تجرّعت تلال "فيسولي" في تلك الساعات المتأخرة من الليل كؤوساً مترعة من الجحيم المستعر، حيث استحالت الشرفات الأرستقراطية الوادعة والحدائق المعلقة الغناء إلى ساحة حرب طاحنة أحرقت خضرة شجر السرو، وشوهت بياض التماثيل الرخامية التاريخية بنقوش عشوائية من الرصاص والرماد المشتعل. انهمر وابل القذائف الصاروخية التي أطلقتها عائلات روما وصقلية من الوديان المحيطة بـشكل جنوني ومتتابع، ليمزق عباءة الليل الفضية، ويرسم خطوطاً مشتعلة من القرميد المتطاير والنيران التي التهمت الأسوار الحديدية الخارجية للمبنى المنيع. انعدم السكون تماماً في فلورنسا، وحل محله دوي المدافع الرعدية الشديدة التي اهتزت لها أركان الجبال الأثرية، معلنة بدء المعركة الفاصلة التي تشنها الجيوش المتحالفة لاقتلاع رأس الأفعى ونيل كبرياء شبكة الكامورا.
في أعلى شرفة القيادة الحصينة بالجناح الغربي للقصر، وقف أليساندرو متربعاً كطود راسخ يرفض الانحناء أمام عواصف الفناء التي تحاصره من كل جانب. ساد الضباب الكثيف المنبعث من البارود المحترق والأبنية المتهدمة حول قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة، ليدثره بهالة مرعبة من الخطورة والمهابة الطاغية التي شلت حركة أعدائه قبل رجاله. ارتدى قميصاً تكتيكياً أسود اللون يلتصق بجسده الصامت، تاركاً اللفائف الطبية والضمادات البيضاء الثقيلة التي تطوق خاصرته تفرز سراً خيوطاً دافئة وقرمزية من الدماء الناتجة عن حركته السريعة والاندفاعية لإدارة المعركة. أحكم قبضته اليمنى الموشومة بشعار الخنجر والتاج على حافة شرفة الرخام المصقول، بينما استقرت يده اليسرى بقوة مرعبة على مقبض مسدسه الفضي الذي لم يتوقف عن لفظ الموت بدقة متناهية نحو المقتحمين.
تشنج فكه العريض بصرامة وحشية، واشتعل بريق عينيه الرماديتين بنار جهنم وببريق أعمى نابع من هوسه المجنون بحماية الفتاة الراقدة في سراديب الملجأ تحت الأرض. تحركت تقاطيع وجهه القاسي بانسيابية فهد يستعد للانقضاض، متجاهلاً طعنات الألم الفظيع التي كانت تخترق أحشائه وتمزق غرزه الداخلية مع كل نفس يجلبه إلى رئتيه المنهكتين. لم يلتفت نحو (ماركو) الواقف بجانبه، ولم يطلب دعماً من الطبيب؛ بل ظل يوجه الأوامر العسكرية الصارمة عبر جهاز اللاسلكي المشفر برصانة باردة تعكس سلطته المطلقة وجبروته الذي يخشاه الشمال بأكمله.
"ماركو، الخدعة التكتيكية تسير كما خططتُ لها تماماً، الأوغاد من عائلة ليون يظنون أنهم اخترقوا جبهتنا الأمامية، ولا يعلمون أنهم يدخلون بأقدامهم إلى المسلخ الذي أعددتُه لهم في الوادي السفلي،" خرج صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة القائد الأرستقراطي البارد الذي يحرك قطع الشطرنج البشري بالدم والنار. "حرك فصائل النخبة الثالثة فوراً لتطويق الممر الضيق، وأغلق منافذ التراجع خلف سياراتهم المدرعة. أريد إبادة شاملة وضارية لا تترك لهم عيناً تطرف أو رصاصة تعود إلى روما."
أومأ ماركو برأسه باحترام مطلق وعميق، وعدل خوذته القتالية السوداء، واندفع نحو الممرات الداخلية ليعيد توجيه القوات بناءً على إشارات زعيمه الشاب. بقي أليساندرو بمفرده في مواجهة النيران، تراقبه عيون حراسه الشخصيين الواقفين خلف الأعمدة الرخامية بذهول يملؤه الولاء الأعمى؛ فالرجل الذي كان قبل ساعات يصارع غيبوبة الموت والحمى المطبقة، يقف الليلة كإله الحرب والدمار يقود الجيوش ويفتدي نفوذ عائلته ونقاء معشوقته بأكمله بكبرياء يرفض الانكسار.
استغرق في تأمل المشهد المشتعل عبر الوادي، وتدفق في وعيه ذلك الربط السري والمعقد بين هذه الحرب الشرسة وصورة إيلينا: "هذه النيران التي تحرق تلال فيسولي الليلة ليست سوى القربان الذي أقدمه لحماية نقائكِ الطاهر يا حارسة التاريخ. أعدائي جاءوا بجيوشهم لانتزاعكِ من ظلي، ليثبتوا لعائلات صقلية أن وحش الشمال كسرته رغبته. هم لا يعلمون أن هوسي بكِ قد منحني قوة مضاعفة وجعل من دمي وقوداً لإبادة عروشهم بالكامل. سأحطم تحالفهم تحت أقدامي، وسأجعل من دماء رجال ليون بحيرات تغسل خطايا فلورنسا، لتعلم عائلات روما بأكملها أن الكلمة التي تخرج من شفتي أليساندرو تصبح قانوناً بالدم، وأن المرأة التي أصلحت جسدي بأصابعها الباردة قد أصبحت العهد الصامت والملكة غير المتوجة للكامورا، ولن ينال من طهرها أحد وأنا أتنفس."
اضطربت خطوط النيران في الأسفل فجأة، وصدر دوي انفجارات شديدة ومتلاحقة أعلنت عن نجاح الفخ العسكري وأطباق خناق رجال الكامورا حول عنق جيوش ليون المتحالفة في الوادي. بدأت السيارات المدرعة للأعداء تتفجر وتتحول إلى ركام مشتعل، وتعالت صرخات الرجال المحتضرين لتصل إلى مسامع أليساندرو كترانيم نصر تليق بكبريائه المطعون. رفع مسدسه الفضي مجدداً، وأطلق وابلاً من الرصاص بدقة صقرية نحو فرقة قناصة تسللت عبر الأشجار المحيطة بالسور الجانبي، ليرديهم قتلى في ثوانٍ معدودة دون أن تطرف له جفن أو تهتز يده الموشومة.
سار بركود مخيف نحو طاولة القيادة الإلكترونية المثبتة في الشرفة، وتأمل مؤشرات الدفاع الشامل للقصر. كانت الخطوط الخضراء تعلن عن استعادة السيطرة بالكامل على كافة المحاور الأمامية والخلفية للتلال، وتراجع جيوش صقلية ونابولي أمام بطش وضراوة رجال الشمال. ارتسمت على شفتيه الحادتين تلك الابتسامة الغامضة، المظلمة، والمليئة بـالعنفوان الساخر؛ فالقيصر الشاب قد أثبت للقدر مجدداً أن ظله لا ينكسر، وأن نفوذه الطاغي يزداد صلابة وقسوة كلما حاصرته الخيانة وطعنته في الظهر.
وفجأة، وفي وسط هذه النشوة العسكرية ونقاء النصر الوشيك، انقطع إيقاع اللاسلكي المشفر بحركة صاعقة ومفاجئة قلبت موازين الغرفة والشرفة بأسره.
خرج صوت رئيس حرس السراديب السفلية عبر الجهاز، صوتاً يملؤه الذعر الصادم، ومصحوباً بـحشرجات ودوي طلقات رصاص قريبة وعنيفة: "دون أليساندرو! لدينا اختراق قاتل وصامت من الجرف الخلفي للقصر! فرقة انتحارية صغيرة من قناصي النخبة لعائلة ليون نجحت في تسلق الصخور المتداعية ونسفت البوابة الخلفية للملجأ السفلي! إنهم الآن يشتبكون مع رجالنا داخل السراديب مباشرة! الفتاة.. إيلينا هي الهدف الأساسي، ويبدو أنهم وصلوا إلى عنق حصنها المنيع!"
انقبض قلب أليساندرو بعنف، واجتاحته موجة مرعبة، مجنونة، وصاعقة من الغضب الشيطاني والهوس الأعمى الذي شل حركة وعيه لثانية واحدة قبل أن يحوله إلى وحش حقيقي كسر كل حدود العقل. تحولت عيناه الرماديتين في لمحة إلى شفرتين من الجمر المشتعل، وانقبض فكه العريض بقوة مرعبة كادت أن تحطم أسنانه، ورمى بـجهاز اللاسلكي بعنف ليتفتت فوق الرخام، واستدار بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة، متناسياً جرح خاصرته النازف وغمر الضمادات بالدم الدافئ، واندفع كالإعصار المدمر نحو الأدراج الداخلية المؤدية إلى الأعماق السفلية للقصر.
"ماركو! خذ رجال النخبة واتبعني إلى الملجأ! سأبيدهم جميعاً بيدي!" صرخ بصوت رعدي افزع الحراس الواقفين وهز أركان الجناح الغربي بالكامل، ممسكاً بمسدسه الفضي بقوة، وخطواته الثقيلة السريعة تصدر صدىً مخيفاً يصبغ الممرات بنبرة من الموت المطلق الذي لا يرحم أحداً.
اندفع أليساندرو عبر الأدراج الحجرية الضيقة للسراديب، ورائحة الدم والبارود بدأت تزداد كثافة مع كل خطوة يهبطها نحو الأسفل. كانت عيناه ترصدان جثث رجاله الملقاة في الممرات، مما زاد من اشتعال نيران هوسه وجنونه السري؛ فالمرأة النظيفة التي جعل من حمايتها واجبه الشخصي تعرضت للخطر في قلب حصنه، وهذا يعكس كسر كبريائه وتهديد الملكية الخاصة التي فرضها على روحها. لم يكن يشعر بألم جرحه، ولم يكن يفكر في نفوذ الكامورا السياسي؛ بل كان عقله الشارد يركز بالكامل على فكرة واحدة قاتلة: إبادة المقتحمين، وانتزاع إيلينا من بين مخالب الموت، وإعادة فرض ظله المطبق فوق أنفاسها مهما كان الثمن الجسدي والعسكري مدفوعاً.
كانت خطواته المتسارعة تعلن عن اقتراب لحظة الصفر، لحظة انكسار الطغيان وتحطم عروش الأعداء تحت أقدامه الصخرية في قلب سراديب الحصن المظلم، حيث لا وجود للقوانين ولا وجود للرحمة، فقط سلطة الرصاص والموت المطلق الذي يفرضه قيصر الشمال بكامل جبروته وسلطته الأرستقراطية الباردة التي كُتبت تفاصيلها بحبر من الدم والرماد والنار التي تلتهم بقايا السكينة في حياة بطلتنا المعذبة بجانبه.
تداخلت الأصوات في مسامعه مع اقترابه من البوابة الحديدية للملجأ؛ تعالت صرخات طلقات الرصاص الأوتوماتيكية وصراخ الرجال المحتضرين، ليعلم أن المعركة قد وصلت إلى عتبة غرفتها المحصنة. أحكم قبضته على سلاحه الفضي، وتقاطيع وجهه القاسي كستها ملامح شيطانية من الغضب العارم الذي ينذر بـالمجزرة الشاملة، مستعداً لاقتحام الدخان وإبادة آخر قناصي ليون بأبشع الطرق، وإثبات للقدر ولعائلات روما بأكملها أن من يتطاول على رغبة أليساندرو.. فقد كتب كفنه بيده وسيدفن في قاع جحيمه المظلم الذي لا يعرف معنى الرحمة أو التراجع.
انساب الدم الدافئ من خاصرته ليصبغ قميصه الأسود بالكامل، ومع ذلك ظل واقفاً، صامداً، ومندفعاً بكامل طوله المهيب كبرج من الصخر الصامت الذي لا يلين. كان هوسه بنقائها الطاهر يحركه كالآلية الحارقة، ويجعل من وجوده القدر المحتوم الذي سيغير مسار الحرب الشاملة في فلورنسا، ويفتح الباب أمام صعود العرش المظلم بجانبها، لتبدأ ترانيم معركة الفناء سطورها الأكثر دموية وعمقاً بحبر لا يمكن لمياه المطر أو دموع القهر محو أثره من سجلات مصيرهم المشترك بجانب وحش الشمال الشاب.
وفي تلك اللحظات الحرجة، كانت الجيوش المتحالفة بالخارج تتشتت بالكامل وتتراجع ذليلة أمام ضراوة وبطش رجال الكامورا الذين نفذوا خطة القيصر بدقة متناهية. تفجرت الحصون المؤقتة للأعداء في الوديان، وتناثرت جثث رجال ليون وصقلية فوق الأرصفة الحجرية لـتأكلها الكلاب الضالة، وتحولت تلال فيسولي إلى رماد وجحيم يعلن انتصار الشمال المطلق والسلطة الطاغية لـأليساندرو بالدم والنار. انقشعت العاصفة الخارجية بالكامل، وتراجعت أنفاس العدو إلى حدود روما، لتبدأ المعركة الحقيقية داخل السراديب السفلية للقصر، معركة تحديد مصير روح حارسة التاريخ بجانب قيصر الشمال الشاب بانتظار العهد الأبدي الذي سيربط نقاءها بناره المشتعلة إلى الأبد دون ترك أي مساحة للرحمة أو النسيان.
سار أليساندرو بخطوات رنانة صامتة وسط الدخان الكثيف الممتد في الممر السفلي، وعيناه الرماديتان ترصدان الباب الحديدي المدرع للملجأ الذي تعرض للنسف والتدمير الجزئي بالخيانة الغادرة. انقبض قلبه بغوص حاد من الترقب المشحون بالخوف السري عليها، وهو يرى آثار الرصاص مخترقة الخشب والفولاذ، ويستمع لأنفاس المقتحمين بالداخل الذين كانوا يحاولون النيل من براءتها النظيفة. لم يكن هناك وقت للمناقشة أو التراجع؛ بل اندفع كالقضاء المستطير ليفتح الباب بيده اليسرى ويطلق رصاصته الرعدية الأولى التي ستنهي وجود الخصوم وتكتب الفصل الجديد من فصول تملكه وهوسه المطبق الذي لا يرحم أحداً في قلعة الظل الكامورا.
كان السرد يتباطأ جداً في هذه اللحظات ليوصف بدقة حسية حادة انقباض عضلات صدره العريض المجهد، وحركة أصابعه الطويلة وهي تضغط على الزناد، وتفاصيل النور الأحمر الشاحب لصفارات الإنذار الذي يضرب وجهه الشاحب كالموت ليظهره كـملك بركاني استيقظ من سباته ليحمي عرشه ومستقبله بجانب المرأة التي جعلت من وجوده الترياق الوحيد لإنقاذ روحه الملتوعة من الفناء الشامل، لتكتمل ترانيم معركة الفناء بحبر لا يمكن للزمن محو أثره من سجلات حياتهم المشتركة داخل أسوار القصر الحصين المنيع.
تغلغلت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة داخل ممرات السراديب، لتعلن عن اقتراب نهاية الطغيان للأعداء وبدء مرحلة الحساب العنيف الذي يفرضه ببطشه الصارم. كان ماركو ورجال النخبة يتبعونه بسرعة، ويطهرون الغرف الجانبية من بقايا قناصي ليون المصدومين من سرعة رد الفعل وضراوة الهجوم المضاد للكامورا. تحول المكان إلى مسلخ حقيقي تسكنه الأرواح القلقة وتكتب سطوره الأولى بـرصاص وعنفوان قيصر الشمال، الذي أثبت للجميع أن الأرض التي يطأ عليها تصبح ملكاً خاصاً لنفوذه وسلطته المطلقة التي لا تجرؤ عائلات روما على مواجهتها مجدداً.
ومع اقترابه من الغرفة الفولاذية الداخلية حيث تقبع إيلينا، تفجر وعيه بـرغبة عارمة في رؤية عينيها العسليتين واسعتين ونقيتين، رغبة أنانية جعلته يتناسى آلام جرحه وتمزق أحشائه بالكامل، ويستمر في التقدم بثبات صخري وعنفوان صلب يرفض الانكسار أو التراجع. كان يعلم في قرارة نفسه أن معركته الليلة لم تكن لأجل نفوذ الكامورا المالي أو السيطرة السياسية على معابر المهربين؛ بل كانت معركة وجود وهوس مطلق للاحتفاظ بنور معشوقته حياً داخل ظله، وإثبات للقدر ولعائلات إيطاليا بأكملها أن من يتطاول على رغبة أليساندرو.. فقد كتب شهادة وفاته بيده وسيدفن في قاع جحيمه المظلم الذي لا يعرف معنى الرحمة أو النسيان.
وانتهى السير الطويل بـالوصول إلى عتبة الغرفة المحطمة، حيث انقشع الدخان الأسود الكثيف ليظهر من خلاله قيصر الشمال بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة، ممسكاً بمسدسه الفضي بيده اليمنى بثبات مرعب، وعيناه الرماديتين تشتعلان بنار جهنم وببريق الهوس الأعمى الذي جعل المهاجمين يتجمدون رعباً وتراجع خطوات إلى الوراء أمام حضوره المخيف، لتشتعل المعركة الشرسة والأخيرة داخل الملجأ وتكتب سطورها بحبر من الدم والرماد والنار التي تلتهم بقايا الأمان والسكينة في حياة حارسة التاريخ المعذبة بجانب زعيم المافيا الشاب بانتظار العهد الأبدي وصعود العرش المظلم في الفصول القادمة.
استمر أليساندرو في إطلاق النار ببرود قاتل وصارم، كل رصاصة تخرج من فوهة مسدسه الفضي كانت تعني نهاية حياة أحد المقتحمين وسقوط جثته الهامدة الغارقة في دمائها فوق الأرضية الفولاذية للملجأ، متجاهلاً النزيف الحاد الذي صبغ قميصه الأسود بلون قرمز دافئ ونازف. كان يتحرك بانسيابية فهد جريح يصارع الفناء لحماية ملكه، وعيناه لا تفارقان زاوية الأريكة المخملية حيث كانت إيلينا راكعة وتضع يديها على أذنيها برعب شلّ حركتها بالكامل، شاعراً برغبة عارمة في احتضان جسدها الرقيق المنهك وضمها إلى صدره العريض الصخري لتستمد من دفئه القوة التي تحتاجها لمواجهة الكابوس الذي يعصف بأيامها بجانبه.
تمت تصفية بقية المهاجمين في ثوانٍ معدودة؛ سقطوا جثثاً هامدة لا حراك فيها، وعاد الصمت ليحل ببطء على أرجاء السراديب السفلية، صمت ثقيل يخنقه رائحة البارود الكثيفة والدخان الذي تشابك في الهواء كأرواح قلقة تبحث عن مخرج من دهاليز الموت. سقط المسدّس الفضي من يد أليساندرو المرتجفة بفعل الضعف والإنهاك الجسدي الشامل، وارتطم بالفولاذ بصوت معدني حاد تردد صداه في الغرفة المعزولة، وتقدم نحوها بخطوات ثقيلة ومتعثرة جزئياً، ركع على ركبتيه فوق الأرضية الملوثة بالدم، ومد ذراعيه القويتين ليقبض على جسدها الرقيق ويسحبه بكامل ثقله نحو صدره، محتضناً إياها بهوس وجنون مطلق يمتزج بالدم والرماد والنار التي لا ترحم أحداً في قلعة الظل الكامورا بانتظار صعود العرش المظلم واستقرار الأنفاس بجانبه إلى الأبد.