Home / مافيا / الظل / صدى الغياب

Share

صدى الغياب

last update publish date: 2026-05-23 08:31:01

مرت خمسة أيام على تلك الليلة التي انشقت فيها السماء عن "الظل"، خمسة أيام بدت لإيلينا وكأنها دهر ممتد من السهد والترقب الذي لا ينتهي. كانت فلورنسا قد استعادت وجهها الصيفي المشمس، واغتسلت شوارعها من آثار المطر العنيف، وخرج السائحون يملأون الساحات الأثرية بضحكاتهم وصخبهم العابر. لكن داخل الشقة العتيقة ذات السقوف المرتفعة، كان الزمن قد توقف تماماً عند تلك اللحظة التي أُغلق فيها الباب خلف الرجال ذوي السترات السوداء. كان هناك ثقل غامض يلتف حول الجدران العاجية، وكأن الهواء نفسه قد احتفظ برائحة البارود، وكحول التطهير، وأنفاس الرجل الذي تلاعب بقوانين الموت على أرضيتها.

كانت إيلينا تقف في شرفتها الصغيرة المطلة على الزقاق الضيق، وتطوق جسدها الرقيق بذراعيها كأنها تحمي نفسها من برودة وهمية لا وجود لها إلا في أعماقها. كانت عيناها العسليتان، اللتان قرحهما السهر، ترقبان المارة في الأسفل بحذر غير معهود؛ كل حركة غريبة، كل سيارة سوداء تبطئ سرعتها عند المنعطف، وكل رجل يرتدي معطفاً داكناً، كان يجعل نبضات قلبها تتسارع بعنف، وتظن أن الكابوس يوشك أن يعيد إنتاج نفسه.

عادت إلى الداخل بخطوات ثاقبة، وتوجهت نحو غرفتها الفنية حيث يربض الحامل الخشبي. نظرت إلى لوحة القديس المجهول التي أمضت أشهراً في إعادة ترميمها، لكنها شعرت للمرة الأولى باغتراب شديد عن الألوان والأقمشة. الفرشاة التي كانت ذات يوم مصدر سلامها وعزلتها، بدت اليوم بين أصابعها ثقيلة وعاجزة عن خط تدوينة واحدة من السكينة. كان عقلها شارداً، مشتتاً بين تذكر ملامحه القاسية الحادة وهو غائب عن الوعي، وبين بريق عينيه الرماديتين الذي كاد أن يحرق براءتها عندما أطبق بقبضته على عنقها.

استسلمت لمونولوغها الداخلي، وجلست على مقعدها المرتفع، ويدها تمتد تلقائياً نحو جيب مئزرها لتخرج منه الغلاف الفضي الصغير لولاعة أليساندرو: "أنا لستُ سوى عابرة في تاريخ هذه المدينة، امرأة تعيش بين اللوحات الميتة لتتجنب قسوة الأحياء، فكيف سمحتُ لقدر المافيا بأن يطأ عتبتي؟ هذا المعدن البارد الذي أقبض عليه بيدي الآن.. إنه يحمل شعار الخنجر والتاج، رمز عائلة الكامورا التي تحرك مصائر البشر بالدم والنار. لقد رحل أليساندرو، وعاد إلى عرشه المظلم، لكنه ترك خلفه ظلاً لا يغادر زوايا بيتي، ونظرة رمادية أطاحت بكل الحصون التي بنيتُها طوال سنوات عزلتي."

قلبت الغلاف الفضي بين أصابعها النحيلة، وشعرت ببرودته تذكرها ببرودة أصابعه عندما طوقت عنقها. لم يكن الخوف هو الشعور الوحيد الذي يعتصرها، بل كان هناك فضول سري غامض، جاذبية مظلمة تنبعث من ذكرى ذلك الرجل؛ تناقض صارخ بين عالمها النقي وعالمه المليء بالرماد، جعلها تتساءل عن طبيعة الحياة التي يحياها رجل يرتعد الشمال الإيطالي بأكمله بمجرد ذكر اسمه.

وضعت التذكار الفضي على الطاولة بجانب فنجان قهوتها، وحاولت جاهدة إجبار عقلها على التركيز في العمل. غمست الفرشاة في طلاء ذهبي وبدأت تضع لمسات خفيفة على إطار اللوحة، لكن يدها ارتجفت قسراً لتسقط قطرة صغيرة من اللون فوق اللوحة وتفسد تناسقها. تنهدت بإحباط، ورمت الفرشاة أرضاً، وأسندت رأسها بين كفيها، مدركة أن السلام الذي صنعته لنفسها قد انكسر إلى غير رجعة، وأن "حارسة التاريخ" قد أصبحت أسيرة لصدى رجل غائب.

في الجانب الآخر من فلورنسا، وعلى تلال "فيسولي" الفاخرة حيث تصطف القصور الأثرية التي تحيط بها أشجار السرو العالية، كان يقبع قصر عائلة الكامورا المحصن. خلف الأسوار الحديدية العالية وبوابات الحراسة المشددة، يمتد عالم من الفخامة المظلمة؛ ممرات رخامية واسعة، وتماثيل قديمة، وجدران تغطيها لوحات لأسلاف عائلة أليساندرو الذين قادوا عالم الجريمة المنظمة لقرون.

داخل مكتبه الشاسع ذي الأثاث الكلاسيكي الفاخر، كان أليساندرو يجلس خلف طاولة مكتبه الكبيرة المصنوعة من خشب الأبنوس الأسود. كان يرتدي قميصاً حريرياً أسود اللون، ترك أزراره العلوية مفتوحة لتظهر بوضوح اللفائف البيضاء الطبية التي تضمد جرح خاصرته. ملامحه الرجولية القاسية كانت غارقة في ركود مخيف، وعيناه الرماديتين تحدقان في أوراق التقارير المالية والأمنية الملقاة أمامه، دون أن يبدي أي اهتمام حقيقي بها.

كان (ماركو) يقف أمامه بوقار واحترافية، يملأ كأساً من الكريستال بسائل ذهبي ويضعه برفق على الطاولة، قائلاً: "سيد أليساندرو، الشحنة في ميناء ليفورنو تمت تصفيتها وإعادة توزيعها بالكامل تحت إشراف رجالنا. عائلة ليون تراجعت إلى حدود روما بعد أن علموا بسلامتك وقضائنا على فرقة الاغتيال التابعة لهم في الملهى. الخونة داخل صفوفنا.. تم التعامل معهم كما تقتضي القوانين؛ لم يعد هناك من يجرؤ على التفكير في خيانتك."

لم يحرك أليساندرو ساكناً، ولم ينظر إلى ماركو. رفع يده اليمنى، وتأمل الوشم الممتد من معصمه إلى أصابعه، الوشم الذي يمثل شعار الخنجر والتاج. كان عقله في مكان آخر تماماً، بعيداً عن صراعات النفوذ والأموال؛ كان شاداً في تلك الردهة الدافئة ذات الرائحة الزكية لزيت الكتان، مسترجعاً صورة فتاة ذات عينين عسليتين واسعتين ونقيتين، فتاة واجهت قبضته المخيفة بكبرياء وثبات لم يره يوماً في أعتى رجاله.

شرب رشفة من كأسه، وسمح للحرارة بأن تحرق جوفه، ثم تحدث بصوت رخيم وعميق يحمل بحة السلطة المطلقة: "ماركو.. ما هي الأخبار عن الشقة الفنية في الزقاق الخلفي؟"

تنحنح ماركو، وبدا عليه التردد الطفيف قبل أن يجيب: "لقد وضعتُ ثلاثة من أفضل رجال النخبة لمراقبة محيط المبنى على مدار الساعة كما أمرتني يا سيدي. الفتاة.. إيلينا، تخرج كل صباح في تمام الساعة الثامنة متجهة نحو المتحف الصغير في وسط المدينة، وتعود مع غروب الشمس مباشرة. لم يقترب من مبناها أحد، وعالمها الساكن لم يمسسه أي سوء حتى الآن."

ضيق أليساندرو عينيه الرماديتين، وارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة غامضة ومظلمة، ابتسامة تنضح بالهوس والتعلق السري. قال بصوت منخفض: "إنها تعتقد أن رحيلي من شقتها يعني نهاية الحكاية، تعتقد أن بإمكانها العودة لترميم لوحاتها الميتة وكأن شيئاً لم يكن. لا تعلم أن النقاء الذي تملكه هو أندر خطيئة في عالمنا، وأنا لا أترك الأشياء النادرة تضيع من بين يدي."

"سيدي،" قال ماركو بنبرة تحذيرية هادئة نابعة من إخلاصه وخوفه على صديق عمره. "هذه الفتاة لا تنتمي لعالمنا، إنها مجرد مرممة فنية عادية، وإقحامها في شؤون الكامورا قد يجعلها هدفاً سهلاً لعائلة ليون إذا علموا بأنها سبب نجاتك. حمايتها من بعيد هي الخيار الأفضل لتجنب لفت الأنظار."

التفت أليساندرو نحو ماركو بسرعة، وبريق عينيه تحول إلى شفرتين من الجمر المشتعل الذي جعل ماركو يخفض رأسه غريزياً. وقف أليساندرو ببطء، ضاغطاً بيده اليسرى على جرحه الذي أرسل موجة ألم خفيفة، وسار نحو النافذة الكبيرة المطلة على تلال فلورنسا.

قال بصوت رصين يحمل حكماً نهائياً لا رجعة فيه: "الخوف ليس من القوانين التي تحكم عملي يا ماركو، بل من رغبتي التي لا أستطيع كبحها. هذه الفتاة وضعت أصابعها الناعمة على جبهتي المشتعلة بالحمى، وطردت الأشباح التي تلاحقني منذ طفولتي في ليلة واحدة. لقد أصلحت جسدي الممزق بالرصاص، وهذا يجعلها ملكاً خاصاً لأليساندرو. أعدائي يبحثون عن نقطة ضعف لنيل مني، وهم لا يعلمون أنني جعلتُ من حمايتها هوسي الأكبر."

التفت مجدداً إلى مكتبه، وزرّ سترة بذلته السوداء الفاخرة التي أُعدت له خصيصاً لتخفي الضمادات، وقال بصرامة: "جهز السيارة المدرعة والرجال يا ماركو. لقد أمضيتُ خمسة أيام في هذا القصر أستمع لتقارير الدم والرماد، وحان الوقت لكي يخرج الظل إلى النور، حان الوقت لأرى كيف تبدو حارسة التاريخ وهي تمارس بعث الألوان في متحفها."

انصاع ماركو للأمر دون نقاش، وخرج بسرعة لترتيب الموكب السري للزعيم الشاب. ظل أليساندرو واقفاً بمفرده في المكتب، يتأمل أفق المدينة الذي بدأ يكتسي بلون الشفق الوردي. كان يشعر بأن القدر قد ساق هذه الفتاة إليه بالصدفة، لكنه لن يترك بقية الحكاية للصدف؛ سيجعلها جزءاً من عالمه المظلم، وسيجبر نقاءها على التعايش مع ناره، حتى لو كان ذلك يعني حرق فلورنسا بأكملها للاحتفاظ بها بجانبه.

في هذه الأثناء، كانت إيلينا قد غادرت شقتها أخيراً، غير قادرة على تحمل العزلة والانتظار القاتل بين جدران بيتها. سارت عبر الشوارع الحجرية العتيقة لفلورنسا، مستنشقة الهواء النقي، ومحاولة إقناع نفسها بأن الحياة ستعود لمجراها الطبيعي، وأن رجل المافيا المخيف لن يعود أبداً للا mengetق من هدوئها. وصلت إلى مبنى المتحف القديم، وهو بناء ذو طراز معماري قوطي رائع، ودخلت من البوابة الحديدية الضخمة لتلوذ بمحرابها المعتاد بين اللوحات والتماثيل الرخامية التي تفهم صمتها وتشاركها عزلتها.

توجهت نحو القاعة الكبرى للمتحف، حيث كانت تستند لوحة زيتية ضخمة تحتاج لبعض الترميمات العاجلة أمام الجمهور كجزء من العروض الحية للمتحف. ارتدت مئزرها الأبيض، وأمسكت بأدواتها، وبدأت تعمل ببطء، محاولة إغراق وعيها في تفاصيل القماش الفني. لكن صدى الغياب كان أقوى من مهارتها؛ فكل ضربة فرشاة كانت تذكرها بضربات قلبه القوية، وكل لون داكن كانت تخلطه يذكرها بلون الدماء التي صبغت عتبة بيتها.

لم تكن تعلم أن السيارات السوداء المدرعة التابعة لعائلة الكامورا قد بدأت بالفعل تتوزع في الشوارع المحيطة بالمتحف، وأن "الظل" قد غادر قلعته المحصنة، وأنه يوشك على اقتحام عالمها الساكن في وضح النهار، ليعلن عن بداية فصل جديد من الهوس والنار، فصل لن تكون فيه الألوان كافية لحماية حارسة التاريخ من مصيرها المحتوم بجانب زعيم المافيا الشاب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   مجالس المال

    ما إن أُسدل الستار على جلسة التوقيع الكبرى في قاعة العرش الاستراتيجية بقصر الكامورا، واستقرت بنود "ميثاق الشمال" في يد القيادة العليا، حتى انتقل ثقل الأحداث والاهتمامات الإمبراطورية إلى صالون الاستقبال الملكي الفسيح؛ حيث كان أباطرة المال، كبار المستثمرين، ونُبلاء الأقاليم التجارية المجاورة ينتظرون بلهفة بالغة وترقب حذر للحصول على موطئ قدم أو حصة استثمارية في العهد القيصري الجديد. لم تكن العاصمة روما تحكم بالسلاح والحديد وحدهما، بل كان الاقتصاد والأسواق هما الركيزة الكبرى التي تُبنى عليها دعائم الإمبراطورية، وهو ما أدركه أليساندرو جيداً حين قرر أن تدار عمليات إعادة الاعمار التجاري تحت رقابة صارمة ومباشرة من شفرات عقل ملكته.امتد الصالون الملكي الفسيح بأعمدته الرخامية السوداء الضخمة المطرزة بصفائح الفضة الخالصة والنوافذ القوسية الطويلة التي تعكس أشعة الشمس المائلة على الأرضيات المرمرية المصقولة بدقة، بينما انسابت في الخلفية نغمات أوركسترا كلاسيكية هادئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة تليق بحجم التحولات التاريخية الكبرى. وفي منتصف المنصة الهندسية المرتفعة، وقفت إيلينا ب

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار. كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار.كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من الكريستال النمساوي الثق

  • الظل   سكون العواصف

    انحسرت آخر ظلال المواجهة الميدانية والدماء المتناثرة عن أفق العاصمة روما، لـتستقر الإمبراطورية في هدوء أرستقراطي مهيب وعميق يعكس ثبات العرش القيصري وسطوة الكامورا التي لا تقهر ولا تلين، وكأن التاريخ يكتب فصوله الجديدة بمداد من حديد وذهب. وفي هذا المساء الاستثنائي الذي لفّ أسوار قصر الكامورا المصفح والمعلق بـكبرياء فوق هضاب التافر، تراجعت حدة التوتر العسكري والإنذارات الاستخبارية الحادة لـتفسح المجال أمام أفق زمني جديد ومجيد تتشكل فيه ملامح السلام الأبدي وإعادة صياغة مقدرات الشمال بـأكمله، تحت راية القيصر أليساندرو ورفيقته الملكة إيلينا، لـتطوي المدينة صفحة الصراعات الدامية وتفتح أبواب العصر الذهبي للسيادة المطلقة والتشييد الإمبراطوري الشامل.كانت الحديقة الخلفية للقصر تحفة بصرية ناطقة بالفخامة الإيطالية العتيقة والمهابة المطلقة؛ إذ تتوسطها نافورة أثرية منحوتة بـدقة من حجر البازلت الأسود الصخري، تتدفق منها مياه نقية متدفقة تعكس أضواء المشاعل النحاسية الموزعة بانتظام دقيق على طول الممرات المرمرية الواسعة والأعمدة الرخامية المرتفعة التي تحمل تاريخ العائلات المالكة. وفي قلب هذه

  • الظل   مواثيق المستثمرين

    لم تكد شمس الفجر الذهبية تعلن اكتمال التطوير الأمني وتأمين القطاعات التحتية لـأنفاق العاصمة روما، حتى تحولت الشرفات الملكية والأروقة المصفحة لـقصر الكامورا الإمبراطوري إلى مقصدٍ لـكبار المستثمرين، أباطرة التجارة، ونُبلاء الأقاليم المجاورة الذين سارعوا لـحجز موطئ قدم لهم في العهد القيصري الجديد. كانت الرغبة العارمة في ضخ رؤوس الأموال وإعادة بناء الأسطول التجاري عبر الموانئ الشمالية هي العنوان الأبرز لـهذا الحشد الأرستقراطي، عقب القضاء الشامل على ابتزاز المحفل المظلم وتطهير أحياء المدينة من شبكات الجريمة والتسلل.امتد الصالون الإمبراطوري الشاسع بـأعمدته الرخامية السوداء المطرزة بـالفضة ونوافذه القوسية الضخمة التي تعكس زهاء النهار على الثريات الكريستالية الثقيلة، حيث انسابت نغمات أوركسترا كلاسيكية دافئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة. وفي منتصف الشرفة القيصرية الشامخة المطلة على ضفاف نهر التافر والجسر الإمبراطوري العتيق، التفت النخب المالية حول المنصة الهندسية التي وضعتها الملكة إيلينا لـعرض مخططات التطوير الهيكلي لـلأسواق والموانئ، وسط حراسة مشددة من فرسان الشمال المصف

  • الظل   حصاد التطهير

    لم تكن الساعات الأولى التي تلت صدور أوامر الإغلاق الهيدروليكي وتأمين المحاور التحتية لـأنفاق العاصمة سوى ملحمة حاسمة كشفت عن السطوة المطلقة لـعرش الكامورا الجديد؛ حيث استكملت فرسان القيصر المصفحة عملية التمشيط الدقيقة في الأحياء العتيقة والقطاعات المتاخمة لـنهر التافر. تهاوت آخر المعاقل الخفية التي اختبأت فيها فلول المحفل المظلم، لـتُسحب أدوات الابتزاز، والخرائط المزورة، وشحنات السلاح غير المشروعة تحت الحراسة العسكرية المشددة، ويتحول الليل الداجي في روما إلى فجر قاطع أزاح عن صدر المدينة أطياف الخيانة والذعر إلى غير رجعة.في قاعة العرش والمراقبة العليا بـالبرج الإمبراطوري الشامخ، كانت الأجواء المفعمة بـالترقب القتالي تبث الدفء والمهابة الصارمة في الأثير. تناثرت المخطوطات الهندسية المحدثة والتقارير الميدانية النهائية فوق الطاولة الأبنوسية العملاقة المطرزة بـالفضة والرخام الأسود، بينما انعكست أضواء القناديل الكريستالية الدافئة على الأسوار العتيقة والمقاعد الجلدية الفاخرة التي شهدت صياغة الدستور السري لـالحكم القيصري. خفت صدى أجهزة الاتصالات التكتيكية لـتفسح المجال أمام هدوء أر

  • الظل   هدنة بطعم الدموع

    انسلّ نهار فلورنسا الذهبي ببطء شديد من بين شقوق الستائر المخملية العريضة للجناح الشرقي، ليترك مكانه لغسق قرمزي حزين يصبغ التلال المحيطة بقصر الكامورا بلون يشبه مساحيق الدم الجاف. كان الصمت داخل الغرفة الملكية ثقيلاً، مشحوناً برائحة حطب الصنوبر المشتعل في المدفأة الحجرية الكبيرة، والذي كان يت

  • الظل   خيوط القدر

    استحالت فلورنسا مع اقتراب خيوط الفجر الأولى إلى مدينة من الضباب الشاحب، كأنما تلاشت معالمها الأثرية خلف ستار من الأسرار والغموض. لم يعد صوت الرعد بالخارج بتلك العنفوانية التي كان عليها قبل ساعات، بل تحول إلى دوي خافت وبعيد، يتردد صداه بين الجبال المحيطة بإقليم توسكانا كأنه زئير وحش جريح ينسحب ببطء

  • الظل   حارسة التاريخ

    في الجانب الآخر من المدينة، حيث لا يجرؤ صخب الرصاص على تدنيس حرمة التاريخ، كانت شقة (إيلينا) تبدو وكأنها ملاذ آمن معزول عن العالم بأسره، أو سفينة خشبية عتيقة تمخر عباب ليلة عاصفة دون أن تخشى الغرق. لم يكن بيتها مجرد مكان للسكن، بل كان امتداداً لروحها؛ جدران مرتفعة يغطيها طلاء عاجي تقشرت بعض أطرافه

  • الظل   ظلال فلورنسا

    كانت فلورنسا في تلك الليلة تبدو وكأنها لوحة زيتية قديمة سُكبت فوقها ألوان قاتمة من الحبر والرماد. لم يكن المطر مجرد ماء ينهمر من السماء، بل كان أشبه بدموع ثقيلة تجري فوق وجنات التماثيل الرخامية المنتصبة في الساحات العتيقة، وتغسل أرصفة الشوارع الحجرية الضيقة التي شهدت على قرون من المؤامرات والدماء.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status