ホーム / مافيا / الظل / استيقاظ الوحش

共有

استيقاظ الوحش

last update 公開日: 2026-05-23 03:30:24

تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر شقوق الستائر المخملية لشقة إيلينا، لترسم خطوطاً مستقيمة من النور تتراقص فيها ذرات الغبار الفني الدقيق. كان الصباح قد حلّ بالكامل على مدينة فلورنسا، حاملاً معه هدوءاً غريباً يتدثر برائحة المطر الجاف على الأرصفة العتيقة. في هذا الصمت المشحون بالترقب، كانت الأنفاس داخل الردهة هي المقياس الوحيد للزمن. كان كل شيء يبدو ساكناً، كأن العالم قد توقف عن الدوران بانتظار اللحظة التي سيعود فيها "الظل" إلى عالم الأحياء.

تحركت أجفان أليساندرو ببطء شديد، وكأنها ترفع ثقلاً جُبل من حديد الماضي. شعر بوعيه يعود إليه على شكل موجات متتالية من الألم الحارق الذي يتركز في خاصرته الأيمن، ألم يشبه غرس شفرة مسمومة تُدار ببطء في أحشائه. كانت غريزته القتالية، التي صُقلت في دهاليز الخيانة والموت، هي أول ما استيقظ فيه قبل مشاعره. لم يحرك جسده، ولم يصدر عنه أي صوت؛ بل ظل مستلقياً، محاولاً استكشاف المحيط عبر حواسه الأخرى دون أن يشي بأنه قد استعاد وعيه.

استنشق الهواء ببطء؛ لم يجد رائحة البارود المحترق، ولا رائحة الرطوبة العفنة لأزقة فلورنسا الخلفية، ولا رائحة دماء أعدائه. كانت الرائحة المحيطة به غريبة تماماً على عالمة؛ خليط ساحر من زيت الكتان، والألوان الزيتية، والقهوة المُرّة، ونوع من النقاء الذي لم يعهده يوماً. فتح عينيه الرماديتين فجأة، لتستقبله السقوف المرتفعة البيضاء، والضوء الدافئ الذي لم يره منذ زمن طويل.

التفت برأسه حركية طفيفة، لتلتقي نظراته الحادة كشفرة الخنجر بجسد إيلينا الجالس على المقعد الخشبي القريب. كانت تبدو منهكة، وعيناها العسليتان تحملا بريقاً من الخوف الشديد والتماسك الغريب في آن واحد. لم يكن هناك حراس، ولم يكن هناك سلاح في يدها، فقط امرأة رقيقة تنظر إليه وكأنها تنظر إلى قدرها المحتوم.

في ثانية واحدة، تحركت غريزة الوحش الجريح داخل أليساندرو. تناسى آلام جسده، وتجاهل جرحه الممزق، واندفع نحو الأمام بحركة انسيابية صاعقة ومفاجئة لا تتناسب مع رجل كان قبل ساعات يلفظ أنفاسه الأخيرة. وقبل أن تتمكن إيلينا من إدراك ما يحدث، أو حتى صياغة صرخة ذعر واحدة، كان جسده الضخم القوي قد أطبق عليها.

وجدت إيلينا نفسها مضغوطة بالكامل بين الجدار البارد وجسد أليساندرو العريض. قبضت يده اليمنى القوية، الموشومة بشعار المافيا، على عنقها الرقيق بضغط مدروس؛ ضغط لم يكن بهدف قتلها فوراً، بل لشل حركتها تماماً ومنعها من الصراخ أو المقاومة. كانت عيناه الرماديتان تحدقان في عينيها عن قرب شديد، تنضحان ببرود مرعب وهالة من الموت تجعل الأنفاس تتجمد في الصدور.

"من أنتِ؟ ومن الذي أرسلكِ؟" خرج صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة حادة كفيلق من الجنود المستعدين للذبح. كانت نبرته تحمل تهديداً حقيقياً لا يعرف المزاح، وعيناه تبحثان في ملامحها عن أي دليل على الخيانة أو المؤامرة.

شعرت إيلينا ببرودة أصابعه تطوق عنقها، وبحرارة أنفاسه المتسارعة تضرب وجهها. كان الخوف يعتصر قلبها، ونبضاتها تدق بعنف حتى كادت أن تخترق أضلعها. لكن في وسط هذا الذعر الشامل، نبعت من أعماقها قوة نفسية غريبة، قوة استمدتها من طهر غايتها. لم تحاول ضربه، ولم تتلوّ تحت قبضته؛ بل رفعت يديها الرقيقتين ببطء، ووضعتهما فوق ساعده القوي الممسك بعنقها، ونظرت مباشرة إلى عاطفة عينيه الرماديتين دون أن تطرف أجفانها.

"أنا.. أنا التي خيطتُ جرحك الذي كاد أن يودي بحياتك الليلة الماضية،" قالت وصوتها يرتجف قليلاً لكنه يحمل نبرة من الكبرياء والصدق الذي لا يمكن تزييفه. "أفلت يدك يا سيدي، فالرجل الذي يملك قوة كقوتك لا يهاجم امرأة أنقذته من الموت."

تسمر أليساندرو في مكانه. كانت كلماتها تقع على مسامعه كأصوات تأتي من عالم آخر، عالم لم يزره يوماً. نظر إلى الأسفل، ليرى الشاش الأبيض النقي الذي يلف خاصرته بإحكام ودقة متناهية، ويرى يديه الملطختين بآثار معقم طبي. التفت مجدداً لينظر إلى الغرفة؛ رأى وعاء الماء الملوث والمستلزمات الطبية منثورة على الطاولة، ورأى بقع الدماء الجافة التي حاولت مسحها عن الأرض.

بدأ وعيه يربط الخيوط ببعضها. تذكر الكمين، وتذكر الرصاصة الغادرة، وتذكر ترنحه في الأزقة المظلمة تحت المطر الغزير، وسقوطه عند عتبة باب خشبي عتيق. نظر إلى المرأة التي بين يديه؛ لم تكن ترتدي درعاً، ولم تكن تحمل وشم عائلة منافسة، كانت فقط فتاة رقيقة الملامح، عيناها العسليتان تعكسان نقاءً يفتقده هو في كل زاوية من زوايا حياته المظلمة.

تراخت قبضته القوية عن عنقها ببطء، وتراجع خطوة إلى الوراء، مستنداً بيده اليسرى على الجدار بعد أن هاجمته موجة عنيفة من الألم والدوّار كادت أن تطيح به أرضاً. انقبضت تقاطيع وجهه القاسي، وأغمض عينيه لثوانٍ يصارع الوجع الذي يسري في جسده كالنار.

تنفسّت إيلينا الصعداء، ووضعت يدها على عنقها تحاول استعادة أنفاسها التي سُلبت منها. نظرت إليه وهو يتألم، ورغم الخطر الذي يمثله، تحركت خطواتها نحو الأمام بدافع غريزتها الإنسانية. مدت يدها الرقيقة لتدعم كتفه العريض، قائلة: "لا تتحرك بعنف، الغرز ما زالت طرية، وأي حركة خاطئة قد تعيد النزيف مجدداً. اجلس هنا."

التفت إليها أليساندرو بسرعة، ورمق يدها الممتدة بنظرة حذرة جعلتها تتراجع خطوة للوراء. لكنه أدرك أن جسده يخذله؛ فجلس ببطء فوق مقعد خشبي قريب، واضعاً يده فوق جرحه، وصدره العريض يرتفع وينخفض بأنفاس ثقيلة متهدجة.

ظل الصمت سيد الموقف لبرهة طويلة، صمت أثقل من الجبال، تتصارع فيه الأفكار في عقلي شخصيتين ينتميان لعالمين لا يلتقيان أبداً. كان أليساندرو يتأملها بنظرات فاحصة ومستغربة؛ لم يعتد في حياته أن يقدم له أحد معروفاً دون مقابل، ولم يعهد أن يرى إنساناً يخاطر بحياته لإيواء رجل غريب وملطخ بالدماء ومرعب المظهر مثله.

"لماذا فعلتِ ذلك؟" سألها أخيراً، وكانت نبرته هذه المرة أقل حدة، لكنها تحمل عمقاً وتساؤلاً حقيقياً. "ألم تري الوشم على يدي؟ ألم تدركي أن إيواء رجل مثلي في بيتكِ هو بمثابة كتابة شهادة وفاتكِ بيدكِ؟"

وقفت إيلينا أمامه، وشبكت أصابعها الرقيقة أمام مئزرها الملطخ بالألوان والدم. نظرت إليه بثبات، وقالت: "رأيتُ كل شيء. رأيتُ الدم، ورأيتُ الوشم، وعلمتُ أنك تنتمي لعالم لا يشبه عالمي في شيء. ولكن، عندما سقطتَ على عتبة بيتي، لم أرَ فيك زعيماً أو قاتلاً؛ رأيتُ فقط رجلاً ينزف حتى الموت، وإنساناً يطلب النجدة بلغة الصمت. الفن الذي أعيش لأجله علمني أن الحياة مقدسة، وأنه ليس من حقي أن أدير ظهري لمن يحتضر."

انقبضت ملامح أليساندرو، وشعر بكلماتها تخترق حصونه النفسية العتيدة. تملكته دهشة ممزوجة بجاذبية مظلمة لم يختبرها من قبل؛ هذه الفتاة أمامه تملك شجاعة تفوق شجاعة رجاله الأشداء، شجاعة تنبع من طهرها ونقائها، لا من سلاحها وقوتها الجسدية. كانت عيناها العسليتان تحدق في روحه مباشرة، كأنها ترى الندوب المخفية خلف قناعه الصخري البارد.

سألها بنبرة منخفضة وعميقة: "ما اسمكِ يا حارسة التاريخ؟"

"إيلينا،" أجابته بهدوء. "وأنت.. من تكون أيها الغريب الذي جلب الموت إلى عتبة بيتي؟"

ارتسمت على شفتي أليساندرو ابتسامة ساخرة وخفيفة، ابتسامة لم تصل إلى عينيه الرماديتين الباردتين. قال بصوت يحمل صدى القوة المطلقة: "اسمي أليساندرو. ويبدو يا إيلينا أنكِ لم تجلبي إلى بيتكِ غريباً فحسب، بل جلبتِ الظل الذي ترتعد منه فلورنسا بأكملها."

تملك الخوف إيلينا مجدداً عندما نطق باسمه؛ فقد سمعت هذا الاسم يتردد كثيراً في الحكايات الشعبية لسراديب المدينة، الاسم الذي يمثل القوة والغدر والسلطة المطلقة لشبكة الكامورا. ثبتت نظراتها عليه، وشعرت بأن الجدران الدافئة لشقتها بدأت تضيق عليها، وأن الأمان الذي صنعته لنفسها طوال سنوات قد تبدد في لحظة واحدة.

قال أليساندرو وهو يحاول الوقوف ببطء، مستجمعاً كبرياءه العنيف: "يجب أن أرحل. وجودي هنا يشكل خطراً مميتاً عليكِ وعلى شقتكِ الفنية هذه. رجالي يبحثون عني، وأعدائي لن يتوقفوا حتى يجدوا جثتي، وإذا علموا أنكِ ساعدتني، فلن يرحموا رقتكِ الفنية."

"لن تستطيع السير خطوة واحدة في الشارع بهذه الحالة،" قاطعته إيلينا بنبرة حازمة فاجأته هو نفسه. "الحمى بدأت تتسلل إلى جسدك، وجرحك يحتاج إلى ساعات إضافية من الاستقرار حتى لا يفتح مجدداً ويمزق الغرز الطبية. أنا لا أهتم بمن تكون في الخارج، لكنك هنا مريضي، ولن أسمح لك بتدمير العمل الذي أمضيتُ الليلة بأكملها في إنجازه."

نظر إليها أليساندرو بذهول؛ كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يجرؤ فيها أحد على توجيه الأوامر إليه، والمرة الأولى التي يرى فيها شخصاً يقلق على سلامته وجسده دون مصلحة سياسية أو مالية. تراجع وجلس مجدداً، وشعر بأن لمساتها الباردة التي وضعتها فوق جبهته في الليلة الماضية ما زالت تترك أثراً دافئاً في أعماق روحه المظلمة.

استسلم لمونولوجه الداخلي، وهو حديث نفس عميق وصامت: "ما هذه الفتاة؟ إنها تشبه المخلوقات التي نرسمها على جدران الكنائس القديمة، مخلوق لا ينتمي لعالمنا المليء بالخيانة والدمار. إنها تعتقد أنها ترمم جسدي، لكنها لا تعلم أنها تلمس أجزاء في روحي ظننتُ أنها ماتت وتحولت إلى رماد منذ زمن طويل. الخطر يحيق بها من كل جانب بسبب وجودي، ومع ذلك تقف أمامي بكل هذا الثبات والكبرياء. هل هي نعمة ساقها القدر إليّ في ليلة خيانتي، أم أنها لعنة جديدة ستحرق نقاءها بناري؟"

وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت إيلينا تتوجه نحو المطبخ لإحضار بعض الماء الدافئ له، سُمع صوت مفاجئ بالخارج. لم يكن صوت مطر، بل كان صوت توقف إطارات سيارات سوداء ضخمة بعنف في الزقاق السفلي، يليه صوت إغلاق أبواب حديدية وخطوات ثقيلة ومتسارعة تقترب من مدخل الباب السفلي للمبنى.

تسمر أليساندرو في مكانه، وتحولت عيناه الرماديتان إلى شفرتين من الجمر المشتعل. سحب غطاء الصوف بعنف، وحاول الوصول إلى مسدسه الفضي المخفي في حزامه، ليتذكر أنه فقده أثناء فراره في الأزقة. انقبض فكه العريض، ونظر إلى إيلينا التي وقفت في وسط الردهة، ووجهها قد شحب تماماً واستحالت ملامحها إلى بياض الموت، مدركة أن الكابوس الذي كانت تخشاه قد بدأ يتحقق بالفعل، وأن عالم المافيا المظلم قد وصل إلى عتبة ملاذها الآمن.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status