، ترتجف قسراً كلما نظرت إلى الرجل الضخم الراقد أمامها. لم يكن نومها القصير الذي خطفته في اللحظات الأخيرة كافياً ليريح جسدها أو يهدئ عقلها الثائر؛ بل كان أشبه بكابوس متصل استيقظت منه لتجد الواقع أكثر غرابة وتخويفاً من أي حلم.

نظرت إلى (أليساندرو)؛ كان جسده ممدداً بكامل طوله، وصدره العريض يرتفع وينخفض ببطء وثبات، يعلن عن انتصاره المؤقت في معركته الشرسة ضد الفناء. الشاش الأبيض الذي لفت به خاصرته كان لا يزال ناصعاً، باستثناء بقعة صغيرة وردية اللون في المنتصف، طمأنتها إلى أن غرزها الطبية الدقيقة قد نجحت في إغلاق مجرى النزيف المروّع. وجهه الشاحب، الذي كان قبل ساعات يشبه بياض الرخام الميت، بدأت تدب فيه حمرة طفيفة ودافئة، تعكس عودة الدورة الدموية إلى مسارها الطبيعي. كانت ملامحه الحادة في حالة سكون مؤقت، لكنه سكون لا يوحي بالراحة؛ بل كان أشبه بهدوء سلاح محشو بالرصاص، ينتظر أبسط لمسة لينفجر.

استسلمت إيلينا لمونولوغها الداخلي، وهو حوار فصيح وعميق كانت تتقاسم فيه أفكارها مع جدران بيتها الصامتة: "ما الذي اقترفته يداي في هذه الليلة العاصفة؟ هل أنقذتُ إنساناً، أم أنني أيقظتُ شيطاناً كان الأجدر به أن يرحل في صمت؟ هذا الوشم الممتد على ذراعه كالأفعى السوداء.. إنه ليس مجرد حبر، إنه صك ملكية لعالم لا يعرف الرحمة. عائلة الكامورا.. المافيا التي نسمع عن فظائعها في نشرات الأخبار ونقرأ عنها في روايات الرعب، أصبحت اليوم مستلقية في قلب محرابي الآمن. إذا عاد إليه وعيه، هل سيرى فيّ منقذة أم شاهداً يجب التخلص منه؟"

تنهدت بعمق، وشعرت بغصة حارقة في حلقها. وقفت ببطء، مستندة بالجدار لتدعم قدميها اللتين تخور قواهما من فرط التعب والتوتر. سارت نحو الحمام، وفتحت صنبور المياه، وبدأت تغسل يديها بالصابون والمطهر بعنف، كأنها تحاول غسل آثار الليلة بأكملها من فوق جلدها. كانت تراقب الماء الأحمر وهو ينساب في البالوعة، وشعرت بأن براءتها وعزلتها القديمة تندفعان مع ذلك الماء إلى غير رجعة. نظرت إلى مرآتها؛ كانت عيناها العسليتان محاطتين بهالات سوداء من السهر والخوف، ووجهها يحمل تعابير امرأة واجهت المجهول بمفردها وخرجت منه بنصف روح.

عادت إلى الردهة، وحملت وعاء الماء الملوث والقطع القطنية المستعملة، ونظفت المكان بدقة بالغة، مستخدمة مهاراتها كممرمة فنية تعيد الأسطح إلى نقائها الأصلي. كانت حريصة على ألا تترك أثراً واحداً للدماء، ليس خوفاً من الشرطة، بل خوفاً من أن يظل رمز الموت عالقاً في بيتها. بعد أن انتهت، أحضرت غطاءً صوفياً دافئاً وثقيلاً، واقتربت من أليساندرو بحذر شديد، كمن يقترب من أسد هامد، ووضعت الغطاء فوق جسده بلطف، متجنبة لمس جرحه.

في تلك اللحظة، وبينما كانت تسحب يدها بسرعة، تحرك أليساندرو حركة مفاجئة وطفيفة. انقبضت عضلات فكه العريض، وصدر عنه أنين عميق ومكتوم، أشبه بزئير منخفض يأتي من أعماق سحيقة. تحركت يده اليمنى، الموشومة بالخنجر والتاج، لتقبض بقوة على الهواء كأنه يبحث عن سلاحه المفقود، قبل أن ترتخي أصابعه الطويلة مجدداً وتستقر فوق الأرض.

تراجعت إيلينا إلى الخلف بسرعة، ونبضات قلبها تسارعت لتدق كالطبول في صدغيها. حبست أنفاسها وهي تراقبه، ظانة أنه سيفتح عينيه في أي لحظة. لكنه ظل غارقاً في برزخه بين الوعي والغياب.

أخذت خطوت وتوجهت نحو غرفتها الفنية، حيث يقبع حامل اللوحة الزيتية القديمة التي كانت تعمل عليها قبل أن ينقلب عالمها. جلست على مقعدها الخشبي المرتفع، وأمسكت بفرشاتها دون أن تغمسها في الألوان. نظرت إلى لوحة القديس المجهول؛ كانت عيناه المليئتان بالرجاء تبدوان وكأنهما تعاتبانها أو تحذرانها من القادم.

تحدثت في نفسها بنبرة يملؤها الشجن: "أيها القديس الراقد في لوحتك منذ قرون، أنت تعلم معنى المعاناة، وتعلم أن الإنقاذ ليس خطيئة أبداً. لقد نذرتُ نفسي لإعادة الحياة للأشياء الميتة، وجسد هذا الغريب لم يكن سوى لوحة فنية ممزقة وممزوجة بالدماء، تطلب من يرممها. لم يكن يسعني أن أغلق الباب.. لم يكن يسعني أن أكون القاتلة بالصمت. ولكن، هل سيغفر لي القدر هذه الهفوة الإنسانية، أم أنني سأدفع ثمن طهارتي دماً وناراً؟"

كان الصراع النفسي داخل إيلينا يشتد مع مرور الدقائق. كانت تفكر في الهروب؛ أن تترك شقتها وتخرج إلى الشارع، وتلجأ إلى أي مكان آمن حتى يستيقظ هذا الرجل ويرحل. لكن فكرة تركه وحيداً وعاجزاً، وهو في هذه الحالة التي قد تعرضه لانتكاسة صحية أو نزيف جديد، كانت تتنافى تماماً مع مبادئها ونشأتها. كانت تعلم أن رقتها ليست ضعفاً، بل هي مصدر قوتها التي مكنتها من الصمود أمام فظاعة الحادث القديم الذي أودى بحياة عائلتها.

مرت ساعتان أخريان في هذا الانتظار الثقيل والمضني. انقشع الظلام تماماً، وحلّ الفجر التوسكاني الفضي، ليرسل أشعته الباردة والخافتة عبر النوافذ، لتخترق ضباب الغرفة وتلقي بظلال طويلة ومعقدة فوق الأرضية. كان هذا الوقت هو المفضل لدى إيلينا؛ وقت السكينة التامة حيث تبدأ المدينة بالاستيقاظ ببطء. لكن اليوم، كان الفجر يحمل نبرة مختلفة، نبرة ترقب مشوب بالخطر.

قررت إيلينا أن تصنع بعض الشاي الدافئ لتهدئة أعصابها المنهكة. توجهت إلى المطبخ الصغير، وأشعلت الموقد، واستمعت إلى صوت غليان الماء الذي كان الصوت الطبيعي الوحيد في هذا البيت المحتقن. صبت الشاي في كوب خزفي عتيق، وأمسكت به بشتى يديها لتمتص حرارته، معيدة بعض الدفء إلى أصابعها التي جمدها الخوف.

بينما كانت تقف في المطبخ، عاد عقله ليحلل هوية الغريب. أليساندرو.. لم تكن تعرف اسمه بعد، لكن ملامحه وبنيته والوشم وثيابه الفاخرة، كلها كانت تشير إلى أنه ليس مجرد جندي عادي في صفوف المافيا. الملابس المصنوعة يدوياً من أفخم أنواع الأقمشة الإيطالية، الساعية الثمينة التي كانت تطوق معصمه والتي تلطخت بالدماء، والبرود الذي كان ينضح من ملامحه حتى وهو غائب عن الوعي؛ كل هذه التفاصيل كانت تؤكد لها أنها التقت برأس الأفعى، برجل يجلس في قمة الهرم المظلم.

قالت في مونولوجها: "الرجال مثله لا يقعون بالصدفة على عتبات البيوت، إلا إذا كانت الخيانة قد طعنتهم في الظهر. إنه طريد.. وحش جريح يفر من صياديه. وإذا كان الصيادون يملكون القوة لملاحقته حتى هنا، فإن هذا البيت الصغير لن يحميني ولن يحميه. أنا الآن أقف على حافة الهاوية، وخطوة واحدة خاطئة قد تهوي بي إلى قاع الجحيم الذي يعيش فيه."

رغم هذا الرعب، كان هناك شعور خفي وغريب يتسلل إلى أعماقها، شعور لم تفهمه ولم تجرؤ على الاعتراف به لنفسها. كانت هناك جاذبية مظلمة تنبعث من ذلك الرجل؛ جاذبية تكمن في التناقض الصارخ بين عالمها النقي والهادئ وعالمه المليء بالعنف والدمار. كانت ملامحه الوسيمة والقاسية في آن واحد تبدو وكأنها تتحدى رقتها، وتثير فضولها المعرفي والإنساني لمعرفة ما خلف هذا القناع الصخري.

خرجت من المطبخ وهي تحمل كوب الشاي ببطء، وعادت إلى الردهة حيث يرقد أليساندرو. جلست على مقعد خشبي صغير يقع على مسافة آمنة منه، وظلت ترقبه بعينين ساهرتين ومليئتين بالتساؤلات.

بدأت أنفاس أليساندرو تتغير في هذه اللحظات؛ أصبحت أكثر تسارعاً، وبدأ جسده يفرز عرقاً بارداً يعكس صراعه الداخلي للعودة إلى الوعي. كانت تقاطيع وجهه تنقبض وتنبسط بحركات سريعة ومتتالية، كأنه يخوض معركة عنيفة في أحلامه ضد الأشباح التي تلاحقه. تحركت شفته السفلى قسراً، ونبس بكلمات غير مفهومة، بصوت متحشرج وعميق زاد من رهبة المكان.

اقتربت إيلينا منه قليلاً، مدفوعة بفضولها وبواجبها الإنساني كممرضة مؤقتة له. انحنت بجانبه، ووضعت يدها الرقيقة فوق جبهته العريضة لتقيس حرارته. كانت بشرته ساخنة للغاية، تعلن عن بداية حمى خفيفة ناتجة عن صدمة الجرح وفقدان الدماء.

عندما لامست أصابعها الناعمة والباردة جبهته المشتعلة، حدث شيء غير متوقع. هدأ أليساندرو فجأة، وانبسطت أسارير وجهه المنقبضة بحركة انسيابية غريبة، كأن لمستها كانت ترياقاً سحرياً طرد الأشباح من عقله وثبت السكينة في روحه الملتوعة. كانت هذه اللمسة بمثابة خيط الحرير الأول الذي يربط بين عالمين متناقضين تماماً؛ عالم الظل والدم، وعالم النور والفن.

تأملت إيلينا وجهه عن قرب في هذه اللحظة الخاطفة. رأت الندبة الصغيرة على وجنته اليسرى، وفكرت في الحكاية التي تختبئ خلفها. رأت رموشه السوداء الطويلة والكثيفة التي كانت تغطي عينيه الرماديتين المخيفتين، وفكرت في النظرات التي ستستقبلها عندما يفتح تلك الأجفان. شعرت برغبة عارمة في النفاذ إلى روحه، في معرفة كيف يمكن لرجل بهذه الوسامة والمهابة أن يكون مصدراً للرعب والموت لآلاف البشر.

ابعدت يدها ببطء، وشعرت بحرارة جبهته لا تزال عالقة في أطراف أصابعها، حرارة غريبة سرت في جسدها لتجعل قلبها ينبض بطريقة لم يعهدها من قبل. عادت إلى مقعدها، ووضعت كوب الشاي الذي أصبح بارداً الآن، وأسندت رأسها إلى الجدار، ممررة عينيها بين لوحاتها الفنية وجسد الرجل الراقد أمامها.

قالت في نفسها بالفصحى وهي تغلق جفنيها ببطء لتستقبل اللحظات الأخيرة من الانتظار: "القدر لا يلقي بالأشياء عبثاً يا إيلينا. هذا الرجل لم يأتِ إلى بابكِ لأن الشوارع ضيقة، بل لأن هناك حكاية قديمة كُتبت في لوح الغيب، وحان وقت قراءتها. لقد رممتُ جسده المصاب بالرصاص.. ولكنني أشعر أن الصراع الحقيقي سيبدأ عندما يستيقظ هذا الوحش، وعندها لن تكون الألوان والشاش كافية لحمايتي من ناره."

ومع بزوغ الشمس بالكامل، واختفاء الضباب الفلورنسي تدريجياً ليحل محله ضوء الصباح الذهبي الدافئ، بدأت جفون أليساندرو تتحرك ببطء شديد وبصعوبة بالغة. كانت تلك الحركة بمثابة إعلان رسمي عن انتهاء فصل وبدء فصل جديد من حياتهما سويا.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status