Home / مافيا / الظل / هدوء ما قبل العاصفة

Share

هدوء ما قبل العاصفة

last update publish date: 2026-05-23 03:54:05

استقرت في الردهة برودة مفاجئة أثقل من غسق الموت، وتبخرت تلك السكينة الصباحية الشاحبة التي صنعتها أشعة الشمس فوق اللوحات الفنية. لم يعد دوي العاصفة الطبيعية هو ما يرعب إيلينا، بل تلك العاصفة البشرية القادمة من دهاليز الخيانة والدم. كانت الخطوات الثقيلة المتسارعة بالخارج تصدر صدىً معدنياً مرعباً فوق حجر السلالم العتيقة للمبنى، خطوات مدروسة ومسلحة، لا تخص عابري سبيل، بل تخص صيادين يقتفون أثر طريد مصاب.

كان أليساندرو قد تحول في أجزاء من الثانية من رجل جريح يصارع الحمى إلى كتلة متحركة من الغريزة والخطورة المطلقة. انقبضت عضلات جسده العريض، ورغم الألم اللاقاذع الذي يمزق غرز خاصرته مع كل تحرك، وقف بكامل طوله المهيب كبرج من الصخر البركاني. كانت عيناه الرماديتين تدوران في أرجاء الشقة كصقر يبحث عن مخرج أو سلاح، وفكه العريض الحاد تشنج بصرامة تعكس استعداده للمواجهة حتى اللحظق الأخيرة.

التفت نحو إيلينا، التي كانت تقف في وسط الغرفة وقد تيبست أطرافها تماماً، وكأن الدماء قد تجمدت في عروقها. كان وجهها شاحباً كبياض اللوحات غير المرسومة، وعيناها العسليتان متسعتين بذعر حاد وهي تنظر إلى مقبض الباب الخشبي العتيق، الذي بدأ يتحرك ببطء من الخارج، كأن هناك من يحاول اختبار قفله الحديدي.

تحرك أليساندرو بصمت مطبق، واندفع نحوها، ممسكاً بكتفيها الرقيقتين ببراعة وقوة خفيفة، وسحبها خلف جدار سميك يفصل الردهة عن غرفتها الفنية، حامياً إياها بجسده الضخم. ونبس بنبرة منخفضة للغاية، حادة وعميقة كشفرة السكين: "لا تنبسي ببنت شفة. ابقي هنا ولا تتحركي مهما حدث بالخارج. إذا اقتحموا المكان، تظاهري بأنكِ لا تعرفينني، وأنني اقتحمتُ بيتكِ عنوة."

نظرت إليه إيلينا وعيناها تملؤهما دموع التوتر، وشعرت بحرارة كفيه تخترق قماش مئزرها الملطخ بالألوان. لم تكن خائفة على نفسها فقط؛ بل كان هناك خوف غامض وسري في أعماقها على حياة هذا الرجل الذي أمضت ليلتها ترمم جسده. أمست قريبة منه لدرجة سماع دقات قلبه القوية والمضطربة، ورائحة دمه التي عادت لتفوح مجدداً امتزجت برائحة ثيابها الناعمة.

وفجأة، وقبل أن يتخذ أليساندرو وضعية الهجوم العزل، دَوَى صوت طرقات ثلاث منتظمة وقوية على الباب الخشبي. لم تكن طرقات همجية كطرقات الأعداء، بل كانت إيقاعاً سرياً وخاصاً يعرفه أليساندرو جيداً؛ إيقاع مشفر لا يفهمه سوى رجال النخبة في عائلة الكامورا.

تنفّس أليساندرو الصعداء ببطء، وتراخت عضلات كتفيه العريضين حركية طفيفة، لكن عينيه لم تفقدا حذرهما. التفت إلى إيلينا، وقال بصوت هامس: "إنه ماركو. رجالي قد وجدوا طريقي."

خطا أليساندرو نحو الباب بخطوات وئيدة ومستندة بيده على جرحه، ثم فتح القفل الحديدي بيده اليسرى. انفتح الباب بسرعة ليندفع من خلاله (ماركو)، الذراع الأيمن لأليساندرو، وكان يرتدي معطفاً أسود طويلاً مبللاً بالمطر، وعيناه القلقتان تدوران في المكان بحدة، وخلفه في الممر كان يظهر رجلان ضخما البنية من الحراس الشخصيين، يرتدون نظارات سوداء ويضعون أيديهم تحت ستراتهم تأهباً لأي خطر.

"سيد أليساندرو! بالرب.. أنت حي!" هتف ماركو بنبرة يمتزج فيها الارتياح الشديد بالاحترام المطلق، وتقدم ليجثو بنصف ركبة أمام زعيمه الشاب. "لقد قلبنا شوارع فلورنسا بحثاً عنك منذ البارحة. ظننا أن الأوغاد من عائلة ليون قد نالوا منك بعد النزيف."

"الظل لا يموت في الشوارع الخلفية يا ماركو،" أجابه أليساندرو برود أرستقراطي بارد، وصوت عميق يعيد فرض سلطته المطلقة. "تحدث باختصار؛ ما هو الوضع في الخارج؟"

"لقد طهرنا الملهى السفلي بالكامل، ولم يبقَ أحد من المهاجمين على قيد الحياة ليروي الحكاية. لكن المدينة تغلي، وعائلة ليون تبحث عن جثتك للتأكد من نجاح خطتهم. السيارات مؤمنة في الأسفل، والطبيب الخاص ينتظرك في القصر الآمن خارج الإقليم،" قال ماركو مسرعاً، ثم التفتت نظراته الحادة فجأة نحو الداخل، لتقع على إيلينا الواقفة في الظل.

استلّ ماركو مسدسه المخفي بحركة غريزية، ووجهه نحوها متسائلاً بخشونة: "من هذه المرأة يا سيدي؟ هل هي من طرفهم؟ هل رأت شيئاً؟"

"أنزل سلاحك فوراً يا ماركو قبل أن أقطع يدك،" دَوَى صوت أليساندرو رخيماً، حاداً كقطع الرصاص، ويحمل أمراً نهائياً لا يجرؤ أحد على مناقشته. تجمد ماركو في مكانه، وأنزِل سلاحه بسرعة، مخفضاً رأسه اعتذاراً.

التفت أليساندرو ببطء نحو إيلينا. كانت نظراته الرمادية في تلك اللحظة تحمل مزيجاً غريباً ومعقداً من المشاعر؛ كانت هناك جاذبية مظلمة، وامتنان عميق يرفض كبرياؤه صياغته بكلمات عادية، وهوس سري بدأ ينبت في أعماق روحه تجاه هذه الفتاة النظيفة التي أنقذته. تلاقت عيناهما في صمت طويل، صمت كان أبلغ من أي حوار فصيح.

خطا خطوة نحوها، متجاهلاً تحذيرات ماركو بضرورة المغادرة الفورية. وقف أمامها مباشرة، ليبدو طوله الفارع وبنيته العريضة مسيطرين على المكان. نظر إلى يديها المرتجفتين، ثم إلى مئزرها، ونبس بنبرة منخفضة وعميقة سرت في جسدها كتيار كهربائي دافئ: "لقد أعَدْتِ رسم قدري الليلة الماضية يا حارسة التاريخ. أصلحتِ جسداً ظن الموت أنه ملكه، وهذا دَين لا تنساه عائلة الكامورا.. ولا ينساه أليساندرو أبداً."

لم تجبه إيلينا؛ كانت تكتفي بالنظر إليه بعينين عسليتين يملؤهما مزيج من الخوف والانبهار المخفي. كانت تشعر بأن هذا الرجل يملك سلطة مرعبة حتى وهو مصاب، وأن كلماته ليست مجرد وعود عابرة، بل هي قيود غير مرئية تلتف حول حياتها المستقبلية.

تابع أليساندرو كلماته، وعيناه تثبتان نظراتهما في عينيها كأنه ينقش ملامحها في ذاكرته إلى الأبد: "رحيلي الآن هو حمايتكِ الوحيدة. سأترك هذا المكان لتستعيدي هدوء لوحاتكِ، ولكن تذكري جيداً.. الظل الذي آويتِهِ في ليلة ممطرة، لن يترككِ لقمة سائغة لأي خطر قد يلحق بكِ بسبب خطيئتكِ الإنسانية في إنقاذي."

التفت أليساندرو نحو رجاله دون أن ينتظر ردها، وتحرك بخطوات ثابتة رغم الألم، مستجمعاً كل قوته لئلا يظهر عجزاً أمام حراسه. أحاط به ماركو والرجال، وخرجوا سريعاً من الشقة، لتغلق الأبواب خلفهم، ويتحول صخب حركتهم إلى هدوء متلاشٍ تدريجياً مع هبوطهم درجات السلالم وتواري صوت سياراتهم في أزقة فلورنسا البعيدة.

عادت الشقة إلى سكونها القاتل، لكنه لم يكن ذلك السكون القديم الذي كانت تعشقه إيلينا؛ بل كان هدوءاً مشحوناً بركام الأحداث، هدوء ما قبل العاصفة التي تدرك أنها قادمة لا محالة.

سارت إيلينا بخطوات واهية ومترددة نحو وسط الردهة. نظرت إلى الأرض الخشبية الفاخرة؛ كانت خالية من الدماء بفضل تنظيفها الدقيق، لكن غطاء الصوف الثقيل كان ملقى بإهمال على المقعد، ويحمل ثنيات شكل جسده الضخم. اقتربت من الطاولة، لتجد وعاء الشاي الذي صنعته له قد أصبح بارداً تماماً، وبجانبه رأت شيئاً لم تلاحظه من قبل.

كان هناك غلاف فضي صغير وثمين، يخص ولاعة السجائر الفاخرة لأليساندرو، والمحفور عليها شعار الخنجر والتاج بدقة متناهية؛ يبدو أنه سقط منه أثناء نهوضه المفاجئ. التقطت الغلاف بأصابعها الرقيقة، وشعرت ببرودة المعدن تخترق جلدها، وكأنه تذكير مادي بأن كل ما حدث لم يكن حُلماً عابراً من أحلام اليقظة، بل كان واقعاً ملموساً غيّر مجرى حياتها.

استسلمت إيلينا لمونولوغها الداخلي، وجلست أمام حامل لوحتها الزيتية القديمة، ممسكة بالغلاف الفضي بين كفيها: "لقد رحل.. غادر الظل محرابي وعاد إلى عالمه المليء بالدماء والرماد. ولكن، هل غادر حقاً؟ رائحة دمائه وكحول التطهير لا تزال عالقة في أركان هذه الغرفة، ونظرات عينيه الرماديتين المخيفتين تكاد تظهر لي من خلف كل لوحة أتأملها. لقد أنقذتُ حياته، ونذرتُ نفسي للفن، لكنني أشعر الليلة بأنني وهبتُ روحي لوحش لن يرحم نقائي إذا عاد يوماً ليطالب بالدَين."

نظرت إلى لوحة القديس المجهول؛ بدا وكأن الألوان التي أعادت إحياءها قد فقدت بريقها أمام واقعية الخطر الذي عاشته. كانت تدرك في أعماقها أن حياتها الهادئة، وعزلتها الاختيارية، وعملها المنعزل في ترميم التاريخ قد انتهت كلها في اللحظة التي فتحت فيها الباب تحت المطر. لقد أصبحت جزءاً من حكاية "الظل"، والحكايات مع المافيا لا تنتهي أبداً برحيل السيارات.

في الجانب الآخر من المدينة، وداخل قصر عتيق ومحصن يقع على تلال فلورنسا الخضراء، كان أليساندرو يجلس في شرفة مكتبه الواسع المطل على المدينة بأكملها. كان الطبيب الخاص قد أعاد فحص جرحه وتضميده بعناية، واضعاً له المضادات الحيوية للسيطرة على الحمى. كان ماركو يقف بجانبه، يعرض عليه التقارير الجديدة عن تحركات عائلة ليون ومواقع الخونة الذين ساعدوا في الكمين.

لكن أليساندرو لم يكن يستمع لكل تلك التفاصيل؛ كانت عيناه الرماديتين تحدقان في أفق فلورنسا المغطى ببقايا الضباب الفضي، وعقله مستغرق بالكامل في هوس جديد ومفاجئ. كان يرفض وضع يده فوق جرحه، ليس كبرياءً هذه المرة، بل لأن لمسات أصابع إيلينا الناعمة والباردة التي وضعتها فوق جبهته في ليلة البارحة كانت لا تزال عالقة في مسام جلده، تمنحه دفئاً داخلياً لم يختبره طوال حياته القاسية.

كان يتذكر كل تفصيل فيها؛ عينيها العسليتين المليئتين بالطهر، شجاعتها الصامتة أمام قبضته التي كانت تطوق عنقها، ومئزرها الملطخ بالألوان الذي يعكس عالماً ناصعاً لا يعرف الخيانة. شعر برغبة عارمة، برغبة تملؤها الأنانية والهوس والتعلق، في حماية هذا النقاء وفي امتلاكه أيضاً، في ألا يسمح لعالم المافيا القذر بأن يمس شعرة واحدة من رأسها، وفي المقابل، ألا يسمح لها بأن تنسى وجوده يوماً.

نبس أليساندرو بصوت منخفض، رخيم وعميق، متجاهلاً كلام ماركو تماماً: "إيلينا.. لقد ظننتِ أنكِ رممتِ جسداً ميتاً يا حارسة التاريخ، لكنكِ لا تعلمين أنكِ فتحتِ أبواب الجحيم على نفسكِ، لأن الظل إذا عشق.. يحرق كل ما حوله ليحتفظ بنور معشوقته."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   مجالس المال

    ما إن أُسدل الستار على جلسة التوقيع الكبرى في قاعة العرش الاستراتيجية بقصر الكامورا، واستقرت بنود "ميثاق الشمال" في يد القيادة العليا، حتى انتقل ثقل الأحداث والاهتمامات الإمبراطورية إلى صالون الاستقبال الملكي الفسيح؛ حيث كان أباطرة المال، كبار المستثمرين، ونُبلاء الأقاليم التجارية المجاورة ينتظرون بلهفة بالغة وترقب حذر للحصول على موطئ قدم أو حصة استثمارية في العهد القيصري الجديد. لم تكن العاصمة روما تحكم بالسلاح والحديد وحدهما، بل كان الاقتصاد والأسواق هما الركيزة الكبرى التي تُبنى عليها دعائم الإمبراطورية، وهو ما أدركه أليساندرو جيداً حين قرر أن تدار عمليات إعادة الاعمار التجاري تحت رقابة صارمة ومباشرة من شفرات عقل ملكته.امتد الصالون الملكي الفسيح بأعمدته الرخامية السوداء الضخمة المطرزة بصفائح الفضة الخالصة والنوافذ القوسية الطويلة التي تعكس أشعة الشمس المائلة على الأرضيات المرمرية المصقولة بدقة، بينما انسابت في الخلفية نغمات أوركسترا كلاسيكية هادئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة تليق بحجم التحولات التاريخية الكبرى. وفي منتصف المنصة الهندسية المرتفعة، وقفت إيلينا ب

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار. كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار.كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من الكريستال النمساوي الثق

  • الظل   سكون العواصف

    انحسرت آخر ظلال المواجهة الميدانية والدماء المتناثرة عن أفق العاصمة روما، لـتستقر الإمبراطورية في هدوء أرستقراطي مهيب وعميق يعكس ثبات العرش القيصري وسطوة الكامورا التي لا تقهر ولا تلين، وكأن التاريخ يكتب فصوله الجديدة بمداد من حديد وذهب. وفي هذا المساء الاستثنائي الذي لفّ أسوار قصر الكامورا المصفح والمعلق بـكبرياء فوق هضاب التافر، تراجعت حدة التوتر العسكري والإنذارات الاستخبارية الحادة لـتفسح المجال أمام أفق زمني جديد ومجيد تتشكل فيه ملامح السلام الأبدي وإعادة صياغة مقدرات الشمال بـأكمله، تحت راية القيصر أليساندرو ورفيقته الملكة إيلينا، لـتطوي المدينة صفحة الصراعات الدامية وتفتح أبواب العصر الذهبي للسيادة المطلقة والتشييد الإمبراطوري الشامل.كانت الحديقة الخلفية للقصر تحفة بصرية ناطقة بالفخامة الإيطالية العتيقة والمهابة المطلقة؛ إذ تتوسطها نافورة أثرية منحوتة بـدقة من حجر البازلت الأسود الصخري، تتدفق منها مياه نقية متدفقة تعكس أضواء المشاعل النحاسية الموزعة بانتظام دقيق على طول الممرات المرمرية الواسعة والأعمدة الرخامية المرتفعة التي تحمل تاريخ العائلات المالكة. وفي قلب هذه

  • الظل   مواثيق المستثمرين

    لم تكد شمس الفجر الذهبية تعلن اكتمال التطوير الأمني وتأمين القطاعات التحتية لـأنفاق العاصمة روما، حتى تحولت الشرفات الملكية والأروقة المصفحة لـقصر الكامورا الإمبراطوري إلى مقصدٍ لـكبار المستثمرين، أباطرة التجارة، ونُبلاء الأقاليم المجاورة الذين سارعوا لـحجز موطئ قدم لهم في العهد القيصري الجديد. كانت الرغبة العارمة في ضخ رؤوس الأموال وإعادة بناء الأسطول التجاري عبر الموانئ الشمالية هي العنوان الأبرز لـهذا الحشد الأرستقراطي، عقب القضاء الشامل على ابتزاز المحفل المظلم وتطهير أحياء المدينة من شبكات الجريمة والتسلل.امتد الصالون الإمبراطوري الشاسع بـأعمدته الرخامية السوداء المطرزة بـالفضة ونوافذه القوسية الضخمة التي تعكس زهاء النهار على الثريات الكريستالية الثقيلة، حيث انسابت نغمات أوركسترا كلاسيكية دافئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة. وفي منتصف الشرفة القيصرية الشامخة المطلة على ضفاف نهر التافر والجسر الإمبراطوري العتيق، التفت النخب المالية حول المنصة الهندسية التي وضعتها الملكة إيلينا لـعرض مخططات التطوير الهيكلي لـلأسواق والموانئ، وسط حراسة مشددة من فرسان الشمال المصف

  • الظل   حصاد التطهير

    لم تكن الساعات الأولى التي تلت صدور أوامر الإغلاق الهيدروليكي وتأمين المحاور التحتية لـأنفاق العاصمة سوى ملحمة حاسمة كشفت عن السطوة المطلقة لـعرش الكامورا الجديد؛ حيث استكملت فرسان القيصر المصفحة عملية التمشيط الدقيقة في الأحياء العتيقة والقطاعات المتاخمة لـنهر التافر. تهاوت آخر المعاقل الخفية التي اختبأت فيها فلول المحفل المظلم، لـتُسحب أدوات الابتزاز، والخرائط المزورة، وشحنات السلاح غير المشروعة تحت الحراسة العسكرية المشددة، ويتحول الليل الداجي في روما إلى فجر قاطع أزاح عن صدر المدينة أطياف الخيانة والذعر إلى غير رجعة.في قاعة العرش والمراقبة العليا بـالبرج الإمبراطوري الشامخ، كانت الأجواء المفعمة بـالترقب القتالي تبث الدفء والمهابة الصارمة في الأثير. تناثرت المخطوطات الهندسية المحدثة والتقارير الميدانية النهائية فوق الطاولة الأبنوسية العملاقة المطرزة بـالفضة والرخام الأسود، بينما انعكست أضواء القناديل الكريستالية الدافئة على الأسوار العتيقة والمقاعد الجلدية الفاخرة التي شهدت صياغة الدستور السري لـالحكم القيصري. خفت صدى أجهزة الاتصالات التكتيكية لـتفسح المجال أمام هدوء أر

  • الظل   صدى الغياب

    مرت خمسة أيام على تلك الليلة التي انشقت فيها السماء عن "الظل"، خمسة أيام بدت لإيلينا وكأنها دهر ممتد من السهد والترقب الذي لا ينتهي. كانت فلورنسا قد استعادت وجهها الصيفي المشمس، واغتسلت شوارعها من آثار المطر العنيف، وخرج السائحون يملأون الساحات الأثرية بضحكاتهم وصخبهم العابر. لكن داخل الشقة العتيقة

  • الظل   استيقاظ الوحش

    تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر شقوق الستائر المخملية لشقة إيلينا، لترسم خطوطاً مستقيمة من النور تتراقص فيها ذرات الغبار الفني الدقيق. كان الصباح قد حلّ بالكامل على مدينة فلورنسا، حاملاً معه هدوءاً غريباً يتدثر برائحة المطر الجاف على الأرصفة العتيقة. في هذا الصمت المشحون بالترقب، كانت الأنفاس داخل الر

  • الظل   خيوط القدر

    استحالت فلورنسا مع اقتراب خيوط الفجر الأولى إلى مدينة من الضباب الشاحب، كأنما تلاشت معالمها الأثرية خلف ستار من الأسرار والغموض. لم يعد صوت الرعد بالخارج بتلك العنفوانية التي كان عليها قبل ساعات، بل تحول إلى دوي خافت وبعيد، يتردد صداه بين الجبال المحيطة بإقليم توسكانا كأنه زئير وحش جريح ينسحب ببطء

  • الظل   حارسة التاريخ

    في الجانب الآخر من المدينة، حيث لا يجرؤ صخب الرصاص على تدنيس حرمة التاريخ، كانت شقة (إيلينا) تبدو وكأنها ملاذ آمن معزول عن العالم بأسره، أو سفينة خشبية عتيقة تمخر عباب ليلة عاصفة دون أن تخشى الغرق. لم يكن بيتها مجرد مكان للسكن، بل كان امتداداً لروحها؛ جدران مرتفعة يغطيها طلاء عاجي تقشرت بعض أطرافه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status