Share

(5)

last update publish date: 2026-08-07 00:58:54

ثم... بقي الليل.

القصر. الطابق العلوي. ممر طويل. سجادة حمراء تمتد كأنها نهر من الدم. جدران بيضاء. لوحات قديمة. وجوه نساء حزينات. نساء ينظرن إليه من اللوحات كأنهن يعرفن سراً لا يعرفه. عمر صعد الدرج. خطواته كانت تدوي في القاعة الفارغة. كل خطوة كانت تحمله بعيداً عن العالم الذي عرفه. بعيداً عن الفقر. بعيداً عن الحرية. بعيداً عن كل شيء كان يعرفه عن نفسه. كان يشعر بأن القصر يمتص هويته. يمتص اسمه. يمتص تاريخه. ويتركه فارغاً. مجرد جسم. مجرد بند في عقد.

نور وقفت عند باب غرفة نومها. باب خشبي ضخم. عليه نقوش غريبة. نقوش تشبه الأفعى تلتف حول شجرة. نقوش لا ينتمي معناها إلى هذا العالم. باب يفصل بين الجحيم والجنة. بين الممنوع والمسموح. باب يبدو أقدم من القصر نفسه. كأنه شهد أجيالاً من الأسرار. كأنه شهد زيجاتاً ماتت فيها العرائس. أو الأزواج. كأنه يحمل في خشبه ذكريات لا تُروى. دماء لا تُمحى. دموع لا تجف.

"ده بابك. وده بابي."

أشارت إلى الباب المقابل. باب أصغر. أقل فخامة. أقل أهمية. باب الخادم. باب الزوج الصوري. باب الرجل الذي اشترته بالمال. باب من الخشب البني الفاتح. بدون نقوش. بدون تاريخ. بدون قيمة. باب يقول له: "أنت هنا مؤقتاً. أنت لست صاحب هذا المكان. أنت مجرد نزيل."

"ممنوع تدخل غرفتي إلا لما أقول. ممنوع تسأل عن اللي بيحصل بره. ممنوع تتكلم مع أي حد عن العقد. واضح؟"

"واضح."

صوته كان جافاً. لكن داخله كان يغلي. كان يريد أن يسأل. أن يعرف. أن يفهم. لكنه كان يعرف أن الأسئلة هنا لها ثمن. وأنه لا يملك ثمناً بعد. كان ينظر إليها. إلى عينيها التي لا تكشفان شيئاً. إلى فستانها الأحمر الذي بدا الآن أغمق في الضوء الخافت. إلى شعرها الأسود الذي يلمع كأنه مصنوع من ليل صلب. كانت تقف هناك. جميلة. مرعبة. بعيدة. كأنها تمثال في متحف. يمكن النظر إليه. لكن لا يمكن لمسه.

"عندك سؤال واحد مسموح. اسأله."

عمر فكر. فكر طويلاً. هناك مليون سؤال يريد أن يسأله. لماذا اختارته؟ ماذا حدث للأزواج السابقين؟ هل هي حقاً قاتلة؟ هل هو مجرد ضحية؟ هل ستقتله قبل نهاية السنة؟ لكنه يعرف أنها لن تجيب بصدق. أنها ستكذب. أنها ستتلاعب. فاختار السؤال الوحيد الذي يهم. السؤال الذي يحترق في صدره منذ أن وقع العقد. السؤال الذي إذا أجابت عليه، قد يفسر كل شيء. أو لا شيء.

"ليه أنا؟ من بين كل الناس في الدنيا؟"

نور وضعت يدها على مقبض الباب. نظرت إليه فوق كتفها. عيناها لمعتا في الظلام. لمعتا كعيني القط في الليل. كعيني المفترس الذي يرى في الظلام ما لا يراه الآخرون. نظرة طويلة. محاسبة. كأنها تريد أن تعرف إذا كان يستحق الإجابة. كأنها تزن كلماتها قبل أن تقولها. كأنها تختار بين كذبة وحقيقة. ثم ابتسمت. ابتسامة بطيئة. تتسلل إلى وجهها كالفجر. لكنها ليست ابتسامة الفرح.

"لأنك مش خايف."

"مش فاهم."

"كل اللي قبلك كانوا خايفين. إنت بس... إنت جاي هنا عشان تموت براحتك. واللي مش خايف من الموت..."

ابتسمت. هذه المرة، ابتسامة حقيقية. ليست باردة. ليست مزيفة. بل حقيقية. وفي تلك الحقيقة، كان هناك شيء مخيف. شيء يشبه الجنون. شيء يشبه الألم. شيء يشبه المرأة التي رأت الموت كثيراً حتى صار صديقها. ابتسامة تحمل في طياتها كل شيء. الحزن. القوة. الخطر. الجمال القاتل. ابتسامة تقول: "أنا أيضاً أعرف الموت. وأنا أيضاً لا أخافه. وهذا ما يجعلنا متشابهين."

"...ممكن يكون مفيد."

دخلت غرفتها. أغلقت الباب. صوت الإغلاق كان صاخباً في الممر الفارغ. كأنه نهاية فصل. كأنه بداية فصل آخر. كأنه قفل سجن. قفل على أسرارها. قفل على حياتها. قفل على كل ما يمكن أن يفسر لعمر ما يحدث. صوت القفل نفسه كان ثقيلاً. كأنه قفل من حديد مصمت. كأنه يقول: "هنا تنتهي حدودك. وهنا تبدأ حدودي."

عمر وقف في الممر الطويل. ينظر إلى الخاتم الأسود في يده. يسمع صوت قلبه. يدق. يدق. يدق. كأنه يريد أن يفجر صدره. كأنه يريد أن يهرب. كأنه يريد أن يقول له: "اهرب. الآن. قبل أن يفوت الأوان." الخاتم كان ثقيلاً. أكثر ثقلاً من لحظة وضعه. كأنه يكتسب وزناً من الأسرار. من القواعد. من الممنوع.

ثم... سمع صوتاً من داخل غرفتها. صوت امرأة تبكي. بكاءً خافتاً. محبوساً. بكاءاً لا يريد أن يُسمع. بكاء امرأة قوية تنهار في الخلوة. بكاء امرأة تباع كما باعته. بكاء امرأة لا تملك خياراً كما لا يملك. بكاءاً يشق القلب. يجعله ينسى كل التحذيرات. كل القواعد. كل الخوف. بكاءاً يقول: "أنا لست الوحشة التي تظهرينها. أنا مجرد امرأة. مجروحة. محطمة. وحيدة."

مد يده نحو الباب. توقف. أصابعه تلامس الخشب البارد. يشعر بنبضها من خلف الباب. يشعر بحرارتها. يشعر بأنها ليست تلك الوحشة. ليست تلك القاتلة. ليست تلك الخطيرة. يشعر بأنها امرأة. مجرد امرأة. تبكي. تتألم. تخاف. تريد أن تُنقذ. لكنه لا يملك مفتاحاً. ولا يملك حقاً. ولا يملك شجاعة كافية.

لكنه تذكر التحذير.

تذكر أنه لا يعرف من تكون هذه المرأة. لا يعرف لماذا اثنان من أزواجها السابقين ماتا. لا يعرف لماذا اختارته. لا يعرف لماذا تبكي. لا يعرف شيئاً. وفي عالم لا يعرفه، المعرفة هي السلاح الوحيد. والجهل هو الموت. والشفقة قد تكون أسرع طريق إلى القبر.

لكنه عرف شيئاً واحداً:

لقد دخل عالماً لن يخرج منه حياً... إلا إذا وقع في حبها. أو قتلها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العشق الممنوع    المقطع 4

    مرت أيام، وعادت نور إلى المنزل مع ندى الصغيرة. البيت كان مليئاً بالفرح، بالضحكات، بالحب. نور الدين كان متحمساً، يريد أن يرى أخته الصغيرة، ويلمسها، ويحملها. ليلى كانت تنظر إلى الطفلة بعينيها الواسعتين، وتكرر: "أختي! أختي!"نهى كانت جالسة على الأريكة، تحمل ندى بين ذراعيها، وتبكي، تبكي بصمت، لكنها كانت تبتسم، تبتسم ابتسامة لا توصف، ابتسامة الجدة التي ترى أحفادها يكبرون، ابتسامة المرأة التي رأت كل شيء، وعاشت كل شيء، ووجدت أخيراً السلام."ندى..." همست نهى، ونظرت إلى وجه الطفلة الصغير. "ندى الجميلة، ندى الصباح، ندى الحياة الجديدة. إنتي هتكبري، وهتبقي جميلة، وهتعيشي حياة مختلفة عن اللي عشناها إحنا. حياة فيها حب، وأمان، وسعادة."نور كانت واقفة عند باب الغرفة، تنظر إلى هذا المشهد، إلى أمها الجديدة التي تحتضن طفلتها، إلى العائلة التي كانت تنمو كل يوم، إلى الحب الذي كان يملأ كل مكان، وشعرت بشيء يتدفق في صدرها، بشيء دافئ، بشيء يشبه الدموع، لكنها لم تبكِ، ابتسمت، ابتسمت ابتسامة لا توصف، ابتسامة المرأة التي وجدت كل شيء بعد أن فقدت الأمل.عمر كان بجانبها، وضع ذراعه حول كتفها، وقبل رأسها، وشعر بدفئها

  • العشق الممنوع    المقطع 3

    غرفة الولادة كانت بيضاء، مضاءة بأضواء ناعمة، ورائحة المطهرات تملأ المكان، لكن نور لم تشعر بأي خوف، لأن عمر كان بجانبها، يمسك يدها، يشعر بدفئها، بحياتها، بكل شيء. كان ينظر إليها وكأنها معجزة، وكأنها حلم، وكأنها كل شيء في هذا الكون الصغير الذي بنياه معاً."إنتي قوية، يا نور." همس في أذنها، وصوته كان دافئاً، حنوناً، مليئاً بالحب. "إنتي أقوى إنسانة في الدنيا، وإنتي هتعمليها، وهتشوفي نورنا الجديد قريب."نور نظرت إليه، إلى عينيه التي كانت تلمعان بالدموع والفرح، إلى الرجل الذي كان كل شيء، وابتسمت، ابتسمت ابتسامة لا توصف، ابتسامة المرأة التي وجدت كل شيء بعد أن فقدت الأمل."أنا مش خايفة." قالت، وصوتها كان خافتاً، لكنه كان صادقاً. "مش خايفة، عشان إنت معايا."وفي تلك اللحظة، شعرت بانقباضة قوية، وشعرت بأن الطفل الذي بداخلها كان يدفع للخروج، يريد أن يرى النور، يريد أن يكون جزءاً من هذا العالم، من هذه العائلة، من هذا الحب."أنا بحبك، يا عمر." همست، وهي تضغط على يده بقوة. "بحبك أوي، وهفضل بحبك، للأبد."عمر قبل جبينها، وشعر بدفئها، بحياتها، بكل شيء، وشعر بالدموع تتساقط من عينيه، لكنها كانت دموع فرح،

  • العشق الممنوع    المقطع 2

    بعد الفطور، جلس الجميع في غرفة المعيشة، يتحدثون ويضحكون، وكان الجو دافئاً، مليئاً بالحب، مليئاً بالحياة. نور الدين كان يلعب بسيارته الصغيرة على السجادة، وليلى كانت جالسة في حضن نهى، تلعب بشعرها الأبيض، وتضحك ضحكتها الصغيرة البريئة.نهى كانت تنظر إلى نور، إلى بطنها الذي بدأ يظهر، إلى الحياة الجديدة التي كانت تنمو بداخلها، وابتسمت، ابتسمت ابتسامة لا توصف، ابتسامة الجدة التي ترى أحفادها يكبرون، ابتسامة المرأة التي رأت الموت وعاشت، التي رأت الظلام وخرجت منه."نور..." قالت نهى، وصوتها كان خافتاً، لكنه كان مليئاً بالحب. "إنتي حاسة بإيه؟ مع الجنين الجديد؟"نور وضعت يدها على بطنها، وشعرت بالحركة الخفيفة بداخلها، بالحياة التي كانت تنمو، بالأمل الذي كان يملأ قلبها. "حاسة بكل حاجة." قالت، وابتسمت. "حاسة بالفرح، بالخوف، بالحب، بكل شيء. بس الأهم..."توقفت، ونظرت إلى عمر، إلى عينيه التي كانت تنظر إليها كأنها الشمس، ثم أكملت: "...الأهم إنني مش لوحدي. عنده، وعند أولادي، وعند العيلة دي كلها."عمر مد يده، وأمسك يدها، وشعر بدفئها، بحياتها، بكل شيء. كان ينظر إليها وكأنها معجزة، وكأنها حلم، وكأنها كل شيء

  • العشق الممنوع    الفصل 14: ندى الصباح

    المقطع 1كان الفجر يتسلل من بين الستائر البيضاء كخيوط من نور ناعم، يرسم على جدران غرفة النوم ظلالاً ذهبية هادئة. نور كانت مستيقظة قبل أن تفتح عينيها، تشعر بذلك الدفء الذي يملأ جسدها كل صباح، ذلك الشعور بالامتنان للحياة التي تعيشها، للرجل الذي ينام بجانبها، للأطفال الذين يملؤون بيتها بالضحكات، للحب الذي نما بينهم كشجرة قوية جذورها في عمق الأرض وفروعها تلامس السماء.فتحت عينيها ببطء، ونظرت إلى عمر الذي كان لا يزال نائماً بجانبها. كان وجهه هادئاً، ملامحه استرخت في النوم، ويده كانت ممتدة نحوها، كأنه حتى في نومه يبحث عنها، يريد أن يتأكد من وجودها. كانت أنفاسه منتظمة، عميقة، وصدره يرتفع وينخفض بإيقاع مريح، كأنه ينام للمرة الأولى منذ سنوات، كأنه وجد أخيراً السلام الذي كان يبحث عنه.نور مدت يدها، ولمست خده برفق، وشعرت بخشونة شعره الصباحية، بدفء بشرته، بحياته التي كانت تنبض تحتها. كان هذا الرجل الذي بدأ كغريب، كبند في عقد، كمجرد صفقة، أصبح الآن كل شيء، أصبح قلبها الذي ينبض من أجله، أصبح روحها التي لا تستطيع العيش بدونه."عمر..." همست، وصوتها كان خافتاً كالنسيم. "عمر، صحى."تحرك ببطء، وجفناه ار

  • العشق الممنوع    المقطع 5

    بعد عام، كان البيت الجديد قد اكتمل. بيت كبير، في ضاحية هادئة، مع حديقة واسعة، وأشجار مثمرة، وزهور تتفتح في كل مكان. كان البيت الذي حلمت به نور، البيت الذي خطط له عمر، البيت الذي كان لعائلتهم، لمستقبلهم، لكل شيء. نور كانت واقفة على شرفة الطابق الثاني، تنظر إلى الحديقة، إلى الأطفال وهم يلعبون، إلى عمر وهو يجلس على مقعد خشبي، يقرأ كتاباً، إلى نهى وهي تجلس بجانبه، تحتسي الشاي، إلى محمد وزوجته وهما يضحكان مع الأطفال. كانت هذه هي الحياة التي كانت تحلم بها، الحياة التي كانت تستحق كل التضحية، كل الألم، كل الخوف. "ماما!" صرخ نور الدين من الأسفل. "ماما تعالى العبي معانا!" نور ضحكت، ونزلت من الشرفة، ومشت نحوهم، وجلست على العشب، بجانب أطفالها، بجانب زوجها، بجانب عائلتها. "أنا جاية." قالت، وضمّت نور الدين إليها، وقبلت رأسه. "أنا جاية ألعب معاكم." ليلى كانت تجلس على ركبة عمر، تضحك، تلعب بشعره، وتكرر: "بابا... بابا..." "أيوه يا حبيبتي." قال عمر، وقبل رأسها. "أيوه يا نور عيوني." نهى كانت تنظر إليهم، تبتسم، تبتسم ابتسامة لا توصف، ابتسامة المرأة التي رأت كل شيء، وعاشت كل شيء، ووجدت أخيراً السلام

  • العشق الممنوع    المقطع 4

    بعد شهور من التحضير، جاء يوم التبني الرسمي. كانت المحكمة بسيطة، لا تليق بعظمة اللحظة، لكنها كانت كافية. عمر ونور كانا واقفين في الصف الأول، ينظران إلى محمد وهو يقف أمام القاضي، ونهى بجانبه، تمسك يده، ترتجف من الفرح، من الحب، من كل شيء. "نهى محمد..." قال القاضي، ونظر إليها بعينين دافئتين. "هل توافقين على تبني محمد السلطان، كابن شرعي لك، بكل الحقوق والواجبات التي تترتب على ذلك؟" نهى نظرت إلى محمد، إلى عينيه التي كانت تلمعان بالدموع، إلى الشاب الذي كان طفلاً صغيراً عندما وجدته، إلى الرجل الذي أصبح ابنها بالروح قبل أن يصبح ابنها بالقانون. "أوافق." قالت، وصوتها كان قوياً، واضحاً، مليئاً بالحب. "أوافق بكل قلبي، بكل روحي، بكل حياتي." القاضي نظر إلى محمد. "ومحمد السلطان، هل توافق على أن تكون ابناً شرعياً لنهى محمد، بكل الحقوق والواجبات التي تترتب على ذلك؟" محمد نظر إلى نهى، إلى المرأة التي أنقذته، التي ربته، التي علمته أن يكون إنساناً، إلى الأم التي لم تلدها لكنها أحبته كابنها. "أوافق." قال، وصوته كان يرتجف، لكنه كان صادقاً. "أوافق بكل قلبي، بكل روحي، بكل حياتي." القاضي ابتسم، ووقع الأ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status