LOGINمرت بضعة أيام هادئة... كنتُ مذهولة، فلم يكن إحجام الجميع عن إزعاجنا نذير خير مطلقًا. كنتُ مدركة لهذا الأمر، لكنني مع ذلك كنتُ أجبر نفسي على التفكير في أن الأمل قد انتشى وانتهى كليًا. كنتُ أعلم أنني تحت فترة اختبار أو مراقبة من قِبَل منحرفي المجهول، لكنني لم أره. بعد تلك الرسالة، كان ينتظر الوقت المناسب، وكنتُ أفعل كل ما بوسعي ألا أكون بمفردي.
كانت عذراء تزورنا كل يوم. ورغم أنها كانت تبدو مهتمة بأحمد، إلا أنها كانت تتجول وتستكشف المكان بحذر حول المنزل. كانت دائمًا بالجوار عندما نخرج معًا، وكانت تضغط عليّ للذهاب إلى الشرطة في كل مرة نكون فيها بمفردنا. لم أكن أستحق كل هذا المن منها، وكنتُ أرغب حقًا في الذهاب إلى الشرطة، لكننا سنعود خاليي الوفاض. في ذلك الوقت، بدا وكأن ذلك المنحرف سيزداد إصرارًا عليّ، ولم تكن استثارته فكرة سديدة على الإطلاق.
أوصلتُ أحمد إلى المدرسة في الصباح ثم توجهتُ فورًا إلى العمل. كنتُ متأخرة هذا الصباح؛ فعادةً ما أستيقظ مبكرًا، لكنني بسبب التعب الشديد لم أستطع فتح عينيّ. بدأتُ أعمل في السوق أكثر من المعتاد كي لا أفكر، محاولةً ألا أظل فارغة بلا عمل، ولكنني مع ذلك لم أستطع منع تلك الأفكار المرعبة من التسلل إليّ.
بعد ترصيف البسكويت في الممر، بدأتُ أتجوّل بين الممرات الفارغة، لعلّي أجد ما أشغل به نفسي على الفور.
"إليف؟"
على صوت إمرة، التفتُّ جانباً ونظرتُ إلى صديقي المبتسم وهو يقترب مني حاملاً صندوقاً مليئاً بالطماطم بين يديه. ألقى عليّ نظرة ساحرة أو مازحة؛ فقد كان مدركاً للاندفاع والعجلة التي تعتريني مؤخراً.
"نعم يا إمرة؟" قلتُ مستردة الابتسامة ذاتها.
"حسناً... كنتُ أريد أن أسألكِ عن حالكِ. في ذلك اليوم..." توقف فوراً، وكأنه قال شيئاً خاطئاً. لم يكن يعرف كيف يسأل عن ذلك الأمر، وكان من الطبيعي جداً ألا يعرف في حين أنني نفسي لم أكن أعرف ما الذي حدث لي.
"أنا بخير يا إمرة... تذكرتُ والديّ في ذلك اليوم، فتردّت حالتي قليلاً." لم أكن أريد الكذب، لكن كان عليّ ذلك. كان عليّ أن أكذب هذه الكذبة اللعينة من أجل الأشخاص الذين أحبهم.
بدأ يدرس ملامح وجهي وكأنه يزن ما قلته. وكأنني لم أكن أقول كل تلك الأكاذيب، رسمتُ على شفتيّ ابتسامة تمنيتُ من كل قلبي أن تكون صادقة. لا بد أنه صدقني، إذ أخذ وجهه القلق يتلاشى تدريجياً.
"لا تقلقي، أنا معكِ." ثم ربتَ على كتفي بخفة متابعاً: "إليف، أنتِ لستِ وحدكِ، لا تنسي ذلك اتفاقنا؟"
أومأتُ برأسي بسرعة: "أعلم."
"على أي حال، سآخذ هذه." أشار إلى الصندوق الذي يحمله بيده. "أنتِ ترهقين نفسكِ، ولم يفتني ملاحظة ذلك!" حذرني بغضب مزيف: "أرجوكِ لا ترهقي نفسكِ..."
"حسناً"، أنهيتُ الكلام وتجاوزتُ إمرة متجهةً نحو اليسار. لكن لم يستغرق الأمر طويلاً حتى أدركتُ أنني أتصرف بحماقة وطيش مجدداً؛ فمع الرطوبة والبلل اللذين شعرتُ بهما عليّ، نظرتُ لأرى بمن أو بـماذا ارتطمتُ هذه المرة.
كان الشخص الذي اصطدمتُ به هو "كوركوت" الذي يعمل معنا في السوق، وكان ينظر إليّ بملامح حرجة ومحتاجة للإحراج. كان مبتلاً تماماً مثلي.
"أنا آسف يا إليف، لم أركِ..." قالها وهو يرفع دلو الماء الذي سكبه عليّ.
"لا بأس يا كوركوت، الخطيئة خطيئتي لأنني لم أكن أنظر حولي."
ولم يمضِ وقت طويل حتى سأل إمرة: "إليف، هل أنتِ بخير؟" وأمسك بذراعي. فهمتُ أنه كان يجري تقييماً للأضرار من خلال تفحصه لي؛ فقد كان يبالغ كثيراً، فالمشكلات والحوادث الصغيرة تحدث طوال الوقت.
"لا بأس، مجرد نكسة بسيطة... الأفضل أن أذهب لأغير ملابسي."
استدرتُ ممتنعة عن النظر إلى كوركوت الذي قال بابتسامة: "أسف مجدداً يا إليف." كنتُ سأمر على الأخ إحسان لطلب الإذن. عندما طرقْتُ باب غرفته، كان غارقاً في الأوراق كما يفعل كل يوم.
"أخ إحسان، هل أنتَ متفرغ؟"
"تعالي يا إليف. متى كنتُ متفرغاً؟ هذه الأمور لن تنتهي أبداً." يعتقد الناس أن صاحب السوق جالس يرتاح، لكن الأخ إحسان كان شخصاً يتولى كافة الأعمال بنفسه؛ يفحص كل البضائع القادمة والمباعة بالتفصيل ويدوّن الملاحظات. عندما رآني قال مستنكراً: "ماذا حدث لكِ؟" وسأل وهو يعبس.
"تصرفتُ بطيش وكبوة، وكنتُ سأطلب إذنك لهذا السبب. هل لي أن أذهب إلى المنزل لأغير ملابسي؟" سألتُ بتردد وأنا أعض على شفتيّ. كان الأخ إحسان صارماً، لكن ليس كثيراً تجاهنا نحن الفتيات.
"حسناً، اذهبي."
بإذن من الأخ إحسان، أخذتُ حقيبتي وركضتُ إلى المنزل. كان قميصي وسروالي قد اتسخا بالكامل وتلوثا بذلك الماء القذر، وكانت رائحتهما كريهة بحق. عندما وصلتُ إلى شارعنا، توقفتُ عن الركض ونظمتُ تنفسي؛ فقد انتفخ طحالي من كثرة الجري.
عندما وصلتُ أمام العمارة، كان الشخص الأخير الذي لم أتوقع رؤيته هنا، أو بالأحرى لم أرد رؤيته، يقف أمامي. كان من الغباء الشديد مني أن أعتقد أنني تخلصتُ من هذا الرجل!
"لا، ما الخطب معكِ؟" نظرتُ إليه وفمي مفتوح. هل كان هذا حقيقياً؟ هل كان يفكّر فيّ حقاً؟
جاهلتُ اهتمامه المزيف واندفعتُ قائلة: "وما شأنك أنت!" ثم زمجرتُ ودخلتُ البناية. لقد كسروا الباب الخارجي لعِمارتنا مجدداً ولم يُغلق منذ أسبوع. أخرجتُ مفتاحي من حقيبتي وأنا أتمنى ألا يتبعني.
عندما وصلتُ إلى باب شقتنا، تحققتُ مما إذا كان خلفي دون أن أرفع رأسي. وعندما سمعتُ صوت التنفس، رفعتُ رأسي للتلاقي أعيننا. كان مستنداً إلى الجدار ينتظر مني فتح الباب. أدرتُ جسدي بالكامل قبل أن أفتح الباب: "هل لي أن أسأل عما تنتظره؟"
"أنتظر شخصاً عاجزاً مثلكِ لكي يفتح الباب." وهو مستند إلى الجدار، أخذ المفتاح من يدي. "لكنني أرى أنكِ الفشل بعينه"، أضاف ذلك وهو يفتح الباب ويدخل بحذائه.
التزمتُ الصمت... كان عليّ أن أتعلم كيفية التعامل مع أسلوبه الخبيث القاسي. كان من العبث الصمت أو الرد عليه... الأمر فقط يتطلب بعض الوقت، بعض الوقت للتخلص منه.
أغلقتُ الباب وخلعتُ حذائي. ثبّتُ عينيّ على أمير خازندان الذي كان متمدداً في الصالة، لكنني لم أستطع الاستمرار طويلاً أمام نظراته القاتلة. كان هذا الرجل سيقتلني في أي لحظة بعينيه الزرقاوين. كانت لديه عين غريبة... كانت تظهر الكراهية بوضوح. كان هناك حزن في عينيه، وفهمتُ أنه يحاول إخفاءه. كان هناك شوق... وضجر...
"لماذا جئت؟" أزحتُ عينيّ عنه ووضعتُ يدي على خصرِي وبدأتُ أنظر إلى الأرض. لم أكن أحب البقاء بمفردي في هذا المنزل، لكنه منحني بعض الثقة.
"أنتِ تعلمين جيداً لماذا أنا هنا، لذا لا تسأليني أسئلة غبية."
ضغطتُ على أسناني ورفعتُ رأسي، وكانت يداي متكئتين على هيئة قبضتين. "لقد أعطيتُ إجابتي بالفعل. وأيضاً، تحدث معي باستقامة!"
"وماذا إن لم أتحدث باستقامة؟" قالها وهو يميل إلى الأمام من مقعده. بدأ يدرس ملامحي بنفس التعبير وواضعاً مرفقيه على ركبتيه. كان من المستحيل ألا تنزعجي من نظراته.
استدرتُ وقيلت: "عَليّ أن أغير ملابسي قبل أن أتأخر عن العمل. من فضلك اخرج من بيتي."
بعد ذلك بقليل، دخلتُ غرفتي. كان قفل بابي مكسوراً وشعرتُ بالغضب لأول مرة، لكنني لم أتوقع منه أن يدخل غرفتي؛ فلا يمكن أن يكون رجلاً بلا أخلاق ليذهب إلى ذلك الحد.
كانت ملابسي تفوح برائحة كريهة حقاً. واشمتزازتُ من نفسي، أسرعتُ بالتخلص من الرائحة عن طريق خلع بنطالي أولاً وارتداء آخر. اتسعت عيناي برعب وأنا أخلع قميصي وفُتح الباب! لم أكن أرتدي سوى حمالة الصدر ودون قميص داخلي.
محاولةً تغطية نفسي بيديّ، صرختُ: "هي! اخرج من غرفتي! ماذا تفعل؟ اخرج!" صرختُ في وجه أمير الذي كان يحدق بي بذهول وشخوص.
تقدم الرجل نحوي تجاهلاً لصرخي. لم ينظر إلى جسدي عندما حاصرني عند الخزانة، بل أمسك بكلا يديّ وقال: "أنتِ لستِ حتى آخر فتاة قد أنظر إليها في هذه الحياة. لهذا السبب أنا شريف بشكل أحمق، وقدمكِ لن تقتلعني... جسدكِ لم يلفِت انتباهي حتى. أليس هذا سيئاً؟ فتاة شبه عارية أمامي وأنا غير متأثر بها..."
حررتُ يديّ من يديه وضربتُ صدره بقوة: "أنت... أنت مقزز!" قلتُها بغضب واشمئزاز. "ابتدع عني!" دفعته بكل قوتي بعيداً عني قليلاً.
كان جسدي هذه المرة مكشوفاً وأعزلاً تماماً، لكنني لم أهتم، وفي غضبي دفعته مرة أخرى: "اخرج من حياتي!"
صرخاتي ومحاولاتي لم تؤثر فيه على الإطلاق. بدأ يضحك وكأن الأمر مزحة، وبعد ثوانٍ بدأ يمشي نحوي. أمسك بكلا ذراعي ببديه الكبيرتين وضغطني على الجدار: "انظري إليّ أيتها العاهرة الصغيرة!"
أغمضتُ عينيّ وضربتُ قدمه بكل قوتي: "لستُ عاهرة! هل تفهم؟ الآن ابعد يديك القذرتين عني..." فتحتُ عينيّ بغضب، ممّا جعل كل ثورتي تقف بوجهه. كنا وجهًا لوجه، ولم يكن هناك أي تغيير في تعبيرات وجه الرجل؛ واصل التحديق بي بنفس التعبير المقزز.
اقترب أكثر من وجهي حتى اختلطت أنفاسنا: "أنتِ عاهرة ولن أدعكِ ترحلين! لذا توقفي عن إغضابي. كوني فتاة مطيعة وخطي كلمتي. صدقيني، ستكونين سعيدة أنتِ أيضاً... أنتِ تعرفين بالفعل كيف أترككِ وشأنكِ. وقّعي على ذلك التوقيع اللعين واذهبي إلى أي درك تريدين!"
"لن أوقع على أي شيء! لا تزعج نفسك!"
عندما قلتُ ذلك، عصر ذراعي، فخرجت مني أنة لم أرد لها أن تفلت. أغمضتُ عينيّ وتمنيتُ أن يزول الألم، لكنه بعناد لم يسحب يده.
"إن كنتُ أنا عاهرة، فبزواجك مني تصبح أنتَ قوّاداً..."
"صه!" زأر هادراً: "لا تتابعي... ستوقعين! ليس لديكِ خيار سوى أن تسألي لماذا جئتُ، وسأخبركِ بالسبب فوراً يا زوجتي المستقبلية."
كان يكرهني كثيراً لدرجة أنه أظهر ذلك علانية وبلا خوف. هذا الرجل الذي لا أعرفه ولكن سيغير حياتي كان نهايتي؛ كان القاتل الذي سيسلبني أنفاسي.
"أرجوك..." نعم، قلتُ أرجوك. كان عليّ ثنيه عن ذلك، فقد كان يؤذيني عندما أكون مجابهة له. "أرجوك اتركني وشأني. لا أستطيع." بدأت الدموع تتأفق من عينيّ وأنا أهز رأسي.
"لا تبكي أمامي!" ضغط على أسنانه وكأنه سيكسرها. "لا تبكي أمامي! اللعنة، هل أنا ملهوف للزواج منكِ؟ تقولين إنكِ لا تستطيعين فعلها بعد. كانت جدتي هي من عليكِ لومها على كل هذا. وبما أنها رحلت، فعليكِ الطاعة. ليس لديكِ خيار ولا مخرج! الأفضل أن تدخلي هذا في رأسكِ الغبي! هذا أمر محتوم."
أطلق ذراعيّ واستدار، وعندما بعثر شعره، أدركتُ مرة أخرى أنه غير راضٍ عن هذا الوضع أيضاً.
"انظري، جئتُ إلى هنا لأخبركِ أنني أعطيتكِ مهلة أسبوع. الإثنين القادم، وهو ليس أسبوعاً كاملاً بالمعنى الحرفي. سينتهي هذا الأمر، وستوقعين سواء أردتِ أم أبيتِ!"
"لا أستطيع..." سمع همسي وعادت تلك العيون المرعبة لتجدني.
"ستفعلين! غصباً عنكِ ستوقعين على ذلك."
"وماذا بعد؟ الأمر لا ينتهي بالتوقيع. لقد سمعتَ أن هناك بنوداً أخرى أيضاً. هل ستجبرني على تنفيذها أيضاً؟"
اقترب مني مجدداً: "نعم إن لزم الأمر! أنا بحاجة إلى ذلك المال وسأفعل كل ما يلزم. لذا كوني مستعدة لذلك أيضاً. تلك البنود هي الآن أيضاً لا أعرف ما هي الملاكمة المخبأة فيها، لكنكِ لن تتمكني من الهروب منها أيضاً!"
قوّمتُ كتفيّ مثبتةً عينيّ عليه: "لا يمكنكَ إجباري على فعل أشياء لا أعرف ماهيتها! من الواضح أن تلك البنود لن تكون مريحة للقلب. لا أريدها! وسأقاوم طالما استطعت... لذا اذهب الآن!" استدرتُ وانتظرتُ منه أن يغادر. كنتُ أعلم أنه ينظر إليّ، لكنني لم أكن لأُنظر إليه. إجباري لن يجدي نفعاً معه.
بعد دقيقة، بدأ يبتعد وهو يتنهد بنفاد صبر. انهرتُ في مكاني عند صوت إغلاق الباب. ورغم أنني لم أرد أن أكون غاضبة من العمة رميسة، إلا أنني لم أستطع منع نفسي. فهمتُ اليوم بشكل أفضل؛ كانت هي السبب في كل شيء وكانت في مشكلة كبيرة. لن أتمكن من الهروب... لن أتمكن أبدًا من الهروب من أمير خازندان.
"إليف يا ابنتي... يا ابنتي الجميلة." فتحتُ عينيّ المغمضتين على الصوت الذي سمعتُه. هل كان هذا حقيقيًا؟ أمتي لم تكن على قيد الحياة."أمي..." قلتُها متفاجئة من صوتي؛ كنتُ أشعر بتعب شديد، بإرهاق تام... ظننتُ أنني لن أستطيع الكلام مجددًا."لا تخافي يا أمي"، قلتُها وأنا أشعر بلمسة يدها على وجنتي وأرتجف. رأت عيناي المبللتان أمي التي لم أكن أسمع سوى صوتها؛ كانت أمي حقيقية! "سيؤلمكِ الأمر كثيرًا يا ابنتي الجميلة، ولكن..." واصلت كلامها وهي تتوقف وتغلق عينيها الجميلتين ببطء، وتأخذ نفسًا عميقًا ثم تفتحهما ببطء: "هذا أيضًا سينتهي، عليكِ فقط أن تكوني صبورة وقوية.""أمي، لا أفهم، لماذا تقولين هذا؟"الآن فقط فهمتُ ما كنتِ تعنينه عندما قلتِ: "ما مررتِ به، وما ستعيشينه...""أمي، أنا لستُ قوية، أنتِ تعلمين مثلي تمامًا أنني لا أستطيع أن أكون كذلك. أنا... أنا خائفة..." قلتُها وأنا ألقي بنفسي نحوها."لا تخافي"، قالتها ببلورة من الثقة لم أستطع تصديقها للحظة. كيف لا أخاف؟ هل كانت أمي تعرف ما حدث لي؟ أعتقد أنها لم تكن تعرف؛ فلو كانت تعرف، لما خضنا هذا الحديث الآن."أمي، أنا أموت"، قلتُها بينما واصلت دموعي الا
وبينما أغلق شفتي مرة أخرى، رفع وجهه ببطء، ذلك الوجه الذي كان يخفيه بمهارة تحت قبعته. حاولتُ أن أرى بوضوح الوجه الذي يضيئه مصباح الشارع الخافت. لم أكن أعرف حتى إن كنتُ قد رأيت هذا الشخص من قبل.بدأ يسحبني إليه أكثر. شعرتُ وكأن عظامي كلها قد تكسرت. رفعتُ ذراعيّ ورميتُ بكل ما تَبقّى لديّ من قوة لأتخلص منه، وإن كان ذلك مستحيلاً. "كوني فتاة طيبة يا صغري." صعد فوقي وواصل إطباق شفتيه بإحكام تام. "لن يكون هذا ممتعًا لكِ، لكنه سيكون ممتعًا للغاية بالنسبة لي. كوني فتاة مطيعة وأسعدي رجلكِ..." وخفض شفتيه إلى رقبتي الساخنة. "وعلاوة على ذلك، لن يسمعكِ أحد هنا يا حبيبتي."حاولتُ ركل الرجل الجالس فوقي بقدميّ لاستخدام آخر صراعاتي. ورغم أن ما سمعته جمّد جسدي كله، إلا أنني سأقاوم حتى النهاية. لم يكن ليحق له فعل هذا بي أبدًا."الآن سأغلق فمكِ ولن يسمعنا أحد. للأسف، أنا وحدي من سيسمع أناتكِ الصامتة..." واصلتُ ضربه بيديّ؛ غطى شفتي بيد وبحث عن شيء في جيبه باليد الأخرى. لقد قيّدني بساقه الثقيلة، وعدم التجاوب مع قوته زاد من جنونه.ورغم أنني واصلتُ هز رأسي والدموع تسيل بغزارة من عينيّ، لم يكن لدي مخرج أمام هذا
"يا إليف يا ابنتي!" بقيتُ في مكاني متجمدة من الخوف بسبب نبرة صوت المرأة المذعورة."جدتي!" أجببتُ بصوت مرتجف."أحمد..." شعرتُ بالذعر وأنا أضغط على صدري بقبضتي خوفًا.أرجوكِ! أرجوكِ يا الله، لا تدعي ما أخشاه يحدث لي! أرجوك...مع صدمة الخوف الفوري، سألتُ بلهفة: "جدتي، ماذا حدث لأحمد؟" ولم أتوقف عن الدعاء في سرّي. ليصقط أحمد ويؤذي نفسه، لكن لا تدع أحدًا يلمسه!"إليف!" حبستُ أنفاسي بينما كانت تشهق بالبكاء من الطرف الآخر. انهرتُ على الأرض جثّة هامدة لأن ركبتيَّ خذلتاني ولم تعد فيهما ذرة قوة واحدة. "يا إليف... لقد خطفوا أحمد. اركضي يا إليف! اركضي!" كنتُ متجمدة والدموع تملأ عينيّ بينما كانت تلك الكلمات تتردد بقسوة في أذنيّ. لو أن يدي كانت قادرة على الحركة، لقرصتُ نفسي لعلّي أستيقظ من هذا الكابوس العميق والقلق. كان كابوسًا قاسيًا لدرجة أفزعتني حتى الرعب.انتظرتُ بضع دقائق عسى أن أستيقظ. لكن عندما وخز الواقع قلبي كإبرة باردة، نهضتُ واقفة بصعوبة. وعندما نظرتُ نحو الطريق، أدركتُ ما أفعله وبدأتُ أركض كالمجنونة.وقبل أن أصل إلى الشارع الذي يقع فيه البيت، توقفتُ لا إراديًا أمام سيارة سوداء وفارهة لل
"أختي..." لم أرد الاستيقاظ من نومي. ورغم أنني سمعتُ صوت أحمد، إلا أنني كنت أقاوم عدم فتح عينيّ. "أختي..." تمتم مرة أخرى، حينها استسلمتُ أخيرًا وفتحتُ عينيّ ببطء. جلستُ مستوية وأنا أرمش بعينيّ بضع مرات. التقت أعيننا؛ كان ينظر إليّ بعينين غاضبتين: "انهضي... أنا جائع"، ولم يحاول حتى إخفاء الغضب في صوته."حسناً يا حبيبي، سأعدّ لك الفطور الآن. هل استيقظت الجدة؟" نظرتُ حولي لا إراديًا؛ استغرق الأمر بعض الوقت للاعتياد على مساحة معيشتنا الجديدة، فقد كان البيت غريبًا جدًا...جلست على الأريكة الأخرى قائلة بصوتها المنزعج: "لا أعلم، لم أغادر الغرفة أبداً..." نهضتُ من السرير ومشطتُ شعري. وقلقةً من أن تعبيرات وجه أحمد هي ذاتها، اقتربتُ منه وجثوتُ على ركبتيّ."أخي، هل أنت بخير؟" كان وجهه العابس أكثر عبوساً من المعتاد. ورغم أنني ندمتُ فوراً على السؤال الذي طرحته لأنه جاء في لحظة غفلة مني بسبب النعاس، إلا أن الكلمات كانت قد خرجت من فمي بالفعل."لستُ بخير!" صرخ بها فجأة. "متى ستخبرينني بما حدث؟" ثم خفض كتفيه: "ماذا يجري يا أختي؟ أنا خائف..." وبدأ يبكي واضعاً يديه على وجهه. علقت يداي في الهواء بارتباك و
فكر أحمد لفترة، واقتنع أخيرًا لدرجة أنه لف ذراعيه حول عذراء. وبقوله: "ولكن تعالي فورًا..."، طفت مشاعر الغيرة لديّ مجددًا. كنتُ أغار منهما في السابق."أنا قادمة يا باشا. احفظ حبنا بإحكام ولا تنظر إلى فتيات أُخريات!"ضحك أحمد بصوت خافت: "لا أنظر إلى أحد"، ثم ترك عذراء وجاء إليّ وأمسك بيدي. نظرتُ إلى عذراء بابتسامة مجبرة وكأنني أشكرها."هيا، اركبا حتى لا يراكما أحد بعد الآن. اتصلي بي عند وصولكِ واكسري شريحة الهاتف فورًا!" أغمضت عينيها ومدت يدها إليّ. "في الحقيقة، أعطني إياها الآن وسأكسرها في الطريق.""إن ألقيتها هناك، ماذا سأفعل إن حدثت حاجة في الطريق أو شيء من هذا القبيل؟""يا صديقتي الغالية، لا تفكري بسوء أرجوكِ، اسألي أي شخص. لا نضع أنفسنا في خطر. لا أستطيع التحدث يا إليف، افهمي"، قالتها ونظرت إلى أحمد الذي كان ينظر إلينا بعينين مضمومتين.مستسلمة في النهاية، قلتُ "حسناً..." وسحبتُ هاتفي من حقيبتي. أخرجتُ الشريحة وأعطيتها لعذراء.ثنت الشريحة التي أعطيتها إياها وكسرتها بضغطة واحدة. "الجدة وجارتها ستستقبلانكما. لقد رتبتُ كل شيء، والجدة تعرفكِ بالفعل. لا تقلقي واثقي بي، اتفقنا؟""حسناً، ل
بعد مغادرة الأخ كمال، تملكني الإصرار والاندفاع وقمتُ بحزم جميع أمتعتنا وحقائبنا. لم أكن لأنتظر الغد، بل سأرحل اليوم؛ فهذا القدر من الضغط كان يثير أعصابي ويستنفد ما تبقى مني. بعد أخذ أحمد من المدرسة، لن أعود إلى المنزل أبدًا. سنرب الليلة، ولم تكن لدي أي فكرة عما أفعله، فلم يكن أمامي خيار سوى الثقة بعذراء.وعلى صوت الرنين المزج المعتاد اليوم، رن جرس الباب مجددًا. وبما أنني فهمتُ أنها عذراء من طريقة طرقها، فتحتُ الباب مباشرة. "هل أنتِ جاهزة؟" سألتني، ثم عانقتني بقوة. كان هذا العناق يعني منح الثقة لي."أنا جاهزة..." همستُ دون أن أخفي حزني. في الحقيقة، لم أكن جاهزة؛ كانت مجرد أغراض وأمتعة.عندما تراجعت للوراء، مسدت على شعري لمسة مواساة من أخت لأختها. لم أستطع منع دموعي من الانهمار. "أنا خائفة"، واصلتُ كلامي. كنتُ خائفة؛ فأنا أذهب إلى مكان لا أعرفه، وبدء حياة جديدة سيكون صعبًا للغاية. وبطبيعة الحال، كنتُ قلقة أيضًا مما إذا كانوا سيقتفون أثري."لا تخافي، فالجدة ستساعدكِ. إليف، أنتِ لا تملكين القوة للتعامل معهم، فنحن لا نعرف حتى ما يريدونه منكِ بعد. لذا فكري في الأمر وكأنه عطلة... ستكونين بخي







