Share

(2)

last update publish date: 2026-08-07 00:48:08

كان المكان لا يشبه المدينة التي عرفها عمر.

قصر من الرخام الأبيض يقف وحيداً على تلة تطل على النيل. أعمدة ضخمة. نوافذ زجاجية تعكس ضوء القمر. بوابة حديدية تفتح تلقائياً عندما اقتربت التاكسي. الأشجار المحيطة بالقصر كانت من نوع لا ينمو إلا في حدائق الأثرياء. أشجار مُهذبة، مُعتنى بها، كأنها جنود تنتظر أمر سيدتها. الإضاءة الخافتة على جانبي الطريق كانت ذهبية اللون، تُضفي على المكان جواً من الخيال والبعد عن الواقع. عمر شعر وأنه عبر حدوداً بين عالمين. عالم الفقر الذي تركه خلفه، وعالم آخر لا يعرفه ولا يريد أن يعرفه.

نزل عمر. نظر إلى بدلته الوحيدة — بدلة زفاف اشتراها من سوق الجمعة قبل ثلاث سنوات، وهو يعتقد يومها أنه سيتزوج حبيبته. لم يتزوجها. رحلت مع أحد أبناء الباشوات. تركته واختارت حياةً أسهل. حينها ظن أنه لن يرتدي البدلة أبداً. لكن ها هو ذا يرتديها الآن. ليس لعرس الحب. بل لصفقة الموت. بدلة سوداء قديمة. قماشها رخيص. لكنه نظفها بعناية. كأنه يستعد لجنازته الخاصة.

"عمر عبدالله؟"

سيدة في الستينات، ترتدي زياً رسمياً أسود. تقف عند الباب الرئيسي كأنها تنتظره منذ سنوات. شعرها الرمادي مربوط بإحكام. وجهها خالٍ من أي تعبير. عيناها رماديتان، باردتان، تفتشان في داخله كأنها تبحثان عن شيء مفقود. لم تبتسم. لم تتأثر بمظهره المتواضع. كأنها رأت آلاف الرجال مثله يدخلون من هذا الباب ولا يخرجون.

"أيوه."

"تعالى."

دخلوا. القاعة الرئيسية كانت أوسع من شقته بأكملها. ثريا ضخمة. سجادة حمراء. وجدارية قديمة تصور امرأة بعينين حزينتين. رائحة القصر كانت مزيجاً من العود والورود الجافة. رائحة لا تنتمي إلى عالمه. رائحة القبور الذهبية. الأرضية من الرخام الأبيض المصقول، تعكس ضوء الثريا كأنها بحيرة من الضوء. الدرج الرئيسي كان منحنياً بأناقة، يصعد إلى الطوابق العلوية كأنه طريق إلى السماء. لكن عمر شعر بأنه طريق إلى الجحيم.

"أقدر أسأل... مين العروسة؟"

"الآنسة نور. هتعرف كل حاجة بعد ما تمضي."

"وإيه الشروط؟"

السيدة توقفت. التفتت إليه بنظرة باردة كالفولاذ. نظرة لا تترك مجالاً للشفقة أو الرحمة. نظرة امرأة رأت كل شيء في هذه الحياة ولم تعد تتفاجأ بشيء. عيناها ثابتتان في عينيه. كأنها تريد أن تتأكد من أنه يفهم ما يدخل فيه. كأنها تعطيه فرصة أخيرة للتراجع. لكنها تعرف أنه لن يتراجع. أنه لا يملك خياراً.

"تلات شروط. أولاً: ماتسألش عن ماضيها. تاني: ماتدخلش غرفتها إلا لما تطلب. تالت: لو حد عرف إن الجواز صوري..."

اقتربت منه. خطوة واحدة. كافية ليشعر بثقلها. كافية ليشعر بأنها ليست مجرد خادمة. بل حارسة. سجانة. امرأة تملك مفاتيح كل الأبواب المغلقة في هذا القصر. رائحتها كانت رائحة التبغ القديم والعطور الرخيصة. رائحة امرأة قضت حياتها في خدمة الآخرين حتى نسيت أن لها اسمها.

"...مش هتكون المشكلة فيك بس. هتكون في أمك."

عمر شعر ببرودة تسري في عظامه. برودة أشد من برد الشتاء. برودة الموت. ليس تهديداً عادياً. بل وعداً. وعد بأن أي خطأ منه لن يُدفع ثمنه وحده. بل ستدفع أمك الثمن أيضاً. الرجال في الزقاق هددوه بالقتل. لكن هذه المرأة هددته بشيء أسوأ. بأن يعيش وهو يرى أمك تموت أمامه. بأن يفقد آخر شيء يملكه في هذه الحياة.

"أنا موافق. بس عايز أشوفها الأول."

"مش هتشوفها إلا يوم الفرح. بكرة."

"بكرة؟"

"بكرة. الساعة سبعة. في القاعة الكبيرة. هيكون فيه قاضي. وشهود. وعقد رسمي. هتوقع. وهتاخد فلوسك. وهتبدأ السنة."

"وأمي؟"

"المستشفى الخاصة بتاعتنا هتستلمها بكرة الصبح. أفضل دكاترة. أفضل علاج. مش هتدفع مليم."

عمر ابتلع ريقه. كل شيء يحدث بسرعة مذهلة. كأنه في حلم. لكنه ليس حلماً. إنه كابوس يرتدي ثوب الفرح. كابوس يدفع له المال مقابل أن يبيع روحه لامرأة لا يعرفها. لكنه فكر في أمك. فكر في أنفاسها الصعبة. فكر في أنها قد تموت إذا لم يقبل. وأن قبوله قد يعني موته. لكن موته أهون من موتها.

"عندي سؤال."

"اسأل."

"ليه أنا؟ يعني... في مليون راجل في الشارع. ليه اختاروني أنا؟"

السيدة نظرت إليه بطريقة غريبة. كأنها ترى شيئاً لا يراه هو. كأنها تقرأ في وجهه سطوراً من كتاب قديم. نظرة طويلة. عميقة. كأنها تبحث عن إجابة لا يملكها.

"لأنك مش خايف."

"إزاي مش خايف؟ أنا خايف دلوقتي."

"لا. إنت خايف على أمك. بس مش خايف على نفسك. الفرق كبير. والآنسة نور... بتعرف الفرق ده كويس."

تركته وقفت عند الدرج. صمتها أثقل من أي كلام. ثم صعدت. تاركةً له القاعة الفارغة. والسؤال. والموعد. والشروط. والخوف. والقليل من الأمل المسموم الذي يتسلل إلى قلبه رغماً عنه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العشق الممنوع    المقطع 4

    مرت أيام، وعادت نور إلى المنزل مع ندى الصغيرة. البيت كان مليئاً بالفرح، بالضحكات، بالحب. نور الدين كان متحمساً، يريد أن يرى أخته الصغيرة، ويلمسها، ويحملها. ليلى كانت تنظر إلى الطفلة بعينيها الواسعتين، وتكرر: "أختي! أختي!"نهى كانت جالسة على الأريكة، تحمل ندى بين ذراعيها، وتبكي، تبكي بصمت، لكنها كانت تبتسم، تبتسم ابتسامة لا توصف، ابتسامة الجدة التي ترى أحفادها يكبرون، ابتسامة المرأة التي رأت كل شيء، وعاشت كل شيء، ووجدت أخيراً السلام."ندى..." همست نهى، ونظرت إلى وجه الطفلة الصغير. "ندى الجميلة، ندى الصباح، ندى الحياة الجديدة. إنتي هتكبري، وهتبقي جميلة، وهتعيشي حياة مختلفة عن اللي عشناها إحنا. حياة فيها حب، وأمان، وسعادة."نور كانت واقفة عند باب الغرفة، تنظر إلى هذا المشهد، إلى أمها الجديدة التي تحتضن طفلتها، إلى العائلة التي كانت تنمو كل يوم، إلى الحب الذي كان يملأ كل مكان، وشعرت بشيء يتدفق في صدرها، بشيء دافئ، بشيء يشبه الدموع، لكنها لم تبكِ، ابتسمت، ابتسمت ابتسامة لا توصف، ابتسامة المرأة التي وجدت كل شيء بعد أن فقدت الأمل.عمر كان بجانبها، وضع ذراعه حول كتفها، وقبل رأسها، وشعر بدفئها

  • العشق الممنوع    المقطع 3

    غرفة الولادة كانت بيضاء، مضاءة بأضواء ناعمة، ورائحة المطهرات تملأ المكان، لكن نور لم تشعر بأي خوف، لأن عمر كان بجانبها، يمسك يدها، يشعر بدفئها، بحياتها، بكل شيء. كان ينظر إليها وكأنها معجزة، وكأنها حلم، وكأنها كل شيء في هذا الكون الصغير الذي بنياه معاً."إنتي قوية، يا نور." همس في أذنها، وصوته كان دافئاً، حنوناً، مليئاً بالحب. "إنتي أقوى إنسانة في الدنيا، وإنتي هتعمليها، وهتشوفي نورنا الجديد قريب."نور نظرت إليه، إلى عينيه التي كانت تلمعان بالدموع والفرح، إلى الرجل الذي كان كل شيء، وابتسمت، ابتسمت ابتسامة لا توصف، ابتسامة المرأة التي وجدت كل شيء بعد أن فقدت الأمل."أنا مش خايفة." قالت، وصوتها كان خافتاً، لكنه كان صادقاً. "مش خايفة، عشان إنت معايا."وفي تلك اللحظة، شعرت بانقباضة قوية، وشعرت بأن الطفل الذي بداخلها كان يدفع للخروج، يريد أن يرى النور، يريد أن يكون جزءاً من هذا العالم، من هذه العائلة، من هذا الحب."أنا بحبك، يا عمر." همست، وهي تضغط على يده بقوة. "بحبك أوي، وهفضل بحبك، للأبد."عمر قبل جبينها، وشعر بدفئها، بحياتها، بكل شيء، وشعر بالدموع تتساقط من عينيه، لكنها كانت دموع فرح،

  • العشق الممنوع    المقطع 2

    بعد الفطور، جلس الجميع في غرفة المعيشة، يتحدثون ويضحكون، وكان الجو دافئاً، مليئاً بالحب، مليئاً بالحياة. نور الدين كان يلعب بسيارته الصغيرة على السجادة، وليلى كانت جالسة في حضن نهى، تلعب بشعرها الأبيض، وتضحك ضحكتها الصغيرة البريئة.نهى كانت تنظر إلى نور، إلى بطنها الذي بدأ يظهر، إلى الحياة الجديدة التي كانت تنمو بداخلها، وابتسمت، ابتسمت ابتسامة لا توصف، ابتسامة الجدة التي ترى أحفادها يكبرون، ابتسامة المرأة التي رأت الموت وعاشت، التي رأت الظلام وخرجت منه."نور..." قالت نهى، وصوتها كان خافتاً، لكنه كان مليئاً بالحب. "إنتي حاسة بإيه؟ مع الجنين الجديد؟"نور وضعت يدها على بطنها، وشعرت بالحركة الخفيفة بداخلها، بالحياة التي كانت تنمو، بالأمل الذي كان يملأ قلبها. "حاسة بكل حاجة." قالت، وابتسمت. "حاسة بالفرح، بالخوف، بالحب، بكل شيء. بس الأهم..."توقفت، ونظرت إلى عمر، إلى عينيه التي كانت تنظر إليها كأنها الشمس، ثم أكملت: "...الأهم إنني مش لوحدي. عنده، وعند أولادي، وعند العيلة دي كلها."عمر مد يده، وأمسك يدها، وشعر بدفئها، بحياتها، بكل شيء. كان ينظر إليها وكأنها معجزة، وكأنها حلم، وكأنها كل شيء

  • العشق الممنوع    الفصل 14: ندى الصباح

    المقطع 1كان الفجر يتسلل من بين الستائر البيضاء كخيوط من نور ناعم، يرسم على جدران غرفة النوم ظلالاً ذهبية هادئة. نور كانت مستيقظة قبل أن تفتح عينيها، تشعر بذلك الدفء الذي يملأ جسدها كل صباح، ذلك الشعور بالامتنان للحياة التي تعيشها، للرجل الذي ينام بجانبها، للأطفال الذين يملؤون بيتها بالضحكات، للحب الذي نما بينهم كشجرة قوية جذورها في عمق الأرض وفروعها تلامس السماء.فتحت عينيها ببطء، ونظرت إلى عمر الذي كان لا يزال نائماً بجانبها. كان وجهه هادئاً، ملامحه استرخت في النوم، ويده كانت ممتدة نحوها، كأنه حتى في نومه يبحث عنها، يريد أن يتأكد من وجودها. كانت أنفاسه منتظمة، عميقة، وصدره يرتفع وينخفض بإيقاع مريح، كأنه ينام للمرة الأولى منذ سنوات، كأنه وجد أخيراً السلام الذي كان يبحث عنه.نور مدت يدها، ولمست خده برفق، وشعرت بخشونة شعره الصباحية، بدفء بشرته، بحياته التي كانت تنبض تحتها. كان هذا الرجل الذي بدأ كغريب، كبند في عقد، كمجرد صفقة، أصبح الآن كل شيء، أصبح قلبها الذي ينبض من أجله، أصبح روحها التي لا تستطيع العيش بدونه."عمر..." همست، وصوتها كان خافتاً كالنسيم. "عمر، صحى."تحرك ببطء، وجفناه ار

  • العشق الممنوع    المقطع 5

    بعد عام، كان البيت الجديد قد اكتمل. بيت كبير، في ضاحية هادئة، مع حديقة واسعة، وأشجار مثمرة، وزهور تتفتح في كل مكان. كان البيت الذي حلمت به نور، البيت الذي خطط له عمر، البيت الذي كان لعائلتهم، لمستقبلهم، لكل شيء. نور كانت واقفة على شرفة الطابق الثاني، تنظر إلى الحديقة، إلى الأطفال وهم يلعبون، إلى عمر وهو يجلس على مقعد خشبي، يقرأ كتاباً، إلى نهى وهي تجلس بجانبه، تحتسي الشاي، إلى محمد وزوجته وهما يضحكان مع الأطفال. كانت هذه هي الحياة التي كانت تحلم بها، الحياة التي كانت تستحق كل التضحية، كل الألم، كل الخوف. "ماما!" صرخ نور الدين من الأسفل. "ماما تعالى العبي معانا!" نور ضحكت، ونزلت من الشرفة، ومشت نحوهم، وجلست على العشب، بجانب أطفالها، بجانب زوجها، بجانب عائلتها. "أنا جاية." قالت، وضمّت نور الدين إليها، وقبلت رأسه. "أنا جاية ألعب معاكم." ليلى كانت تجلس على ركبة عمر، تضحك، تلعب بشعره، وتكرر: "بابا... بابا..." "أيوه يا حبيبتي." قال عمر، وقبل رأسها. "أيوه يا نور عيوني." نهى كانت تنظر إليهم، تبتسم، تبتسم ابتسامة لا توصف، ابتسامة المرأة التي رأت كل شيء، وعاشت كل شيء، ووجدت أخيراً السلام

  • العشق الممنوع    المقطع 4

    بعد شهور من التحضير، جاء يوم التبني الرسمي. كانت المحكمة بسيطة، لا تليق بعظمة اللحظة، لكنها كانت كافية. عمر ونور كانا واقفين في الصف الأول، ينظران إلى محمد وهو يقف أمام القاضي، ونهى بجانبه، تمسك يده، ترتجف من الفرح، من الحب، من كل شيء. "نهى محمد..." قال القاضي، ونظر إليها بعينين دافئتين. "هل توافقين على تبني محمد السلطان، كابن شرعي لك، بكل الحقوق والواجبات التي تترتب على ذلك؟" نهى نظرت إلى محمد، إلى عينيه التي كانت تلمعان بالدموع، إلى الشاب الذي كان طفلاً صغيراً عندما وجدته، إلى الرجل الذي أصبح ابنها بالروح قبل أن يصبح ابنها بالقانون. "أوافق." قالت، وصوتها كان قوياً، واضحاً، مليئاً بالحب. "أوافق بكل قلبي، بكل روحي، بكل حياتي." القاضي نظر إلى محمد. "ومحمد السلطان، هل توافق على أن تكون ابناً شرعياً لنهى محمد، بكل الحقوق والواجبات التي تترتب على ذلك؟" محمد نظر إلى نهى، إلى المرأة التي أنقذته، التي ربته، التي علمته أن يكون إنساناً، إلى الأم التي لم تلدها لكنها أحبته كابنها. "أوافق." قال، وصوته كان يرتجف، لكنه كان صادقاً. "أوافق بكل قلبي، بكل روحي، بكل حياتي." القاضي ابتسم، ووقع الأ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status