Home / مافيا / الظل / الظل في النور

Share

الظل في النور

last update publish date: 2026-05-23 08:37:31

كانت قاعة المتحف الكبرى تسبح في بحر من الضوء الطبيعي الخافت، الذي ينساب بنعومة عبر النوافذ الزجاجية المقوسة المرتفعة، ليلقي بظلال هندسية معقدة فوق الأرضيات الرخامية المصقولة. كان المكان يعج بالسكينة الأرستقراطية الوقورة؛ صدى خطوات الزوار المتباعدة، وهمساتهم الخافتة أمام تماثيل الرخام الأبيض التي تخلد أمجاد عصر النهضة، وصوت تصفح كتيبات التعريف الفنية. في وسط هذا المحراب الساكن، كانت إيلينا تبدو وكأنها جزء لا يتجزأ من المكان، كائن ينتمي إلى زمن غابر وجد ملاذه الأخير بين الإطارات الذهبية واللوحات الزيتية المتآكلة.

كانت تقف على منصة خشبية صغيرة ترتفع متراً عن الأرض، أمام لوحة جدارية ضخمة تمثل معركة تاريخية قديمة، حيث تتشابك الخيول والسيوف في ملحمة صامتة من الطلاء والألوان. ارتدت مئزرها الأبيض النظيف، وجمعت خصلات شعرها الكستنائي بعناية إلى الخلف، بينما كانت أصابعها النحيلة تمسك بإبرة دقيقة ومذيب كيميائي خاص، لتبدأ عملية تنظيف دقيقة لطبقة الورنيش القديمة التي غطت وجه فارس مجهول في اللوحة. كانت حركاتها انسيابية، بطيئة، ومحكومة بتركيز شديد فرضته عليها رغبتها العارمة في الهروب من الأفكار التي كانت تنهش عقلها منذ خمسة أيام.

حاولت إيلينا بكل قوتها أن تغرق وعيها في تفاصيل القماش العتيق، أن تبتلع صخب قلبها داخل صمت الألوان. كانت تقول لنفسها مع كل لمسة فرشاة: "هنا أماني.. هنا عالمي الذي لا يستطيع أحد تدنيسه. الموت هنا مجرد طلاء جاف، والدماء ليست سوى لون قرمزي لا ينزف ولا يؤلم. رحل الغريب، وعاد إلى جحيمه المظلم، ولن يجد طريقه إلى هذا النور أبداً."

لكن هذا الأمان الوهمي لم يدم طويلاً. وفجأة، ودون سابق إنذار، شعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري، وإحساس غريب بالثقل يجتاح الهواء من حولها. كانت تلك حاسة الخوف والترقب التي صُقلت في ليلة النزيف العاصفة. تلاشت الهمسات الخافتة للزوار في مسامعها، وحلّ محلها شعور طاغٍ بأن هناك نظرات حادة، كشفرات من الجليد المشتعل، تخترق ظهرها من بين الحشود وتثبت عليها بثقل هائل لا يرحم.

توقفت يدها المعلقة في الهواء، وتراجعت الأنفاس في صدرها. التفتت ببطء شديد، والوجل يعتصر قلبها، لتنظر نحو مدخل القاعة الكبرى عبر الحشود المتباعدة من السائحين وعشاق الفن.

وفي تلك اللحظة، شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها، واتسعت عيناها العسليتان بذهول ورعب حقيقيين تمنت لو أنه مجرد سراب.

كان هناك، واقفاً في وسط القاعة بكامل قامته الفارهة ومهابته الطاغية، (أليساندرو). لم يكن يرتدي تلك الحُلة الممزقة والمخضبة بالدماء التي رأته بها أول مرة، بل كان يبدو كرجل مجتمع راقٍ من الطبقة الأرستقراطية العليا، رجل يملك المدينة ومن عليها بلمحة من عينيه. كان يرتدي بدلة فاخرة سوداء اللون صُممت يدوياً بدقة متناهية لتخفي تحتها لفائف الضمادات التي تحمي جرح خاصرته، وقميصاً أبيض ناصعاً برزت من تحته ربطة عنق حريرية داكنة. شعره الأسود الفاحم كان مصففاً بعناية إلى الخلف، وملامحه الرجولية الحادة والندبة الصغيرة على وجنته اليسرى بدت تحت ضوء المتحف أكثر وضوحاً وقسوة وجاذبية مظلمة.

كان يقف واضعاً يديه في جيبي بنطاله بهدوء مخيف، وعيناه الرماديتان الباردتان مثبتتان عليها مباشرة، متجاهلاً كل اللوحات الثمينة والتماثيل المحيطة به، وكأنها اللوحة الوحيدة التي تستحق التأمل في هذا المكان بأسره. كان محاطاً على مسافة آمنة ومدروسة بـ (ماركو) ورجلين آخرين من حراسه الشخصيين الذين كانوا يرتدون حُللاً رسمية ويراقبون المكان بأعين صقرية، مانعين أي زائر من الاقتراب من زعيمهم دون أن يثيروا أي جلبة.

شعرت إيلينا بالدوار؛ فالرجل الذي ظنت أنه ظل يسكن عتمة الليل وشوارع المافيا الخلفية، قد خرج إلى النور في وضح النهار، واقتحم محرابها المقدس بكل كبرياء وسلطة. تملكها رعب شديد من فكرة أنه عرف مكان عملها، وتتبع خطواتها، وأن حياتها الهادئة أصبحت مستباحة بالكامل أمامه.

بدأ أليساندرو بالتحرك نحوها بخطوات وئيدة، بطيئة، ومدروسة، تصدر أحذيته الجلدية الفاخرة صوتاً خافتاً على الرخام صبغ المكان بنبرة من الترقب. كانت الحشود تبتعد عن طريقه غريزياً دون أن تدرك السبب؛ فالهالة التي كانت تنضح منه، نبرة الخطر والموت التي تغلف حضوره، كانت كافية لإجبار الجميع على إخلاء السبيل.

تراجعت إيلينا خطوة إلى الوراء فوق المنصة الخشبية، وكادت أن تسقط لولا أنها استندت بإطار اللوحة الجدارية الضخمة. وضعت يدها المرتجفة على صدرها تحاول كبح دقات قلبها التي أصبحت مسموعة لها، وعيناها العسليتان تراقبانه وهو يقترب كقضاء محتوم لا يمكن الفرار منه.

وقف أليساندرو أسفل المنصة مباشرة، يفصل بينهما متر واحد فقط. رفع رأسه، ونظر إليها من الأسفل، وارتسمت على شفتيه الحادتين تلك الابتسامة الغامضة والمظلمة التي تحمل طابع الهوس والتعلق السري. كانت عيناه الرماديتان تتأملان وجهها الشاحب، ومئزرها الأبيض، والفرشاة المرتجفة بين أصابعها، بنظرات فاحصة تلتهم تفاصيل نقائها.

"أرى أنكِ تمارسين طقوس البعث مجدداً يا حارسة التاريخ،" خرج صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة السلطة الأرستقراطية الباردة التي جمدت الدماء في عروقها. "اللوحة تبدو مثيرة للاهتمام، لكن وجه الفارس المجهول فيها يحتاج إلى الكثير من الصبر ليعود إلى سابق عهده، أليس كذلك؟"

بلعت إيلينا ريقها بصعوبة بالغة، وحاولت استجماع بقايا شجاعتها وكبريائها لئلا تظهر ضعفها أمام الحراس والزوار المحيطين بهم. نظرت إليه، وقالت بنبرة خافتة مشوبة بالتوتر والغضب المكبوت: "ما الذي تفعله هنا يا سيد أليساندرو؟ هذا المكان محراب للفن والتاريخ، وليس ساحة لصراعاتك.. كيف تجرؤ على ملاحقتي إلى هنا؟"

لم تتحرك ملامح أليساندرو الصخرية؛ بل ظل ينظر إليها بنفس الركود المخيف الذي يسبق العواصف. خطا خطوة إضافية ليلتصق حافة حذائه بالمنصة الخشبية، وأحكم قبضته على عصا أثرية صغيرة ذات رأس فضي كان يستند عليها جزئياً لتخفيف العبء عن جرحه النازف سراً.

قال بصوت منخفض لا يصل إلا لمسامعها: "الظل لا يلاحق أحداً يا إيلينا، الظل يمتد طبيعياً نحو النور الذي يجذبه. لقد أمضيتُ خمسة أيام في قلعتي أستمع إلى تقارير الموت والدمار، وشعرتُ بأن جرحي لا يلتئم إلا إذا رأيتُ يد المرممة التي نسجت غرزه بعناية. الفن في هذه القاعة جميل، لكن النقاء الذي رأيته في عينيكِ تحت المطر كان أكثر جاذبية من كل ما صنعه فنانو توسكانا عبر القرون."

"أنت مجنون.. ومخيف،" همست والدموع تترقرق في عينيها من فرط الضغط النفسي. "أنا أنقذتُ حياتك بدافع الإنسانية والواجب، ولم أطلب منك مقابلاً، ولا أريد دَيناً من عائلتك. كل ما أرجوه منك هو أن تتركني وشأني، أن تعود إلى عالمك المظلم وتنسى وجودي تماماً. حياتي لا تحتمل وجود رجال مثلك."

تحركت ملامح أليساندرو قليلاً، واشتعل بريق عينيه الرماديتين بهوس أعمى وعنيف سرى في أوصالها كالنار. انحنى قليلاً نحو الأمام، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل وعيداً لا يعرف المزاح: "النسيان رفاهية لا يملكها أليساندرو يا إيلينا. الكلمة التي تخرج من لساني تصبح قانوناً، ورغبتي التي نبتت في قلبي تجاهكِ منذ اللحظة التي لمستِ فيها جبهتي المشتعلة بالحمى، أصبحت قدراً مكتوباً. لقد أدخلتِني إلى محرابكِ الآمن بكامل إرادتكِ، ودمائي صبغت عتبة بيتكِ، وهذا يعني أنكِ أصبحتِ جزءاً من حكايتي، والحكايات معي لا تنتهي بطلب الرحيل."

تراجعت إيلينا خطوة أخرى، وشعرت بأن الهواء في القاعة أصبح خانقاً، وأن نظراته تطوقها كالسلاسل الحديدية التي لا يمكن كسرها. التفتت نحو ماركو الواقف عن بعد، ورأت في عينيه نظرة تحذير صامتة تؤكد لها أن خطر وجود أليساندرو هنا لا يقتصر عليه بل يمتد ليشملها هي أيضاً.

تابعت إيلينا وهي تحاول تثبيت صوتها: "ألا تخاف على نفسك؟ أعداؤك يبحثون عنك في كل مكان، وخروجك إلى قاعة عامة مليئة بالناس والمتحف هكذا هو انتحار صرف. إذا علموا بوجودك، سيتحول هذا المكان إلى مجزرة."

ارتسمت على شفتي أليساندرو ابتسامة ساخرة خفيفة، ورفع رأسه بكبرياء وعنفوان يملؤه التحدي: "الخوف خطيئة لا أعرفها، وأعدائي يعلمون جيداً أن الأرض التي أطأ عليها تصبح ملكاً لعائلة الكامورا. أنا هنا محميّ بقوتي وبثقتي، ولكنني جئتُ لأضع قاعدة واحدة بيننا؛ أردتُ أن أرى كيف تبدين في عالمكِ، وأردتُ أن أؤكد لكِ أن عينيّ ترقبانكِ من بعيد، وأن رجالي يحيطون بزقاقكِ لحمايتكِ من أي خطر قد يجلبة اسمي إليكِ."

"أنا لا أريد حماية من مجرمين!" قالت بنبرة حادة فاجأته، وامتزجت فيها الرقة بالجرأة العنيفة. "شقتي كانت آمنة قبل أن تسقط عليها، ولوحاتي كانت تنبض بالحياة قبل أن تلوثها برائحة بارودك. ارحل يا أليساندرو.. ارحل قبل أن أدعو أمن المتحف، وقبل أن تتدمر حياتي بالكامل بسببك."

لم يغضب أليساندرو من كلماتها القاسية؛ بل بدا وكأن جرأتها تزيد من إعجابه وهوسه بها. تراجع خطوة إلى الوراء ببطء، وعدل سترة بذلته الفاخرة بيد واحدة، وظلت عيناه الرماديتين مثبتتين على وجهها بنظرة تحمل تملكاً مطلقاً وتعلقاً لا يرحم.

قال بصوت رصين وعميق تغلغل في أعماق روحها: "أمن المتحف لا يملك سلطة على الظل يا حارسة التاريخ. سأرحل الآن لأترككِ تكملين ترميم فارسكِ المجهول، ولكن تذكر كلمات أليساندرو جيداً؛ النور الذي تملكينهُ قد جذب الوحش من جحره، ولن يستطيع أحد إعادته إلى الداخل. عالمكِ القديم الساكن قد مات في الليلة العاصفة، وحمايتكِ أصبحت واجبي الشخصي، سواء قبلتِ بذلك أم رفضتِ."

التفت أليساندرو ببطء نحو رجاله، وأشار لماركو بحركة طفيفة من رأسه. تحرك الموكب السري بسرعة وانسيابية، وأحاط الحراس بزعيمهم الشاب وهو يسير بخطوات ثقيلة ومستندة بالعصا الفضية نحو بوابة الخروج الكبرى، ليختفوا بين الحشود كما ظهروا، تاركين خلفهم قاعة المتحف غارقة في صمت خانق بالنسبة لإيلينا.

نزلت إيلينا من المنصة الخشبية ببطء، وكانت قدماها تكادان تعجزان عن حملها. رمت بأدواتها الطبية على الطاولة، وجلست على مقعد قريب، وأسندت رأسها بين يديها المرتجفتين، بينما كانت دموع التوتر والخوف تنهمر أخيراً بحرية فوق وجنتيها الشاحبتين. كان كل شيء من حولها يبدو وكأنه قد تغير؛ الألوان أصبحت باهتة، والتماثيل الرخامية تبدو كأشباح تراقب مصيرها المحتوم، ورسائل أليساندرو المبطنة بالهوس والتملك تتردد في مسامعها كترانيم شؤم تقودها نحو الهاوية.

استسلمت لمونولوغها الداخلي، وهي تنظر نحو البوابة التي خرج منها: "لقد جاء.. واقتحم النور ليثبت وجوده في حياتي. إنه لا يريد امتنان عابر، إنه يريد امتلاك روحي وعالمي بأكمله. كيف سأفر من هذا الهوس المطبق؟ وكيف سأحمي نفسي من ناره التي تهدد بحرق كل ما بنيته؟ أنا الآن محاصرة بين جدران تاريخي، وظل رجل يحرك الموت بكلمة من شفتيه."

لم تكن تعلم أن هذه المواجهة لم تكن سوى الشرارة الأولى التي ستشعل فتيل الحرب في فلورنسا؛ فخروج أليساندرو إلى المتحف في وضح النهار لأجلها لم يمر مرور الكرام، وهناك عيون أخرى كانت تراقب المشهد من بعيد، عيون تابعة لعدوه اللدود (ليون)، الذي بدأ يدرك أخيراً أن الزعيم الشاب للكامورا قد وجد نقطة ضعفه الوحيدة، وأن "حارسة التاريخ" توشك أن تصبح الهدف القادم في لعبة الدم والنار.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status