LOGINتغيرت ملامح والد شيري، وقال بصدمة: — مال مرة أخرى؟ ولماذا؟ لقد دفعنا بالفعل مبالغ كبيرة حتى تسير الأمور كما خططنا! تنهد جون قبل أن يشرح: — استمع إليّ جيدًا. إذا تواصل نوح معي وطلب مني ترشيح مركز طبي في الخارج، فسأوجهه إلى دولة عملت فيها لفترة طويلة، وما زلت أعرف فيها عددًا من الأطباء. ومن بينهم طبيب أعتقد أنه قد يقبل مساعدتنا في جعل نتائج الفحوصات الجديدة تتطابق مع النتائج التي حصلنا عليها هنا. تجمد والد شيري في مكانه، بينما واصل جون حديثه: — لكن الأمر لن يكون سهلًا. نحن نتحدث عن فحوصات جديدة في بلد اخري، ولهذا سنحتاج إلى ترتيب كل شيء مسبقًا، فضلًا عن المبلغ الذي سيطلبه الطبيب مقابل مساعدتنا. لا أستطيع أن أعدك بأنه سيوافق قبل أن أتحدث إليه، لكنني أعتقد أن هذه فرصتنا الأفضل حتى الآن. لم يجب والد شيري على الفور. أخذ يفكر في كلام جون، محاولًا تقدير ما إذا كان هذا الحل سينقذهما من الأزمة أم سيدخلهما في مشكلة أكبر. كان الاقتراح خطيرًا، لكنه بدا له مخرجًا محتملًا من المأزق الذي وجدا نفسيهما فيه. غير أن المال ظل العقبة الأكبر أمامه. فقد أنفقوا مبالغ طائلة بالفعل، ولم يكن يعرف إن كان
فخٌّ جديد لإخفاء الحقيقة خرجت شيري من الجناح بخطوات هادئة، ثم أغلقت الباب خلفها برفق حتى لا يصدر عنه أي صوت قد يوقظ نوح من نومه العميق. لم تتحرك من مكانها إلا بعدما تأكدت من أن كل شيء قد عاد إلى السكون، وأنه لن يسمعها إذا ابتعدت عن الجناح. كانت بحاجة إلى إجراء مكالمة عاجلة مع والدها؛ فقرار نوح بالسفر إلى الخارج لإعادة الفحوصات لم يكن أمرًا يمكنهما تجاهله أو تأجيل التفكير فيه. لقد أصبح الخطر أقرب مما تصورت، وإذا لم يتصرفوا بسرعة، فقد تنهار الخطة التي بذلوا كل ذلك الجهد من أجل إنجاحها. سارت عبر الممرات الطويلة للقصر، متعمدة الابتعاد قدر الإمكان عن جناحها حتى تتمكن من التحدث بحرية دون أن تخشى أن يسمع نوح شيئًا من حديثها إذا استيقظ فجأة. وبعد أن وصلت إلى إحدى الغرف البعيدة، دخلت وأغلقت الباب، ثم أخرجت هاتفها واتصلت بوالدها. لم يتأخر في الرد، وما إن سمعت صوته حتى بدأت تخبره بكل ما حدث. أخبرته أن نوح عاد إلى القصر بعد زيارته طبيبًا آخر، وأن الطبيب نصحه بإعادة الفحوصات، لكنه لم يقتنع بالاكتفاء بذلك، بل قرر السفر إلى الخارج بحثًا عن مركز طبي متخصص يمكنه الوثوق بنتائجه. ساد الصمت على الج
وعدٌ بالبقاء عاد نوح إلى القصر بعدما حسم قراره بالسفر إلى الخارج لإجراء فحوصات جديدة، لكنه، رغم إصراره على تلك الخطوة، لم يكن يعرف بعد إلى أين سيتجه أو أي دولة سيختار. كانت أمامه خيارات كثيرة، لكنه لم يكن يملك الطاقة الكافية للتفكير فيها جميعًا. فقد استنزفت الصدمة أعصابه، وأرهقه التنقل بين المستشفيات وسماع الاحتمالات التي قد تغير حياته شعر بأنه بحاجة إلى بعض الراحة، ولو لساعات قليلة، حتى يستعيد قدرته على التفكير بهدوء. قرر أن يؤجل البحث عن وجهته إلى وقت لاحق، ويعود إلى المنزل أولًا. فبعد أن يستريح، سيتمكن من تحديد خطوته التالية والتخطيط للسفر بالطريقة التي يراها مناسبة. توجه إلى جناحه وما إن فتح الباب حتى وقعت عيناه على شيري، التي كانت تجلس على أحد المقاعد، وقد بدا التوتر واضحًا على ملامحها. كانت تحاول أن تشغل نفسها بأي شيء، لكن انشغالها الحقيقي كان بانتظاره ومعرفة ما فعله منذ أن غادرها. رفعت رأسها فور سماع صوت الباب، وما إن رأته حتى نهضت مسرعة. كان نوح يبدو منهكًا إلى حد كبير؛ ملامحه شاحبة، وخطواته بطيئة، وكأن كل خطوة تتطلب منه جهدًا إضافيًا. لم يلقِ عليها التحية، ولم يحاول
بصيص أمل وسط الظلام بعد أن أنزل نوح شيري أمام بوابة القصر وغادر، واصل القيادة لمسافة قصيرة، ثم أوقف السيارة على جانب الطريق. ظل جالسًا خلف عجلة القيادة دون أن يتحرك، وقد بدت على وجهه علامات الإنهاك، بينما كانت عيناه تحدقان في الفراغ أمامه. شعر بأنه على وشك الانهيار. حتى تلك اللحظة، لم يكن قادرًا على استيعاب ما سمعه من الطبيب جون. كانت الكلمات لا تزال تتردد في رأسه، وكأنها كابوس يحاول الاستيقاظ منه دون أن يستطيع. كيف يمكن أن يحدث هذا له؟ كيف يمكن أن تكون حياته قد تغيرت بهذه الطريقة خلال دقائق معدودة؟ أغمض نوح عينيه، وأسند رأسه إلى المقعد، ثم أطلق زفرة طويلة خرجت محملة بقدر هائل من الألم. لقد كان يحلم بأن يصبح أبًا يومًا ما. كان يريد أن يبني عائلة خاصة به، وأن يمنح أطفاله ما افتقده هو في مراحل حياته، وأن يصنع معهم ذكريات جميلة تظل عالقة في قلوبهم مهما تقدم بهم العمر. والآن، أخبره الطبيب أن ذلك الحلم قد لا يتحقق أبدًا. شعر نوح بغصة مؤلمة في حلقه، وضغط على شفتيه محاولًا السيطرة على مشاعره، لكنه لم يستطع منع الحزن من التسلل إلى أعماقه. ثم خطرت له فجأة صورة الطفل الذي تخيله يومً
خوف شيري من انكشاف الحقيقة خرج نوح من عيادة الطبيب جون، ممسكًا بأوراق تحاليله بين يديه، بينما كان يسير بخطوات سريعة ووجهه متجهم، وكأن عاصفة من المشاعر المتضاربة تعصف بداخله. لم يكن قادرًا على تحديد ما يشعر به في تلك اللحظة. أكان غضبًا مما سمعه؟ أم حزنًا على مستقبل لم يعد يراه واضحًا أمامه؟ أم أنه ببساطة لم يستطع تصديق ما أخبره به الطبيب؟ كل ما كان يعرفه أنه لم يعد الشخص نفسه الذي دخل إلى تلك العيادة قبل دقائق. كانت شيري تسير إلى جواره، تحاول جاهدة مواكبة خطواته المتسارعة. ألقت عليه نظرات قلقة، ثم أعادت عينيها إلى الطريق أمامها، وهي تفكر فيما ينبغي عليها فعله. هل تتحدث إليه وتحاول مواساته، أم تتركه لبعض الوقت حتى يستوعب الصدمة التي تلقاها؟ كانت تعرف أن نوح يمر بلحظات صعبة، لكنها لم تكن متأكدة من الطريقة التي يجب أن تتعامل بها معه، خاصة أنها كانت تخشى أن يدفعه غضبه إلى اتخاذ قرارات لم تكن مستعدة لها. وصلا أخيرًا إلى السيارة، ففتح نوح الباب وجلس خلف عجلة القيادة، بينما استقلت شيري المقعد المجاور له. التفتت نحوه، فرأته يضع أوراق التحاليل بجواره، ثم يشغل المحرك دون أن ينظر إليها.
كانت تعرف أن الأمر لن يكون سهلًا عليه، وأن وقع الكلمات التي سيستمع إليها قد يكون أشد مما تتوقع. وصل الاثنان إلى الغرفة، وطرقا الباب قبل أن يسمح لهما الطبيب بالدخول. استقبلهما جون بابتسامة هادئة، ثم أشار إليهما بالجلوس. جلس نوح إلى جوار شيري، بينما وضع الطبيب أمامه ملفي التحاليل، وأخذ لحظات يراجع بعض الأوراق قبل أن يبدأ حديثه. قال أولًا وهو ينظر إلى شيري: — لنبدأ بنتائجكِ يا شيري. لقد راجعت جميع الفحوصات المتعلقة بصحتكِ الإنجابية، ويمكنني أن أطمئنكِ إلى أن النتائج جيدة. لا توجد مؤشرات مقلقة في التحاليل، كما أن مستويات الهرمونات لديكِ تبدو طبيعية. مثلت شيري شعور الارتياح، ثم رسمت أبتسامة خفيفة وهي تنصت إليه. تابع الطبيب: — كذلك، لا تشير نتائج الفحوصات الحالية إلى وجود مشكلة واضحة في صحتكِ الإنجابية بسبب حبوب منع الحمل. وبصورة عامة، تبدو النتائج مطمئنة، وإذا قررتِ التوقف عن تناول الحبوب، فيمكنكِ مناقشة التوقيت المناسب مهي .وفقًا لخططكِ الصحية والإنجابية. ثم أضاف بنبرة هادئة: — لا يوجد في النتائج الحالية ما يدعو إلى الاعتقاد بأن فرص حملكِ قد تأثرت بسبب الحبوب، لكن حدوث






