Share

الفصل 8: ما وراء البلورة

Author: Ikram
last update publish date: 2026-09-15 00:00:51

كانت كارينا تجلس قرب النافذة، بينما كانت روزي تمسك هاتفها وتعرض عليها صورًا لفساتين وملابس رأتها في متجر قريب. مالت كارينا نحوها باهتمام، وأخذت تقلب الصور واحدة تلو الأخرى، في حين جلس مايك أمامهما يراقب الحديث بصمت، محاولًا فهم كيف تحوّل لقاؤهما إلى اجتماع خاص بالموضة.

قالت روزي بحماس: «انظري إلى هذا الفستان! اللون جميل، لكنني لا أعرف إن كان يناسبني.»

ابتسمت كارينا وقالت: «أنتِ تقولين هذا عن كل فستان، ثم تشترينه في النهاية.»

ردت روزي وهي تضحك: «لأنني أحتاج إلى رأي صديقة صادقة، لا إلى شخص يقول لي نعم على كل شيء.»

ضحكت كارينا ومدت يدها نحو الهاتف لتكبر الصورة، ثم هزت رأسها قليلًا وكأنها تحاول إصدار حكم نهائي على الفستان. كانت روزي تنتظر رأيها بجدية مبالغ فيها، حتى بدا الأمر وكأنهما تتخذان قرارًا مصيريًا وليس مجرد اختيار ملابس لزيارة متجر.

قالت كارينا: «حسنًا، الفستان جميل، لكنني لا أحب الأكمام. لو كانت أقصر قليلًا لكان أفضل.»

نظرت روزي إليها بدهشة وقالت: «أنتِ فعلًا تجدين عيبًا في كل شيء.»

أجابتها كارينا بابتسامة: «أنتِ طلبتِ رأيي، لا مديحًا مجانيًا.»

انتقل الحديث بعد ذلك إلى الحقائب، وبدأت روزي تعرض صورًا لحقائب صغيرة وأخرى أكبر، بعضها بألوان زاهية وبعضها بتصميم بسيط. ناقشتا حجم الحقيبة، وعدد الجيوب، وما إذا كانت مناسبة للملابس اليومية، ثم اختلفتا طويلًا حول اللون الذي يناسب كارينا أكثر.

قالت روزي: «هذه أفضل، انظري إلى اللون الأزرق السماوي.»

أجابت كارينا: «جميلة، لكنني أحتاج شيئًا أكبر. أين سأضع هاتفي وكتبي وبقية أغراضي؟»

قالت روزي: «أنتِ تريدين حقيبة أم صندوق سفر؟»

ضحكت كارينا: «أريد حقيبة لا تنهار بعد أن أضع فيها ثلاثة أشياء.»

ثم انتقل الحديث إلى الأحذية والأساور والخواتم ومشابك الشعر، قبل أن تصل روزي إلى موضوع الأظافر. أخذت تشرح لكارينا شكلًا جديدًا رأته في مجلة، وتحدثت عن الألوان الهادئة والأشكال القصيرة والطويلة، بينما بدأت كارينا تقترح عليها لونًا أزرق فاتحًا بدلًا من الوردي.

أما مايك، فكان يجلس أمامهما وقد وضع ذقنه فوق يده، يحدق في كوب عصيره بنظرة طويلة تحمل ضجرًا واضحًا. حاول أكثر من مرة أن يجد طريقة يدخل بها في الحديث، لكنه في كل مرة كان يتراجع عندما تنتقل الفتاتان إلى موضوع جديد لا يعرف عنه شيئًا.

قال مايك أخيرًا: «هل هناك احتمال أن يأتي موضوع يمكنني المشاركة فيه؟»

التفتت روزي إليه بجدية مصطنعة وقالت: «بالطبع، هل لديك رأي في ألوان طلاء الأظافر؟»

نظر إليها مايك طويلًا، ثم قال: «للأسف، لا أملك حتى رأيًا في لون قميصي.»

انفجرت كارينا بالضحك، بينما هزت روزي رأسها وكأنها تأكدت من شيء كانت تعرفه مسبقًا.

قالت روزي: «إذن استمع وتعلم.»

وضع مايك ذقنه فوق يده من جديد وقال: «أنا أستمع منذ عشرين دقيقة، ولم أفهم حتى الآن لماذا تحتاج الحقيبة إلى أن تتناسب مع الحذاء.»

قالت كارينا وهي تبتسم: «لأنك لا تفهم شيئًا.»

وقبل أن يرد مايك، وصل إلى المكان صوت خطوات قادمة من الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي. كانت الخطوات هادئة ومنتظمة، تقترب شيئًا فشيئًا، لكن الثلاثة ظلوا منشغلين بالحديث حتى توقفت الخطوات خلف كارينا مباشرة.

شعرت كارينا فجأة بوجود شخص قريب منها، فانتفضت من كرسيها بقوة واستدارت بسرعة. وجدت لوسيان واقفًا خلفها بهدوء شديد، واضعًا إحدى يديه في جيب معطفه، وكأنه لم يفعل شيئًا على الإطلاق.

شهقت كارينا وقالت: «أنت!»

وفي اللحظة نفسها انفجرت روزي ومايك بالضحك. حدقت كارينا بهما بوجه أحمر، ثم نظرت إلى لوسيان الذي بقي واقفًا أمامها بملامح هادئة جعلت الأمر أكثر استفزازًا.

قالت كارينا بغضب: «ما المضحك؟!»

قال مايك بين ضحكاته: «كان يجب أن تري وجهك عندما التفتِ.»

وأضافت روزي وهي تحاول كتم ضحكتها: «قفزتِ من الكرسي وكأن وحشًا كان يقف خلفك!»

عقدت كارينا ذراعيها وقالت: «لم يكن الأمر مضحكًا!»

نظر لوسيان إليها لحظة، ثم قال بهدوء: «في الحقيقة، كان مضحكًا قليلًا.»

استدارت كارينا نحوه فورًا وقالت: «وأنت لا تساعد أبدًا.»

ابتسم لوسيان وقال: «ربما، لكنك ما زلتِ مريضة، وكان من المفترض أن تكوني في المنزل.»

ردت كارينا: «أنا بخير، والطبيب قال إنني أستطيع الحركة.»

قال لوسيان: «الحركة شيء، والجلوس لساعات في الخارج شيء آخر.»

وفي تلك اللحظة خرج بعض أصدقاء لوسيان من الغرفة الخاصة في نهاية الممر. لمحوه فرفع أحدهم يده محييًا، ورد لوسيان بإشارة سريعة، ثم عاد بنظره إلى كارينا التي كانت قد بدأت تجمع هاتفها وأغراضها ببطء.

اقترب منها وأمسك طرف قميصها من الخلف برفق، ثم أشار نحو الباب.

قال لوسيان: «هيا، سنعود إلى المنزل.»

التفتت كارينا إليه باستغراب وقالت: «ماذا؟ الآن؟»

أجابها: «نعم، قبل أن تقرري أن تتسلقي الجدار أيضًا وتخبريني أنك بخير.»

ضحكت روزي وقالت: «اذهبي معه يا كارينا قبل أن يحملك إلى البيت.»

نظرت إليها كارينا بغيظ وقالت: «أنتِ من المفترض أن تكوني صديقتي!»

ابتسمت روزي وقالت: «أنا صديقتك، ولهذا أنصحك بعدم اختبار صبر أخيك.»

رفع مايك يديه مستسلمًا وقال: «وأنا شخصيًا لا أريد أن أتدخل في حرب عائلية.»

التفتت كارينا إليه وقالت: «خائن.»

أجاب مايك بسرعة: «أنا أحاول فقط النجاة.»

ضحكت روزي، بينما جرّ لوسيان كارينا معه باتجاه المخرج، وبقيت هي تتمتم باستياء حتى وصلا إلى الخارج.

كانت كارينا تمشي بجانب أخيها وهي عابسة، بينما ظل لوسيان يراقبها من طرف عينه. لم يكن غاضبًا منها حقًا، لكنه كان يعرف أن خروجها بعد المستشفى لم يكن فكرة جيدة، خصوصًا مع ما يعرفه هو عن حالتها أكثر مما تخبرها العائلة.

قالت كارينا: «أنت تتصرف كأنني مصابة بكسر في كل عظمة في جسدي.»

أجاب لوسيان: «وأنت تتصرفين كأن المستشفى كان فندقًا ذهبتِ إليه لقضاء عطلة.»

رفعت كارينا حاجبها وقالت: «أنت أصبحت مثل سيدة رافين.»

ابتسم لوسيان وقال: «أمي ألطف مني.»

ردت كارينا: «هذه أول جملة ذكية قلتها اليوم.»

نظر إليها لوسيان وقال: «سأعتبرها مجاملة.»

تابعا السير نحو القلعة، وكان هدوء الشوارع بعد العاصفة لا يزال واضحًا. كانت الأرض رطبة، والهواء باردًا قليلًا، بينما بدأت الغيوم تتفرق ببطء فوق الأبراج القديمة.

عندما وصلا إلى القلعة، أغلقت البوابة الحديدية خلفهما بهدوء. لم يكن سيد رافين موجودًا؛ فقد غادر منذ الصباح لإنهاء بعض الأعمال، أما سيدة رافين، إيما، فكانت في جزء آخر من القلعة، ولم تكن كارينا تعرف أنها لم تكن ترتاح كما ظنت.

في اللحظة التي دخل فيها لوسيان الردهة، شعر بإشارة سحرية خفيفة تصل إلى هاتفه. أخرج الهاتف ونظر إليه، ثم ابتعد خطوات عن كارينا وأغلق بابًا جانبيًا قبل أن يجيب.

وصل إليه صوت أحد أصدقائه داخل ذهنه عبر التخاطر.

قال صديقه: «لوسيان، هل ستأتي الليلة؟»

أجاب لوسيان ذهنيًا: «سآتي، لكن يجب أن أستأذن أولًا.»

قال صديقه: «هل تحتاج فعلًا إلى إذن؟»

ابتسم لوسيان في الظلام وقال: «نعم، لأنني ما زلت أعيش في هذا المنزل، ولأن أمي ستقتلني إن خرجت دون أن أخبرها.»

أرسل بعدها رسالة تخاطرية إلى والدته.

قال لوسيان: «أمي، سأخرج الليلة مع أصدقائي، وسنبقى لبعض الوقت. هل تسمحين لي؟»

جاءه صوت إيما هادئًا داخل ذهنه.

قالت إيما: «اذهب، لكن لا تتأخر، وأرسل لي عندما تنتهي.»

أجاب لوسيان: «حسنًا، أمي.»

انقطع الاتصال، فعاد لوسيان إلى الردهة دون أن يخبر كارينا بشيء. لم تكن كارينا تعرف شيئًا عن السحر الحقيقي، ولذلك كان يتجنب استخدام التخاطر أمامها، ولا يريد أن يلفت انتباهها إلى أسرار لم يحن وقت معرفتها.

صعدت كارينا الدرج، بينما اتجه لوسيان إلى غرفته. وفي مكان آخر، أسفل القلعة بعمق، كانت إيما قد أنهت رؤيتها داخل البلورة، لكنها لم تستطع التخلص من صورة لوسيان التي ظهرت أمامها.

كانت الغرفة القديمة ساكنة تمامًا، والبلورة الكبيرة أمامها قد عادت إلى هدوئها. حولها كانت الرفوف الخشبية مملوءة بكتب السحر القديمة، والقوارير، والأعشاب المجففة، وبقايا الأعواد السحرية المكسورة، بينما بقي المرجل الأسود في زاوية الغرفة تحت ضوء المدفأة الخافت.

رفعت إيما يدها ولمست سطح البلورة للمرة الأخيرة.

قالت بصوت خافت: «سامحني يا بني.»

كانت تريد أن تحذره، لكنها لم تستطع. ما رأته لم يكن مجرد احتمال عابر، بل رؤية مرتبطة بخيط مستقبلي حساس، وأي محاولة لإخبار لوسيان بما رأته قد تغير الأحداث بطريقة لا يمكن توقع نتائجها.

سحبت يدها ببطء، ثم أخذت نفسًا عميقًا ونهضت من مقعدها.

لم تكن تعرف ما الذي ينتظر ابنها، لكنها لم تكن مستعدة للجلوس مكتوفة اليدين.

غادرت الغرفة وأغلقت الباب الحجري خلفها، ثم بدأت تصعد عبر ممرات القلعة السرية. كانت تلك الممرات تمتد لمسافات طويلة تحت الأرض، وتتفرع إلى عشرات الأبواب التي تقود إلى أجزاء مختلفة من القلعة؛ مخازن قديمة، غرف عمل، مكتبات سرية، أقبية، وغرف لا يعرف بوجودها سوى أفراد عائلة رافين.

وأخيرًا وصلت إيما إلى جناحها الخاص في أعلى القلعة.

دخلت غرفتها وأغلقت الباب بهدوء. كانت الغرفة واسعة وأنيقة، تتوسطها خزانة خشبية داكنة، وبجانب النافذة طاولة صغيرة تعلوها مرآة فضية، بينما انسدلت الستائر الخضراء الثقيلة حول النافذة الكبيرة.

خلعت إيما ملابسها الساحرة الثقيلة، ثم وقفت أمام الخزانة تبحث عن ملابس أكثر راحة تناسب خروجها مع كارينا. اختارت فستانًا أخضر زمرديًا أنيقًا، ضيقًا عند الخصر وينسدل بنعومة، ثم أضافت إليه عباءة خفيفة ومجوهرات بسيطة.

وقبل أن تغلق الخزانة، لمحت علبة صغيرة فوق مكتبها.

توقفت إيما.

اقتربت من المكتب، وأخذت العلبة بين يديها، ثم فتحتها ببطء. ظهر داخلها عقد من الياقوت الأحمر، يتوسطه حجر شفاف تحيط به نقوش سحرية دقيقة.

ابتسمت إيما ابتسامة خافتة عندما تذكرت صاحب الهدية.

كان العقد هدية مصالحة من سيد رافين، قدمه لها بعد خلاف قديم بينهما. لم يكن يعلم وقتها أن الهدية ستصبح واحدة من أكثر أدواتها أهمية.

وضعت إيما أصابعها على الحجر.

وفي اللحظة نفسها ظهر أمام عينيها سجل سحري شفاف، منظم بطريقة تشبه سجلات المعدات في أنظمة السحر.

【سجل المعدات】

الاسم: عقد الياقوت الحارس.

المالك: إيما رافين.

الفئة: أداة سحرية شخصية.

الرتبة: ذهبي.

النوع: هجومي / دفاعي.

الحالة: مستقرة.

المتانة: 500 / 500.

الطاقة السحرية: 100 / 100.

الارتباط: هدية مصالحة من سيد رافين.

انتقلت عينا إيما إلى قسم الخصائص.

【الخصائص الأساسية】

امتصاص الهجمات: يمتص العقد نصف قوة الهجمات التي تصيب حامله.

ارتداد الهجمات: يعيد جزءًا من الطاقة الممتصة إلى مصدر الهجوم، وتزداد قوة الارتداد بحسب قوة الضربة.

الدفاع السحري: مرتفع.

الدفاع الجسدي: متوسط.

الحماية التلقائية: مفعلة.

الحماية الحرجة: عند تعرض الحامل لهجوم خطير، ينشئ العقد حاجزًا سحريًا لحظيًا لحمايته.

ثم ظهر سطر أخير.

【المهارة الخاصة: مرآة الياقوت】

عند امتصاص هجوم قوي، يستطيع العقد تخزين جزء من طاقته ثم ارتداده دفعة واحدة نحو مصدر الهجوم.

حدقت إيما في السجل لثوانٍ، ثم أغلقت الشاشة السحرية.

قالت بهدوء: «على الأقل ما زلت أملك وسيلة للدفاع.»

وضعت يدها على العقد، ثم تنهدت.

«لو كان الأمر يتعلق بي وحدي، لما اهتممت.»

لكن صورة لوسيان عادت إلى ذهنها.

نظرت إيما إلى مكتبها، ثم فتحت درجًا سريًا وأخرجت منه عدة أدوات صغيرة؛ حجرًا سحريًا، وقارورة فضية، وقطعة معدنية تحمل نقشًا دفاعيًا.

وضعتها أمامها وبدأت تجهز بعض الأشياء التي قد تقلل الخطر من دون أن تتدخل مباشرة في المستقبل.

قالت إيما: «لا أستطيع إخباره بما رأيت، لكن يمكنني أن أكون مستعدة.»

مدت يدها نحو إحدى الأدوات.

وفي اللحظة نفسها ظهر ضوء أزرق فوق يدها.

توقفت.

كان اتصالًا تخاطريًا.

جاء صوت لوسيان داخل ذهنها.

قال لوسيان: «أمي؟»

تركت إيما ما كان بين يديها فورًا.

قالت: «نعم، لوسيان؟»

قال: «أين أنتِ؟»

نظرت إيما حولها إلى غرفتها.

قالت: «في غرفتي.»

قال لوسيان: «كنت أريد فقط أن أخبرك أنني سأخرج الليلة مع أصدقائي.»

ابتسمت إيما رغم القلق الذي يسكن داخلها.

قالت: «أعرف، وقد أعطيتك الإذن.»

قال لوسيان: «حسنًا، أردت فقط أن أتأكد.»

قالت إيما: «اذهب، واستمتع بوقتك، لكن لا تتأخر.»

قال لوسيان: «حاضر يا أمي.»

انقطع الاتصال.

وقفت إيما مكانها للحظات، ثم نظرت إلى الأدوات التي تركتها فوق المكتب. كانت قد بدأت بالفعل في تجهيز شيء يساعدها على تقليل الخطر، لكنها لم تعرف إن كان يجب أن تكمل.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم تركت الأدوات مكانها.

خرجت من غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وسارت في ممر طويل يمتد عبر جناحها. كانت الجدران الحجرية مزينة بنقوش قديمة، وعلى جانبي الممر أبواب تؤدي إلى غرف مختلفة في القلعة.

مرت بجانب المكتبة، ثم قاعة صغيرة كانت تستخدمها العائلة للاجتماعات، وبعدها ممر آخر يقود إلى أجنحة غرف النوم. كانت القلعة من الداخل أشبه بمتاهة ضخمة؛ ممر فوق ممر، ودرج خلف درج، وأبواب لا يعرف أحد إلى أين تنتهي.

واصلت إيما السير حتى وصلت إلى ممر غرفتها، ثم دخلت جناحها من جديد.

وفي تلك الأثناء، كانت كارينا قد وصلت إلى غرفتها، ولم تكن تعرف شيئًا عن البلورة أو الرجل الغامض أو السجل السحري الذي ظهر أمام أمها.

كانت بالنسبة إليها مجرد ليلة عادية تسبق يومًا آخر من الحياة.

أما إيما، فكانت تعرف أن الأمر لم يعد عاديًا.

وضعت يدها على عقد الياقوت حول عنقها، فتلألأ الحجر الأحمر للحظة قصيرة.

ثم همست:

«لن أخبرك يا لوسيان... لكنني لن أتركك وحدك أيضًا.»

وفي أعماق القلعة، بقيت البلورة صامتة.

لكن صورتها الأخيرة لم تختفِ من ذاكرة إيما.

كان المستقبل قد كشف صفحة واحدة فقط.

وما زالت بقية الصفحات مغلقة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل: وليمة القصر واستقبال الضيوف

    في الطابق السفلي، كانت القاعة الكبرى قد تحولت إلى مشهد يليق بعائلة احتفظت باسمها ومكانتها عبر أجيال طويلة. ارتفعت الأعمدة الحجرية حتى السقف الخشبي الداكن، وتدلت بين أقواسها رايات عائلة رافين المطرزة بشعارها الفضي.أضاءت الثريات الحديدية صفوف الشموع التي انعكست ألسنتها فوق الرخام المصقول. ولم يكن الضوء ثابتًا تمامًا؛ فقد كانت البلورات الصغيرة المثبتة في قواعد الثريات تجمع الوهج وتوزعه على السقف في خيوط رقيقة، فتتحرك انعكاساتها ببطء كأن النجوم تنساب فوق رؤوس الحاضرين.انتشرت الطاولات الطويلة على جانبي القاعة، وقد غُطيت بمفارش مخملية بلون العاج، تتوسطها ممرات ضيقة من القماش الأزرق الداكن. وُضعت الأطباق الفضية أمام المقاعد، وإلى جوار كل طبق سكاكين وشوك مصقولة.اصطفت الكؤوس الكريستالية بأحجام مختلفة؛ بعضها مملوء بنبيذ أحمر داكن انعكس فيه ضوء الشموع بلون الياقوت، وبعضها بنبيذ أبيض ذهبي، إلى جانب كؤوس من عصير العنب والتوت ومشروبات فاكهية باردة للضيوف الذين لا يرغبون في النبيذ.لم تقتصر الوليمة على الأطباق المعتادة في المناسبات الرسمية. فقد امتل

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل39: الفستان الذي أخفته أمي

    لم أكن أتوقع أن يصبح اختيار فستان لحفل عيد ميلادي السادس عشر مشكلة بهذا الحجم. جلست أمام المرآة في غرفتي، أتأمل الفستان الملقى فوق طرف السرير، ثم تنهدت وأنا أزيح خصلة من شعري عن وجهي. قبل أيام، كنت أظنه جميلًا بما يكفي، لكنني كلما نظرت إليه الآن، وجدت شيئًا لا يعجبني؛ مرة بدا عاديًا أكثر مما ينبغي، ومرة أخرى شعرت أن لونه لا يناسبني، حتى صرت أعتقد أنني لن أجد فستانًا يجعلني أشعر بالرضا مهما بحثت. لم يكن الأمر متعلقًا بالفستان وحده، بل بالحفل كله. كيف يُفترض بي أن أستمتع بليلة ينتظر الجميع مني أن أبدو فيها مثالية، بينما لم أتمكن حتى من اختيار ما سأرتديه؟ تخيلت نفسي وسط الضيوف أبتسم طوال المساء، وأحاول إخفاء انزعاجي كلما وقعت عيناي على ثوبي، فازداد مزاجي سوءًا. كنت أعرف أن أمي لن تسمح لي بالبقاء في غرفتي، وأنها ستصر على أن أشارك الجميع الاحتفال، لكنني تمنيت لو أستطيع إقناعها بأن الحفل سيكون مملًا على أي حال، وأن فستانًا أجمل لن يغير ذلك. ألقيت نظرة أخيرة على الفستان، ثم دفعتُه بعيدًا عني فوق السرير، ووضعت رأسي بين يديّ. "رائع يا كارينا، عيد ميلادك السادس عشر، ومع ذلك لم تستطيعي العثور

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل 38:ذكرى يوم عيد الميلاد السادس عشر: يوم الاستيقاظ

    كانت كارينا تقف أمام المرآة، ترفع خصلة من شعرها ثم تتركها تسقط فوق كتفها، قبل أن تميل برأسها قليلًا لتتأمل انعكاس الأقراط الصغيرة التي اختارتها.بدّلت بينها وبين زوج آخر مرتين، ثم عقدت حاجبيها وهي تحاول تحديد أيهما يناسب ملابس السفر أكثر."هذا أجمل... لا، انتظري، الآخر يبدو ألطف."وضعت القرط الأول فوق الطاولة، ثم مدت يدها نحو الثاني، غير منتبهة إلى أن حقيبتها المفتوحة ما تزال فوق السرير، محاطة بقطع الملابس والإكسسوارات التي أخرجتها ثم نسيت أمرها تمامًا. كانت قد بدأت الاستعداد منذ وقت، لكن انشغالها بتنسيق ملابسها جعلها تنتقل من شيء إلى آخر دون أن تنجز ما يكفي لإغلاق الحقيبة.من خلفها، تحركت قطعة قماش صغيرة في الهواء، ثم استقرت بعناية فوق الملابس المطوية داخل الحقيبة. لم تكن يد كارينا هي التي رتبتها، بل دينغ دينغ التي كانت تتنقل أمام عينيها بخفة، مستعينة بسحرها لتسحب الأغراض الصغيرة وتضعها في أماكنها.لم تلتفت كارينا إليها إلا عندما اقتربت منها قطعة حلي معلقة في الهواء، تتأرجح أمام وجهها بإصرار."حسنًا، حسنًا، رأيتك!" قالت وهي تضحك

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل37 :ليلة التحضير لاستيقاظ كارينا

    بعد أن نام زوجي، بقيت مستيقظة لبعض الوقت إلى جواره، أراقب ملامحه الهادئة التي أخفت خلفها إرهاق الأيام الماضية. كان تنفسه منتظماً، وقد بدا للمرة الأولى منذ مدة وكأن جسده سمح لنفسه بالاستسلام للنوم، لذلك لم أشأ أن أوقظه أو أزعج راحته. ومع ذلك، لم أستطع أن أفعل الشيء نفسه، فقد كان عقلي منشغلاً بكل ما ينتظرنا في الساعات القادمة، وبكل تفصيل صغير يجب أن يكون جاهزاً قبل أن تستيقظ كارينا في صباح اليوم التالي. نهضت بهدوء، ارتديت عباءتي، ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفي دون صوت تقريباً. كان القصر غارقاً في هدوء الليل، والممرات الطويلة لا يقطع سكونها سوى صوت خطواتي الخافتة. عندما وصلت إلى الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي، رأيت الضوء ما زال مشتعلاً في القاعة الجانبية، فعرفت أن الخدم بدأوا بالفعل بإخراج أدوات الطقس من المخازن القديمة. ما إن دخلت حتى رفع الجميع رؤوسهم نحوي، ثم انحنوا باحترام. "سيدة رافين." ابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا أتقدم نحوهم. "لا داعي لأن تتوقفوا، أكملوا عملكم، وأخب

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل 36:محاولة ايما للشفاء زوجها

    جلست كارينا على حافة المقعد، ثم نظرت إلى الفساتين المنتشرة حولها. كانت الخادمات يقفن على مسافة قريبة؛ إحداهن تحمل فستانًا آخر، وأخرى ترتب الأقمشة التي تركتها كارينا جانبًا، بينما كان صوت الحركة القادمة من القاعات يصل إليهن من بعيد. قالت روزي وهي تبتسم للشاشة: "نحن نحاول مساعدتك منذ وقت طويل. المشكلة أنك في كل مرة تجدين شيئًا جديدًا لا يعجبك." وضعت كارينا ذقنها على يدها، ثم نظرت إلى الفستان أمامها بتفكير. "لأنني أريد أن يكون مناسبًا." أجاب مايك وهو يميل قليلًا نحو الهاتف: "وهذا مفهوم، لكنك جعلتِ إيلينا تجرب معك عددًا من الفساتين يكفي لجميع الحفلات التي قد تحضرينها خلال مئة عام كاملة." انفجرت كارينا بالضحك، ثم سقطت على الأريكة خلفها وهي تحاول التقاط أنفاسها، قبل أن تلتفت نحو الباب وكأنها تذكرت شيئًا. "كانت صبورة جدًا." رفعت روزي حاجبها، وقالت بنبرة مازحة: "كانت صبورة؟" ابتسمت كارينا بخجل، ثم أخذت قطعة قماش صغيرة من فوق المقعد وقلبتها بين أصابعها. "حسنًا... ربما أتعبتها قليلًا." عاد

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل 35: فستانٌ من خمسة آلاف عام

    بعد أن غادر لوسيان مائدة الإفطار، اتجه نحو الممر المؤدي إلى الجناح الداخلي، وكانت حركة الخدم قد ازدادت في أرجاء القصر مع اقتراب موعد الاحتفال. لم تكن الفوضى هي ما يملأ المكان، بل حركة منظمة ومتواصلة؛ خادم يحمل الزهور، وآخر يتفقد الطاولات، وثالث يمر مسرعًا حاملاً قطعة قماش مطرزة، وكل واحد منهم يعرف إلى أين يجب أن يتجه دون أن يضطر أحد إلى رفع صوته. مرّت إحدى الخادمات أمامه وهي تحمل مجموعة من الملابس المطوية، ثم توقفت حين وصلت إلى إيلينا، التي كانت تسير نحو غرفة الضيوف بخطوات بطيئة. كان التعب واضحًا في عينيها رغم محاولتها إخفاءه، فبدت وكأنها لم تنم منذ أيام، لا منذ ساعات قليلة. ألقى لوسيان نظرة عليها، ثم اقترب منها بابتسامة خفيفة؛ فمن الواضح أن كارينا، كعادتها، لم تكن مستعدة لترك أحد يرتاح بسهولة، حتى في ساعات الصباح. "كيف حال كارينا؟" سألها لوسيان وهو يضع يده في جيب سترته، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة يعرفها جيدًا كل من اعتاد على تقلبات أخته الصغيرة. تنهدت إ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status