首頁 / مافيا / الظل / هدوء ما قبل العاصفة

分享

هدوء ما قبل العاصفة

last update publish date: 2026-05-23 03:54:05

استقرت في الردهة برودة مفاجئة أثقل من غسق الموت، وتبخرت تلك السكينة الصباحية الشاحبة التي صنعتها أشعة الشمس فوق اللوحات الفنية. لم يعد دوي العاصفة الطبيعية هو ما يرعب إيلينا، بل تلك العاصفة البشرية القادمة من دهاليز الخيانة والدم. كانت الخطوات الثقيلة المتسارعة بالخارج تصدر صدىً معدنياً مرعباً فوق حجر السلالم العتيقة للمبنى، خطوات مدروسة ومسلحة، لا تخص عابري سبيل، بل تخص صيادين يقتفون أثر طريد مصاب.

كان أليساندرو قد تحول في أجزاء من الثانية من رجل جريح يصارع الحمى إلى كتلة متحركة من الغريزة والخطورة المطلقة. انقبضت عضلات جسده العريض، ورغم الألم اللاقاذع الذي يمزق غرز خاصرته مع كل تحرك، وقف بكامل طوله المهيب كبرج من الصخر البركاني. كانت عيناه الرماديتين تدوران في أرجاء الشقة كصقر يبحث عن مخرج أو سلاح، وفكه العريض الحاد تشنج بصرامة تعكس استعداده للمواجهة حتى اللحظق الأخيرة.

التفت نحو إيلينا، التي كانت تقف في وسط الغرفة وقد تيبست أطرافها تماماً، وكأن الدماء قد تجمدت في عروقها. كان وجهها شاحباً كبياض اللوحات غير المرسومة، وعيناها العسليتان متسعتين بذعر حاد وهي تنظر إلى مقبض الباب الخشبي العتيق، الذي بدأ يتحرك ببطء من الخارج، كأن هناك من يحاول اختبار قفله الحديدي.

تحرك أليساندرو بصمت مطبق، واندفع نحوها، ممسكاً بكتفيها الرقيقتين ببراعة وقوة خفيفة، وسحبها خلف جدار سميك يفصل الردهة عن غرفتها الفنية، حامياً إياها بجسده الضخم. ونبس بنبرة منخفضة للغاية، حادة وعميقة كشفرة السكين: "لا تنبسي ببنت شفة. ابقي هنا ولا تتحركي مهما حدث بالخارج. إذا اقتحموا المكان، تظاهري بأنكِ لا تعرفينني، وأنني اقتحمتُ بيتكِ عنوة."

نظرت إليه إيلينا وعيناها تملؤهما دموع التوتر، وشعرت بحرارة كفيه تخترق قماش مئزرها الملطخ بالألوان. لم تكن خائفة على نفسها فقط؛ بل كان هناك خوف غامض وسري في أعماقها على حياة هذا الرجل الذي أمضت ليلتها ترمم جسده. أمست قريبة منه لدرجة سماع دقات قلبه القوية والمضطربة، ورائحة دمه التي عادت لتفوح مجدداً امتزجت برائحة ثيابها الناعمة.

وفجأة، وقبل أن يتخذ أليساندرو وضعية الهجوم العزل، دَوَى صوت طرقات ثلاث منتظمة وقوية على الباب الخشبي. لم تكن طرقات همجية كطرقات الأعداء، بل كانت إيقاعاً سرياً وخاصاً يعرفه أليساندرو جيداً؛ إيقاع مشفر لا يفهمه سوى رجال النخبة في عائلة الكامورا.

تنفّس أليساندرو الصعداء ببطء، وتراخت عضلات كتفيه العريضين حركية طفيفة، لكن عينيه لم تفقدا حذرهما. التفت إلى إيلينا، وقال بصوت هامس: "إنه ماركو. رجالي قد وجدوا طريقي."

خطا أليساندرو نحو الباب بخطوات وئيدة ومستندة بيده على جرحه، ثم فتح القفل الحديدي بيده اليسرى. انفتح الباب بسرعة ليندفع من خلاله (ماركو)، الذراع الأيمن لأليساندرو، وكان يرتدي معطفاً أسود طويلاً مبللاً بالمطر، وعيناه القلقتان تدوران في المكان بحدة، وخلفه في الممر كان يظهر رجلان ضخما البنية من الحراس الشخصيين، يرتدون نظارات سوداء ويضعون أيديهم تحت ستراتهم تأهباً لأي خطر.

"سيد أليساندرو! بالرب.. أنت حي!" هتف ماركو بنبرة يمتزج فيها الارتياح الشديد بالاحترام المطلق، وتقدم ليجثو بنصف ركبة أمام زعيمه الشاب. "لقد قلبنا شوارع فلورنسا بحثاً عنك منذ البارحة. ظننا أن الأوغاد من عائلة ليون قد نالوا منك بعد النزيف."

"الظل لا يموت في الشوارع الخلفية يا ماركو،" أجابه أليساندرو برود أرستقراطي بارد، وصوت عميق يعيد فرض سلطته المطلقة. "تحدث باختصار؛ ما هو الوضع في الخارج؟"

"لقد طهرنا الملهى السفلي بالكامل، ولم يبقَ أحد من المهاجمين على قيد الحياة ليروي الحكاية. لكن المدينة تغلي، وعائلة ليون تبحث عن جثتك للتأكد من نجاح خطتهم. السيارات مؤمنة في الأسفل، والطبيب الخاص ينتظرك في القصر الآمن خارج الإقليم،" قال ماركو مسرعاً، ثم التفتت نظراته الحادة فجأة نحو الداخل، لتقع على إيلينا الواقفة في الظل.

استلّ ماركو مسدسه المخفي بحركة غريزية، ووجهه نحوها متسائلاً بخشونة: "من هذه المرأة يا سيدي؟ هل هي من طرفهم؟ هل رأت شيئاً؟"

"أنزل سلاحك فوراً يا ماركو قبل أن أقطع يدك،" دَوَى صوت أليساندرو رخيماً، حاداً كقطع الرصاص، ويحمل أمراً نهائياً لا يجرؤ أحد على مناقشته. تجمد ماركو في مكانه، وأنزِل سلاحه بسرعة، مخفضاً رأسه اعتذاراً.

التفت أليساندرو ببطء نحو إيلينا. كانت نظراته الرمادية في تلك اللحظة تحمل مزيجاً غريباً ومعقداً من المشاعر؛ كانت هناك جاذبية مظلمة، وامتنان عميق يرفض كبرياؤه صياغته بكلمات عادية، وهوس سري بدأ ينبت في أعماق روحه تجاه هذه الفتاة النظيفة التي أنقذته. تلاقت عيناهما في صمت طويل، صمت كان أبلغ من أي حوار فصيح.

خطا خطوة نحوها، متجاهلاً تحذيرات ماركو بضرورة المغادرة الفورية. وقف أمامها مباشرة، ليبدو طوله الفارع وبنيته العريضة مسيطرين على المكان. نظر إلى يديها المرتجفتين، ثم إلى مئزرها، ونبس بنبرة منخفضة وعميقة سرت في جسدها كتيار كهربائي دافئ: "لقد أعَدْتِ رسم قدري الليلة الماضية يا حارسة التاريخ. أصلحتِ جسداً ظن الموت أنه ملكه، وهذا دَين لا تنساه عائلة الكامورا.. ولا ينساه أليساندرو أبداً."

لم تجبه إيلينا؛ كانت تكتفي بالنظر إليه بعينين عسليتين يملؤهما مزيج من الخوف والانبهار المخفي. كانت تشعر بأن هذا الرجل يملك سلطة مرعبة حتى وهو مصاب، وأن كلماته ليست مجرد وعود عابرة، بل هي قيود غير مرئية تلتف حول حياتها المستقبلية.

تابع أليساندرو كلماته، وعيناه تثبتان نظراتهما في عينيها كأنه ينقش ملامحها في ذاكرته إلى الأبد: "رحيلي الآن هو حمايتكِ الوحيدة. سأترك هذا المكان لتستعيدي هدوء لوحاتكِ، ولكن تذكري جيداً.. الظل الذي آويتِهِ في ليلة ممطرة، لن يترككِ لقمة سائغة لأي خطر قد يلحق بكِ بسبب خطيئتكِ الإنسانية في إنقاذي."

التفت أليساندرو نحو رجاله دون أن ينتظر ردها، وتحرك بخطوات ثابتة رغم الألم، مستجمعاً كل قوته لئلا يظهر عجزاً أمام حراسه. أحاط به ماركو والرجال، وخرجوا سريعاً من الشقة، لتغلق الأبواب خلفهم، ويتحول صخب حركتهم إلى هدوء متلاشٍ تدريجياً مع هبوطهم درجات السلالم وتواري صوت سياراتهم في أزقة فلورنسا البعيدة.

عادت الشقة إلى سكونها القاتل، لكنه لم يكن ذلك السكون القديم الذي كانت تعشقه إيلينا؛ بل كان هدوءاً مشحوناً بركام الأحداث، هدوء ما قبل العاصفة التي تدرك أنها قادمة لا محالة.

سارت إيلينا بخطوات واهية ومترددة نحو وسط الردهة. نظرت إلى الأرض الخشبية الفاخرة؛ كانت خالية من الدماء بفضل تنظيفها الدقيق، لكن غطاء الصوف الثقيل كان ملقى بإهمال على المقعد، ويحمل ثنيات شكل جسده الضخم. اقتربت من الطاولة، لتجد وعاء الشاي الذي صنعته له قد أصبح بارداً تماماً، وبجانبه رأت شيئاً لم تلاحظه من قبل.

كان هناك غلاف فضي صغير وثمين، يخص ولاعة السجائر الفاخرة لأليساندرو، والمحفور عليها شعار الخنجر والتاج بدقة متناهية؛ يبدو أنه سقط منه أثناء نهوضه المفاجئ. التقطت الغلاف بأصابعها الرقيقة، وشعرت ببرودة المعدن تخترق جلدها، وكأنه تذكير مادي بأن كل ما حدث لم يكن حُلماً عابراً من أحلام اليقظة، بل كان واقعاً ملموساً غيّر مجرى حياتها.

استسلمت إيلينا لمونولوغها الداخلي، وجلست أمام حامل لوحتها الزيتية القديمة، ممسكة بالغلاف الفضي بين كفيها: "لقد رحل.. غادر الظل محرابي وعاد إلى عالمه المليء بالدماء والرماد. ولكن، هل غادر حقاً؟ رائحة دمائه وكحول التطهير لا تزال عالقة في أركان هذه الغرفة، ونظرات عينيه الرماديتين المخيفتين تكاد تظهر لي من خلف كل لوحة أتأملها. لقد أنقذتُ حياته، ونذرتُ نفسي للفن، لكنني أشعر الليلة بأنني وهبتُ روحي لوحش لن يرحم نقائي إذا عاد يوماً ليطالب بالدَين."

نظرت إلى لوحة القديس المجهول؛ بدا وكأن الألوان التي أعادت إحياءها قد فقدت بريقها أمام واقعية الخطر الذي عاشته. كانت تدرك في أعماقها أن حياتها الهادئة، وعزلتها الاختيارية، وعملها المنعزل في ترميم التاريخ قد انتهت كلها في اللحظة التي فتحت فيها الباب تحت المطر. لقد أصبحت جزءاً من حكاية "الظل"، والحكايات مع المافيا لا تنتهي أبداً برحيل السيارات.

في الجانب الآخر من المدينة، وداخل قصر عتيق ومحصن يقع على تلال فلورنسا الخضراء، كان أليساندرو يجلس في شرفة مكتبه الواسع المطل على المدينة بأكملها. كان الطبيب الخاص قد أعاد فحص جرحه وتضميده بعناية، واضعاً له المضادات الحيوية للسيطرة على الحمى. كان ماركو يقف بجانبه، يعرض عليه التقارير الجديدة عن تحركات عائلة ليون ومواقع الخونة الذين ساعدوا في الكمين.

لكن أليساندرو لم يكن يستمع لكل تلك التفاصيل؛ كانت عيناه الرماديتين تحدقان في أفق فلورنسا المغطى ببقايا الضباب الفضي، وعقله مستغرق بالكامل في هوس جديد ومفاجئ. كان يرفض وضع يده فوق جرحه، ليس كبرياءً هذه المرة، بل لأن لمسات أصابع إيلينا الناعمة والباردة التي وضعتها فوق جبهته في ليلة البارحة كانت لا تزال عالقة في مسام جلده، تمنحه دفئاً داخلياً لم يختبره طوال حياته القاسية.

كان يتذكر كل تفصيل فيها؛ عينيها العسليتين المليئتين بالطهر، شجاعتها الصامتة أمام قبضته التي كانت تطوق عنقها، ومئزرها الملطخ بالألوان الذي يعكس عالماً ناصعاً لا يعرف الخيانة. شعر برغبة عارمة، برغبة تملؤها الأنانية والهوس والتعلق، في حماية هذا النقاء وفي امتلاكه أيضاً، في ألا يسمح لعالم المافيا القذر بأن يمس شعرة واحدة من رأسها، وفي المقابل، ألا يسمح لها بأن تنسى وجوده يوماً.

نبس أليساندرو بصوت منخفض، رخيم وعميق، متجاهلاً كلام ماركو تماماً: "إيلينا.. لقد ظننتِ أنكِ رممتِ جسداً ميتاً يا حارسة التاريخ، لكنكِ لا تعلمين أنكِ فتحتِ أبواب الجحيم على نفسكِ، لأن الظل إذا عشق.. يحرق كل ما حوله ليحتفظ بنور معشوقته."

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • الظل   المرمر والحبر

    توغل الأبطال الأربعة بـخطى حذرة وموزونة في جوف النفق الأثري العريض، حيث أخذت القنوات المائية تزداد عمقاً وضيقاً، وأضحت أقدامهم تشق المياه الآسنة الباردة بـصوت رتيب يتردد صداه الخافت بين الأقبوة الرخامية المقوسة لـروما السفلية. كانت جدران القبو الأثري الممتد تحت أحياء القيصر القديم مغطاة بـطبقات كثيفة من العفن والأحجار الجيرية المتآكلة التي امتصت برودة القرن السابع عشر، بينما كانت خيوط الرطوبة الثقيلة تنهمر كـالدموع الباردة من السقف الرخامي لـتتساقط فوق أكتاف الرجال وستراتهم التكتيكية السوداء. خيّم صمت أمني خانق ومشحون بـأثير البارود الميت والترقب القتالي القاطع، حيث تحول المجرى المائي إلى شريان أثري معزول بالكامل عن العالم الخارجي، لا يقطعه سوى صفير الهواء القادم من فتحات التهوية العمودية المهجورة. كان ماركو يتقدم الموكب القتالي بكامل بنيته العضلية الضخمة وقامته الشامخة الفارهة، يمسك بـبندقيته الآلية القاطعة بـقبضة فولاذية دافئة لم تتأثر بـبرودة المكان؛ كانت عيناه الحادتان الشبيهتان بـالشفرات ترصدان بـتصويب حراري دقيق أدنى حركة في زوايا الظلام الدامس، متقدماً بـ

  • الظل   تحت الأرض

    انزلقت الموكب التكتيكي السوداء المؤلف من ثلاث سيارات مصفحة ضخمة ورباعية الدفع ببطء شديد وحذر أمني قاطع داخل الأزقة الخلفية الضيقة والمنعزلة لحي "تراستيفيري" الأثري في قلب روما؛ كانت خيوط الضباب الصباحي البارد تتصاعد من أرصفة الحجارة العتيقة كأردية هلامية تحجب الرؤية وتضفي غموضاً ساحراً على المعالم الرومانية القديمة. توقفت السيارات داخل باحة هادئة ومسقوفة لمستودع نبيذ أثري مهجور يعود تاريخ تشييده إلى القرن السابع عشر، وهو الموقع الطبوغرافي الدقيق الذي حددته إيلينا بذكائها الفذ كمدخل سري ونادر يربط أحياء السطح بـ "قنوات الغسق" المائية السفلية الممتدة تحت أساسات العاصمة. هبط ماركو أولاً من المقعد الأمامي للسيارة القيادية بكامل بنيته العضلية الفارهة وقامته الشامخة التي تسد الأفق كالجبل الصخر؛ كان يرتدي درعه التكتيكي الأسود، ويده القوية تحكم قبضتها حول السلاح الآلي المزود بكاشف حراري وكتم صوتي متطور. تفحص ماركو زوايا المستودع المظلم بعينين الحادتين اللتين تشبهان الشفرات القاطعة، موزعاً رجال النخبة من جيوش الشمال على النقاط الأمنية للباحة بآلية عسكرية ميتة شلت أي احتم

  • الظل   انفلات الحصان الاسود

    خيمت على الضواحي النائية والمعزولة لعاصمة روما عاصفة رعدية هوجاء، ومحملة بـرياح عاتية وأمطار غزيرة انهمرت كـالسيول الداكنة بـقسوة فوق الأسقف القوطية والجدران الخرسانية العتيقة لـلقصر المهجور؛ كانت صواعق البرق الخاطفة تشق استار الظلام الدامس بين الثنية والأخرى، لـتلقي بـأضواء هلامية زرقاء وشديدة السطوع عبر النوافذ المصفحة المغلقة لـلمخبأ السري لعائلة الكامورا. أحدثت الطبيعة الهائرة بـخارج القصر صخباً مجنوناً وصفيراً مرعباً ابتلع كافة الأصوات الخافتة، لـتتحول المساحات الطبوغرافية والمحيط الجغرافي الخارجي إلى مسرح مظلم، لزج، ومغلف بـالغموض الأمني الخانق الذي يحبس أنفاس أعتى القادة والرجال، محولاً ثنايا الليل إلى كابوس تتداخل فيه رائحة الأتربة المبتلة بـأثير الكبريت المنبعث من الصواعق.وفي عمق الممر الغربي المظلم والمؤدي إلى المنافذ السفلية الأثرية لـلقصر الأرستقراطي، كان ماركو يقف بكامل قامته العضلية الفارهة وبنيته الشامخة التي تسد الفراغ كـالدرع الفولاذي المنيع؛ كان يرتدي سترته التكتيكية السوداء المقاومة للمطر والحرارة، ويده القوية تعصر مقبض بندقيته الآلية المزودة بـمكبر بصري

  • الظل   عرش الرماد

    انغلقت الأبواب الخشبية السميكة للجناح الداخلي المعزول بـصوت مصمت قطع كل صلة للأبطال بـفضاء القصر الخارجي، ليحل صمت حذر وطاغٍ امتزج بـرائحة الأثاث المعتق وأثير البارود الميت العالق فوق الجدران؛ حيث كان الضوء الشاحب والمنكسر من خلف الستائر المخملية الداكنة يرسم ظلالاً طويلة ومرعبة لـقامة أليساندرو الفارهة الشامخة التي سدت أفق المكان بجبروت أرستقراطي لم ينحنِ يوماً أمام الأعاصير. تقدم القيصر الشاب نحو طاولة القراءة المرمرية الوسطى، وجلس بكامل بنيته العضلية المهيبة، وعيناه الرماديتين اللتين تشبهان الرخام الصقيل تلمعان بـبريق ناري مستعر ينم عن الهوس المطلق والشغف الشرس نحو إيلينا؛ كانت ذراعه اليمنى الموشومة بـرأس الخنجر والتاج الملكي تنزف ببطء، والدماء القانية الدافئة تسيل بغزارة لتصبغ بشرته الفولاذية الممزقة إثر رصاصة النهر الغادرة التي تلقاها فداءً لسلامة نبضها الطاهر.وقفت إيلينا على مسافة قصيرة منه بجسدها الرقيق النبيل، وهي تحتضن الحقيبة المصفحة بقوة ضد صدرها المنهك كأنها تتمسك بـآخر ما تبقى من براءتها الضائعة؛ كان قلبها معتصراً بـالوجع الحارق والشجن الوجداني العارم جراء صدم

  • الظل   ملاذ

    استقرت العجلات الضخمة والمصفحة للسيارة التكتيكية داخل الباحة السفلية المظلمة والمشيدة من الخرسانة المسلحة والفولاذ السميك؛ حيث انغلق خلفهم الباب الهيدروليكي العملاق لـلمخبأ السري الجديد بـدوي حديدي مكتوم، لـيعلن عزل الأبطال الأربعة بالكامل عن جحيم روما المشتعلة بالخارج. كان هذا المعقل السري لعائلة الكامورا يقبع في الضواحي النائية والمعزولة للعاصمة، وهو عبارة عن قصر أرستقراطي قديم ومهجور من القرن الثامن عشر، تم تحصينه وتحديث أجزائه السفلية الممتدة تحت الأرض بـأحدث تقنيات الرصد الراداري، وغرف العمليات المعزولة، والجدران المصفحة ضد الانفجارات الكبرى؛ ليتحول إلى قلعة صخرية منيعة لا تطولها أعين الخصوم أو رادارات عائلة "ليون".دلف ماركو أولاً بخطواته العسكرية الرنانة الموزونة، وقامته الفارهة الشامخة تسد الأفق والظل كـالحصن الحامي؛ ورغم نزيف كتفه الأيمن الذي تيبس فوق درعه الممزق، إلا أن الصرامة الصخرية والجفاف الميداني لم يفارقا ملامحه الرجولية الحادة. تفحص ماركو زوايا الباحة بـعينين شبيهتين بـالشفرات القاطعة، وأشار لـرجالات النخبة من جيوش الشمال الذين انتشروا بـأسلحتهم الآلية عند

  • الظل   شظايا نهر التيبر

    انشقت عتمة المجرى المائي الأثري الخانقة أخيراً عن فتحة دائرية واسعة ومغطاة بـقضبان حديدية متآكلة، نفذت من خلالها خيوط الضباب الصباحي الأبيض الكثيف الذي كان يغمر ضفاف نهر "التيبر" في العاصمة روما بـغطاء هلامي بارد. دفع ماركو البوابة الحديدية بـعزم جسده الصخر وبنيته العضلية الفارهة، لـتتحطم الأقفال الصدئة بصرير خافت ابتلعه صوت تدفق مياه النهر الرمادية المضطربة؛ ودلف الأبطال الأربعة واحداً تلو الآخر نحو الرصيف الحجري المهجور للضفة السفلى، وهم يتنفسون الصعداء بعد الكيلومترات الطويلة التي قطعوها في جوف الأرض، حيث اختلطت برودة الطقس الصباحي بـأنفاس الفتاتين المتهدجة وأثير البارود الميت العالق فوق ثياب الحراس. كان الضباب يفرض غموضاً بصرياً مطلقاً، ويحجب الرؤية لأمتار قليلة، مما جعل المحيط الميداني برميلاً مغلقاً من الترقب والحذر العسكري الصارم؛ تقدم ماركو الموكب الميداني لـتأمين مسار الصعود نحو الشارع العلوي حيث تنتظرهم سيارات الدعم البديلة، بينما كان أليساندرو يحكم ذراعه القوية حول خصر إيلينا النحيل التي كانت تحتضن الحقيبة المصفحة بـثبات ونبل أرستقراطي لم تزعزعه مرارة

  • الظل   أنفاس العدو

    في الجانب الجنوبي من إقليم توسكانا، حيث تلتقي التلال الخضراء بظلال قلاع روما القديمة، كان يمتد معقل عائلة "ليون"، العدو اللدود الذي لا ينام لشبكة الكامورا. في قصر ريفي مهيب يحيطه الغموض، كان يجلس (ليون) خلف طاولة بلياردو مصنوعة من الخشب العتيق، يمسك بعصا اللعب ويوجه ضربات قاسية ومركزة للكرات

  • الظل   الظل في النور

    كانت قاعة المتحف الكبرى تسبح في بحر من الضوء الطبيعي الخافت، الذي ينساب بنعومة عبر النوافذ الزجاجية المقوسة المرتفعة، ليلقي بظلال هندسية معقدة فوق الأرضيات الرخامية المصقولة. كان المكان يعج بالسكينة الأرستقراطية الوقورة؛ صدى خطوات الزوار المتباعدة، وهمساتهم الخافتة أمام تماثيل الرخام الأبيض التي تخ

  • الظل   صدى الغياب

    مرت خمسة أيام على تلك الليلة التي انشقت فيها السماء عن "الظل"، خمسة أيام بدت لإيلينا وكأنها دهر ممتد من السهد والترقب الذي لا ينتهي. كانت فلورنسا قد استعادت وجهها الصيفي المشمس، واغتسلت شوارعها من آثار المطر العنيف، وخرج السائحون يملأون الساحات الأثرية بضحكاتهم وصخبهم العابر. لكن داخل الشقة العتيقة

  • الظل   استيقاظ الوحش

    تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر شقوق الستائر المخملية لشقة إيلينا، لترسم خطوطاً مستقيمة من النور تتراقص فيها ذرات الغبار الفني الدقيق. كان الصباح قد حلّ بالكامل على مدينة فلورنسا، حاملاً معه هدوءاً غريباً يتدثر برائحة المطر الجاف على الأرصفة العتيقة. في هذا الصمت المشحون بالترقب، كانت الأنفاس داخل الر

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status