/ مافيا / الظل / صدى الغياب

공유

صدى الغياب

last update 게시일: 2026-05-23 08:31:01

مرت خمسة أيام على تلك الليلة التي انشقت فيها السماء عن "الظل"، خمسة أيام بدت لإيلينا وكأنها دهر ممتد من السهد والترقب الذي لا ينتهي. كانت فلورنسا قد استعادت وجهها الصيفي المشمس، واغتسلت شوارعها من آثار المطر العنيف، وخرج السائحون يملأون الساحات الأثرية بضحكاتهم وصخبهم العابر. لكن داخل الشقة العتيقة ذات السقوف المرتفعة، كان الزمن قد توقف تماماً عند تلك اللحظة التي أُغلق فيها الباب خلف الرجال ذوي السترات السوداء. كان هناك ثقل غامض يلتف حول الجدران العاجية، وكأن الهواء نفسه قد احتفظ برائحة البارود، وكحول التطهير، وأنفاس الرجل الذي تلاعب بقوانين الموت على أرضيتها.

كانت إيلينا تقف في شرفتها الصغيرة المطلة على الزقاق الضيق، وتطوق جسدها الرقيق بذراعيها كأنها تحمي نفسها من برودة وهمية لا وجود لها إلا في أعماقها. كانت عيناها العسليتان، اللتان قرحهما السهر، ترقبان المارة في الأسفل بحذر غير معهود؛ كل حركة غريبة، كل سيارة سوداء تبطئ سرعتها عند المنعطف، وكل رجل يرتدي معطفاً داكناً، كان يجعل نبضات قلبها تتسارع بعنف، وتظن أن الكابوس يوشك أن يعيد إنتاج نفسه.

عادت إلى الداخل بخطوات ثاقبة، وتوجهت نحو غرفتها الفنية حيث يربض الحامل الخشبي. نظرت إلى لوحة القديس المجهول التي أمضت أشهراً في إعادة ترميمها، لكنها شعرت للمرة الأولى باغتراب شديد عن الألوان والأقمشة. الفرشاة التي كانت ذات يوم مصدر سلامها وعزلتها، بدت اليوم بين أصابعها ثقيلة وعاجزة عن خط تدوينة واحدة من السكينة. كان عقلها شارداً، مشتتاً بين تذكر ملامحه القاسية الحادة وهو غائب عن الوعي، وبين بريق عينيه الرماديتين الذي كاد أن يحرق براءتها عندما أطبق بقبضته على عنقها.

استسلمت لمونولوغها الداخلي، وجلست على مقعدها المرتفع، ويدها تمتد تلقائياً نحو جيب مئزرها لتخرج منه الغلاف الفضي الصغير لولاعة أليساندرو: "أنا لستُ سوى عابرة في تاريخ هذه المدينة، امرأة تعيش بين اللوحات الميتة لتتجنب قسوة الأحياء، فكيف سمحتُ لقدر المافيا بأن يطأ عتبتي؟ هذا المعدن البارد الذي أقبض عليه بيدي الآن.. إنه يحمل شعار الخنجر والتاج، رمز عائلة الكامورا التي تحرك مصائر البشر بالدم والنار. لقد رحل أليساندرو، وعاد إلى عرشه المظلم، لكنه ترك خلفه ظلاً لا يغادر زوايا بيتي، ونظرة رمادية أطاحت بكل الحصون التي بنيتُها طوال سنوات عزلتي."

قلبت الغلاف الفضي بين أصابعها النحيلة، وشعرت ببرودته تذكرها ببرودة أصابعه عندما طوقت عنقها. لم يكن الخوف هو الشعور الوحيد الذي يعتصرها، بل كان هناك فضول سري غامض، جاذبية مظلمة تنبعث من ذكرى ذلك الرجل؛ تناقض صارخ بين عالمها النقي وعالمه المليء بالرماد، جعلها تتساءل عن طبيعة الحياة التي يحياها رجل يرتعد الشمال الإيطالي بأكمله بمجرد ذكر اسمه.

وضعت التذكار الفضي على الطاولة بجانب فنجان قهوتها، وحاولت جاهدة إجبار عقلها على التركيز في العمل. غمست الفرشاة في طلاء ذهبي وبدأت تضع لمسات خفيفة على إطار اللوحة، لكن يدها ارتجفت قسراً لتسقط قطرة صغيرة من اللون فوق اللوحة وتفسد تناسقها. تنهدت بإحباط، ورمت الفرشاة أرضاً، وأسندت رأسها بين كفيها، مدركة أن السلام الذي صنعته لنفسها قد انكسر إلى غير رجعة، وأن "حارسة التاريخ" قد أصبحت أسيرة لصدى رجل غائب.

في الجانب الآخر من فلورنسا، وعلى تلال "فيسولي" الفاخرة حيث تصطف القصور الأثرية التي تحيط بها أشجار السرو العالية، كان يقبع قصر عائلة الكامورا المحصن. خلف الأسوار الحديدية العالية وبوابات الحراسة المشددة، يمتد عالم من الفخامة المظلمة؛ ممرات رخامية واسعة، وتماثيل قديمة، وجدران تغطيها لوحات لأسلاف عائلة أليساندرو الذين قادوا عالم الجريمة المنظمة لقرون.

داخل مكتبه الشاسع ذي الأثاث الكلاسيكي الفاخر، كان أليساندرو يجلس خلف طاولة مكتبه الكبيرة المصنوعة من خشب الأبنوس الأسود. كان يرتدي قميصاً حريرياً أسود اللون، ترك أزراره العلوية مفتوحة لتظهر بوضوح اللفائف البيضاء الطبية التي تضمد جرح خاصرته. ملامحه الرجولية القاسية كانت غارقة في ركود مخيف، وعيناه الرماديتين تحدقان في أوراق التقارير المالية والأمنية الملقاة أمامه، دون أن يبدي أي اهتمام حقيقي بها.

كان (ماركو) يقف أمامه بوقار واحترافية، يملأ كأساً من الكريستال بسائل ذهبي ويضعه برفق على الطاولة، قائلاً: "سيد أليساندرو، الشحنة في ميناء ليفورنو تمت تصفيتها وإعادة توزيعها بالكامل تحت إشراف رجالنا. عائلة ليون تراجعت إلى حدود روما بعد أن علموا بسلامتك وقضائنا على فرقة الاغتيال التابعة لهم في الملهى. الخونة داخل صفوفنا.. تم التعامل معهم كما تقتضي القوانين؛ لم يعد هناك من يجرؤ على التفكير في خيانتك."

لم يحرك أليساندرو ساكناً، ولم ينظر إلى ماركو. رفع يده اليمنى، وتأمل الوشم الممتد من معصمه إلى أصابعه، الوشم الذي يمثل شعار الخنجر والتاج. كان عقله في مكان آخر تماماً، بعيداً عن صراعات النفوذ والأموال؛ كان شاداً في تلك الردهة الدافئة ذات الرائحة الزكية لزيت الكتان، مسترجعاً صورة فتاة ذات عينين عسليتين واسعتين ونقيتين، فتاة واجهت قبضته المخيفة بكبرياء وثبات لم يره يوماً في أعتى رجاله.

شرب رشفة من كأسه، وسمح للحرارة بأن تحرق جوفه، ثم تحدث بصوت رخيم وعميق يحمل بحة السلطة المطلقة: "ماركو.. ما هي الأخبار عن الشقة الفنية في الزقاق الخلفي؟"

تنحنح ماركو، وبدا عليه التردد الطفيف قبل أن يجيب: "لقد وضعتُ ثلاثة من أفضل رجال النخبة لمراقبة محيط المبنى على مدار الساعة كما أمرتني يا سيدي. الفتاة.. إيلينا، تخرج كل صباح في تمام الساعة الثامنة متجهة نحو المتحف الصغير في وسط المدينة، وتعود مع غروب الشمس مباشرة. لم يقترب من مبناها أحد، وعالمها الساكن لم يمسسه أي سوء حتى الآن."

ضيق أليساندرو عينيه الرماديتين، وارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة غامضة ومظلمة، ابتسامة تنضح بالهوس والتعلق السري. قال بصوت منخفض: "إنها تعتقد أن رحيلي من شقتها يعني نهاية الحكاية، تعتقد أن بإمكانها العودة لترميم لوحاتها الميتة وكأن شيئاً لم يكن. لا تعلم أن النقاء الذي تملكه هو أندر خطيئة في عالمنا، وأنا لا أترك الأشياء النادرة تضيع من بين يدي."

"سيدي،" قال ماركو بنبرة تحذيرية هادئة نابعة من إخلاصه وخوفه على صديق عمره. "هذه الفتاة لا تنتمي لعالمنا، إنها مجرد مرممة فنية عادية، وإقحامها في شؤون الكامورا قد يجعلها هدفاً سهلاً لعائلة ليون إذا علموا بأنها سبب نجاتك. حمايتها من بعيد هي الخيار الأفضل لتجنب لفت الأنظار."

التفت أليساندرو نحو ماركو بسرعة، وبريق عينيه تحول إلى شفرتين من الجمر المشتعل الذي جعل ماركو يخفض رأسه غريزياً. وقف أليساندرو ببطء، ضاغطاً بيده اليسرى على جرحه الذي أرسل موجة ألم خفيفة، وسار نحو النافذة الكبيرة المطلة على تلال فلورنسا.

قال بصوت رصين يحمل حكماً نهائياً لا رجعة فيه: "الخوف ليس من القوانين التي تحكم عملي يا ماركو، بل من رغبتي التي لا أستطيع كبحها. هذه الفتاة وضعت أصابعها الناعمة على جبهتي المشتعلة بالحمى، وطردت الأشباح التي تلاحقني منذ طفولتي في ليلة واحدة. لقد أصلحت جسدي الممزق بالرصاص، وهذا يجعلها ملكاً خاصاً لأليساندرو. أعدائي يبحثون عن نقطة ضعف لنيل مني، وهم لا يعلمون أنني جعلتُ من حمايتها هوسي الأكبر."

التفت مجدداً إلى مكتبه، وزرّ سترة بذلته السوداء الفاخرة التي أُعدت له خصيصاً لتخفي الضمادات، وقال بصرامة: "جهز السيارة المدرعة والرجال يا ماركو. لقد أمضيتُ خمسة أيام في هذا القصر أستمع لتقارير الدم والرماد، وحان الوقت لكي يخرج الظل إلى النور، حان الوقت لأرى كيف تبدو حارسة التاريخ وهي تمارس بعث الألوان في متحفها."

انصاع ماركو للأمر دون نقاش، وخرج بسرعة لترتيب الموكب السري للزعيم الشاب. ظل أليساندرو واقفاً بمفرده في المكتب، يتأمل أفق المدينة الذي بدأ يكتسي بلون الشفق الوردي. كان يشعر بأن القدر قد ساق هذه الفتاة إليه بالصدفة، لكنه لن يترك بقية الحكاية للصدف؛ سيجعلها جزءاً من عالمه المظلم، وسيجبر نقاءها على التعايش مع ناره، حتى لو كان ذلك يعني حرق فلورنسا بأكملها للاحتفاظ بها بجانبه.

في هذه الأثناء، كانت إيلينا قد غادرت شقتها أخيراً، غير قادرة على تحمل العزلة والانتظار القاتل بين جدران بيتها. سارت عبر الشوارع الحجرية العتيقة لفلورنسا، مستنشقة الهواء النقي، ومحاولة إقناع نفسها بأن الحياة ستعود لمجراها الطبيعي، وأن رجل المافيا المخيف لن يعود أبداً للا mengetق من هدوئها. وصلت إلى مبنى المتحف القديم، وهو بناء ذو طراز معماري قوطي رائع، ودخلت من البوابة الحديدية الضخمة لتلوذ بمحرابها المعتاد بين اللوحات والتماثيل الرخامية التي تفهم صمتها وتشاركها عزلتها.

توجهت نحو القاعة الكبرى للمتحف، حيث كانت تستند لوحة زيتية ضخمة تحتاج لبعض الترميمات العاجلة أمام الجمهور كجزء من العروض الحية للمتحف. ارتدت مئزرها الأبيض، وأمسكت بأدواتها، وبدأت تعمل ببطء، محاولة إغراق وعيها في تفاصيل القماش الفني. لكن صدى الغياب كان أقوى من مهارتها؛ فكل ضربة فرشاة كانت تذكرها بضربات قلبه القوية، وكل لون داكن كانت تخلطه يذكرها بلون الدماء التي صبغت عتبة بيتها.

لم تكن تعلم أن السيارات السوداء المدرعة التابعة لعائلة الكامورا قد بدأت بالفعل تتوزع في الشوارع المحيطة بالمتحف، وأن "الظل" قد غادر قلعته المحصنة، وأنه يوشك على اقتحام عالمها الساكن في وضح النهار، ليعلن عن بداية فصل جديد من الهوس والنار، فصل لن تكون فيه الألوان كافية لحماية حارسة التاريخ من مصيرها المحتوم بجانب زعيم المافيا الشاب.

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • الظل   تحت الأرض

    انزلقت الموكب التكتيكي السوداء المؤلف من ثلاث سيارات مصفحة ضخمة ورباعية الدفع ببطء شديد وحذر أمني قاطع داخل الأزقة الخلفية الضيقة والمنعزلة لحي "تراستيفيري" الأثري في قلب روما؛ كانت خيوط الضباب الصباحي البارد تتصاعد من أرصفة الحجارة العتيقة كأردية هلامية تحجب الرؤية وتضفي غموضاً ساحراً على المعالم الرومانية القديمة. توقفت السيارات داخل باحة هادئة ومسقوفة لمستودع نبيذ أثري مهجور يعود تاريخ تشييده إلى القرن السابع عشر، وهو الموقع الطبوغرافي الدقيق الذي حددته إيلينا بذكائها الفذ كمدخل سري ونادر يربط أحياء السطح بـ "قنوات الغسق" المائية السفلية الممتدة تحت أساسات العاصمة. هبط ماركو أولاً من المقعد الأمامي للسيارة القيادية بكامل بنيته العضلية الفارهة وقامته الشامخة التي تسد الأفق كالجبل الصخر؛ كان يرتدي درعه التكتيكي الأسود، ويده القوية تحكم قبضتها حول السلاح الآلي المزود بكاشف حراري وكتم صوتي متطور. تفحص ماركو زوايا المستودع المظلم بعينين الحادتين اللتين تشبهان الشفرات القاطعة، موزعاً رجال النخبة من جيوش الشمال على النقاط الأمنية للباحة بآلية عسكرية ميتة شلت أي احتم

  • الظل   انفلات الحصان الاسود

    خيمت على الضواحي النائية والمعزولة لعاصمة روما عاصفة رعدية هوجاء، ومحملة بـرياح عاتية وأمطار غزيرة انهمرت كـالسيول الداكنة بـقسوة فوق الأسقف القوطية والجدران الخرسانية العتيقة لـلقصر المهجور؛ كانت صواعق البرق الخاطفة تشق استار الظلام الدامس بين الثنية والأخرى، لـتلقي بـأضواء هلامية زرقاء وشديدة السطوع عبر النوافذ المصفحة المغلقة لـلمخبأ السري لعائلة الكامورا. أحدثت الطبيعة الهائرة بـخارج القصر صخباً مجنوناً وصفيراً مرعباً ابتلع كافة الأصوات الخافتة، لـتتحول المساحات الطبوغرافية والمحيط الجغرافي الخارجي إلى مسرح مظلم، لزج، ومغلف بـالغموض الأمني الخانق الذي يحبس أنفاس أعتى القادة والرجال، محولاً ثنايا الليل إلى كابوس تتداخل فيه رائحة الأتربة المبتلة بـأثير الكبريت المنبعث من الصواعق.وفي عمق الممر الغربي المظلم والمؤدي إلى المنافذ السفلية الأثرية لـلقصر الأرستقراطي، كان ماركو يقف بكامل قامته العضلية الفارهة وبنيته الشامخة التي تسد الفراغ كـالدرع الفولاذي المنيع؛ كان يرتدي سترته التكتيكية السوداء المقاومة للمطر والحرارة، ويده القوية تعصر مقبض بندقيته الآلية المزودة بـمكبر بصري

  • الظل   عرش الرماد

    انغلقت الأبواب الخشبية السميكة للجناح الداخلي المعزول بـصوت مصمت قطع كل صلة للأبطال بـفضاء القصر الخارجي، ليحل صمت حذر وطاغٍ امتزج بـرائحة الأثاث المعتق وأثير البارود الميت العالق فوق الجدران؛ حيث كان الضوء الشاحب والمنكسر من خلف الستائر المخملية الداكنة يرسم ظلالاً طويلة ومرعبة لـقامة أليساندرو الفارهة الشامخة التي سدت أفق المكان بجبروت أرستقراطي لم ينحنِ يوماً أمام الأعاصير. تقدم القيصر الشاب نحو طاولة القراءة المرمرية الوسطى، وجلس بكامل بنيته العضلية المهيبة، وعيناه الرماديتين اللتين تشبهان الرخام الصقيل تلمعان بـبريق ناري مستعر ينم عن الهوس المطلق والشغف الشرس نحو إيلينا؛ كانت ذراعه اليمنى الموشومة بـرأس الخنجر والتاج الملكي تنزف ببطء، والدماء القانية الدافئة تسيل بغزارة لتصبغ بشرته الفولاذية الممزقة إثر رصاصة النهر الغادرة التي تلقاها فداءً لسلامة نبضها الطاهر.وقفت إيلينا على مسافة قصيرة منه بجسدها الرقيق النبيل، وهي تحتضن الحقيبة المصفحة بقوة ضد صدرها المنهك كأنها تتمسك بـآخر ما تبقى من براءتها الضائعة؛ كان قلبها معتصراً بـالوجع الحارق والشجن الوجداني العارم جراء صدم

  • الظل   ملاذ

    استقرت العجلات الضخمة والمصفحة للسيارة التكتيكية داخل الباحة السفلية المظلمة والمشيدة من الخرسانة المسلحة والفولاذ السميك؛ حيث انغلق خلفهم الباب الهيدروليكي العملاق لـلمخبأ السري الجديد بـدوي حديدي مكتوم، لـيعلن عزل الأبطال الأربعة بالكامل عن جحيم روما المشتعلة بالخارج. كان هذا المعقل السري لعائلة الكامورا يقبع في الضواحي النائية والمعزولة للعاصمة، وهو عبارة عن قصر أرستقراطي قديم ومهجور من القرن الثامن عشر، تم تحصينه وتحديث أجزائه السفلية الممتدة تحت الأرض بـأحدث تقنيات الرصد الراداري، وغرف العمليات المعزولة، والجدران المصفحة ضد الانفجارات الكبرى؛ ليتحول إلى قلعة صخرية منيعة لا تطولها أعين الخصوم أو رادارات عائلة "ليون".دلف ماركو أولاً بخطواته العسكرية الرنانة الموزونة، وقامته الفارهة الشامخة تسد الأفق والظل كـالحصن الحامي؛ ورغم نزيف كتفه الأيمن الذي تيبس فوق درعه الممزق، إلا أن الصرامة الصخرية والجفاف الميداني لم يفارقا ملامحه الرجولية الحادة. تفحص ماركو زوايا الباحة بـعينين شبيهتين بـالشفرات القاطعة، وأشار لـرجالات النخبة من جيوش الشمال الذين انتشروا بـأسلحتهم الآلية عند

  • الظل   شظايا نهر التيبر

    انشقت عتمة المجرى المائي الأثري الخانقة أخيراً عن فتحة دائرية واسعة ومغطاة بـقضبان حديدية متآكلة، نفذت من خلالها خيوط الضباب الصباحي الأبيض الكثيف الذي كان يغمر ضفاف نهر "التيبر" في العاصمة روما بـغطاء هلامي بارد. دفع ماركو البوابة الحديدية بـعزم جسده الصخر وبنيته العضلية الفارهة، لـتتحطم الأقفال الصدئة بصرير خافت ابتلعه صوت تدفق مياه النهر الرمادية المضطربة؛ ودلف الأبطال الأربعة واحداً تلو الآخر نحو الرصيف الحجري المهجور للضفة السفلى، وهم يتنفسون الصعداء بعد الكيلومترات الطويلة التي قطعوها في جوف الأرض، حيث اختلطت برودة الطقس الصباحي بـأنفاس الفتاتين المتهدجة وأثير البارود الميت العالق فوق ثياب الحراس. كان الضباب يفرض غموضاً بصرياً مطلقاً، ويحجب الرؤية لأمتار قليلة، مما جعل المحيط الميداني برميلاً مغلقاً من الترقب والحذر العسكري الصارم؛ تقدم ماركو الموكب الميداني لـتأمين مسار الصعود نحو الشارع العلوي حيث تنتظرهم سيارات الدعم البديلة، بينما كان أليساندرو يحكم ذراعه القوية حول خصر إيلينا النحيل التي كانت تحتضن الحقيبة المصفحة بـثبات ونبل أرستقراطي لم تزعزعه مرارة

  • الظل   المسافة إلى الهاوية

    انطبقت البوابة الحجرية السميكة لفتحة التصريف خلف الأبطال الأربعة بصرير ثقيل ومصمت، كأنه يغلق خلفهم بوابات الدنيا بأسرها ويقذف بهم في غياهب العدم. تسرب الصمت المطبق ببطء شديد، ليحل بدلاً من أوركسترا الرصاص الحامية التي تركت جحيمها يغلي فوق المذبح المهدم بالخارج؛ وحلّت برودة قارصة، لزجة، وذات رائحة كبريتية معتقة انبعثت من جوف المجرى المائي الأثري القديم الذي يمتد لعدة كيلومترات تحت أساسات روما العتيقة. كانت المياه الآسنة والباردة كالثلج ترتفع لتغمر أقدامهم حتى الركبتين، وتتحرك ببطء وتدفق رتيب فوق البلاطات الرومانية المصقولة التي تآكلت بفعل قرون من الرطوبة والعزلة، مما جعل كل خطوة يخطونها بمثابة صراع تكتيكي شاق ضد الانزلاق والسقوط في جوف العتمة.كان ماركو يتقدم المسير المائي بخطى بطيئة وموزونة للغاية، رافعاً كشافه التكتيكي ذا الإشعاع الأحمر الذي صبغ وجه المياه اللامع بجداول دموية غريبة تلاقت مع الظلال الطويلة المنعكسة فوق الجدران المقوسة للنفق الحجري. كان كتفه الأيمن ينزف ببطء، وتختلط قطرات دمائه الدافئة بمياه المجرى الباردة، لكن ملامحه الرجولية الصارمة ظلت كالصخر الأصم الذي ل

  • الظل   هدنة بطعم الدموع

    انسلّ نهار فلورنسا الذهبي ببطء شديد من بين شقوق الستائر المخملية العريضة للجناح الشرقي، ليترك مكانه لغسق قرمزي حزين يصبغ التلال المحيطة بقصر الكامورا بلون يشبه مساحيق الدم الجاف. كان الصمت داخل الغرفة الملكية ثقيلاً، مشحوناً برائحة حطب الصنوبر المشتعل في المدفأة الحجرية الكبيرة، والذي كان يت

  • الظل   عتبات الجحيم العاجي

    كانت سيارات الدفع الرباعي السوداء والمدرعة تشق طريقها الصاعد عبر المنحدرات المتعرجة لتلال "فيسولي" كأنها قطيع من الوحوش الحديدية التي تفر من أضواء فلورنسا المتلاشية في الأفق. كان رذاذ المطر الناعم يضرب النوافذ الزجاجية المعتمة للسيارة الخلفية الفارهة، ليرسم خطوطاً مائية متعرجة تشبه الندوب ال

  • الظل   إلى عرش الظلام

    كانت الدقائق التي تلت تلك المجزرة الرهيبة تمر على إيلينا كأنها مسامير من الجليد تُدق في وعيها المنهك. لم تعد تشعر ببرودة الأرض الخشبية تحت جسدها، ولا برذاذ المطر الناعم الذي بدأ يتسلل مجدداً عبر النوافذ المحطمة ليمتزج بغبار الجدران المتداعية. كان كل ما يحيط بها قد استحال إلى رماد؛ لوحاتها ال

  • الظل   انكسار الحصن

    لم يكن السكون الذي لفّ شقة إيلينا في تلك الليلة سوى غشاء رقيق يخفي خلفه مخالب الموت. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وتحولت أزقة فلورنسا القديمة إلى سراديب من العتمة التي لا يكسرها سوى وميض مصباح الشارع النحاسي الشاحب، الذي كان يرسل ضوءاً أصفر مريضاً يرتعش عبر زجاج نافذتها. كان الهو

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status