Home / مافيا / الظل / استيقاظ الوحش

Share

استيقاظ الوحش

last update publish date: 2026-05-23 03:30:24

تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر شقوق الستائر المخملية لشقة إيلينا، لترسم خطوطاً مستقيمة من النور تتراقص فيها ذرات الغبار الفني الدقيق. كان الصباح قد حلّ بالكامل على مدينة فلورنسا، حاملاً معه هدوءاً غريباً يتدثر برائحة المطر الجاف على الأرصفة العتيقة. في هذا الصمت المشحون بالترقب، كانت الأنفاس داخل الردهة هي المقياس الوحيد للزمن. كان كل شيء يبدو ساكناً، كأن العالم قد توقف عن الدوران بانتظار اللحظة التي سيعود فيها "الظل" إلى عالم الأحياء.

تحركت أجفان أليساندرو ببطء شديد، وكأنها ترفع ثقلاً جُبل من حديد الماضي. شعر بوعيه يعود إليه على شكل موجات متتالية من الألم الحارق الذي يتركز في خاصرته الأيمن، ألم يشبه غرس شفرة مسمومة تُدار ببطء في أحشائه. كانت غريزته القتالية، التي صُقلت في دهاليز الخيانة والموت، هي أول ما استيقظ فيه قبل مشاعره. لم يحرك جسده، ولم يصدر عنه أي صوت؛ بل ظل مستلقياً، محاولاً استكشاف المحيط عبر حواسه الأخرى دون أن يشي بأنه قد استعاد وعيه.

استنشق الهواء ببطء؛ لم يجد رائحة البارود المحترق، ولا رائحة الرطوبة العفنة لأزقة فلورنسا الخلفية، ولا رائحة دماء أعدائه. كانت الرائحة المحيطة به غريبة تماماً على عالمة؛ خليط ساحر من زيت الكتان، والألوان الزيتية، والقهوة المُرّة، ونوع من النقاء الذي لم يعهده يوماً. فتح عينيه الرماديتين فجأة، لتستقبله السقوف المرتفعة البيضاء، والضوء الدافئ الذي لم يره منذ زمن طويل.

التفت برأسه حركية طفيفة، لتلتقي نظراته الحادة كشفرة الخنجر بجسد إيلينا الجالس على المقعد الخشبي القريب. كانت تبدو منهكة، وعيناها العسليتان تحملا بريقاً من الخوف الشديد والتماسك الغريب في آن واحد. لم يكن هناك حراس، ولم يكن هناك سلاح في يدها، فقط امرأة رقيقة تنظر إليه وكأنها تنظر إلى قدرها المحتوم.

في ثانية واحدة، تحركت غريزة الوحش الجريح داخل أليساندرو. تناسى آلام جسده، وتجاهل جرحه الممزق، واندفع نحو الأمام بحركة انسيابية صاعقة ومفاجئة لا تتناسب مع رجل كان قبل ساعات يلفظ أنفاسه الأخيرة. وقبل أن تتمكن إيلينا من إدراك ما يحدث، أو حتى صياغة صرخة ذعر واحدة، كان جسده الضخم القوي قد أطبق عليها.

وجدت إيلينا نفسها مضغوطة بالكامل بين الجدار البارد وجسد أليساندرو العريض. قبضت يده اليمنى القوية، الموشومة بشعار المافيا، على عنقها الرقيق بضغط مدروس؛ ضغط لم يكن بهدف قتلها فوراً، بل لشل حركتها تماماً ومنعها من الصراخ أو المقاومة. كانت عيناه الرماديتان تحدقان في عينيها عن قرب شديد، تنضحان ببرود مرعب وهالة من الموت تجعل الأنفاس تتجمد في الصدور.

"من أنتِ؟ ومن الذي أرسلكِ؟" خرج صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة حادة كفيلق من الجنود المستعدين للذبح. كانت نبرته تحمل تهديداً حقيقياً لا يعرف المزاح، وعيناه تبحثان في ملامحها عن أي دليل على الخيانة أو المؤامرة.

شعرت إيلينا ببرودة أصابعه تطوق عنقها، وبحرارة أنفاسه المتسارعة تضرب وجهها. كان الخوف يعتصر قلبها، ونبضاتها تدق بعنف حتى كادت أن تخترق أضلعها. لكن في وسط هذا الذعر الشامل، نبعت من أعماقها قوة نفسية غريبة، قوة استمدتها من طهر غايتها. لم تحاول ضربه، ولم تتلوّ تحت قبضته؛ بل رفعت يديها الرقيقتين ببطء، ووضعتهما فوق ساعده القوي الممسك بعنقها، ونظرت مباشرة إلى عاطفة عينيه الرماديتين دون أن تطرف أجفانها.

"أنا.. أنا التي خيطتُ جرحك الذي كاد أن يودي بحياتك الليلة الماضية،" قالت وصوتها يرتجف قليلاً لكنه يحمل نبرة من الكبرياء والصدق الذي لا يمكن تزييفه. "أفلت يدك يا سيدي، فالرجل الذي يملك قوة كقوتك لا يهاجم امرأة أنقذته من الموت."

تسمر أليساندرو في مكانه. كانت كلماتها تقع على مسامعه كأصوات تأتي من عالم آخر، عالم لم يزره يوماً. نظر إلى الأسفل، ليرى الشاش الأبيض النقي الذي يلف خاصرته بإحكام ودقة متناهية، ويرى يديه الملطختين بآثار معقم طبي. التفت مجدداً لينظر إلى الغرفة؛ رأى وعاء الماء الملوث والمستلزمات الطبية منثورة على الطاولة، ورأى بقع الدماء الجافة التي حاولت مسحها عن الأرض.

بدأ وعيه يربط الخيوط ببعضها. تذكر الكمين، وتذكر الرصاصة الغادرة، وتذكر ترنحه في الأزقة المظلمة تحت المطر الغزير، وسقوطه عند عتبة باب خشبي عتيق. نظر إلى المرأة التي بين يديه؛ لم تكن ترتدي درعاً، ولم تكن تحمل وشم عائلة منافسة، كانت فقط فتاة رقيقة الملامح، عيناها العسليتان تعكسان نقاءً يفتقده هو في كل زاوية من زوايا حياته المظلمة.

تراخت قبضته القوية عن عنقها ببطء، وتراجع خطوة إلى الوراء، مستنداً بيده اليسرى على الجدار بعد أن هاجمته موجة عنيفة من الألم والدوّار كادت أن تطيح به أرضاً. انقبضت تقاطيع وجهه القاسي، وأغمض عينيه لثوانٍ يصارع الوجع الذي يسري في جسده كالنار.

تنفسّت إيلينا الصعداء، ووضعت يدها على عنقها تحاول استعادة أنفاسها التي سُلبت منها. نظرت إليه وهو يتألم، ورغم الخطر الذي يمثله، تحركت خطواتها نحو الأمام بدافع غريزتها الإنسانية. مدت يدها الرقيقة لتدعم كتفه العريض، قائلة: "لا تتحرك بعنف، الغرز ما زالت طرية، وأي حركة خاطئة قد تعيد النزيف مجدداً. اجلس هنا."

التفت إليها أليساندرو بسرعة، ورمق يدها الممتدة بنظرة حذرة جعلتها تتراجع خطوة للوراء. لكنه أدرك أن جسده يخذله؛ فجلس ببطء فوق مقعد خشبي قريب، واضعاً يده فوق جرحه، وصدره العريض يرتفع وينخفض بأنفاس ثقيلة متهدجة.

ظل الصمت سيد الموقف لبرهة طويلة، صمت أثقل من الجبال، تتصارع فيه الأفكار في عقلي شخصيتين ينتميان لعالمين لا يلتقيان أبداً. كان أليساندرو يتأملها بنظرات فاحصة ومستغربة؛ لم يعتد في حياته أن يقدم له أحد معروفاً دون مقابل، ولم يعهد أن يرى إنساناً يخاطر بحياته لإيواء رجل غريب وملطخ بالدماء ومرعب المظهر مثله.

"لماذا فعلتِ ذلك؟" سألها أخيراً، وكانت نبرته هذه المرة أقل حدة، لكنها تحمل عمقاً وتساؤلاً حقيقياً. "ألم تري الوشم على يدي؟ ألم تدركي أن إيواء رجل مثلي في بيتكِ هو بمثابة كتابة شهادة وفاتكِ بيدكِ؟"

وقفت إيلينا أمامه، وشبكت أصابعها الرقيقة أمام مئزرها الملطخ بالألوان والدم. نظرت إليه بثبات، وقالت: "رأيتُ كل شيء. رأيتُ الدم، ورأيتُ الوشم، وعلمتُ أنك تنتمي لعالم لا يشبه عالمي في شيء. ولكن، عندما سقطتَ على عتبة بيتي، لم أرَ فيك زعيماً أو قاتلاً؛ رأيتُ فقط رجلاً ينزف حتى الموت، وإنساناً يطلب النجدة بلغة الصمت. الفن الذي أعيش لأجله علمني أن الحياة مقدسة، وأنه ليس من حقي أن أدير ظهري لمن يحتضر."

انقبضت ملامح أليساندرو، وشعر بكلماتها تخترق حصونه النفسية العتيدة. تملكته دهشة ممزوجة بجاذبية مظلمة لم يختبرها من قبل؛ هذه الفتاة أمامه تملك شجاعة تفوق شجاعة رجاله الأشداء، شجاعة تنبع من طهرها ونقائها، لا من سلاحها وقوتها الجسدية. كانت عيناها العسليتان تحدق في روحه مباشرة، كأنها ترى الندوب المخفية خلف قناعه الصخري البارد.

سألها بنبرة منخفضة وعميقة: "ما اسمكِ يا حارسة التاريخ؟"

"إيلينا،" أجابته بهدوء. "وأنت.. من تكون أيها الغريب الذي جلب الموت إلى عتبة بيتي؟"

ارتسمت على شفتي أليساندرو ابتسامة ساخرة وخفيفة، ابتسامة لم تصل إلى عينيه الرماديتين الباردتين. قال بصوت يحمل صدى القوة المطلقة: "اسمي أليساندرو. ويبدو يا إيلينا أنكِ لم تجلبي إلى بيتكِ غريباً فحسب، بل جلبتِ الظل الذي ترتعد منه فلورنسا بأكملها."

تملك الخوف إيلينا مجدداً عندما نطق باسمه؛ فقد سمعت هذا الاسم يتردد كثيراً في الحكايات الشعبية لسراديب المدينة، الاسم الذي يمثل القوة والغدر والسلطة المطلقة لشبكة الكامورا. ثبتت نظراتها عليه، وشعرت بأن الجدران الدافئة لشقتها بدأت تضيق عليها، وأن الأمان الذي صنعته لنفسها طوال سنوات قد تبدد في لحظة واحدة.

قال أليساندرو وهو يحاول الوقوف ببطء، مستجمعاً كبرياءه العنيف: "يجب أن أرحل. وجودي هنا يشكل خطراً مميتاً عليكِ وعلى شقتكِ الفنية هذه. رجالي يبحثون عني، وأعدائي لن يتوقفوا حتى يجدوا جثتي، وإذا علموا أنكِ ساعدتني، فلن يرحموا رقتكِ الفنية."

"لن تستطيع السير خطوة واحدة في الشارع بهذه الحالة،" قاطعته إيلينا بنبرة حازمة فاجأته هو نفسه. "الحمى بدأت تتسلل إلى جسدك، وجرحك يحتاج إلى ساعات إضافية من الاستقرار حتى لا يفتح مجدداً ويمزق الغرز الطبية. أنا لا أهتم بمن تكون في الخارج، لكنك هنا مريضي، ولن أسمح لك بتدمير العمل الذي أمضيتُ الليلة بأكملها في إنجازه."

نظر إليها أليساندرو بذهول؛ كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يجرؤ فيها أحد على توجيه الأوامر إليه، والمرة الأولى التي يرى فيها شخصاً يقلق على سلامته وجسده دون مصلحة سياسية أو مالية. تراجع وجلس مجدداً، وشعر بأن لمساتها الباردة التي وضعتها فوق جبهته في الليلة الماضية ما زالت تترك أثراً دافئاً في أعماق روحه المظلمة.

استسلم لمونولوجه الداخلي، وهو حديث نفس عميق وصامت: "ما هذه الفتاة؟ إنها تشبه المخلوقات التي نرسمها على جدران الكنائس القديمة، مخلوق لا ينتمي لعالمنا المليء بالخيانة والدمار. إنها تعتقد أنها ترمم جسدي، لكنها لا تعلم أنها تلمس أجزاء في روحي ظننتُ أنها ماتت وتحولت إلى رماد منذ زمن طويل. الخطر يحيق بها من كل جانب بسبب وجودي، ومع ذلك تقف أمامي بكل هذا الثبات والكبرياء. هل هي نعمة ساقها القدر إليّ في ليلة خيانتي، أم أنها لعنة جديدة ستحرق نقاءها بناري؟"

وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت إيلينا تتوجه نحو المطبخ لإحضار بعض الماء الدافئ له، سُمع صوت مفاجئ بالخارج. لم يكن صوت مطر، بل كان صوت توقف إطارات سيارات سوداء ضخمة بعنف في الزقاق السفلي، يليه صوت إغلاق أبواب حديدية وخطوات ثقيلة ومتسارعة تقترب من مدخل الباب السفلي للمبنى.

تسمر أليساندرو في مكانه، وتحولت عيناه الرماديتان إلى شفرتين من الجمر المشتعل. سحب غطاء الصوف بعنف، وحاول الوصول إلى مسدسه الفضي المخفي في حزامه، ليتذكر أنه فقده أثناء فراره في الأزقة. انقبض فكه العريض، ونظر إلى إيلينا التي وقفت في وسط الردهة، ووجهها قد شحب تماماً واستحالت ملامحها إلى بياض الموت، مدركة أن الكابوس الذي كانت تخشاه قد بدأ يتحقق بالفعل، وأن عالم المافيا المظلم قد وصل إلى عتبة ملاذها الآمن.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   مجالس المال

    ما إن أُسدل الستار على جلسة التوقيع الكبرى في قاعة العرش الاستراتيجية بقصر الكامورا، واستقرت بنود "ميثاق الشمال" في يد القيادة العليا، حتى انتقل ثقل الأحداث والاهتمامات الإمبراطورية إلى صالون الاستقبال الملكي الفسيح؛ حيث كان أباطرة المال، كبار المستثمرين، ونُبلاء الأقاليم التجارية المجاورة ينتظرون بلهفة بالغة وترقب حذر للحصول على موطئ قدم أو حصة استثمارية في العهد القيصري الجديد. لم تكن العاصمة روما تحكم بالسلاح والحديد وحدهما، بل كان الاقتصاد والأسواق هما الركيزة الكبرى التي تُبنى عليها دعائم الإمبراطورية، وهو ما أدركه أليساندرو جيداً حين قرر أن تدار عمليات إعادة الاعمار التجاري تحت رقابة صارمة ومباشرة من شفرات عقل ملكته.امتد الصالون الملكي الفسيح بأعمدته الرخامية السوداء الضخمة المطرزة بصفائح الفضة الخالصة والنوافذ القوسية الطويلة التي تعكس أشعة الشمس المائلة على الأرضيات المرمرية المصقولة بدقة، بينما انسابت في الخلفية نغمات أوركسترا كلاسيكية هادئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة تليق بحجم التحولات التاريخية الكبرى. وفي منتصف المنصة الهندسية المرتفعة، وقفت إيلينا ب

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار. كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار.كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من الكريستال النمساوي الثق

  • الظل   سكون العواصف

    انحسرت آخر ظلال المواجهة الميدانية والدماء المتناثرة عن أفق العاصمة روما، لـتستقر الإمبراطورية في هدوء أرستقراطي مهيب وعميق يعكس ثبات العرش القيصري وسطوة الكامورا التي لا تقهر ولا تلين، وكأن التاريخ يكتب فصوله الجديدة بمداد من حديد وذهب. وفي هذا المساء الاستثنائي الذي لفّ أسوار قصر الكامورا المصفح والمعلق بـكبرياء فوق هضاب التافر، تراجعت حدة التوتر العسكري والإنذارات الاستخبارية الحادة لـتفسح المجال أمام أفق زمني جديد ومجيد تتشكل فيه ملامح السلام الأبدي وإعادة صياغة مقدرات الشمال بـأكمله، تحت راية القيصر أليساندرو ورفيقته الملكة إيلينا، لـتطوي المدينة صفحة الصراعات الدامية وتفتح أبواب العصر الذهبي للسيادة المطلقة والتشييد الإمبراطوري الشامل.كانت الحديقة الخلفية للقصر تحفة بصرية ناطقة بالفخامة الإيطالية العتيقة والمهابة المطلقة؛ إذ تتوسطها نافورة أثرية منحوتة بـدقة من حجر البازلت الأسود الصخري، تتدفق منها مياه نقية متدفقة تعكس أضواء المشاعل النحاسية الموزعة بانتظام دقيق على طول الممرات المرمرية الواسعة والأعمدة الرخامية المرتفعة التي تحمل تاريخ العائلات المالكة. وفي قلب هذه

  • الظل   مواثيق المستثمرين

    لم تكد شمس الفجر الذهبية تعلن اكتمال التطوير الأمني وتأمين القطاعات التحتية لـأنفاق العاصمة روما، حتى تحولت الشرفات الملكية والأروقة المصفحة لـقصر الكامورا الإمبراطوري إلى مقصدٍ لـكبار المستثمرين، أباطرة التجارة، ونُبلاء الأقاليم المجاورة الذين سارعوا لـحجز موطئ قدم لهم في العهد القيصري الجديد. كانت الرغبة العارمة في ضخ رؤوس الأموال وإعادة بناء الأسطول التجاري عبر الموانئ الشمالية هي العنوان الأبرز لـهذا الحشد الأرستقراطي، عقب القضاء الشامل على ابتزاز المحفل المظلم وتطهير أحياء المدينة من شبكات الجريمة والتسلل.امتد الصالون الإمبراطوري الشاسع بـأعمدته الرخامية السوداء المطرزة بـالفضة ونوافذه القوسية الضخمة التي تعكس زهاء النهار على الثريات الكريستالية الثقيلة، حيث انسابت نغمات أوركسترا كلاسيكية دافئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة. وفي منتصف الشرفة القيصرية الشامخة المطلة على ضفاف نهر التافر والجسر الإمبراطوري العتيق، التفت النخب المالية حول المنصة الهندسية التي وضعتها الملكة إيلينا لـعرض مخططات التطوير الهيكلي لـلأسواق والموانئ، وسط حراسة مشددة من فرسان الشمال المصف

  • الظل   حصاد التطهير

    لم تكن الساعات الأولى التي تلت صدور أوامر الإغلاق الهيدروليكي وتأمين المحاور التحتية لـأنفاق العاصمة سوى ملحمة حاسمة كشفت عن السطوة المطلقة لـعرش الكامورا الجديد؛ حيث استكملت فرسان القيصر المصفحة عملية التمشيط الدقيقة في الأحياء العتيقة والقطاعات المتاخمة لـنهر التافر. تهاوت آخر المعاقل الخفية التي اختبأت فيها فلول المحفل المظلم، لـتُسحب أدوات الابتزاز، والخرائط المزورة، وشحنات السلاح غير المشروعة تحت الحراسة العسكرية المشددة، ويتحول الليل الداجي في روما إلى فجر قاطع أزاح عن صدر المدينة أطياف الخيانة والذعر إلى غير رجعة.في قاعة العرش والمراقبة العليا بـالبرج الإمبراطوري الشامخ، كانت الأجواء المفعمة بـالترقب القتالي تبث الدفء والمهابة الصارمة في الأثير. تناثرت المخطوطات الهندسية المحدثة والتقارير الميدانية النهائية فوق الطاولة الأبنوسية العملاقة المطرزة بـالفضة والرخام الأسود، بينما انعكست أضواء القناديل الكريستالية الدافئة على الأسوار العتيقة والمقاعد الجلدية الفاخرة التي شهدت صياغة الدستور السري لـالحكم القيصري. خفت صدى أجهزة الاتصالات التكتيكية لـتفسح المجال أمام هدوء أر

  • الظل   خيوط القدر

    استحالت فلورنسا مع اقتراب خيوط الفجر الأولى إلى مدينة من الضباب الشاحب، كأنما تلاشت معالمها الأثرية خلف ستار من الأسرار والغموض. لم يعد صوت الرعد بالخارج بتلك العنفوانية التي كان عليها قبل ساعات، بل تحول إلى دوي خافت وبعيد، يتردد صداه بين الجبال المحيطة بإقليم توسكانا كأنه زئير وحش جريح ينسحب ببطء

  • الظل   حارسة التاريخ

    في الجانب الآخر من المدينة، حيث لا يجرؤ صخب الرصاص على تدنيس حرمة التاريخ، كانت شقة (إيلينا) تبدو وكأنها ملاذ آمن معزول عن العالم بأسره، أو سفينة خشبية عتيقة تمخر عباب ليلة عاصفة دون أن تخشى الغرق. لم يكن بيتها مجرد مكان للسكن، بل كان امتداداً لروحها؛ جدران مرتفعة يغطيها طلاء عاجي تقشرت بعض أطرافه

  • الظل   صدى الغياب

    مرت خمسة أيام على تلك الليلة التي انشقت فيها السماء عن "الظل"، خمسة أيام بدت لإيلينا وكأنها دهر ممتد من السهد والترقب الذي لا ينتهي. كانت فلورنسا قد استعادت وجهها الصيفي المشمس، واغتسلت شوارعها من آثار المطر العنيف، وخرج السائحون يملأون الساحات الأثرية بضحكاتهم وصخبهم العابر. لكن داخل الشقة العتيقة

  • الظل   هدوء ما قبل العاصفة

    استقرت في الردهة برودة مفاجئة أثقل من غسق الموت، وتبخرت تلك السكينة الصباحية الشاحبة التي صنعتها أشعة الشمس فوق اللوحات الفنية. لم يعد دوي العاصفة الطبيعية هو ما يرعب إيلينا، بل تلك العاصفة البشرية القادمة من دهاليز الخيانة والدم. كانت الخطوات الثقيلة المتسارعة بالخارج تصدر صدىً معدنياً مرعباً فوق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status