Share

الفصل 7: أنا أعرفك

Author: H.E.D
last update Petsa ng paglalathala: 2026-03-30 02:04:25

لم تغلق مريم الباب تلك الليلة.

ليس لأنها صدّقت يوسف، ولا لأنها خضعت لطلبه، بل لأن يديها توقفتا فوق المقبض طويلًا، ثم تراجعتا وحدهما كأن شيئًا أقدم من القرار مرّ في أعصابها وأفسد قدرتها على التحدي. بقي الباب مواربًا بمقدار ضئيل، خطًا أسود في الحائط الأبيض، ضيقًا بما يكفي ليبدو سخيفًا، وواسعًا بما يكفي ليمنعها من تجاهله.

لم تنم.

جلست على طرف السرير بثيابها نفسها، وظهرها مشدود، وعيناها تنتقلان بين الباب والنافذة والساعة الصغيرة قرب المصباح. كل صوت في هذا المكان كان جديدًا عليها. حركة هواء خفيفة في الممر. طقطقة بعيدة في الجدار. ارتجاج خافت صادر من مكان لا تعرفه. بيت يوسف لا يصدر أصواتًا كثيرة، لكن الصمت نفسه فيه لم يكن مطمئنًا. كان صمتًا منظمًا، كأن كل شيء خاضع لمراقبة لا تُرى.

وحين أشرقت أولى خيوط الصباح، كانت أعصابها أرق من أن تتحمل فكرة أخرى واحدة.

نهضت أخيرًا. غسلت وجهها بماء بارد. نظرت إلى نفسها في المرآة، ولم تحب المرأة التي رأت. لم تكن ضعيفة، لا، لكن فيها شيئًا لم تعتده: الحذر الدائم. كأن جسدها كله صار يصغي.

خرجت من الغرفة.

الممر هادئ. الإضاءة الصباحية تتسلل عبر النوافذ الطويلة في آخره فتخفف قسوته قليلًا، لكنها لا تزيلها. نزلت إلى الطابق السفلي ببطء، كل خطوة محسوبة، كأنها لا تزال ترفض الاعتراف بأن هذا المكان صار عنوانًا مؤقتًا لها.

وجدته في المطبخ.

لم يكن مشهدًا حميميًا كما قد تحب الروايات الرخيصة أن تصفه. لم يكن رجلًا يبتسم فوق فنجان قهوة في ضوء الشمس، ولا بيتًا دافئًا يبدأ فيه شيء ناعم بين غريبين. كان يوسف واقفًا قرب الطاولة الرخامية، يقرأ شيئًا على شاشة لوحية، وقهوته إلى جانبه لم تُمس بعد. حتى الصباح بدا عنده مدروسًا.

رفع نظره إليها فور دخولها. لا مفاجأة، كأنه كان يعرف توقيت نزولها.

"لم تنامي."

كانت جملة، لا سؤالًا.

توقفت مريم على بعد خطوات. "وأنت لا تترك مساحة لأحد كي يجهل أنك تراقبه."

عاد ببصره إلى الشاشة للحظة قصيرة، ثم وضعها جانبًا. "المراقبة ليست الكلمة الصحيحة."

"وما الكلمة الصحيحة؟"

"الانتباه."

ضحكت ضحكة صغيرة بلا مرح. "فرق مريح."

أشار إلى الكرسي المقابل. "اجلسي."

بقيت واقفة لثانيتين، ثم جلست فقط لأنها رفضت أن تجعل التردد واضحًا. كانت الطاولة كبيرة أكثر من اللازم لشخصين، لكن حضوره جعل المسافة تبدو أقصر مما يجب. أمامها كان هناك فنجان جديد، بخار خفيف يتصاعد منه.

نظرت إليه. "من قال إني أشرب القهوة صباحًا؟"

رفع عينيه إليها. "أنت."

عقدت حاجبيها. "متى؟"

"منذ سنوات."

تجمد شيء صغير داخلها.

لم يتغير وجهها فورًا، لكنها شعرت بأن الكلمة وقعت في المكان الخطأ. "منذ سنوات" لم تكن زلة عابرة. كانت واضحة. مباشرة بما يكفي ليلاحظ، وغامضة بما يكفي ليهرب منها لو أراد.

قالت ببطء: "أعد ما قلته."

سحب فنجانه أخيرًا وأخذ رشفة صغيرة. "القهوة ستبرد."

"يوسف."

لم يبدُ منزعجًا من نبرتها. نظر إليها بهدوئه المعتاد. "قلت إنك تشربينها صباحًا."

"ثم قلت منذ سنوات."

صمت.

ذلك الصمت القصير الذي يسبق اختيار الكلمات. رأته. سجّلته.

"زلة لسان؟" سألت ببرود، وهي تعرف أنها لا تصدق ذلك.

"لا."

الكلمة نزلت عليها أسرع مما توقعت. مباشرة. بلا التواء.

شعرت بأن أصابعها بردت فوق حافة الكرسي. "إذًا ماذا كانت؟"

"حقيقة."

اتسعت المسافة بين أنفاسها دون أن تسمح لوجهها بالانهيار. لم تكن تخاف الجواب فقط، كانت تخاف الطريقة التي يقدمه بها. لا يدافع. لا يشرح. يضع الحقيقة في منتصف الطاولة ويتركها تصطدم بها وحدها.

قالت: "أي حقيقة بالضبط؟"

"أنني أعرف عنك أشياء لا تعرفين كيف وصلت إليّ."

"هذا ليس جوابًا."

"لكنه البداية."

رفعت يدها عن الكرسي. ضمتها في حجرها كي لا يرى الارتجاف الصغير الذي بدأ يمر فيها. "هل هذا جزء من لعبتك؟"

"لا ألعب."

"بل تفعل. من اليوم الأول وأنت تدفعني نصف خطوة ثم تتراجع. تفتح بابًا وتغلقه. تلمّح ثم تصمت. تراقب، تعرف، ترتّب، وتنتظر أن أصل إلى الاستنتاجات وحدي."

مال برأسه قليلًا، كأنه يدرس الغضب في صوتها أكثر مما يسمع الكلمات نفسها. "وأنت تصلين."

كرهت أنه لم ينكر. كرهت أكثر أنه كان محقًا.

أبعدت الفنجان عنها دون أن تلمسه. "منذ متى؟"

"هذا سؤالك المفضل."

"لأنه السؤال الوحيد المهم الآن."

أطرق لحظة، لا على نحو مرتبك، بل كمن يقرر مقدار ما سيمنحه. ثم قال: "قبل أن توقعي. قبل أن تخسري عملك. قبل أن تصلك الصورة."

ارتفع شيء بارد في عمودها الفقري. "هذا ليس زمنًا. هذا تهرب."

"هذا ما ستحصلين عليه الآن."

نظرت إليه طويلًا. كانت تفكر إن كان الأذكى أن تثور أو أن تصمت. لكن المشكلة أن حضوره يفسد اختياراتها كلها؛ الصمت معه لا يمنحها القوة، والغضب لا يمنحه الضعف.

قالت بصوت أخفض: "هل كنت تعرف ما سيحدث لي؟"

لم يرمش تقريبًا. "جزءًا منه."

كادت تقوم من مكانها. "جزءًا منه؟"

"نعم."

"وتركتَه يحدث؟"

هذه المرة، تغيّر شيء في وجهه. ليس كثيرًا، لكنه كافٍ لتلتقطه. انخفضت نظرته قليلًا، ثم عادت ثابتة. "لم أترك كل شيء."

"لا تجبني بهذه الطريقة." انحنت قليلًا إلى الأمام، الغضب أخيرًا يخترق البرودة التي حاولت التمسك بها. "إذا كنت تعرف أنني سأُضرب بهذه الطريقة، وإذا كنت تعرف أنني سأُعزل، وإذا كنت تعرف أنني سأتدحرج حتى أصل إلى عقدك المسموم… فأنت لست منقذًا. أنت جزء من المصيدة."

لم يرفع صوته. لم يتحرك حتى. فقط قال: "لو كنت جزءًا من المصيدة، لما كنتِ هنا بكامل قدرتك على رفضي."

"أنت تسمي هذا رفضًا؟"

"ما زلتِ تفعلينه."

"لأنني لا أثق بك."

"جيد."

الجملة أربكتها أكثر من لو دافع عن نفسه. "جيد؟"

"الثقة السريعة غباء."

سقط الصمت بينهما للحظة. الصباح الذي كان يبدو جامدًا منذ دقائق صار أشد توترًا، كأن الجدران نفسها تنتظر ما سيقال بعد ذلك.

سألته: "كيف تعرفني؟"

"رأيتك."

"هذا لا يفسر شيئًا."

"راقبتك."

شهقت الكلمة داخلها كصفعة باردة. لم يكن الاعتراف متوقعًا بهذه الصراحة. حتى غضبها احتاج ثانية ليلحق به.

وقفت هذه المرة فعلًا. الكرسي احتك بالأرض بصوت حاد. "هل تسمع نفسك؟"

ظل جالسًا. "نعم."

"أنت مريض."

"ممكن."

"وأنت تقولها وكأنها لا تعني شيئًا."

"تعني. لكنها لا تغيّر الواقع."

كانت تشعر الآن بأن الهواء ضاق. ليس من الخوف وحده، بل من الإهانة أيضًا. أن يقف رجل أمامك بكل هذا الهدوء ويخبرك بأنه راقبك، يعرف أوقاتك، تفضيلاتك، تفاصيل من حياتك لم تمنحيها له… ثم يتحدث عن ذلك بلا اعتذار. كأن المشكلة ليست في الفعل، بل في أنك اكتشفته.

"لماذا؟"

هذه المرة خرج السؤال منكسر الحواف رغم محاولتها جعله حادًا.

للمرة الأولى منذ جلست، بدا يوسف كأنه يزن الجواب لا توقيته فقط. أبعد فنجانه ببطء، وأسند ساعده إلى الطاولة.

"لأنكِ كنتِ تتحركين كما لو أنكِ معتادة على النجاة وحدك."

رمشت. مرة واحدة. لم تفهم.

أكمل: "لأنكِ كلما ظننتِ أنكِ استقررتِ، بدأتِ تبنين مخارجك قبل أن يأتي الخطر."

اتسعت عيناها قليلًا.

لم تكن هذه معلومات من ملف.

هذه ملاحظة.

هذا النوع من الجمل لا يخرج من شخص جمع بيانات فقط. يخرج من شخص رأى. تابع. انتبه بما يكفي ليلتقط ما لا تقوله الأفعال مباشرة.

"منذ متى رأيتني؟" سألت، وصوتها هذه المرة أخفض، أخطر.

رفع بصره إليها. "قبل أن تعرفي كيف تنظرين خلفك في الشارع."

ضربتها العبارة في الصدر.

لم يكن معناها مجرد زمن مبكر. كان فيها شيء آخر. شيء يقترب من طفولتها، أو من السنوات الأولى بعد مقتل ما تبقى من الطمأنينة فيها. حدقت فيه، غير قادرة على الرد فورًا.

"لا." خرجت الكلمة هامسة، ثم أقوى. "لا تكذب."

نهض أخيرًا.

بطوله الكامل، صار المكان أضيق. لم يقترب منها، لكن مجرد وقوفه جعلها تشعر بأنها في مواجهة شيء أكبر من مجرد رجل يملك معلومات. شيء يحمل تاريخًا لا تعرفه، لكنه يعرفها من خلاله.

"أنا لا أكذب عليك في هذا."

"إذًا ماذا؟ كنت تراقب طفلة؟"

كان السؤال قاسيًا، متعمدًا، مشحونًا بالقرف والدفاع معًا. لكنها أرادته هكذا. أرادت أن تخدشه. أن تخرجه من هدوئه. أن ترى فيه أخيرًا شيئًا بشريًا مضطربًا.

ورأته.

ليس انهيارًا. ليس غضبًا. فقط لمعة سريعة في عينيه، داكنة، اختفت تقريبًا قبل أن تمسك بها. لكنه لم ينكر فورًا. ولم يكن هذا في صالحها.

"لم أكن أراقبك بالطريقة التي تفكرين فيها."

"وهل هناك طريقة أقل رعبًا؟"

"نعم."

"إذن اشرح."

ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال: "ليس اليوم."

ضحكت هذه المرة فعلًا، ضحكة خرجت حادة، لا تصدق شيئًا. "طبعًا. دائمًا ليس اليوم. دائمًا نصف حقيقة. دائمًا باب موارب. ما الذي تنتظره؟ أن أنهار أكثر؟ أن أحتاجك أكثر؟"

اقترب خطوة.

واحدة فقط.

لكنها شعرت بها في جلدها.

"أنتِ لا تفهمين ما الذي أؤجله."

تصلبت. "فهمني."

"حين أفعل، لن يعود هذا الزواج بالنسبة لكِ مجرد خطأ."

لمعت القشعريرة على ذراعيها رغم دفء المكان. "بل ماذا؟"

أجابها وهو ينظر مباشرة في عينيها: "سيصبح الشيء الوحيد الذي كان ممكنًا منذ البداية."

سكن كل شيء.

لم تعد تسمع المطبخ. لا أجهزة التكييف الخافتة، ولا ارتطام الملعقة في الفنجان البعيد، ولا المدينة خلف الزجاج. فقط الجملة.

الشيء الوحيد الذي كان ممكنًا منذ البداية.

تراجعت خطوة من غير وعي. لم تحب هذا. لم تحب أن الكلمات لا تبدو كتهديد رومانسي سخيف، ولا كابتزاز عادي، بل كحقيقة خطرة يؤمن بها قائلها تمامًا.

هزت رأسها ببطء. "أنت مجنون."

"ربما."

"لا تستخدم هذه الكلمة كأنها تمنحك عمقًا."

"لا أفعل."

"إذًا ماذا تفعل؟"

نظر إليها طويلًا. "أحاول أن أبقيكِ حية."

لم تتحرك. لم ترمش. كانت الكلمة الأخيرة هي الأسوأ. لأنها غيرت محور الخوف كله في ثانية واحدة.

"حية؟"

لم يجب.

"يوسف."

صمت.

تقدمت نحوه هذه المرة، باندفاع لم تخطط له. "حية من ماذا؟ من مَن؟ من تلك الحملة؟ من الشركة؟ من الاسم الذي أخفيته؟ أم منك أنت؟"

كانت قريبة منه الآن أكثر من أي مرة سابقة. لا قربًا حميميًا، بل قرب مواجهة. استطاعت أن ترى تفاصيل وجهه من دون تلك المسافات الرسمية التي يفرضها عادة. ظل كما هو، لكن عينيه لم تكونا باردتين تمامًا الآن. كان فيهما شيء أثقل. شيء يشبه الحسابات القديمة.

قال أخيرًا: "من شيء بدأ قبل أن تفهميه."

ابتلعت بصعوبة. "ومتى سأفهمه؟"

"حين أتأكد أنكِ قادرة على سماعه."

"أنت لست من يقرر."

"أنا من يقرر إن كان سماعه الآن سيحميكِ… أم يكسركِ."

رفعت ذقنها قليلًا، كأنها تمنع نفسها من التراجع. "ربما أنا مكسورة بالفعل."

نظر إليها، وهذه المرة نظرته طالت أكثر مما تحتمله. كأن الجملة أصابت موضعًا ما فيه، لكنه أخفاه بسرعة.

ثم قال بصوت هادئ جدًا: "لا. لو كنتِ كذلك… لما عرفتِني حين رأيتِ البيت في الصورة."

ارتجف الهواء حولها.

البيت.

الصورة.

أمها.

كل شيء عاد دفعة واحدة.

اتسعت عيناها، وتراجع اللون عن وجهها ببطء. لم تقل شيئًا. لم تستطع. لأن المشكلة لم تكن في أنه ذكر الصورة. المشكلة في أنه لم يقل "حين رأيتِ الصورة". قال "حين رأيتِ البيت في الصورة."

وكأنه يعرف تمامًا ما الذي شدّ انتباهها أولًا.

وكأنه كان هناك.

أو قريبا بما يكفي ليعرف.

تحركت شفتاها بصعوبة قبل أن يخرج الصوت: "كيف عرفت… أنني رأيت البيت أولًا؟"

لم يرد.

لم يحتج.

في الصمت الذي تبع السؤال، سقط شيء ثقيل داخلها، شيء لم تستطع منعه ولا تسميته. كل ما حدث منذ بداية انهيارها لم يعد يبدو منفصلًا. لا الصورة. لا العقد. لا يوسف. ولا الطريقة التي ينظر بها إليها كأنها صفحة يعرف ترتيب جروحها.

تراجعت خطوة.

ثم أخرى.

وكان هو لا يزال واقفًا في مكانه، بهدوئه المرعب نفسه.

لكن الآن فقط…

فهمت ما يخيفها حقًا.

ليس أنه يعرف عنها كثيرًا.

بل أنه يعرف أي جزء منها… لم يمت بعد.

قالت بصوت خافت، جاف، كأن الكلمات تؤذيها وهي تخرج: "منذ متى تعرفني؟"

هذه المرة لم يتهرب.

لم يلف.

لم يكسر الجواب.

نظر إليها، وقال:

"منذ الليلة التي كان يجب أن تموتي فيها."

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 100: هذه المرة اختياري

    الهدوء لم يعد غريبًا. لم يعد ذلك النوع الذي يسبق العاصفة، ولا الذي يأتي بعدها كفراغ ثقيل. هذا الهدوء… كان مختلفًا. واضح. نظيف. يشبه بداية شيء، لا نهاية شيء. مريم وقفت أمام النافذة، والضوء يتسلل ببطء إلى الغرفة، كما لو أنه لا يريد أن يقتحمها دفعة واحدة. تمامًا مثلها. لم تعد تهرب. لكنها أيضًا… لم تعد تندفع. يدها كانت ثابتة على حافة الطاولة. أنفاسها منتظمة. وقلبها— لم يعد يقاتلها. لأول مرة منذ وقت طويل… لم تكن تحاول إسكاته. كانت تسمعه. بوضوح. دون خوف. ذكرياتها لم تختفِ. الألم لم يُمحَ. كل شيء ما زال هناك. لكن الفرق… أنها لم تعد تُدار به. بل تفهمه. تضعه في مكانه. وتتقدم. نظرت إلى انعكاسها في الزجاج.

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 99 : بدون عقد

    الغرفة هذه المرة كانت هادئة بطريقة مختلفة. لا زجاج مكسور. لا ظلال متقطعة. ولا أصوات تُخفي ما لا يُقال. كل شيء… واضح. بارد قليلًا. نظيف. كما لو أن العالم قرر أن يعطيهما مساحة أخيرًا، بعد أن انتهى كل ما كان يُدار في الفوضى. مريم جلست على الكرسي المقابل. يديها متشابكتان فوق الطاولة. نظرتها ثابتة. لكن داخلها… لم يكن ثابتًا تمامًا. ليس خوفًا. ولا شكًا. بل ذلك الشعور الغريب الذي يأتي بعد العاصفة: حين تتوقف الضوضاء، وتسمع نفسك بوضوح لأول مرة. يوسف دخل بعد ثوانٍ. لم يكن متأخرًا. ولا مبكرًا. تمامًا كما هو دائمًا. في اللحظة التي يجب أن يكون فيها. وقف للحظة قصيرة. نظر إليها. ثم جلس. لا كلمات في البداية. لم يعد الصمت بينهما ثقيلًا كما كان.

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 98: ما بعد العاصفة

    الصمت لم يكن هدوءًا. كان شيئًا أثقل. أبطأ. كأن كل ما حدث قبل دقائق… ما زال عالقًا في الهواء، ولم يقرر بعد إن كان سينتهي أو سيبقى. الضوء المكسور في السقف ما زال يتأرجح، يرسم ظلالًا متقطعة على الجدران. صوت الخطوات اختفى. الرجال خرجوا. نادر لم يعد هنا. لكن أثره… بقي. يوسف لم يتحرك فورًا. لم يندفع. لم يتكلم. فقط جلس ببطء، وهو ما زال يمسكها، وكأن أي حركة سريعة قد تكسر شيئًا آخر غير الذي انكسر بالفعل. مريم لم تكن غائبة. لكنها لم تكن كاملة الحضور أيضًا. عينها نصف مفتوحة. تنظر إليه… أو تحاول. "يوسف…" همست. صوته خرج منخفضًا جدًا: "أنا هنا." لم يقل أكثر. لم يعد يملك كلمات إضافية. لأن كل ما يمكن أن يُقال… قيل قبل الطلقة. وقبل الحقيقة. وقبل

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 97: النهاية التي لم يتوقعها أحد

    الصوت لم يهدأ. الزجاج المكسور ما زال يصرخ تحت الأقدام. والهواء… صار أثقل من أن يُستنشق بسهولة. يوسف لم يسمع السيارات أولًا. ولا الرجال. ولا أي شيء في الخارج. كل ما سمعه… كان صوت أنفاسها. متقطعة. قريبة. وتبتعد. ذراعه حولها كان أقوى من اللازم، كأنه يحاول أن يمنع شيئًا أكبر من النزيف… يمنعها من أن تنزلق بعيدًا عنه. "مريم." قالها. مرة. ثم مرة ثانية. لكن هذه المرة… بصوت مختلف. صوت لم يعد يعرف كيف يخفي نفسه. مريم لم تفتح عينيها فورًا. لكن أصابعها تحركت قليلًا على قميصه. وهذا كان كافيًا ليبقيه واقفًا. ليمنعه من الانهيار معها. نادر لم يت

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 96: المواجهة الكبرى

    الباب لم يعد مجرد باب. صار حدًا فاصلًا بين كل ما كان يُدار في الظل… وما سيُحسم أخيرًا في الضوء. مريم شعرت بذلك قبل أن يتحرك أحد. نادر واقف أمامهما بهدوئه القديم، كأنه ما زال يملك رفاهية الكلام البطيء والابتسامة المحسوبة، وكأن ما قاله قبل لحظات عن أبيها، وعن البداية، وعن كيف استُخدمت هي كطريق، لم يكن كافيًا ليحرق آخر ما تبقى من المسافة بين الماضي والآن. يوسف وقف أمامها. ليس لأنها ضعيفة. ولا لأنه قرر عنها. بل لأنه، حتى في هذه اللحظة، بقي يتحرك بالغريزة نفسها التي حاولت هي فهمها طوال الرواية كلها: أن يضع جسده أولًا بين الخطر وبينها. لكن الفرق الآن… أنها فهمت. وفهمها هذا لم يجعلها تتراجع. بل جعلها تتقدم. وضعت يدها على ذراعه. خفيفة. لكن واضحة. "لا توقف لحالك." قالتها بصوت منخفض، لا يسمعه إلا هو. لم يلتفت إليها. لكنها شعرت بتوتر ذراعه تحت

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 95 : الحقيقة تظهر

    الرجل الذي دخل لم يكن غريبًا بالكامل. هذا ما صدم مريم أولًا. ليس مظهره. ولا هدوءه. بل الإحساس… أنها رأته من قبل. لكن عقلها لم يلتقطه بسرعة. يوسف لم يتحرك. لم يتقدم. لم يتراجع. وقف فقط. كما لو أن هذا المشهد… كان ينتظره منذ وقت طويل. الرجل أغلق الباب خلفه بهدوء. بيده. ثم نظر حوله. الزجاج المكسور. الهواء البارد. الفوضى الصغيرة التي خلفها الاقتحام. ابتسم. ابتسامة خفيفة. "تأخرتوا." قالها وكأنه يعلق على اجتماع عمل. مريم شعرت بأن قلبها يتوقف للحظة. الصوت. هذه النبرة. التفتت ببطء. نظرت إليه جيدًا. ثم— تجمدت. "أنت…" همست. الاسم لم يخرج.

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 5: التوقيع

    كانت الورقة أمامها، لكنها لم تكن ترى الكلمات.منذ أن خرجت من مكتب يوسف، لم يتوقف عقلها عن إعادة ترتيب كل شيء بطريقة مختلفة، كأن كل فكرة تحاول أن تثبت أنها ما زالت تملك السيطرة. لكنها لم تكن تملكها. لا في الخارج، ولا في الداخل.مرّ يوم كامل وهي تحاول أن تعيش دون أن تفكر في العرض. تجاهلت الملف. تركته

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 4: شروط غير مفهومة

    لم تنم مريم إلا على حواف الفجر، وحتى حين أغمضت عينيها لم يكن ذلك نومًا بقدر ما كان انقطاعًا قصيرًا عن القدرة على المقاومة. الصورة التي وصلتها لوقوفها أمام مكتب المحامي بقيت عالقة خلف جفنيها، والجملة التي تحتها كانت أشبه بإصبع بارد يضغط على نقطة لا تعرف كيف تدافع عنها.لو لم أكن أعرفك منذ زمن… لما ا

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 3: العرض المستحيل

    بقيت مريم واقفة عند عتبة الشقة كأن خطوة واحدة إضافية قد تغيّر شيئًا في معنى الكارثة. الضوء الخارج من هاتفها كان ضعيفًا، لكنه كفى ليحوّل الظلال إلى أشكال مريبة، والزوايا المألوفة إلى أماكن لا تثق بها. لم تدخل فورًا. أنفاسها كانت قصيرة، متقطعة، ويداها باردتان على نحو أزعجها أكثر من الخوف نفسه.المظرو

  • العقد الذي لم يكن من المفترض أن يُكسر   الفصل 2: الباب المغلق

    ظلّت مريم ممسكة بالصورة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها، كأن شدّها بقوة كافية قد يمحو ما تراه. لكن البيت بقي في مكانه، والبوابة الحديدية ظلت كما هي، وملامح أمها بقيت ثابتة في ذلك الزمن القديم الذي أقسمت أنها دفنته. أما الجملة على ظهر الصورة، فكانت أثقل من الحبر، أثقل من الورق، أثقل من أي شيء يمكن أن تضعه

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status