Home / مافيا / الظل / الظل في النور

Share

الظل في النور

last update publish date: 2026-05-23 08:37:31

كانت قاعة المتحف الكبرى تسبح في بحر من الضوء الطبيعي الخافت، الذي ينساب بنعومة عبر النوافذ الزجاجية المقوسة المرتفعة، ليلقي بظلال هندسية معقدة فوق الأرضيات الرخامية المصقولة. كان المكان يعج بالسكينة الأرستقراطية الوقورة؛ صدى خطوات الزوار المتباعدة، وهمساتهم الخافتة أمام تماثيل الرخام الأبيض التي تخلد أمجاد عصر النهضة، وصوت تصفح كتيبات التعريف الفنية. في وسط هذا المحراب الساكن، كانت إيلينا تبدو وكأنها جزء لا يتجزأ من المكان، كائن ينتمي إلى زمن غابر وجد ملاذه الأخير بين الإطارات الذهبية واللوحات الزيتية المتآكلة.

كانت تقف على منصة خشبية صغيرة ترتفع متراً عن الأرض، أمام لوحة جدارية ضخمة تمثل معركة تاريخية قديمة، حيث تتشابك الخيول والسيوف في ملحمة صامتة من الطلاء والألوان. ارتدت مئزرها الأبيض النظيف، وجمعت خصلات شعرها الكستنائي بعناية إلى الخلف، بينما كانت أصابعها النحيلة تمسك بإبرة دقيقة ومذيب كيميائي خاص، لتبدأ عملية تنظيف دقيقة لطبقة الورنيش القديمة التي غطت وجه فارس مجهول في اللوحة. كانت حركاتها انسيابية، بطيئة، ومحكومة بتركيز شديد فرضته عليها رغبتها العارمة في الهروب من الأفكار التي كانت تنهش عقلها منذ خمسة أيام.

حاولت إيلينا بكل قوتها أن تغرق وعيها في تفاصيل القماش العتيق، أن تبتلع صخب قلبها داخل صمت الألوان. كانت تقول لنفسها مع كل لمسة فرشاة: "هنا أماني.. هنا عالمي الذي لا يستطيع أحد تدنيسه. الموت هنا مجرد طلاء جاف، والدماء ليست سوى لون قرمزي لا ينزف ولا يؤلم. رحل الغريب، وعاد إلى جحيمه المظلم، ولن يجد طريقه إلى هذا النور أبداً."

لكن هذا الأمان الوهمي لم يدم طويلاً. وفجأة، ودون سابق إنذار، شعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري، وإحساس غريب بالثقل يجتاح الهواء من حولها. كانت تلك حاسة الخوف والترقب التي صُقلت في ليلة النزيف العاصفة. تلاشت الهمسات الخافتة للزوار في مسامعها، وحلّ محلها شعور طاغٍ بأن هناك نظرات حادة، كشفرات من الجليد المشتعل، تخترق ظهرها من بين الحشود وتثبت عليها بثقل هائل لا يرحم.

توقفت يدها المعلقة في الهواء، وتراجعت الأنفاس في صدرها. التفتت ببطء شديد، والوجل يعتصر قلبها، لتنظر نحو مدخل القاعة الكبرى عبر الحشود المتباعدة من السائحين وعشاق الفن.

وفي تلك اللحظة، شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها، واتسعت عيناها العسليتان بذهول ورعب حقيقيين تمنت لو أنه مجرد سراب.

كان هناك، واقفاً في وسط القاعة بكامل قامته الفارهة ومهابته الطاغية، (أليساندرو). لم يكن يرتدي تلك الحُلة الممزقة والمخضبة بالدماء التي رأته بها أول مرة، بل كان يبدو كرجل مجتمع راقٍ من الطبقة الأرستقراطية العليا، رجل يملك المدينة ومن عليها بلمحة من عينيه. كان يرتدي بدلة فاخرة سوداء اللون صُممت يدوياً بدقة متناهية لتخفي تحتها لفائف الضمادات التي تحمي جرح خاصرته، وقميصاً أبيض ناصعاً برزت من تحته ربطة عنق حريرية داكنة. شعره الأسود الفاحم كان مصففاً بعناية إلى الخلف، وملامحه الرجولية الحادة والندبة الصغيرة على وجنته اليسرى بدت تحت ضوء المتحف أكثر وضوحاً وقسوة وجاذبية مظلمة.

كان يقف واضعاً يديه في جيبي بنطاله بهدوء مخيف، وعيناه الرماديتان الباردتان مثبتتان عليها مباشرة، متجاهلاً كل اللوحات الثمينة والتماثيل المحيطة به، وكأنها اللوحة الوحيدة التي تستحق التأمل في هذا المكان بأسره. كان محاطاً على مسافة آمنة ومدروسة بـ (ماركو) ورجلين آخرين من حراسه الشخصيين الذين كانوا يرتدون حُللاً رسمية ويراقبون المكان بأعين صقرية، مانعين أي زائر من الاقتراب من زعيمهم دون أن يثيروا أي جلبة.

شعرت إيلينا بالدوار؛ فالرجل الذي ظنت أنه ظل يسكن عتمة الليل وشوارع المافيا الخلفية، قد خرج إلى النور في وضح النهار، واقتحم محرابها المقدس بكل كبرياء وسلطة. تملكها رعب شديد من فكرة أنه عرف مكان عملها، وتتبع خطواتها، وأن حياتها الهادئة أصبحت مستباحة بالكامل أمامه.

بدأ أليساندرو بالتحرك نحوها بخطوات وئيدة، بطيئة، ومدروسة، تصدر أحذيته الجلدية الفاخرة صوتاً خافتاً على الرخام صبغ المكان بنبرة من الترقب. كانت الحشود تبتعد عن طريقه غريزياً دون أن تدرك السبب؛ فالهالة التي كانت تنضح منه، نبرة الخطر والموت التي تغلف حضوره، كانت كافية لإجبار الجميع على إخلاء السبيل.

تراجعت إيلينا خطوة إلى الوراء فوق المنصة الخشبية، وكادت أن تسقط لولا أنها استندت بإطار اللوحة الجدارية الضخمة. وضعت يدها المرتجفة على صدرها تحاول كبح دقات قلبها التي أصبحت مسموعة لها، وعيناها العسليتان تراقبانه وهو يقترب كقضاء محتوم لا يمكن الفرار منه.

وقف أليساندرو أسفل المنصة مباشرة، يفصل بينهما متر واحد فقط. رفع رأسه، ونظر إليها من الأسفل، وارتسمت على شفتيه الحادتين تلك الابتسامة الغامضة والمظلمة التي تحمل طابع الهوس والتعلق السري. كانت عيناه الرماديتان تتأملان وجهها الشاحب، ومئزرها الأبيض، والفرشاة المرتجفة بين أصابعها، بنظرات فاحصة تلتهم تفاصيل نقائها.

"أرى أنكِ تمارسين طقوس البعث مجدداً يا حارسة التاريخ،" خرج صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة السلطة الأرستقراطية الباردة التي جمدت الدماء في عروقها. "اللوحة تبدو مثيرة للاهتمام، لكن وجه الفارس المجهول فيها يحتاج إلى الكثير من الصبر ليعود إلى سابق عهده، أليس كذلك؟"

بلعت إيلينا ريقها بصعوبة بالغة، وحاولت استجماع بقايا شجاعتها وكبريائها لئلا تظهر ضعفها أمام الحراس والزوار المحيطين بهم. نظرت إليه، وقالت بنبرة خافتة مشوبة بالتوتر والغضب المكبوت: "ما الذي تفعله هنا يا سيد أليساندرو؟ هذا المكان محراب للفن والتاريخ، وليس ساحة لصراعاتك.. كيف تجرؤ على ملاحقتي إلى هنا؟"

لم تتحرك ملامح أليساندرو الصخرية؛ بل ظل ينظر إليها بنفس الركود المخيف الذي يسبق العواصف. خطا خطوة إضافية ليلتصق حافة حذائه بالمنصة الخشبية، وأحكم قبضته على عصا أثرية صغيرة ذات رأس فضي كان يستند عليها جزئياً لتخفيف العبء عن جرحه النازف سراً.

قال بصوت منخفض لا يصل إلا لمسامعها: "الظل لا يلاحق أحداً يا إيلينا، الظل يمتد طبيعياً نحو النور الذي يجذبه. لقد أمضيتُ خمسة أيام في قلعتي أستمع إلى تقارير الموت والدمار، وشعرتُ بأن جرحي لا يلتئم إلا إذا رأيتُ يد المرممة التي نسجت غرزه بعناية. الفن في هذه القاعة جميل، لكن النقاء الذي رأيته في عينيكِ تحت المطر كان أكثر جاذبية من كل ما صنعه فنانو توسكانا عبر القرون."

"أنت مجنون.. ومخيف،" همست والدموع تترقرق في عينيها من فرط الضغط النفسي. "أنا أنقذتُ حياتك بدافع الإنسانية والواجب، ولم أطلب منك مقابلاً، ولا أريد دَيناً من عائلتك. كل ما أرجوه منك هو أن تتركني وشأني، أن تعود إلى عالمك المظلم وتنسى وجودي تماماً. حياتي لا تحتمل وجود رجال مثلك."

تحركت ملامح أليساندرو قليلاً، واشتعل بريق عينيه الرماديتين بهوس أعمى وعنيف سرى في أوصالها كالنار. انحنى قليلاً نحو الأمام، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل وعيداً لا يعرف المزاح: "النسيان رفاهية لا يملكها أليساندرو يا إيلينا. الكلمة التي تخرج من لساني تصبح قانوناً، ورغبتي التي نبتت في قلبي تجاهكِ منذ اللحظة التي لمستِ فيها جبهتي المشتعلة بالحمى، أصبحت قدراً مكتوباً. لقد أدخلتِني إلى محرابكِ الآمن بكامل إرادتكِ، ودمائي صبغت عتبة بيتكِ، وهذا يعني أنكِ أصبحتِ جزءاً من حكايتي، والحكايات معي لا تنتهي بطلب الرحيل."

تراجعت إيلينا خطوة أخرى، وشعرت بأن الهواء في القاعة أصبح خانقاً، وأن نظراته تطوقها كالسلاسل الحديدية التي لا يمكن كسرها. التفتت نحو ماركو الواقف عن بعد، ورأت في عينيه نظرة تحذير صامتة تؤكد لها أن خطر وجود أليساندرو هنا لا يقتصر عليه بل يمتد ليشملها هي أيضاً.

تابعت إيلينا وهي تحاول تثبيت صوتها: "ألا تخاف على نفسك؟ أعداؤك يبحثون عنك في كل مكان، وخروجك إلى قاعة عامة مليئة بالناس والمتحف هكذا هو انتحار صرف. إذا علموا بوجودك، سيتحول هذا المكان إلى مجزرة."

ارتسمت على شفتي أليساندرو ابتسامة ساخرة خفيفة، ورفع رأسه بكبرياء وعنفوان يملؤه التحدي: "الخوف خطيئة لا أعرفها، وأعدائي يعلمون جيداً أن الأرض التي أطأ عليها تصبح ملكاً لعائلة الكامورا. أنا هنا محميّ بقوتي وبثقتي، ولكنني جئتُ لأضع قاعدة واحدة بيننا؛ أردتُ أن أرى كيف تبدين في عالمكِ، وأردتُ أن أؤكد لكِ أن عينيّ ترقبانكِ من بعيد، وأن رجالي يحيطون بزقاقكِ لحمايتكِ من أي خطر قد يجلبة اسمي إليكِ."

"أنا لا أريد حماية من مجرمين!" قالت بنبرة حادة فاجأته، وامتزجت فيها الرقة بالجرأة العنيفة. "شقتي كانت آمنة قبل أن تسقط عليها، ولوحاتي كانت تنبض بالحياة قبل أن تلوثها برائحة بارودك. ارحل يا أليساندرو.. ارحل قبل أن أدعو أمن المتحف، وقبل أن تتدمر حياتي بالكامل بسببك."

لم يغضب أليساندرو من كلماتها القاسية؛ بل بدا وكأن جرأتها تزيد من إعجابه وهوسه بها. تراجع خطوة إلى الوراء ببطء، وعدل سترة بذلته الفاخرة بيد واحدة، وظلت عيناه الرماديتين مثبتتين على وجهها بنظرة تحمل تملكاً مطلقاً وتعلقاً لا يرحم.

قال بصوت رصين وعميق تغلغل في أعماق روحها: "أمن المتحف لا يملك سلطة على الظل يا حارسة التاريخ. سأرحل الآن لأترككِ تكملين ترميم فارسكِ المجهول، ولكن تذكر كلمات أليساندرو جيداً؛ النور الذي تملكينهُ قد جذب الوحش من جحره، ولن يستطيع أحد إعادته إلى الداخل. عالمكِ القديم الساكن قد مات في الليلة العاصفة، وحمايتكِ أصبحت واجبي الشخصي، سواء قبلتِ بذلك أم رفضتِ."

التفت أليساندرو ببطء نحو رجاله، وأشار لماركو بحركة طفيفة من رأسه. تحرك الموكب السري بسرعة وانسيابية، وأحاط الحراس بزعيمهم الشاب وهو يسير بخطوات ثقيلة ومستندة بالعصا الفضية نحو بوابة الخروج الكبرى، ليختفوا بين الحشود كما ظهروا، تاركين خلفهم قاعة المتحف غارقة في صمت خانق بالنسبة لإيلينا.

نزلت إيلينا من المنصة الخشبية ببطء، وكانت قدماها تكادان تعجزان عن حملها. رمت بأدواتها الطبية على الطاولة، وجلست على مقعد قريب، وأسندت رأسها بين يديها المرتجفتين، بينما كانت دموع التوتر والخوف تنهمر أخيراً بحرية فوق وجنتيها الشاحبتين. كان كل شيء من حولها يبدو وكأنه قد تغير؛ الألوان أصبحت باهتة، والتماثيل الرخامية تبدو كأشباح تراقب مصيرها المحتوم، ورسائل أليساندرو المبطنة بالهوس والتملك تتردد في مسامعها كترانيم شؤم تقودها نحو الهاوية.

استسلمت لمونولوغها الداخلي، وهي تنظر نحو البوابة التي خرج منها: "لقد جاء.. واقتحم النور ليثبت وجوده في حياتي. إنه لا يريد امتنان عابر، إنه يريد امتلاك روحي وعالمي بأكمله. كيف سأفر من هذا الهوس المطبق؟ وكيف سأحمي نفسي من ناره التي تهدد بحرق كل ما بنيته؟ أنا الآن محاصرة بين جدران تاريخي، وظل رجل يحرك الموت بكلمة من شفتيه."

لم تكن تعلم أن هذه المواجهة لم تكن سوى الشرارة الأولى التي ستشعل فتيل الحرب في فلورنسا؛ فخروج أليساندرو إلى المتحف في وضح النهار لأجلها لم يمر مرور الكرام، وهناك عيون أخرى كانت تراقب المشهد من بعيد، عيون تابعة لعدوه اللدود (ليون)، الذي بدأ يدرك أخيراً أن الزعيم الشاب للكامورا قد وجد نقطة ضعفه الوحيدة، وأن "حارسة التاريخ" توشك أن تصبح الهدف القادم في لعبة الدم والنار.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   مجالس المال

    ما إن أُسدل الستار على جلسة التوقيع الكبرى في قاعة العرش الاستراتيجية بقصر الكامورا، واستقرت بنود "ميثاق الشمال" في يد القيادة العليا، حتى انتقل ثقل الأحداث والاهتمامات الإمبراطورية إلى صالون الاستقبال الملكي الفسيح؛ حيث كان أباطرة المال، كبار المستثمرين، ونُبلاء الأقاليم التجارية المجاورة ينتظرون بلهفة بالغة وترقب حذر للحصول على موطئ قدم أو حصة استثمارية في العهد القيصري الجديد. لم تكن العاصمة روما تحكم بالسلاح والحديد وحدهما، بل كان الاقتصاد والأسواق هما الركيزة الكبرى التي تُبنى عليها دعائم الإمبراطورية، وهو ما أدركه أليساندرو جيداً حين قرر أن تدار عمليات إعادة الاعمار التجاري تحت رقابة صارمة ومباشرة من شفرات عقل ملكته.امتد الصالون الملكي الفسيح بأعمدته الرخامية السوداء الضخمة المطرزة بصفائح الفضة الخالصة والنوافذ القوسية الطويلة التي تعكس أشعة الشمس المائلة على الأرضيات المرمرية المصقولة بدقة، بينما انسابت في الخلفية نغمات أوركسترا كلاسيكية هادئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة تليق بحجم التحولات التاريخية الكبرى. وفي منتصف المنصة الهندسية المرتفعة، وقفت إيلينا ب

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار. كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من

  • الظل   ميثاق الشمال

    لم تكن الشموس الدافئة التي أشرقت على أحياء العاصمة روما وبعثت الحياة في أزقتها العتيقة مجرد إعلانٍ عابر لانتهاء حظر التجوال العسكري والتصفية التكتيكية التي نفذتها فرسان الكامورا المصفحة في قيعان الأنفاق، بل كانت الغطاء الأرستقراطي المهيب الذي يتوارى خلفه الاتساع الهائل لرقعة النفوذ الإمبراطوري لـلعرش القيصري الجديد. وفي هذا الأثير المفعم بالترقب العسكري والمهابة الساطعة، احتشد قادة الشمال، نُبلاء الأقاليم الحدودية العريقة، وخبراء التشييد المعماري في قاعة العرش الاستراتيجية القابعة بالقلب المصفح لـقصر الكامورا الإمبراطوري لـصياغة "ميثاق الأعمار الشامل" وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية والهندسية فوق أرض إيطاليا بـأكملها، في خطوة تاريخية تعلن ميلاد حقبة أسطورية جديدة لا تقبل التراجع أو الانكسار.كانت القاعة الاستراتيجية بـحد ذاتها تحفة معمارية أثرية نادرة يمتزج فيها الفن القوطي العتيق بالتقنيات الدفاعية الحديثة؛ إذ تحيط بـها جدران شاهقة من الرخام الأسود المائل لـلزرقة والمرصع بـعروق الذهب الخالص التي تتلألأ تحت وقع الأضواء، وتتدلى من أسقفها المقوسة ثريات ضخمة من الكريستال النمساوي الثق

  • الظل   سكون العواصف

    انحسرت آخر ظلال المواجهة الميدانية والدماء المتناثرة عن أفق العاصمة روما، لـتستقر الإمبراطورية في هدوء أرستقراطي مهيب وعميق يعكس ثبات العرش القيصري وسطوة الكامورا التي لا تقهر ولا تلين، وكأن التاريخ يكتب فصوله الجديدة بمداد من حديد وذهب. وفي هذا المساء الاستثنائي الذي لفّ أسوار قصر الكامورا المصفح والمعلق بـكبرياء فوق هضاب التافر، تراجعت حدة التوتر العسكري والإنذارات الاستخبارية الحادة لـتفسح المجال أمام أفق زمني جديد ومجيد تتشكل فيه ملامح السلام الأبدي وإعادة صياغة مقدرات الشمال بـأكمله، تحت راية القيصر أليساندرو ورفيقته الملكة إيلينا، لـتطوي المدينة صفحة الصراعات الدامية وتفتح أبواب العصر الذهبي للسيادة المطلقة والتشييد الإمبراطوري الشامل.كانت الحديقة الخلفية للقصر تحفة بصرية ناطقة بالفخامة الإيطالية العتيقة والمهابة المطلقة؛ إذ تتوسطها نافورة أثرية منحوتة بـدقة من حجر البازلت الأسود الصخري، تتدفق منها مياه نقية متدفقة تعكس أضواء المشاعل النحاسية الموزعة بانتظام دقيق على طول الممرات المرمرية الواسعة والأعمدة الرخامية المرتفعة التي تحمل تاريخ العائلات المالكة. وفي قلب هذه

  • الظل   مواثيق المستثمرين

    لم تكد شمس الفجر الذهبية تعلن اكتمال التطوير الأمني وتأمين القطاعات التحتية لـأنفاق العاصمة روما، حتى تحولت الشرفات الملكية والأروقة المصفحة لـقصر الكامورا الإمبراطوري إلى مقصدٍ لـكبار المستثمرين، أباطرة التجارة، ونُبلاء الأقاليم المجاورة الذين سارعوا لـحجز موطئ قدم لهم في العهد القيصري الجديد. كانت الرغبة العارمة في ضخ رؤوس الأموال وإعادة بناء الأسطول التجاري عبر الموانئ الشمالية هي العنوان الأبرز لـهذا الحشد الأرستقراطي، عقب القضاء الشامل على ابتزاز المحفل المظلم وتطهير أحياء المدينة من شبكات الجريمة والتسلل.امتد الصالون الإمبراطوري الشاسع بـأعمدته الرخامية السوداء المطرزة بـالفضة ونوافذه القوسية الضخمة التي تعكس زهاء النهار على الثريات الكريستالية الثقيلة، حيث انسابت نغمات أوركسترا كلاسيكية دافئة أضفت على المكان هيبة أرستقراطية ساحرة. وفي منتصف الشرفة القيصرية الشامخة المطلة على ضفاف نهر التافر والجسر الإمبراطوري العتيق، التفت النخب المالية حول المنصة الهندسية التي وضعتها الملكة إيلينا لـعرض مخططات التطوير الهيكلي لـلأسواق والموانئ، وسط حراسة مشددة من فرسان الشمال المصف

  • الظل   حصاد التطهير

    لم تكن الساعات الأولى التي تلت صدور أوامر الإغلاق الهيدروليكي وتأمين المحاور التحتية لـأنفاق العاصمة سوى ملحمة حاسمة كشفت عن السطوة المطلقة لـعرش الكامورا الجديد؛ حيث استكملت فرسان القيصر المصفحة عملية التمشيط الدقيقة في الأحياء العتيقة والقطاعات المتاخمة لـنهر التافر. تهاوت آخر المعاقل الخفية التي اختبأت فيها فلول المحفل المظلم، لـتُسحب أدوات الابتزاز، والخرائط المزورة، وشحنات السلاح غير المشروعة تحت الحراسة العسكرية المشددة، ويتحول الليل الداجي في روما إلى فجر قاطع أزاح عن صدر المدينة أطياف الخيانة والذعر إلى غير رجعة.في قاعة العرش والمراقبة العليا بـالبرج الإمبراطوري الشامخ، كانت الأجواء المفعمة بـالترقب القتالي تبث الدفء والمهابة الصارمة في الأثير. تناثرت المخطوطات الهندسية المحدثة والتقارير الميدانية النهائية فوق الطاولة الأبنوسية العملاقة المطرزة بـالفضة والرخام الأسود، بينما انعكست أضواء القناديل الكريستالية الدافئة على الأسوار العتيقة والمقاعد الجلدية الفاخرة التي شهدت صياغة الدستور السري لـالحكم القيصري. خفت صدى أجهزة الاتصالات التكتيكية لـتفسح المجال أمام هدوء أر

  • الظل   عتبات الجحيم العاجي

    كانت سيارات الدفع الرباعي السوداء والمدرعة تشق طريقها الصاعد عبر المنحدرات المتعرجة لتلال "فيسولي" كأنها قطيع من الوحوش الحديدية التي تفر من أضواء فلورنسا المتلاشية في الأفق. كان رذاذ المطر الناعم يضرب النوافذ الزجاجية المعتمة للسيارة الخلفية الفارهة، ليرسم خطوطاً مائية متعرجة تشبه الندوب ال

  • الظل   إلى عرش الظلام

    كانت الدقائق التي تلت تلك المجزرة الرهيبة تمر على إيلينا كأنها مسامير من الجليد تُدق في وعيها المنهك. لم تعد تشعر ببرودة الأرض الخشبية تحت جسدها، ولا برذاذ المطر الناعم الذي بدأ يتسلل مجدداً عبر النوافذ المحطمة ليمتزج بغبار الجدران المتداعية. كان كل ما يحيط بها قد استحال إلى رماد؛ لوحاتها ال

  • الظل   انكسار الحصن

    لم يكن السكون الذي لفّ شقة إيلينا في تلك الليلة سوى غشاء رقيق يخفي خلفه مخالب الموت. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وتحولت أزقة فلورنسا القديمة إلى سراديب من العتمة التي لا يكسرها سوى وميض مصباح الشارع النحاسي الشاحب، الذي كان يرسل ضوءاً أصفر مريضاً يرتعش عبر زجاج نافذتها. كان الهو

  • الظل   أنفاس العدو

    في الجانب الجنوبي من إقليم توسكانا، حيث تلتقي التلال الخضراء بظلال قلاع روما القديمة، كان يمتد معقل عائلة "ليون"، العدو اللدود الذي لا ينام لشبكة الكامورا. في قصر ريفي مهيب يحيطه الغموض، كان يجلس (ليون) خلف طاولة بلياردو مصنوعة من الخشب العتيق، يمسك بعصا اللعب ويوجه ضربات قاسية ومركزة للكرات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status