INICIAR SESIÓNتوقفت السيارة أخيراً أمام باب الفيلا بعد رحلة سفر شاقة ومجهدة من بولندا. كانت أنوار الفيلا المنسكبة من النوافذ العريضة تبعث دفئاً يكسر جمود الليل البرليني القارس. ترجل إريك أولاً، ثم استدار ليمسك بيد إيلينا ويرفق بها أثناء خروجها. وما إن فُتح الباب الرئيسي حتى فوجئا بجمال اللفتة؛ كانت إليزابيث وماريا وليليان يقفن بابتسامات عريضة، وينثرن بتلات الزهور البيضاء والوردية فوق رأسيهما بحفاوة حارة. انطلقت ضحكة هادئة من ثغر إيلينا وسط ذهولها، بينما تقدمت إليزابيث بدموع فرحة وضمّت ابنها إريك برفق شديد حريصة على كتفه المصاب، ثم التفتت إلى إيلينا واحتضنتها بشدة قائلة بنبرة مليئة بالأمومة: — «الحمد لله على سلامتكم يا بنيتي.. الفيلا لم تكن تساوي شيئاً بدون وجودكما. شكراً لكِ لأنكِ اعتنيتِ بإريك وحميته.» كانت رائحة الشموع المعطرة وكعك الشوكولاتة المنزلي تملأ الأرجاء، ليشعر إريك وإيلينا لأول مرة منذ أشهر بطعم الأمان الحقيقي بعد جحيم بولندا. التف الجميع حول المائدة الدافئة في صالون الفيلا، وكانت الأجواء مفعمة بالحديث الطيب والضحكات الخفيفة. غير أن عيني إريك طافتا في أركان المكان، وساد الصمت فجأة
أخيراً، وبعد أسبوع طويل في أروقة المستشفى العسكري، انفتح باب الفيلا البولندية ليخطو إريك أولى خطواته نحو الداخل، مسنداً ذراعه السليمة على كتف إيلينا التي كانت تحيط خصره بحذر وحب شديدين. كانت الخادمة واندا تقف عند البهو، وما إن رأتهما حتى انفرجت أساريرها وهرولت نحو أريكة الصالون لتعد الوسائد، قائلة بابتسامة دافئة ولهفة صادقة: — «الحمد لله على سلامتك يا سيدي إريك! أشرقت الفيلا برؤيتك سالماً.. لقد كانت السيدة إيلينا كالمجنونة طوال أيام غيابك!» ابتسم إريك برقة ونظر إلى إيلينا التي اشتعلت وجنتاها خجلاً، ثم جلس ببطء وهو يتنفس براحة. طوال الأيام التالية لم تفارق إيلينا جواره لحظة واحدة. كانت تعد له الطعام بنفسها، وتشرف على تغيير الضماد فوق كتفه المصاب بلمسات حنونة يملؤها الحذر. في إحدى الأمسيات الهادئة، وبينما كان إريك يستريح على الكرسي الهزاز في الشرفة، فاجأها بالتعاون مع واندا بباقة صغيرة نادرة من الزهور البيضاء البرية. جثا على قدم واحدة رغم ألم كتفه، وقدم لها الزهور بنبرة دافئة وشغوفة: — «هذه الورود لا تساوي شيئاً أمام صبركِ وخوفكِ عليّ يا إيلينا.. أنتِ المعجزة التي أبقتني حياً في تل
تجمدت إيلينا على شرفة الغرفة، وصوت الطلقة المدوي لا يزال يتردد في أذنيها كصاعقة شقت سكون الليل البارد. انقبض قلبها بشدة حتى أجبرها على الجثو على ركبتيها لثوانٍ، ثم استجمعت قواها وارتدت معطفها الثقيل وركضت نحو الأسفل بسرعة جنونية. خرجت إلى باحة الفيلا بملابس المنزل ومعطفها مفتوح، تصرخ بالحراس والجنود المحيطين بالمكان بذهول ورعب: — «هل سمعتم ذلك؟! إنه إطلاق نار قاطع قريب جداً من هنا! إريك في الخارج!» تقدم قائد الحرس مسرعاً وحاول منعها بصرامة ورفق ممسكاً بكتفيها: — «سيدة إيلينا، أرجوكِ عودي إلى الداخل فوراً! قد يكون هناك كمين أو خطر يستهدف حياتكِ، دعينا نتقصى الأمر!» نفضت يده عن كتفها بعيون تشتعل خوفاً وغضباً، وصاحت بصوت مرتجف: — «لن أعود إلى أي مكان! إن لم تخرجوا للبحث عنه الآن سأخرج وحدي!» أمام إصرارها المستميت أخرج الحراس كلاب الأثر المدربة وانطلقوا في عتمة الغابة المتاخمة تحت ضوء الكشافات اليدوية. كانت الساعات تمر كأنها دهور على إيلينا؛ أقدامها تغوص في الثلج، والبرد يقطع وجهها، لكنها لم تبالِ. كانت تلهث وتدعو في سرها ألا يحدث له مكروه، وكل خطوة تخطوها كانت تحمل اسمه. وبعد ما
في نفس اللحظة التي اختنق فيها صوت هنريش داخل مكتبه في قصر فيلهلم، دوّت قرعات متتالية حادة تهز الباب الخارجي تحت عتمة البرد البرليني. فتح كارل الباب العريض بخطوات سريعة، فتوقف أنفاسه لبرهة. كانت صوفيا تقف أمامه تمسك بحقيبتها الصغيرة، وخصلات شعرها الذهبي متناثرة على وجنتيها المبللتين بالدموع. اتسعت عيناه بابتسامة دافئة ولهفة حقيقية، فمهما بلغت خسته مع العالم كانت صوفيا نقطة ضعفه الصافية. اقترب منها وأمسك وجنتيها بنبرة مغازلة حنونة: — «جميلتي الصغيرة.. ما الذي يأتي بكِ إليّ في منتصف الليل بهذه الحقيبة؟ هل اشتقتِ لرؤيتي لهذه الدرجة؟» انفجرت صوفيا بالبكاء ونفضت مكابرتها، وارتمت بين ذراعيه تبكي بحرقة. ضمها كارل بقوة وقبّل أعلى رأسها بحدب حقيقي، ثم أشار لها بالدخول إلى الصالون الدافئ. جلست تمسح دموعها بصوت خفيض منكسر: — «أريد رؤية أبي يا كارل.. أرجوك، لم يعد لي أحد سواه بعد أن دمرت أمي كل شيء.» أخذها من يدها نحو مكتب الطابق العلوي. حين فتح الباب وجدا هنريش يجلس على كرسيه المتحرك، وجهه شاحب كالموت وعيناه تشتعلان بغضب جريح بعد مكالمة الإقالة. ما إن أطلت صوفيا حتى أدرك هنريش بذكائه الما
قبل أن تنطق أي منهما بكلمة، تحركت هيبة عسكرية طاغية نحو الطاولة. تقدم الجنرال فالكن ببدلته العسكرية ذات الأوسمة المذهبة، وابتسامة وقورة تعلو محياه البارد: — «يشرفني أن أكون بينكم اليوم يا سيداتي.. أتمنى أن تجدوا فيّ حليفاً وسنداً دائماً.» اتسعت حدقتا صوفيا بغضب عارم. وقفت فجأة فصرّت الكراسي تحتها، وصرخت بنبرة مختنقة: — «أمي؟! خنتِ أبي وبعتِ قصرنا.. والآن تتزوجين من هذا الغريب؟! لن أتحمل هذا الجنون!» أمسكت حقيبتها واندفعت خارج المطعم مسرعة دون أن تلتفت. همّت إليزابيث بالنهوض خلفها، لكن يد فالكن هبطت بثبات ورفق على معصمها: — «اتركيها يا إليزابيث.. إنها ثائرة ومصدومة الآن، لكنها ستهدأ حين تفهم جلياً مقصدنا وما يحميه هذا القرار.» جلست إليزابيث بتنهيدة ثقيلة، ونظرت إلى ليليان التي كانت تجلس بهدوء غريب. عيناها الذكيتان تقرآن الأجواء بعناية. ابتسمت ليليان ابتسامة هادئة وقالت بنبرة حكيمة: — «مبارك لكما يا أمي.. أفهم جيداً أن هذا ليس زواج حب، بل ورقة قوة.. حليف عسكري ومالي يقف معكِ لإعادة التوازن ومواجهة عمي هنريش وكارل.» شبكت إليزابيث يديها وقالت بصوت خفيض: — «أنتِ حكيمة جداً يا ليل
في غرفتها المظلمة ببرلين، جلست ليليان على حافة السرير تحدّق في صورة عائلية قديمة. كانت الدموع تتسلل بصمت على خديها وهي تلمس وجه والدها في الصورة بأصابع مرتجفة. رنّ الهاتف فجأة، فرفعت السماعة بصوت خافت مكسور. جاء صوت فيدريتش دافئاً وهادئاً من الجهة الأخرى: — «ليليان؟ لماذا صوتكِ هكذا؟» همست والدموع تملأ حلقها: — «باع القصر يا فيدريتش.. القصر الذي تربّيت فيه، الذي يحمل كل ذكرياتنا. وأمي انفصلت عنه، والعائلة تبعثرت كأننا لم نكن يوماً تحت سقف واحد. تعبت.. تعبت جداً.» سكت فيدريتش لحظة، ثم قال بنبرة رجولية حنونة تمتص الغضب والانكسار: — «أعلم أن الأمر يبدو كالجحيم الآن. لكنكِ لستِ وحدكِ. أنا هنا.» بحت ليليان بصوت عاشق ضعيف: — «تعبت يا فيدريتش.. أريد أن أكون بين أحضانك الآن، أن أتنفس رائحتك لأشعر أنني بخير. هذا الليل يخنقني.» ردّ بصوت منخفض مشحون بوعد حارق: — «اصبري يا حبيبتي. سأكون في ألمانيا قريباً جداً، ولن أسمح لشيء بأن يكسركِ وأنا حي. انتظريني.» أغلقت ليليان الخط وهي تضغط السماعة على صدرها، كأن صوتَه لا يزال يلامسها. بينما تسلل كارل بين الأشجار كظل أسود. توقف أسفل نافذة صوفيا







