تسجيل الدخول(1)
الصراخ كان ينزف في الممر كالدم. عمر جري. لم يفكر في حذائه. لم يفكر في الظلام. لم يفكر في تحذير فريدة أو تهديد يوسف. فكر فقط في الصوت. في امرأة تستغيث. في شيء يحدث في هذا القصر ولا يريد أحد أن يعرفه. الممر كان طويلاً. أطول مما تذكر. الجدران البيضاء كانت تتوهج في ضوء القمر كعظام. الأبواب المغلقة كانت تشبه عيوناً نائمة. عيوناً تراقبه وهو يجري. عيوناً تنتظر أن يسقط. "في حد؟" نادى. صوته يرتد في الفراغ. لا إجابة. فقط الصراخ الذي يختفي تدريجياً. كأن من تصرخ تبتعد. أو تموت. وصل إلى الدرج. نزل. درجتين. أربع. ست. كل خطوة كانت تُبعده عن غرفته الآمنة. عن نور. عن القبلة التي لا يزال يتذوقها. وكل خطوة كانت تقربه من شيء... من شيء يشبه الحقيقة. القاعة الرئيسية كانت مظلمة. الثريا مطفأة. الستائر مفتوحة. ضوء القمر يدخل بخيوط فضية باردة. يلامس الأرضية الرخامية فينعكس كأنه ماء ساكن. كان هناك أحد. فتاة. صغيرة. لا تتجاوز العشرين. ترتدي زي الخدم الأبيض. كانت واقفة في وسط القاعة. راكعة. وجهها إلى الأرض. كتفاها ترتعشان. شعرها الأسود المربوط قد انفكى. يغطي وجهها كالستار. "إنتي... إنتي اللي كنتي بتصوتي؟" لم ترفع رأسها. لكنها أشارت. بيد مرتعشة. إلى الحائط. عمر نظر. اللوحة. كانت لوحة ضخمة. لوحة زيتية. إطارها ذهبي. تُظهر نور. نور أصغر. نور بعينين أكثر براءة. ترتدي فستان زفاف أبيض. تبتسم. تبتسم ابتسامة حقيقية. ابتسامة لم يرها عليها من قبل. لكن الرجل بجانبها... وجهه كان ممحواً. ليس بشكل فني. بل بعنف. بخدوش عميقة. بشيء حاد خدش اللوحة مراراً وتكراراً حتى أصبح الوجه مجرد بقعة من الألوان المختلطة. مجرد فوضى. مجرد دمار. وتحت اللوحة... على الأرضية الرخامية البيضاء... كانت هناك بقعة. حمراء. داكنة. طازجة. رائحتها كانت تتسلل إلى أنفه. رائحة حديد. رائحة ملح. رائحة دم. عمر شعر بدوار. بغثيان. بشيء يتجمد في أحشائه. "إيه... إيه ده؟" همست الفتاة. صوتها كالطفل: "بيحصل كل يوم. كل ليلة. الصبح... بنلاقيها. والست فريدة... بتنظف. وبتحذرنا. وبتقول إن اللي يتكلم..." توقفت. ارتجفت. "...اللي يتكلم، بيختفي." "وإنتي ليه صرختي؟" "لأني... لأني شوفتها. شوفتها بعيني." "شوفتي إيه؟" رفعت رأسها. عيناها كبيرتان. سوداوان. مذعورتان. "شوفتها... وهي بتكتب. بالدم. على الحيطة." عمر التفت. نظر إلى الحائط بجانب اللوحة. كان هناك. كتابة. صغيرة. بخط مرتعش. كأنه كُتب بإصبع مبلل بالدم: "الرابع... هيكون الأخير." عمر تراجع خطوة. قلبه كالطبل. يدق بعنف يكاد يفجر صدره. الرابع. هو الرابع. هو الزوج الرابع. والأزواج الثلاثة السابقين... ماتوا. "مين... مين كتب الكلام ده؟" الفتاة لم تجب. كانت تنظر خلفه. عيناها تتسعان. فمها يفتح. صامتاً. كالسمكة على اليابسة. "إجابة السؤال ده... مش هتفرق." صوت. من الظلام. عمر التفت. فريدة. كانت واقفة عند الدرج. لا يرى وجهها. فقط ظلها الطويل. الظل الذي يمتد على الأرضية الرخامية كأنه يد شبح. "الست فريدة... أنا..." "إنت سمعت صوت. وجيت. زي الرجالة اللي فاتوا. كلهم كانوا كويسين في البداية. كلهم كانوا بيسمعوا الصوت. وبيجروا. وبيفتكروا إنهم أبطال." مشيت نحوهم. خطوات بطيئة. ثابتة. كالموكب. "بس القصر ده... مالوش أبطال. القصر ده... مالوش غير ضحايا." وصلت إلى الفتاة. وضعت يدها على كتفها. "إمشي يا سارة. نامي. وافتكري... إن اللي شوفتيه... كان كابوس." الفتاة سارة. نهضت. بصعوبة. نظرت إلى عمر. نظرة أخيرة. نظرة تقول: "اهرب." ثم اختفت في الظلام. فريدة نظرت إلى عمر. عيناها تلمعان. "إنت كمان... إمشي. نام. وافتكر إن الكلام على الحيطة... كان كذب." "بس الدم..." "ده مش دم." "إيه ده؟" "ده... حبر أحمر. بنستخدمه في تزيين القصر. واللوحة... اتخدشت من زمان. من قبل ما تيجي." كذبت. كذبت ببرود. بثقة. بلا اهتزاز. لكن عمر كان يشم. يشم رائحة الدم. يعرف الفرق بين الدم والحبر. عاش في زقاق. رأى دماً كثيراً. هذا... ليس حبراً. لكنه لم يجادل. لأن فريدة كانت تمسك شيئاً في يدها اليسرى. شيء لامع. شيء معدني. شيء يشبه السكين. "إرجع لحجرتك يا عمر. قبل ما الظلام... يبقى أغمق." دار. مشى نحو الدرج. خطواته ثقيلة. كأنه يمشي في الماء. صعد. الممر كان فارغاً. صامتاً. لكنه كان يشعر بها. بفريدة. تراقبه من الأسفل. تراقبه من الظلام. دخل غرفته. أغلق الباب. لكنه هذه المرة... لم يقفل القفل. تركه مفتوحاً. لأنه عرف الآن. عرف أن القفل لا يحميه. أن الجدران لا تحميه. أن هذا القصر... يريد أن يبتلعه. جلس على السرير. التقط الصورة من على الوسادة. نظر إليها. إلى وجهها السعيد. إلى وجه الرجل المخدوش. إلى الكتابة المجففة. "هو كمان كان بيحبها." نظر إلى الخلف. كان هناك تاريخ. صغير. مطبوع: "2018." ثلاث سنوات. فقط. منذ زواجها الأول. منذ أن كانت تبتسم. منذ أن كانت... لا تزال حية من الداخل. ثم لاحظ شيئاً آخر. في الزاوية. رقم. مكتوب بقلم رصاص. خافت: "12." غرفة 12. المفتاح الذي وجده على النافذة. المفتاح الصدئ. المفتاح القديم. كان يعرف الآن. يعرف إلى أين يقود. يعرف أن الحقيقة... تنتظره هناك. وضع الصورة جانباً. نظر إلى المفتاح. كان يبرق في ضوء القمر. يبرق كالدعوة. كالتحدي. كالموت. ثم... سمع صوتاً. ليس من الممر. من خلفه. من النافذة. صوت خفيف. كالأظافر على الزجاج. شششش... شششش... توقف. ثم صوت. صوت امرأة. ناعم. حزين. مألوف: "متروحش لغرفة 12. لو رحت... هتبقى زيهم. هتبقى... مخدوش الوجه." عمر التفت. ببطء. بخوف. النافذة كانت مغلقة. الستارة كانت ساكنة. لا أحد. لكن على الزجاج... كانت هناك بصمة. بصمة يد. صغيرة. حمراء. طازجة.النار كانت تتنفس. الرجل الذي يحمل قاذف اللهب كان يقف على بعد أمتار قليلة من مقدمة السيارة. المطر يتساقط على الزجاج الأمامي بغزارة، لكنه لم يكن قادراً على إخفاء ذلك الضوء البرتقالي الذي بدأ يتسلل من فوهة السلاح. ضوء يشبه العين الشريرة. يشبه الجحيم. يشبه النهاية التي تأتي بالحرق لا بالرصاص. نهاية لا تترك وجهاً ليُخدش. بل تترك رماداً. تترك فراغاً. تترك نسياناً. المحامي مد يده نحو الدرج الأمامي. يبحث بأصابع مرتعشة. يبحث عن شيء. مسدس؟ لا. كان يبحث عن هاتف. أخرجه. ضغط على زر. تحدث بسرعة. بصوت خافت لا يصل إلى الخلف: "الموقع. دلوقتي. الطوارئ. نعم... أنا اللي بلّغت من قبل. والآن هم هنا. في الشارع الفلاني. بالقرب من المستشفى القديمة." ثم نظر إلى عمر في المرآة. عيناه تلمعان بالخوف. لكن أيضاً... بالعزم الغريب. بذلك الشيء الذي يشبه الندم المقترن بالتصميم. "أنا هنزل. هتكلم معاهم. إنتوا خليكوا هنا. ومهما شوفتوا... متتحركوش." "إنت مجنون؟" عمر صرخ. صوته يملأ السيارة الصغيرة. "دول جايين يقتلوا. مش هيتكلموا. مش هيسمعوا كلام محامي." "أنا... أنا مديون للسلطان بحياتي. بس دلوقتي..." المحامي ابتسم. ا
عمر جمد. المطر كان يغسل وجهه. يغسل الدم. يغسل الغبار. يغسل كل شيء. لكنه لم يستطع أن يغسل الشك. الشك الذي يتسلل إلى قلبه كالسم البطيء. الشك الذي يقول له: "لا تثق. أبداً." لأن الثقة في هذا العالم كانت تساوي الموت. والموت كان قد لاحقه منذ أن وقع اسمه على ذلك الورق الأبيض في المكتب الفاخر. السيارة السوداء كانت واقفة. محركها يدور بصوت خافت. كأنها تتنفس. كأنها حيوان مستعد للانقضاض. أضواؤها الأمامية كانت تُضيء المطر المتساقط بخيوط فضية باردة. خيوط تبدو كأنها أسلاك شائكة. كأنها سجن. كأنها دعوة إلى قبر آخر. "إركب." المحامي كرر. ابتسامته لم تتغير. ثابتة. باردة. كأنها مرسومة على وجه من شمع. عيناه خلف نظاراته الطبية لا تكشفان شيئاً. لا خير. لا شر. فقط الغموز. الغموز القانوني الذي يخفي وراءه النصوص والبنود والمواد والفقرات التي تبيع الروح دون أن تترك بصمة. "مش هاركب." عمر صوته كان حديدياً. يدا تحتضنان نور بقوة. كأنها قد تُخطف إذا خفف قبضته. كأن العالم كله يريد أن يسرقها منه. "مش هثق في حد تاني من القصر ده. أبداً. إنتوا كلكم... كلكم نفس الشيء. ورق. وفلوس. ودم." المحامي هز رأسه. بهدوء. كأنه يت
الزمن توقف. الرجل القناع يقف عند الباب. مسدسه موجه نحو صدر عمر. عيناه وحيدتا ما يمكن رؤيته من تحت القناع. عينان باردةتان. لا رحمة فيهما. لا إنسانية. فقط الأوامر. فقط القتل. الظلام وراءه يبدو أعمق من ذي قبل. كأن الشيطان نفسه يدخل الغرفة. عمر لم يفكر. بغريزة. بجنون. بقلب الأسد. رمى بنفسه فوق نور. جسده فوق جسدها. يحميها بالكامل. بكل ما لديه. بكل ما هو. بكل ما تبقى من روح. "إبعد!" صرخ المقدم طارق. مد يده نحو سلاحه. لكن القناع كان أسرع. طخ. صوت الرصاصة انشق الغرفة. ارتجفت الستائر. ارتجف عمر. لكنه لم يسقط. لم يشعر بألم. نظر. المقدم طارق كان ينظر إلى صدره. إلى البقعة الحمراء التي بدأت تنتشر. إلى الدهشة التي لم يكن يعرف أنه يملكها. طخ. طخ. رصاصتان أخريان. طارق سقط. كالدمية. على الأرضية البيضاء. عيناه مفتوحتان. ينظران إلى السقف. ينظران إلى لا شيء. "لا!" صرخ المحقق رامي. انحنى خلف الكرسي. يهتز. يختبئ. يتجمد. القناع دخل. خطوة. خطوتين. المسدس لا يزال موجهاً. لكنه لم يعد يهتم برامي. يهتم فقط بالهدف. بالاثنين اللذين على السرير. بالرجل الذي يتجرأ على أن يكون درعاً. والمرأة التي يجب أن تمو
مرت أسبوع. أسبوع كامل من الانتظار. من الأمل والخوف. من اللحظات التي كانت فيها نور تصحو فتجده جالساً بجانبها. ومن اللحظات التي كانت فيها تغفو فتشعر بيده تلامس شعرها. بأصابعه تنسج خصلاتها السوداء كأنه يقرأ كتاباً قديماً. كتاباً لا يريد أن ينتهي. عمر لم يغادر المستشفى. لم يرجع إلى القصر. لم يرَ أمّه إلا مرة واحدة عندما جاءت فريدة بصحبتها. أم عمر كانت ضعيفة. تسير بعكاز. لكن عينيها... عينيها كانت تحملان ذلك النور الخاص بالأمهات. ذلك النور الذي يرى الحقيقة قبل أن تُقال. "دي بنتك؟" سألت وهي تنظر إلى نور نائمة. "مش... مش رسمي يا ماما. بس..." عمر توقف. ابتلع ريقه. "...بس هي كل حاجة." أم عمر ابتسمت. ابتسامة حزينة. عريقة. كأنها تذكرت شيئاً من ماضٍ بعيد. "اللي بيحب... بيعرف من أول نظرة. وأنا شايفة في عينيك... إنك عرفت." لم تقل أكثر. لم تسأل عن القصر. عن المال. عن العقد. لم تسأل عن شيء. فقط وضعت يدها على يد ابنها. ونظرت إلى نور. وهمست: "ربنا يشفيها. عشانك. وعشانها. وعشان... عشان الولاد اللي جايين." عمر احمرّ وجهه. لم يفهم كيف عرفت. كيف الأمومة تعرف دائماً ما لا يعرفه العقل. لكنه لم ينكر
(1) الساعات كانت تمر كالسنين. عمر لم يغادر الكرسي. لم يحرك يده من يدها. كأنها قد تختفي إذا تركها. كأنها قد تطير. كأنها مجرد حلم جميل يحتاج إلى لمسة مستمرة ليبقى حقيقياً. الأطباء جاؤوا ومشوا. الممرضات غيّروا المحاليل. فحصوا العيون. سمعوا القلب. نظروا إلى الشاشات. وكل مرة كانوا يخرجون بنفس التعبير: "ننتظر." انتظار. كلمة قاتلة. كلمة تفتح جروحاً وتتركها تنزف. كلمة تجعل الوقت يتوقف ويتجمد ويتحول إلى جليد يخنق. لكنه انتظر. منذ ثلاثة أيام. أو أربعة. لم يعد يعرف. لم يعد يفرق بين الليل والنهار. بين الضوء والظلام. بين الحلم واليقظة. العالم كان قد اختزل في هذه الغرفة. في هذا السرير. في هذه اليد الباردة التي كان يدفئها بلمساته. "النهاردة... جيتلك ورد." همس. صوته خشن. متشقق. من الجفاف. من البكاء. من الصراخ الداخلي الذي لا يتوقف. أخرج وردة. وردة حمراء. طازجة. اشتراها من بائع في بهو المستشفى. رجل عجوز نظر إليه بعينين حزينتين. كأنه يعرف. كأنه رأى هذا المشهد ألف مرة. "حمرة. زي الفستان اللي لبستيه يوم الفرح. يوم اللي كنتي فيه... ملكة. وكنت أنا... مجرد راجل مش عارف حاجة." وضع الوردة على الطاول
الأبيض كان يؤلم عينيه. أبيض مطبق. أبيض يخنق. أبيض لا ينتهي. عمر فتح عينيه بصعوبة. رموشه ثقيلة كأنها مصنوعة من رصاص. السقف أبيض. الجدران بيضاء. الستائر بيضاء. حتى الهواء الذي يدخل أنفه يبدو أبيضاً. معقم. بارد. ميت. المستشفى. حاول أن يتحرك. رأسه انفجر بالألم. كأن أحدهم يحفر داخل جمجمته بمثقاب. تنهد. سقط رأسه على الوسادة. الوسادة ناعمة. ليست وسادة قصر. بل وسادة مستشفى. رائحة الكلور ثقيلة. تغطي كل شيء. تغطي الذكريات. تغطي الدم. تغطي رائحة نور. نور. الاسم صدمه كالكهرباء. جلس فجأة. بعنف. العالم يدور. يتقلص. يصبح داكناً. ثم يعود. "نور..." صوته كان خشناً. كأنه لم يستخدمه منذ أيام. "نور فين؟" "لازم ترتاح." صوت. من الزاوية. رجل. ثلاثيني. يرتدي زي طبيب أبيض. نظارات طبية. عينان حزينتان. يشبه فريدة. يجب أن يكون ابنها. "نور... هي كويسة؟" الطبيب سكت. نظر إلى الملف في يده. ثم إلى عمر. عيناه تحملان خبراً. خبراً لا يريد أن يقوله. "عايشة. العملية... نجحت. الرصاصة ما خرقتش القفص الصدري. بس..." "بس إيه؟" "بس فقدت دم كتير. وجسمها كان ضعيف. هي... في غيبوبة." غيبوبة. الكلمة كانت ثقيلة. أثقل م







