بيت / الرومانسية / العشق الممنوع / الفصل الأول: العرض الأخير

مشاركة

العشق الممنوع
العشق الممنوع
مؤلف: محمد طبش

الفصل الأول: العرض الأخير

مؤلف: محمد طبش
last update تاريخ النشر: 2026-08-07 00:46:02

(1)

السكين كانت تلامس رقبته ببرودة الموت.

"عندك حتى الصبح. تدفع الميتين ألف، أو نبيع الكلية ونخلص."

لم يجب عمر. لم يستطع. كان ينظر فقط إلى ظلال الرجال الثلاثة وهي تتلاشى في زقاق الحي المظلم، تاركة رائحة التبغ والتهديد تتشبث بجدران المنزل المتهالك. الرصيف كان مبلولاً من مياه الصرف التي لا تتوقف عن التسرب من الأنابيب المكسورة. رائحة العفن والفقر كانت ثقيلة في الهواء، تخنق كل نفس. الزقاق ضيق. جدرانه المتسخة تحمل بقايا إعلانات قديمة وشعارات سياسية منتهية الصلاحية. الكلاب الضالة تنبح في البعد. صوت بعيد. صوت لا يهم. لأن ما يهم الآن هو أن عمر كان يقف عند باب شقته الصدئة، يشعر بأنفاس الموت لا تزال تلامس عنقه.

أغلق الباب ببطء. سمع من الداخل سعالاً جافاً. أمه. أم عمر. المرأة التي ضحت بكل شيء من أجله. المرأة التي عملت في بيوت الناس لسنوات حتى أصابها المرض. التهاب رئوي حاد. تحول إلى مضاعفات. ثم إلى فشل تنفسي. والآن، هي ترقد على سرير في غرفة صغيرة. لا أكسجين إلا من الأنابيب البلاستيكية الرخيصة التي اشتراها عمر من الصيدلية. لا علاج حقيقي. لا مستشفى تستقبلها. فقط الموت البطيء.

"مين كانوا يا ابني؟"

"حدادين يا ماما. جايين يصلحوا السطوح."

كذبة بيضاء. ربما كانت الأخيرة. لسانه كان جافاً وقلبه يدق بعنف في صدره. ميتين ألف جنيه. رقم يبدو مستحيلاً بالنسبة لشاب يعمل سائق توصيل على دراجة نارية قديمة. يعمل من الفجر حتى منتصف الليل، وما يجمعه لا يكفي لشراء الدواء لأمه، فكيف بدين يفوق حجم حياته بأكملها؟

دخل المطبخ الصغير. فتح الثلاجة. فارغة إلا من علبة زبادي منتهية الصلاحية ونصف رغيف عيش. أغلقها بهدوء، كأن الصمت يمكن أن يطعمه. نظر إلى يديه. يدان خشنتان، مليئتان بالجروح والتشققات من العمل المتواصل والبرد القارس. يدان لا يملكان شيئاً في هذا العالم سوى الأمل الزائف. هل يمكن أن يبيع كليته؟ هل يمكن أن يبيع دمه؟ هل يمكن أن يبيع أي شيء؟ لكن الرجال قالوا إنهم سيأخذون الكلية بالقوة. ليس عرضاً. بل تهديداً. وإذا فقد كليته، من سيعمل؟ من سيرعى أمه؟

الهاتف رن.

لم يرد في البداية. الرقم مجهول. لكن الرنين استمر بإلحاح غريب. صوته يشق صمت الشقة المظلمة كسكين. نظر إلى الشاشة المضيئة. رقم غريب. لا اسم. لا هوية. لكنه يرن. يرن. يرن. كأنه يعرف أن عمر لا يملك خياراً سوى الرد.

"ألو؟"

"عمر عبدالله؟"

"مين معاي؟"

"عندك دين لمؤسسة السلطان. ميتين ألف جنيه. عايزينهم بكرة."

صوت رجل. هادئ. لا يحمل تهديداً صريحاً، بل وعداً. صوت منخفض، متماسك، يشبه صوت من يتعامل مع الموت كأنه مجرد رقم في دفتر حسابات. صوت لا يرفع صوته. صوت لا يحتاج لذلك. لأنه يعرف أنه يملك كل أوراق اللعبة.

"أنا... أنا هجمعهم. بس أمهلوني شوية."

"في عرض تاني."

عمر جف لعابه. شعر بشيء غريب يتسلل إلى قلبه. ليس أملاً. بل شكاً. شكاً عميقاً يمزج بين الخوف والفضول. عرض؟ ما هذا العرض؟ هل هو فخ؟ هل هو حل؟

"إيه؟"

"جواز صوري. سنة واحدة. مقابل الميتين ألف. ومصاريف علاج أمك. وشقة. وعربية. وبعد السنة، تاخد مئة ألف زيادة وتمشي."

عمر ضحك. ضحكة جافة خرجت من قلبه المفزوع. ضحكة لا تحمل أي فرح. مجرد رد فعل على سخافة الواقع. جواز صوري؟ من يتزوج رجلاً لا يملك شيئاً؟ من تريد زوجاً صورياً مقابل كل هذا المال؟ هل هذا نوع من أنواع الاستغلال؟ هل هي امرأة عجوز تريد وريثاً؟ هل هي عائلة تريد ستراً اجتماعياً؟

"إنتوا بتستهبلوا؟"

"العنوان هيجيلك على الواتس. تكون هناك الساعة تسعة. لو وافقت، تمضي العقد. لو رفضت..."

سكت الصوت لحظة. صمت طويل. ثقيل. كأن الوقت نفسه توقف ينتظر رد عمر.

"...نخلص الحساب بالطريقة التانية."

انقطع الخط.

عمر وقف في المطبخ المظلم. ينظر إلى هاتفه. الرسالة وصلت. عنوان. لا تفاصيل. لا اسم. مجرد موقع على الخريطة. مكان في الجانب الآخر من المدينة. عالم آخر. عالم لا يعرفه. عالم لا يعرفه.

نظر إلى غرفة أمه. الباب مغلق. سمع سعالاً خافتاً. ضعيفاً. سعال امرأة تتآكل من الداخل. امرأة ضحت بحياتها لتراه رجلاً. وها هو الآن يبيع نفسه ليحافظ على حياتها.

لم يكن لديه خيار. لم يكن لديه أمل. كان لديه فقط عنوان. وموعد. وعرض لا يمكن رفضه. وقلب يدق بعنف. وعقل يحتار. وروح تتساءل: هل السنة القادمة ستكون آخر سنة في حياته؟

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • العشق الممنوع    (5)

    النار كانت تتنفس. الرجل الذي يحمل قاذف اللهب كان يقف على بعد أمتار قليلة من مقدمة السيارة. المطر يتساقط على الزجاج الأمامي بغزارة، لكنه لم يكن قادراً على إخفاء ذلك الضوء البرتقالي الذي بدأ يتسلل من فوهة السلاح. ضوء يشبه العين الشريرة. يشبه الجحيم. يشبه النهاية التي تأتي بالحرق لا بالرصاص. نهاية لا تترك وجهاً ليُخدش. بل تترك رماداً. تترك فراغاً. تترك نسياناً. المحامي مد يده نحو الدرج الأمامي. يبحث بأصابع مرتعشة. يبحث عن شيء. مسدس؟ لا. كان يبحث عن هاتف. أخرجه. ضغط على زر. تحدث بسرعة. بصوت خافت لا يصل إلى الخلف: "الموقع. دلوقتي. الطوارئ. نعم... أنا اللي بلّغت من قبل. والآن هم هنا. في الشارع الفلاني. بالقرب من المستشفى القديمة." ثم نظر إلى عمر في المرآة. عيناه تلمعان بالخوف. لكن أيضاً... بالعزم الغريب. بذلك الشيء الذي يشبه الندم المقترن بالتصميم. "أنا هنزل. هتكلم معاهم. إنتوا خليكوا هنا. ومهما شوفتوا... متتحركوش." "إنت مجنون؟" عمر صرخ. صوته يملأ السيارة الصغيرة. "دول جايين يقتلوا. مش هيتكلموا. مش هيسمعوا كلام محامي." "أنا... أنا مديون للسلطان بحياتي. بس دلوقتي..." المحامي ابتسم. ا

  • العشق الممنوع    (4)

    عمر جمد. المطر كان يغسل وجهه. يغسل الدم. يغسل الغبار. يغسل كل شيء. لكنه لم يستطع أن يغسل الشك. الشك الذي يتسلل إلى قلبه كالسم البطيء. الشك الذي يقول له: "لا تثق. أبداً." لأن الثقة في هذا العالم كانت تساوي الموت. والموت كان قد لاحقه منذ أن وقع اسمه على ذلك الورق الأبيض في المكتب الفاخر. السيارة السوداء كانت واقفة. محركها يدور بصوت خافت. كأنها تتنفس. كأنها حيوان مستعد للانقضاض. أضواؤها الأمامية كانت تُضيء المطر المتساقط بخيوط فضية باردة. خيوط تبدو كأنها أسلاك شائكة. كأنها سجن. كأنها دعوة إلى قبر آخر. "إركب." المحامي كرر. ابتسامته لم تتغير. ثابتة. باردة. كأنها مرسومة على وجه من شمع. عيناه خلف نظاراته الطبية لا تكشفان شيئاً. لا خير. لا شر. فقط الغموز. الغموز القانوني الذي يخفي وراءه النصوص والبنود والمواد والفقرات التي تبيع الروح دون أن تترك بصمة. "مش هاركب." عمر صوته كان حديدياً. يدا تحتضنان نور بقوة. كأنها قد تُخطف إذا خفف قبضته. كأن العالم كله يريد أن يسرقها منه. "مش هثق في حد تاني من القصر ده. أبداً. إنتوا كلكم... كلكم نفس الشيء. ورق. وفلوس. ودم." المحامي هز رأسه. بهدوء. كأنه يت

  • العشق الممنوع    (3)

    الزمن توقف. الرجل القناع يقف عند الباب. مسدسه موجه نحو صدر عمر. عيناه وحيدتا ما يمكن رؤيته من تحت القناع. عينان باردةتان. لا رحمة فيهما. لا إنسانية. فقط الأوامر. فقط القتل. الظلام وراءه يبدو أعمق من ذي قبل. كأن الشيطان نفسه يدخل الغرفة. عمر لم يفكر. بغريزة. بجنون. بقلب الأسد. رمى بنفسه فوق نور. جسده فوق جسدها. يحميها بالكامل. بكل ما لديه. بكل ما هو. بكل ما تبقى من روح. "إبعد!" صرخ المقدم طارق. مد يده نحو سلاحه. لكن القناع كان أسرع. طخ. صوت الرصاصة انشق الغرفة. ارتجفت الستائر. ارتجف عمر. لكنه لم يسقط. لم يشعر بألم. نظر. المقدم طارق كان ينظر إلى صدره. إلى البقعة الحمراء التي بدأت تنتشر. إلى الدهشة التي لم يكن يعرف أنه يملكها. طخ. طخ. رصاصتان أخريان. طارق سقط. كالدمية. على الأرضية البيضاء. عيناه مفتوحتان. ينظران إلى السقف. ينظران إلى لا شيء. "لا!" صرخ المحقق رامي. انحنى خلف الكرسي. يهتز. يختبئ. يتجمد. القناع دخل. خطوة. خطوتين. المسدس لا يزال موجهاً. لكنه لم يعد يهتم برامي. يهتم فقط بالهدف. بالاثنين اللذين على السرير. بالرجل الذي يتجرأ على أن يكون درعاً. والمرأة التي يجب أن تمو

  • العشق الممنوع    (2)

    مرت أسبوع. أسبوع كامل من الانتظار. من الأمل والخوف. من اللحظات التي كانت فيها نور تصحو فتجده جالساً بجانبها. ومن اللحظات التي كانت فيها تغفو فتشعر بيده تلامس شعرها. بأصابعه تنسج خصلاتها السوداء كأنه يقرأ كتاباً قديماً. كتاباً لا يريد أن ينتهي. عمر لم يغادر المستشفى. لم يرجع إلى القصر. لم يرَ أمّه إلا مرة واحدة عندما جاءت فريدة بصحبتها. أم عمر كانت ضعيفة. تسير بعكاز. لكن عينيها... عينيها كانت تحملان ذلك النور الخاص بالأمهات. ذلك النور الذي يرى الحقيقة قبل أن تُقال. "دي بنتك؟" سألت وهي تنظر إلى نور نائمة. "مش... مش رسمي يا ماما. بس..." عمر توقف. ابتلع ريقه. "...بس هي كل حاجة." أم عمر ابتسمت. ابتسامة حزينة. عريقة. كأنها تذكرت شيئاً من ماضٍ بعيد. "اللي بيحب... بيعرف من أول نظرة. وأنا شايفة في عينيك... إنك عرفت." لم تقل أكثر. لم تسأل عن القصر. عن المال. عن العقد. لم تسأل عن شيء. فقط وضعت يدها على يد ابنها. ونظرت إلى نور. وهمست: "ربنا يشفيها. عشانك. وعشانها. وعشان... عشان الولاد اللي جايين." عمر احمرّ وجهه. لم يفهم كيف عرفت. كيف الأمومة تعرف دائماً ما لا يعرفه العقل. لكنه لم ينكر

  • العشق الممنوع    الفصل الخامس: عيناها

    (1) الساعات كانت تمر كالسنين. عمر لم يغادر الكرسي. لم يحرك يده من يدها. كأنها قد تختفي إذا تركها. كأنها قد تطير. كأنها مجرد حلم جميل يحتاج إلى لمسة مستمرة ليبقى حقيقياً. الأطباء جاؤوا ومشوا. الممرضات غيّروا المحاليل. فحصوا العيون. سمعوا القلب. نظروا إلى الشاشات. وكل مرة كانوا يخرجون بنفس التعبير: "ننتظر." انتظار. كلمة قاتلة. كلمة تفتح جروحاً وتتركها تنزف. كلمة تجعل الوقت يتوقف ويتجمد ويتحول إلى جليد يخنق. لكنه انتظر. منذ ثلاثة أيام. أو أربعة. لم يعد يعرف. لم يعد يفرق بين الليل والنهار. بين الضوء والظلام. بين الحلم واليقظة. العالم كان قد اختزل في هذه الغرفة. في هذا السرير. في هذه اليد الباردة التي كان يدفئها بلمساته. "النهاردة... جيتلك ورد." همس. صوته خشن. متشقق. من الجفاف. من البكاء. من الصراخ الداخلي الذي لا يتوقف. أخرج وردة. وردة حمراء. طازجة. اشتراها من بائع في بهو المستشفى. رجل عجوز نظر إليه بعينين حزينتين. كأنه يعرف. كأنه رأى هذا المشهد ألف مرة. "حمرة. زي الفستان اللي لبستيه يوم الفرح. يوم اللي كنتي فيه... ملكة. وكنت أنا... مجرد راجل مش عارف حاجة." وضع الوردة على الطاول

  • العشق الممنوع    (5)

    الأبيض كان يؤلم عينيه. أبيض مطبق. أبيض يخنق. أبيض لا ينتهي. عمر فتح عينيه بصعوبة. رموشه ثقيلة كأنها مصنوعة من رصاص. السقف أبيض. الجدران بيضاء. الستائر بيضاء. حتى الهواء الذي يدخل أنفه يبدو أبيضاً. معقم. بارد. ميت. المستشفى. حاول أن يتحرك. رأسه انفجر بالألم. كأن أحدهم يحفر داخل جمجمته بمثقاب. تنهد. سقط رأسه على الوسادة. الوسادة ناعمة. ليست وسادة قصر. بل وسادة مستشفى. رائحة الكلور ثقيلة. تغطي كل شيء. تغطي الذكريات. تغطي الدم. تغطي رائحة نور. نور. الاسم صدمه كالكهرباء. جلس فجأة. بعنف. العالم يدور. يتقلص. يصبح داكناً. ثم يعود. "نور..." صوته كان خشناً. كأنه لم يستخدمه منذ أيام. "نور فين؟" "لازم ترتاح." صوت. من الزاوية. رجل. ثلاثيني. يرتدي زي طبيب أبيض. نظارات طبية. عينان حزينتان. يشبه فريدة. يجب أن يكون ابنها. "نور... هي كويسة؟" الطبيب سكت. نظر إلى الملف في يده. ثم إلى عمر. عيناه تحملان خبراً. خبراً لا يريد أن يقوله. "عايشة. العملية... نجحت. الرصاصة ما خرقتش القفص الصدري. بس..." "بس إيه؟" "بس فقدت دم كتير. وجسمها كان ضعيف. هي... في غيبوبة." غيبوبة. الكلمة كانت ثقيلة. أثقل م

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status