تسجيل الدخول(1)
الصباح لم يكن كأي صباح. عمر فتح عينيه على سقف عالٍ. سقف من الجبس المزخرف. رسومات ذهبية. ثريا كريستالية ضخمة تتأرجح ببطء مع نسمة التكييف. الغرفة كانت واسعة. أوسع من شقته بأكملها. السرير كان كبيراً. ليناً. مغطى ببياضات حريرية تلامس الجلد كأنها ماء بارد. لم ينم على سرير منذ سنوات. كان ينام على كنبة قديمة في غرفة المعيشة حتى يترك السرير الوحيد لأمه. الآن... الآن هو في سرير ملكي. في قصر. في عالم لا ينتمي إليه. جلس. رأسه يؤلمه. ليس من الخمر. لم يشرب. بل من الأفكار. من الكوابيس. من صوت البكاء الذي سمعه الليلة. صوت نور. صوت المرأة التي باتت زوجته على الورق. المرأة التي لا يعرفها. المرأة التي تبكي خلف أبواب مغلقة. نظر حوله. الغرفة كانت فاخرة. خزانة ضخمة. مرآة طويلة. تلفزيون مسطح. حمام داخلي بابه من الزجاج المُدخن. ونافذة... نافذة كبيرة تطل على حديقة واسعة. أشجار. زهور. مسبح في البعد. لكن الجدران... الجدران كانت عالية. جداً. وفي الأفق... أسلاك شائكة. كاميرات. أفراد أمن. القصر كان جميلاً. لكنه كان سجناً. سجناً ذهبياً. نهض من السرير. كان يرتدي نفس ملابسه من الأمس. البدلة السوداء. مكرمة. عرقة. نظر إلى نفسه في المرآة. عينان حمراوان. ذقن يبدأ فيها الشعر بالظهور. شعر منكوش. لا يشبه الزوج. لا يشبه الرجل الذي وقع العقد. يشبه... السجين. طرق الباب. "أدخل." دخلت السيدة فريدة. تحمل صينية إفطار. قهوة. عصير. كرواسون. فاكهة مقطعة. رائحة القهوة العربية تملأ الغرفة. رائحة لا تنتمي إلى فطور الفقراء. "صباح الخير." "صباح النور." وضعت الصينية على الطاولة القريبة من النافذة. نظرت إليه بنفس البرود. كأنها آلة. كأنها لا تنام. كأنها تقف في هذه القاعة منذ عشرين عاماً. "الآنسة نور بتطلبك. الساعة عشرة. في الصالون الأحمر." "عايزة إيه؟" "مش من حقي أقول. بس لبس ده." وضعت على السرير ملابس. بدلة رمادية. قميص أبيض. ربطة عنق سوداء. كلها من ماركات لا يعرفها. كلها تبدو أغلى من دينه. "وأمي؟" "اتنقلت للمستشفى الخاصة. الدكتور قال إن حالتها مستقرة. وتحسنت شوية من مبارح." شعر عمر بشيء ينفرج في صدره. شعور بالراحة. لكنها راحة مسمومة. راحة تذكره بأنه باع نفسه مقابلها. باع سنة من حياته. باع حريته. باع كل شيء. "ممكن أزورها؟" "لما الآنسة نور توافق." "هي... هي كويسة؟" سأل السؤال وهو يعرف أنه ممنوع. لكنه سأل. لأن صوت البكاء لا يزال يرن في أذنيه. لأن المرأة التي بكت الليلة ليست نفس المرأة الباردة التي وقعت العقد. فريدة توقفت. يدها على مقبض الباب. لم تلتفت. لكن صوتها كان أخفض. كأنها تهمس: "اللي بيبكي الليل... بيبقى أقوى الصبح. بس ده مش معناه إنه مش خطر." ثم خرجت. أغلقت الباب. عمر وقف في الغرفة. ينظر إلى الباب المغلق. إلى الصينية. إلى الملابس الفاخرة. إلى السجن الذهبي. ثم نظر إلى النافذة. إلى الحديقة. إلى الجدران العالية. إلى الكاميرات. كان يشعر بأنه مراقب. بأن عيوناً تراقبه من ثقوب غير مرئية. بأن كل خطوة يخطوها مسجلة. بأن كل نفس يلفظه محسوب. وفي تلك اللحظة، فهم شيئاً: أن القصر ليس مجرد بيت. أنه عالم. عالم له قواعده. عالم له سجانه. عالم لا يرحم. لبس الملابس. كانت تلائمه بشكل مثالي. كأنها خُيطت له. أو كأن شخصاً ما يعرف مقاساته. شعور مقزز. شعور بأنه ليس مجرد ضيف. بل منتج. سلعة. رقم. نزل الدرج. القصر كان هادئاً. صامتاً. كأنه فارغ. لكنه كان يشعر بالوجود. بوجود أشخاص يتحركون خلف الجدران. بوجود أعين تراقبه. بوجود أسرار تتنفس في الظلام. وصل إلى الصالون الأحمر. باب مزدوج. خشب أحمر داكن. مقابض ذهبية. طرق. "تفضل." دخل. كانت واقفة عند النافذة. ترتدي فستاناً أسود. بسيطاً. لكنه يبدو كأنه من تصميم ملكي. شعرها مربوط في ذيل حصان. يكشف عن رقبة بيضاء. نحيفة. وفي تلك الرقبة... عقد. عقد من اللؤلؤ الأسود. يتأرجح ببطء مع حركتها. لم تلتفت. "قعد." جلس على أقرب كرسي. كان الكرسي من الجلد. ناعم. بارد. "الليلة... في حفل خيري. هنظهر مع بعض. كزوجين. هتلبس البدلة دي. وهتتصرف كأنك بتحبني." "وإذا مش قادر؟" التفتت. عيناها كانت أغمق في النهار. أغمق مما تخيل. كأنهما حجرتان من العنبر المحترق. "هتتعلم. زي ما اتعلمت كل حاجة في حياتي." "إنتي... إنتي بتكرهي اللي بيحصل." ابتسمت. ابتسامة مريرة. "مش بكره. بس تعبت. وتعلمت إن المشاعر غالية. واللي بيشتريها... بيدفع ثمنها. غالي." نظرت إلى ساعتها. ساعة ذهبية. ثم مدت يدها. يدها البيضاء. الناعمة. وفي تلك اليد... خاتم. نفس الخاتم الأسود الذي في يده. لكنه في يدها يبدو مختلفاً. يبدو طبيعياً. كأنه جزء منها. "في حاجة واحدة لازم تعرفها." "إيه؟" "إن اللي بيدخل قصري... إما بيخرج ملك. وإما بيخرج جثة. ومفيش حاجة تالتة." صوتها كان هادئاً. لكنه كان يحمل في طياته صخباً. صخباً من العواصف. من التجارب. من الألم. وفي تلك اللحظة... رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. وجهها تغير. تغير فجأة. من البارد إلى الأكثر بروداً. من القوية إلى الحجر. "إيه؟" صمتت. استمعت. ثم... شعر عمر بأن الغرفة أصبحت أبرد. بكثير. "فهمت." أغلقت الهاتف. نظرت إليه. نظرة مختلفة. نظرة تقول: "اللعبة بدأت." "مين؟" "عدو." "عدو إيه؟" "عدوك. وعدوي. وعدو كل حاجة جميلة في هذا المكان." اقتربت منه. خطوة واحدة. كافية ليشعر بأن شيئاً ما قد تغير. بأن الصباح الهادئ قد انتهى. بأن العاصفة قد بدأت. "عمر... الليلة... مش هتكون مجرد حفل. الليلة... هتكون اختبار." "اختبار إيه؟" "اختبار ولاءك. لأن في ناس هنا... مش بيحبوا الضيوف الجدد. وخصوصاً الضيوف اللي بيلبسو خاتمي." مدت يدها. لامست خاتمه. لامسته بأصبعها. لمسة باردة. سريعة. كالصاعقة. "وإذا فشلت في الاختبار ده..." همست. وعيناها تحملان شيئاً يشبه التحدي. يشبه الخوف. يشبه الرغبة في أن يكون مختلفاً. في أن يكون أقوى. في أن ينجح حيث فشل الآخرون. "...مش هسامحك. لأنني مش بسامح. أبداً." ثم تركته. وخرجت من الصالون. تاركةً له الرائحة. والسؤال. والخوف. والشيء الغريب الذي يتسلل إلى قلبه. شيء يشبه... الاهتمام.الأبيض كان يؤلم عينيه. أبيض مطبق. أبيض يخنق. أبيض لا ينتهي. عمر فتح عينيه بصعوبة. رموشه ثقيلة كأنها مصنوعة من رصاص. السقف أبيض. الجدران بيضاء. الستائر بيضاء. حتى الهواء الذي يدخل أنفه يبدو أبيضاً. معقم. بارد. ميت. المستشفى. حاول أن يتحرك. رأسه انفجر بالألم. كأن أحدهم يحفر داخل جمجمته بمثقاب. تنهد. سقط رأسه على الوسادة. الوسادة ناعمة. ليست وسادة قصر. بل وسادة مستشفى. رائحة الكلور ثقيلة. تغطي كل شيء. تغطي الذكريات. تغطي الدم. تغطي رائحة نور. نور. الاسم صدمه كالكهرباء. جلس فجأة. بعنف. العالم يدور. يتقلص. يصبح داكناً. ثم يعود. "نور..." صوته كان خشناً. كأنه لم يستخدمه منذ أيام. "نور فين؟" "لازم ترتاح." صوت. من الزاوية. رجل. ثلاثيني. يرتدي زي طبيب أبيض. نظارات طبية. عينان حزينتان. يشبه فريدة. يجب أن يكون ابنها. "نور... هي كويسة؟" الطبيب سكت. نظر إلى الملف في يده. ثم إلى عمر. عيناه تحملان خبراً. خبراً لا يريد أن يقوله. "عايشة. العملية... نجحت. الرصاصة ما خرقتش القفص الصدري. بس..." "بس إيه؟" "بس فقدت دم كتير. وجسمها كان ضعيف. هي... في غيبوبة." غيبوبة. الكلمة كانت ثقيلة. أثقل م
الطلقة لم تصب عمر. اصطدمت بجسد آخر. بجسد ألقى بنفسه بينه وبين الموت. بينه وبين الرصاص. بينه وبين النهاية. نور. شعرت أولاً بالنار. بخط حارق يشق ظهرها قرب الكتف. ثم بالخدر. ثم بوزن جسدها وهو ينهار. لا تستطيع التحكم في أطرافها. لا تستطيع أن تتنفس. فقط السقوط. السقوط الطويل نحو صدره. عمر امتدت يداه بغريزة. بغريزة الأسد. بغريزة الرجل الذي لا يترك ما يملك يسقط. قبض عليها وهي تنهار فوقه. دمها. دمها الحار. ينساب فوراً على قميصه. يبله. يغمره. يحول الأسود إلى أحمر داكن. "نور... نور!" صوته كان صراخاً. صراخاً داخلياً. صراخاً يمزق الحلق. يمزق الروح. الرجل دخل من الشرفة. خطوة. خطوتين. طويل. أشيب الشعر. عينان رماديتان. باردةتان. مثل عيني يوسف، لكنهما تحملان عشرين عاماً إضافية من القسوة. من الحنق. من الجنون المُحكم. بدلة سوداء. نظيفة. مكوية. كأنه يحضر جنازة. جنازة ابنه. وجنازة من سيقتلهم الآن. "مثير." قال. صوته كالحصى يتدحرج على صفائح حديد. "العاهرة تحبك فعلاً. تماماً كما أحبت أمها لي. قبل أن أكسرها." عمر رفع رأسه. رؤيته مشوشة. دم يسيل من صدغه. يغطي عينه اليسرى. لكنه يرى. يرى بوضوح كافٍ. كا
الدم كان يسيل ببطء. ليس بسرعة الموت الفوري. بل ببطء الحياة التي تتسرب. قطرة. قطرتين. تتسلل من صدغ عمر. تبل الأرضية. تخلط بدم يوسف. تخلق نهراً صغيراً من الأحمر. من الخسارة. من الخوف. نور كانت تركع. يداها تضغطان على جرحه. بقوة. بجنون. كأنها تستطيع أن تمنع الدم بالإرادة. كأن حبها وحده يكفي لإغلاق الجرح. "متموتش... متموتش يا عمر. أنا مش هسمح. مش هسمحلك." صوتها يرتجف. بين البكاء والصراخ. بين اليأس والأمل. بين الحياة والموت. فريدة كانت واقفة. لحظات. تبدو أصغر. أضعف. كأن القناع سقط من وجهها. كأنها رأت ما يكفي من الموت. وقررت أن تختار الجانب الصحيح. "خلي بالك منه. أنا هجيب الدكتور." "إزاي؟ يوسف كان هيخليه يقتل أمي!" "الدكتور ده... ابني." نور رفعت رأسها. عيناها توسعتا. في دهشة. في فهم بطيء. "ابنك؟" "آه. ويوسف كان بيهدده. بس دلوقتي... يوسف مات. والتهديد... راح." نظرت إلى جسد يوسف. إلى الدم المتجمع حوله. إلى الوجه الملتوي الذي لم يعد يبتسم. "أرجعي بسرعة." فريدة هزت رأسها. ثم اختفت. في الظلام. نحو الممر. نحو الخارج. نحو الأمل. نور نظرت إلى عمر. وجهه شاحب. كالشمع. الشفاه جافة. متش
الدم كان يسيل. دم عمر. دم يوسف. دم يلطخ البلاط الأبيض. يلطخ الصور المخدوشة. يلطخ كل شيء. كأن الغرفة نفسها تتنفس دماً. كأن الجدران كانت عطشى لسنوات. وها هي الآن تشرب. تشرب الخيانة. تشرب الحقيقة. تشرب النهاية. نور ركعت. بجانب عمر. يداها ترتعشان. تبحث عن نبض. عن نفس. عن أي علامة على الحياة. يداه باردةتان. باردةتان جداً. كأن روحه تتسرب بين أصابعها. كأنها تحاول أن تمسك بماء. "عمر... عمر افتح عينيك." لم يتحرك. وجهه شاحب. شاحب كالقمر المريض. الدم يسيل من صدغه. يتسلل على خده. على رقبته. يبل قميصه الأسود. يجعله يبدو كأنه يرتدي ثوب حداد. ثوباً كان مكتوباً عليه منذ البداية. "لا... لا تسيبني. مش دلوقتي. مش بعد كل ده." صوتها ينكسر. دموعها تقع على وجهه. دافئة. حارة. كأنها تريد أن تُعيد الحياة إليه بحرارتها. كأن دموعها هي الدواء الوحيد. كأن حبها هو الأكسجين الذي يحتاجه للعودة. ثم... سمعت صوتاً. صوت خشن. صوت كالحجر يُجر على الزجاج. يوسف. كان يتحرك. ببطء. بصعوبة. يجر نفسه على البلاط. يترك خلفه خطاً أحمر. مقص عمر كان غارقاً في ظهره. لكنه لم يمت. لم يزل يتنفس. يتنفس بصعوبة. بغضب. بحقد. بذلك ا
(1)الظلام لم يكن نهائياً.كان ثقيلاً. كثيفاً. كالطين يملأ العينين والأذنين والفم. لكن في ثناياه... كانت هناك بقعة ضوء. بعيدة. خافتة. تتلألأ وتختفي كالنجم في ليلة مغيمة.عمر حاول أن يتحرك. لكن جسده لم يستجب. كان ثقيلاً. كأنه مصنوع من رصاص. رأسه يؤلمه. يؤلمه بعنف. كأن أحداً يضربه بمطرقة من الداخل. يضرب ويضرب ولا يتوقف.تذكر.الصوت. القبضة. الظلام.يوسف.فتح عينيه بصعوبة. الرؤية كانت ضبابية. مزدوجة. يرى اثنين من كل شيء. اثنان من السرير الأبيض. اثنان من الصور المخدوشة. اثنان من الظلال التي تتحرك في الزاوية.ثم... تركزت.ورأى.نور.كانت واقفة. ظهرها للجدار. يوسف أمامها. المسدس في يده. لكنه لم يكن يوجهه إليها. كان يوجهه نحو الباب. نحو الظلام. نحو المكان الذي خرجت منه أمها."إخرجي يا ماما العزيزة." قال يوسف. صوته عذب. سام. "خلاص الوقت. هنخلص اللعبة."صمت.ثم... خطوات.من الظلام.من الزاوية.الأم.كانت تخرج. ببطء. كأنها تسحب نفسها من قبر. شعرها الأبيض المنكوش يغطي وجهها. فستان الزفاف القذر يلتصق بجسدها النحيف. عيناها الحمراوان... كانت أحمر الآن. أكثر. كأن الدم قد غمرهما بالكامل."إنت..." قال
الظل تحرك. لم ينبسط. لم يتبدد. بل تقدم. خطوة. خطوتين. من عتبة الباب نحو الضوء الخافت. حتى وقعت أشعة المصباح المتهالك على وجهه. عمر شعر بقلبه ينكمش. يتقلص. يتحول إلى حجر. يوسف. كان يقف هناك. يراقب. ينتظر. كالعنكبوت الذي يشبك خيوطه ثم يجلس في الزاوية يرقص فريسة تتشابك. لم يكن يحمل سلاحاً ظاهراً. لكنه كان يحمل شيئاً أخطر. ابتسامة. ابتسامة عريضة. منتصرة. كأنه يشاهد مسرحية بلغت ذروتها. كأن كل ما حدث كان وفق سيناريوه. كل دمعة. كل قبلة. كل صراخ. كل شيء. صفق. ببطء. صفقة. صفقتين. صوت التصفيق كان مجوفاً في الغرفة المظلمة. كأنه يرتد من جدران من رخام. "برافو. بجد. مشهد مؤثر. يستحق أوسكار." صوته كان عذباً. ساماً. يملأ الغرفة كالدخان. ينسل إلى الرئتين. يخنق. نور انتفضت. تراجعت خطوة. يداها تبحثان عن المقص على الأرض. لكنه كان بعيداً. بعيداً عن متناولها. بعيداً عن الأمل. "إنت... إنت إزاي فتحت الباب؟" سألت. صوتها يرتجف. يكاد ينكسر. "عندي مفتاح. زي ما عندي مفتاح كل حاجة في هذا القصر. بما فيها... غرفة أمك المفضلة." دخل. بكامله. جسده الطويل النحيف يملأ المدخل. وأغلق الباب خلفه. ببطء. بمتعة. سمعو







