ホーム / مافيا / الظل / هدوء ما قبل العاصفة

共有

هدوء ما قبل العاصفة

last update 公開日: 2026-05-23 03:54:05

استقرت في الردهة برودة مفاجئة أثقل من غسق الموت، وتبخرت تلك السكينة الصباحية الشاحبة التي صنعتها أشعة الشمس فوق اللوحات الفنية. لم يعد دوي العاصفة الطبيعية هو ما يرعب إيلينا، بل تلك العاصفة البشرية القادمة من دهاليز الخيانة والدم. كانت الخطوات الثقيلة المتسارعة بالخارج تصدر صدىً معدنياً مرعباً فوق حجر السلالم العتيقة للمبنى، خطوات مدروسة ومسلحة، لا تخص عابري سبيل، بل تخص صيادين يقتفون أثر طريد مصاب.

كان أليساندرو قد تحول في أجزاء من الثانية من رجل جريح يصارع الحمى إلى كتلة متحركة من الغريزة والخطورة المطلقة. انقبضت عضلات جسده العريض، ورغم الألم اللاقاذع الذي يمزق غرز خاصرته مع كل تحرك، وقف بكامل طوله المهيب كبرج من الصخر البركاني. كانت عيناه الرماديتين تدوران في أرجاء الشقة كصقر يبحث عن مخرج أو سلاح، وفكه العريض الحاد تشنج بصرامة تعكس استعداده للمواجهة حتى اللحظق الأخيرة.

التفت نحو إيلينا، التي كانت تقف في وسط الغرفة وقد تيبست أطرافها تماماً، وكأن الدماء قد تجمدت في عروقها. كان وجهها شاحباً كبياض اللوحات غير المرسومة، وعيناها العسليتان متسعتين بذعر حاد وهي تنظر إلى مقبض الباب الخشبي العتيق، الذي بدأ يتحرك ببطء من الخارج، كأن هناك من يحاول اختبار قفله الحديدي.

تحرك أليساندرو بصمت مطبق، واندفع نحوها، ممسكاً بكتفيها الرقيقتين ببراعة وقوة خفيفة، وسحبها خلف جدار سميك يفصل الردهة عن غرفتها الفنية، حامياً إياها بجسده الضخم. ونبس بنبرة منخفضة للغاية، حادة وعميقة كشفرة السكين: "لا تنبسي ببنت شفة. ابقي هنا ولا تتحركي مهما حدث بالخارج. إذا اقتحموا المكان، تظاهري بأنكِ لا تعرفينني، وأنني اقتحمتُ بيتكِ عنوة."

نظرت إليه إيلينا وعيناها تملؤهما دموع التوتر، وشعرت بحرارة كفيه تخترق قماش مئزرها الملطخ بالألوان. لم تكن خائفة على نفسها فقط؛ بل كان هناك خوف غامض وسري في أعماقها على حياة هذا الرجل الذي أمضت ليلتها ترمم جسده. أمست قريبة منه لدرجة سماع دقات قلبه القوية والمضطربة، ورائحة دمه التي عادت لتفوح مجدداً امتزجت برائحة ثيابها الناعمة.

وفجأة، وقبل أن يتخذ أليساندرو وضعية الهجوم العزل، دَوَى صوت طرقات ثلاث منتظمة وقوية على الباب الخشبي. لم تكن طرقات همجية كطرقات الأعداء، بل كانت إيقاعاً سرياً وخاصاً يعرفه أليساندرو جيداً؛ إيقاع مشفر لا يفهمه سوى رجال النخبة في عائلة الكامورا.

تنفّس أليساندرو الصعداء ببطء، وتراخت عضلات كتفيه العريضين حركية طفيفة، لكن عينيه لم تفقدا حذرهما. التفت إلى إيلينا، وقال بصوت هامس: "إنه ماركو. رجالي قد وجدوا طريقي."

خطا أليساندرو نحو الباب بخطوات وئيدة ومستندة بيده على جرحه، ثم فتح القفل الحديدي بيده اليسرى. انفتح الباب بسرعة ليندفع من خلاله (ماركو)، الذراع الأيمن لأليساندرو، وكان يرتدي معطفاً أسود طويلاً مبللاً بالمطر، وعيناه القلقتان تدوران في المكان بحدة، وخلفه في الممر كان يظهر رجلان ضخما البنية من الحراس الشخصيين، يرتدون نظارات سوداء ويضعون أيديهم تحت ستراتهم تأهباً لأي خطر.

"سيد أليساندرو! بالرب.. أنت حي!" هتف ماركو بنبرة يمتزج فيها الارتياح الشديد بالاحترام المطلق، وتقدم ليجثو بنصف ركبة أمام زعيمه الشاب. "لقد قلبنا شوارع فلورنسا بحثاً عنك منذ البارحة. ظننا أن الأوغاد من عائلة ليون قد نالوا منك بعد النزيف."

"الظل لا يموت في الشوارع الخلفية يا ماركو،" أجابه أليساندرو برود أرستقراطي بارد، وصوت عميق يعيد فرض سلطته المطلقة. "تحدث باختصار؛ ما هو الوضع في الخارج؟"

"لقد طهرنا الملهى السفلي بالكامل، ولم يبقَ أحد من المهاجمين على قيد الحياة ليروي الحكاية. لكن المدينة تغلي، وعائلة ليون تبحث عن جثتك للتأكد من نجاح خطتهم. السيارات مؤمنة في الأسفل، والطبيب الخاص ينتظرك في القصر الآمن خارج الإقليم،" قال ماركو مسرعاً، ثم التفتت نظراته الحادة فجأة نحو الداخل، لتقع على إيلينا الواقفة في الظل.

استلّ ماركو مسدسه المخفي بحركة غريزية، ووجهه نحوها متسائلاً بخشونة: "من هذه المرأة يا سيدي؟ هل هي من طرفهم؟ هل رأت شيئاً؟"

"أنزل سلاحك فوراً يا ماركو قبل أن أقطع يدك،" دَوَى صوت أليساندرو رخيماً، حاداً كقطع الرصاص، ويحمل أمراً نهائياً لا يجرؤ أحد على مناقشته. تجمد ماركو في مكانه، وأنزِل سلاحه بسرعة، مخفضاً رأسه اعتذاراً.

التفت أليساندرو ببطء نحو إيلينا. كانت نظراته الرمادية في تلك اللحظة تحمل مزيجاً غريباً ومعقداً من المشاعر؛ كانت هناك جاذبية مظلمة، وامتنان عميق يرفض كبرياؤه صياغته بكلمات عادية، وهوس سري بدأ ينبت في أعماق روحه تجاه هذه الفتاة النظيفة التي أنقذته. تلاقت عيناهما في صمت طويل، صمت كان أبلغ من أي حوار فصيح.

خطا خطوة نحوها، متجاهلاً تحذيرات ماركو بضرورة المغادرة الفورية. وقف أمامها مباشرة، ليبدو طوله الفارع وبنيته العريضة مسيطرين على المكان. نظر إلى يديها المرتجفتين، ثم إلى مئزرها، ونبس بنبرة منخفضة وعميقة سرت في جسدها كتيار كهربائي دافئ: "لقد أعَدْتِ رسم قدري الليلة الماضية يا حارسة التاريخ. أصلحتِ جسداً ظن الموت أنه ملكه، وهذا دَين لا تنساه عائلة الكامورا.. ولا ينساه أليساندرو أبداً."

لم تجبه إيلينا؛ كانت تكتفي بالنظر إليه بعينين عسليتين يملؤهما مزيج من الخوف والانبهار المخفي. كانت تشعر بأن هذا الرجل يملك سلطة مرعبة حتى وهو مصاب، وأن كلماته ليست مجرد وعود عابرة، بل هي قيود غير مرئية تلتف حول حياتها المستقبلية.

تابع أليساندرو كلماته، وعيناه تثبتان نظراتهما في عينيها كأنه ينقش ملامحها في ذاكرته إلى الأبد: "رحيلي الآن هو حمايتكِ الوحيدة. سأترك هذا المكان لتستعيدي هدوء لوحاتكِ، ولكن تذكري جيداً.. الظل الذي آويتِهِ في ليلة ممطرة، لن يترككِ لقمة سائغة لأي خطر قد يلحق بكِ بسبب خطيئتكِ الإنسانية في إنقاذي."

التفت أليساندرو نحو رجاله دون أن ينتظر ردها، وتحرك بخطوات ثابتة رغم الألم، مستجمعاً كل قوته لئلا يظهر عجزاً أمام حراسه. أحاط به ماركو والرجال، وخرجوا سريعاً من الشقة، لتغلق الأبواب خلفهم، ويتحول صخب حركتهم إلى هدوء متلاشٍ تدريجياً مع هبوطهم درجات السلالم وتواري صوت سياراتهم في أزقة فلورنسا البعيدة.

عادت الشقة إلى سكونها القاتل، لكنه لم يكن ذلك السكون القديم الذي كانت تعشقه إيلينا؛ بل كان هدوءاً مشحوناً بركام الأحداث، هدوء ما قبل العاصفة التي تدرك أنها قادمة لا محالة.

سارت إيلينا بخطوات واهية ومترددة نحو وسط الردهة. نظرت إلى الأرض الخشبية الفاخرة؛ كانت خالية من الدماء بفضل تنظيفها الدقيق، لكن غطاء الصوف الثقيل كان ملقى بإهمال على المقعد، ويحمل ثنيات شكل جسده الضخم. اقتربت من الطاولة، لتجد وعاء الشاي الذي صنعته له قد أصبح بارداً تماماً، وبجانبه رأت شيئاً لم تلاحظه من قبل.

كان هناك غلاف فضي صغير وثمين، يخص ولاعة السجائر الفاخرة لأليساندرو، والمحفور عليها شعار الخنجر والتاج بدقة متناهية؛ يبدو أنه سقط منه أثناء نهوضه المفاجئ. التقطت الغلاف بأصابعها الرقيقة، وشعرت ببرودة المعدن تخترق جلدها، وكأنه تذكير مادي بأن كل ما حدث لم يكن حُلماً عابراً من أحلام اليقظة، بل كان واقعاً ملموساً غيّر مجرى حياتها.

استسلمت إيلينا لمونولوغها الداخلي، وجلست أمام حامل لوحتها الزيتية القديمة، ممسكة بالغلاف الفضي بين كفيها: "لقد رحل.. غادر الظل محرابي وعاد إلى عالمه المليء بالدماء والرماد. ولكن، هل غادر حقاً؟ رائحة دمائه وكحول التطهير لا تزال عالقة في أركان هذه الغرفة، ونظرات عينيه الرماديتين المخيفتين تكاد تظهر لي من خلف كل لوحة أتأملها. لقد أنقذتُ حياته، ونذرتُ نفسي للفن، لكنني أشعر الليلة بأنني وهبتُ روحي لوحش لن يرحم نقائي إذا عاد يوماً ليطالب بالدَين."

نظرت إلى لوحة القديس المجهول؛ بدا وكأن الألوان التي أعادت إحياءها قد فقدت بريقها أمام واقعية الخطر الذي عاشته. كانت تدرك في أعماقها أن حياتها الهادئة، وعزلتها الاختيارية، وعملها المنعزل في ترميم التاريخ قد انتهت كلها في اللحظة التي فتحت فيها الباب تحت المطر. لقد أصبحت جزءاً من حكاية "الظل"، والحكايات مع المافيا لا تنتهي أبداً برحيل السيارات.

في الجانب الآخر من المدينة، وداخل قصر عتيق ومحصن يقع على تلال فلورنسا الخضراء، كان أليساندرو يجلس في شرفة مكتبه الواسع المطل على المدينة بأكملها. كان الطبيب الخاص قد أعاد فحص جرحه وتضميده بعناية، واضعاً له المضادات الحيوية للسيطرة على الحمى. كان ماركو يقف بجانبه، يعرض عليه التقارير الجديدة عن تحركات عائلة ليون ومواقع الخونة الذين ساعدوا في الكمين.

لكن أليساندرو لم يكن يستمع لكل تلك التفاصيل؛ كانت عيناه الرماديتين تحدقان في أفق فلورنسا المغطى ببقايا الضباب الفضي، وعقله مستغرق بالكامل في هوس جديد ومفاجئ. كان يرفض وضع يده فوق جرحه، ليس كبرياءً هذه المرة، بل لأن لمسات أصابع إيلينا الناعمة والباردة التي وضعتها فوق جبهته في ليلة البارحة كانت لا تزال عالقة في مسام جلده، تمنحه دفئاً داخلياً لم يختبره طوال حياته القاسية.

كان يتذكر كل تفصيل فيها؛ عينيها العسليتين المليئتين بالطهر، شجاعتها الصامتة أمام قبضته التي كانت تطوق عنقها، ومئزرها الملطخ بالألوان الذي يعكس عالماً ناصعاً لا يعرف الخيانة. شعر برغبة عارمة، برغبة تملؤها الأنانية والهوس والتعلق، في حماية هذا النقاء وفي امتلاكه أيضاً، في ألا يسمح لعالم المافيا القذر بأن يمس شعرة واحدة من رأسها، وفي المقابل، ألا يسمح لها بأن تنسى وجوده يوماً.

نبس أليساندرو بصوت منخفض، رخيم وعميق، متجاهلاً كلام ماركو تماماً: "إيلينا.. لقد ظننتِ أنكِ رممتِ جسداً ميتاً يا حارسة التاريخ، لكنكِ لا تعلمين أنكِ فتحتِ أبواب الجحيم على نفسكِ، لأن الظل إذا عشق.. يحرق كل ما حوله ليحتفظ بنور معشوقته."

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status