Masukالفصل 9: أثرٌ من المستقبل
عادت سيدة رافين إلى مكتبها بعد أن غادرت الغرفة السحرية العميقة، لكن ما رأته لم يغادر عقلها. جلست خلف مكتبها الخشبي الكبير، وأمامها الكتب القديمة والسجلات المتراكمة، بينما كانت أشعة الصباح تتسلل من النوافذ العالية وتلقي خطوطًا من الضوء على أرضية المكتب. كان القصر هادئًا كعادته في ذلك الوقت، إلا أن الهدوء المحيط بها لم ينجح في تهدئة الاضطراب الذي تركته الرؤية في داخلها. كلما أغمضت عينيها عادت الصورة نفسها. ممر حجري طويل، أرضه مبللة وكأن المطر توقف قبل لحظات، والضوء الخافت ينعكس على الحجارة اللامعة. رجل يرتدي معطفًا أسود طويلًا يركض بأقصى سرعته، وحافة معطفه تطير خلفه كجناحين داكنين. كانت قبضته اليمنى مطبقة بقوة على حقيبة سوداء صغيرة، حتى بدت مفاصل أصابعه من خلال القفاز. كان يلهث بصعوبة، يفتح فمه ليلتقط الهواء، ثم يجبر ساقيه على الاستمرار. قلبه يخفق بعنف، وعيناه لا تستقران على شيء؛ ينظر إلى الأمام، ثم يلتفت خلفه، وكأنه يتوقع في أي لحظة أن يظهر شخص ما في نهاية الممر. كان الخوف واضحًا في عينيه، لكن إلى جواره كان هناك شيء آخر؛ إصرار عنيد، كأنه يعرف أن هذه هي فرصته الأخيرة، وأن القبض عليه يعني عقابًا لا نهاية له. ثم رأته بوضوح. لوسيان. تجمدت أفكار سيدة رافين للحظة. لم تعرف من يطارده، ولا أين يريد الذهاب، ولا ما الذي تحتويه الحقيبة، وإن كانت قد لمحت في داخلها أوراقًا قديمة مختومة، ومخطوطات باهتة، وبعض الأشياء السحرية الصغيرة التي بدت مهمة للغاية بالنسبة إليه. لكنها عرفت شيئًا واحدًا. هذه لم تكن ذكرى من الماضي. كانت رؤية للمستقبل. خفضت سيدة رافين عينيها إلى سطح المكتب وقالت بصوت خافت: "لو أخبرتك بما رأيته يا لوسيان، ربما أكون أنا من يدفعك إلى هذا الطريق دون أن أقصد. المستقبل ليس طريقًا مستقيمًا يمكنني أن أضع أمامه حاجزًا ثم أعود إلى حياتي وكأن شيئًا لم يحدث. أحيانًا يكفي تغيير كلمة واحدة حتى تتغير عشرات الأحداث بعدها، وربما تكون محاولتي لحمايتك هي نفسها السبب الذي يقودك إلى الخطر." سكتت طويلًا، ثم أضافت بنبرة أكثر ألمًا: "سامحني يا لوسيان." لم تكن تعرف ماذا تفعل سوى أن تستعد. لن تخبره، ولن تبحث عن الشخص الذي يطارده، ولن تحاول إيقاف شيء لم يحدث بعد. لكنها لن تنسى تلك الصورة أيضًا. بعد وقت قصير، أغلقت أحد الكتب ونهضت من خلف مكتبها. غادرت الغرفة وسارت في الممر الطويل المؤدي إلى الجناح السكني، ومع كل خطوة كانت تحاول أن تترك الرؤية خلفها. لم تكن تريد أن يظهر القلق على وجهها أمام كارينا، وخصوصًا في يوم كان من المفترض أن يكون يومًا عاديًا مليئًا بالتسوق والضحك. وجدت كارينا في نهاية الممر. كانت الفتاة قد انتهت تقريبًا من تجهيز نفسها، ووقفت أمام المرآة الصغيرة في غرفتها تتأكد من أن مشبك الفراشة الأزرق ثابت في شعرها. كانت ترتدي بنطالًا ورديًا ناعم اللون يصل إلى أعلى ركبتيها بقليل، وقميصًا ورديًا فاتحًا بأكمام قصيرة، بسيطًا ومريحًا للحركة. اختارت حذاءً بلون فاتح يناسب المشي الطويل، وحملت حقيبة صغيرة وردية تتدلى من كتفها. أما شعرها فكان مرتبًا بعناية، وقد ثبّتت المشبك الأزرق على أحد جانبيه، ليبدو كفراشة صغيرة استقرت بين خصلات شعرها. كانت قد لمست عقدها الكريستالي قبل أن تغادر، ثم أخفته تحت ملابسها بصورة طبيعية. ما إن رأت أمها حتى ابتسمت بحماس. قالت كارينا: "أمي، أخيرًا! ظننت أنك ستغيرين رأيك وتطلبين مني البقاء في القصر. لقد جهزت نفسي منذ فترة، وحتى أنني كتبت في رأسي قائمة بكل الأشياء التي أريد رؤيتها، رغم أنني أعرف أنك ستقولين إن نصفها لا أحتاج إليه." ابتسمت سيدة رافين وقالت وهي تنظر إلى ملابسها: "وأنا أعرفك بما يكفي لأدرك أن كلمة نصف تعني عندك تقريبًا كل شيء موجود في المتاجر." ضحكت كارينا وقالت: "هذا ظلم، أمي. أنا أصبحت أكثر عقلانية." رفعت سيدة رافين حاجبها وقالت: "حقًا؟ آخر مرة قلتِ فيها هذه الجملة عدتِ إلى القصر بحقيبة أكبر منك." ضحكت كارينا وهي تمسك حقيبتها: "لكنها كانت جميلة جدًا، ولم يكن من العدل أن أتركها في المتجر." هزت سيدة رافين رأسها وهي تبتسم، ثم قالت: "اذهبي، لنخرج قبل أن تحولي التسوق إلى رحلة تستغرق يومين." دخلت سيدة رافين غرفتها لتستعد بدورها. وبعد دقائق خرجت بثوب أخضر زمردي أنيق يصل إلى أسفل ركبتيها بقليل. كان الثوب بسيطًا من دون مبالغة، محددًا عند الخصر ثم ينسدل بانسياب مريح، وتظهر أطرافه بخفة مع كل خطوة. فوقه ارتدت عباءة داكنة خفيفة، وأضافت قرطين فضيين صغيرين وسوارًا بسيطًا في معصمها، بينما استقر عقد الياقوت الذي كان هدية مصالحة من سيد رافين حول عنقها. كانت إطلالتها مختلفة تمامًا عن إطلالة كارينا؛ أكثر هدوءًا ونضجًا، لكن وجود العقد الأحمر حول عنقها أضاف لمسة واضحة إلى اللون الأخضر لثوبها. وعندما وصلتا إلى مدخل القصر، كان لوسيان ينتظرهما. كان مسترخيًا قرب الباب، يرتدي بنطالًا أسود مريحًا وقميصًا رماديًا داكنًا بأكمام طويلة، وقد ترك أزراره العليا مفتوحة قليلًا بطريقة طبيعية. كان شعره مرتبًا بصورة عفوية، وكأنه لم يكن يستعد للخروج أصلًا. حمل فوق ذراعه سترة سوداء خفيفة، وكانت ملامحه هادئة، بل بدا مستمتعًا بفكرة أنه سيبقى في القصر بعيدًا عن ضجيج التسوق. نظر إلى كارينا ثم إلى سيدة رافين وقال بابتسامة: "إذن أنتما ذاهبتان فعلًا. كنت أتمنى أن يكون اليوم هادئًا، ويبدو أنني حصلت على ما أريد أخيرًا. سأبقى هنا، أستريح قليلًا، ولن أضطر إلى سماع نقاش طويل عن أي حقيبة أجمل." نظرت إليه كارينا وقالت: "لا تقلق، لن نجبرك على القدوم. أصلًا وجودك معنا يجعل التسوق أكثر تعقيدًا، لأنك تبدأ بحساب الأسعار قبل أن ننظر حتى إلى الأشياء." ضحك لوسيان وقال: "أنا فقط أحاول إنقاذك من إنفاق المال على أشياء ستنسينها بعد أسبوع." ردت كارينا وهي تفتح باب السيارة: "وأنا فقط أحاول إنقاذك من حياة مملة." ابتسم لوسيان، ولم يكن لديه أي فكرة أن حياته الهادئة ستصبح مملة فعلًا بعد أقل من دقيقة، ولكن لسبب مختلف تمامًا. بينما كان يتحدث مع أحد الخدم عند المدخل، استغلت كارينا لحظة انشغاله. كانت تعرف أين يحتفظ ببطاقته، ومدت يدها بسرعة وسحبتها من جيبه دون أن يشعر، ثم وضعتها داخل حقيبتها الصغيرة وأغلقت السحاب، وعادت إلى مقعدها وكأن شيئًا لم يحدث. لم يلاحظ لوسيان الأمر في البداية. ظل واقفًا هناك مسترخيًا، يتحدث مع سيدة رافين ويمازحها حول رحلتهما، ثم مد يده بشكل عفوي إلى جيبه. توقفت يده. بحث مرة أخرى. ثم وضع يده في الجيب الآخر. اختفت ابتسامته. قال بهدوء: "انتظري." رفعت كارينا عينيها إليه ببراءة مصطنعة: "ماذا؟" نظر إليها لوسيان مباشرة، ثم عاد إلى جيبه للمرة الثالثة، وكأن عقله يرفض تصديق ما حدث. قال: "بطاقتي ليست هنا." حاولت كارينا ألا تضحك. قالت: "ربما نسيتها في غرفتك." هز رأسه ببطء وقال: "لا، كانت معي منذ الصباح." ثم نظر إلى حقيبتها الصغيرة، وعاد بصره إلى وجهها. عندها تغيرت ملامحه تمامًا، واختفى الاسترخاء الذي كان يملأ وجهه قبل لحظات. قال بنبرة أكثر حدة: "كارينا... لا تقولي لي إنك أخذتِها." أخرجت كارينا البطاقة من حقيبتها ورفعتها أمامه، ثم ابتسمت وكأنها حققت انتصارًا عظيمًا: "مفاجأة." حدق لوسيان فيها لثوانٍ، ثم قال بغضب واضح: "أنتِ أخذتِ بطاقتي من جيبي؟ دون أن تستأذني؟" ضحكت كارينا وقالت: "نعم، لكنني سأعيدها لك." تقدم لوسيان خطوة نحو السيارة، ومد يده وقال: "أعيديها الآن، كارينا. لا أريد أن أسمع مزيدًا من المزاح." لكنها أبعدت البطاقة عنه بسرعة وأغلقت نافذة السيارة. قالت وهي تضحك: "ليس بهذه السرعة." ازداد غضبه عندما رأى البطاقة بين أصابعها، لكن الأمر الذي بدأ يزعجه أكثر لم يكن البطاقة نفسها، بل فكرة أخرى خطرت في ذهنه فجأة. قال: "لحظة... ماذا فعلتِ بها؟" توقفت كارينا عن الضحك للحظة وقالت: "ماذا تقصد؟" اقترب لوسيان من النافذة وقال: "أنتِ لم تأخذيها فقط لتزعجيني، أليس كذلك؟ هل استخدمتها؟" ابتسمت كارينا ابتسامة غامضة. ازداد قلقه وتحول غضبه إلى ذهول حقيقي: "كارينا، قولي لي إنك لم تنفقي المال الموجود فيها. لا تخبريني أنك ذهبتِ للتسوق ببطاقتي، ثم ستعيدينها لي وهي فارغة، برصيد صفر دولار." انفجرت كارينا بالضحك، بينما وضعت سيدة رافين يدها على فمها حتى لا تضحك هي الأخرى. قالت كارينا: "لم أنفق شيئًا! أردت فقط أن أخيفك قليلًا." رد لوسيان بعصبية: "أخيفني؟ لقد جعلتِني أتخيل أنني سأفتح حسابي غدًا وأجد أمامي صفر دولار، وأنتِ تقفين بجانبي وتقولين لي: شكرًا على البطاقة!" ضحكت كارينا أكثر وقالت: "كان وجهك مضحكًا جدًا." قال لوسيان وهو يمد يده نحوها: "أعيدي البطاقة قبل أن أفقد أعصابي فعلًا، وسأعتبر الأمر كله مزحة." رفعتها كارينا عاليًا من خلف النافذة وقالت: "سأعيدها، لكن عليك أولًا أن تقول من فضلك." نظر إليها غير مصدق، ثم قال: "أنا أطلب منك إعادة بطاقتي التي سرقتها من جيبي، وأنتِ تريدين مني أن أقول من فضلك؟" ابتسمت كارينا وقالت: "بالضبط." في تلك اللحظة بدأت السيارة تتحرك ببطء. انتبه لوسيان فورًا، فابتعد عن الباب ثم ركض بجانب السيارة محاولًا اللحاق بها. قال بصوت مرتفع: "كارينا! توقفي!" فتحت كارينا النافذة ولوحت بالبطاقة أمامه وهي تضحك: "إذا كنت تريدها، ألحق بي!" ركض لوسيان خلف السيارة وهو يصرخ: "أعيديها الآن! وإذا أنفقتِ منها دولارًا واحدًا فسأعرف!" ضحكت كارينا وقالت: "ألم تكن تريد البقاء في القصر والاسترخاء؟ اعتبرها رياضة صباحية مجانية!" بدأت السيارة تبتعد أكثر، ولوسيان يحاول مواصلة الركض خلفها. كان غضبه قد وصل إلى درجة جعلته ينسى تمامًا أنه كان قبل دقائق فقط سعيدًا بفكرة البقاء في القصر. قال وهو يلهث: "كارينا! سأجعلك تندمين على هذا!" ردت من داخل السيارة: "قل من فضلك أولًا!" استمرت في الضحك، لكن لوسيان لم يستطع الاستمرار طويلًا. ومع زيادة سرعة السيارة، اتسعت المسافة بينهما، ثم خرج دخان العادم في اتجاهه مباشرة. توقف فجأة وسعل بقوة، ولوح بيده أمام وجهه، ثم حدق في السيارة وهي تبتعد. ومن داخلها، كانت كارينا تضحك بشدة لدرجة أنها اضطرت إلى إسناد رأسها على المقعد. نظرت إليها سيدة رافين وقالت: "أعتقد أنك حققتِ هدفك." مسحت كارينا دمعة من عينها بسبب شدة الضحك وقالت: "أجل! كان يجب أن تري وجهه عندما ظن أنني سأعيد إليه البطاقة وهي برصيد صفر دولار. لقد أصبح غاضبًا فعلًا!" ابتسمت سيدة رافين وقالت بهدوء: "لكنك أخذتِ البطاقة دون إذنه، وهذا الجزء لا يمكنني الدفاع عنه." نظرت كارينا إلى البطاقة في يدها ثم قالت: "سأعيدها، أعدك. كنت فقط أريد أن ألقنه درسًا صغيرًا لأنه أخرجني من المقهى في المرة الماضية." تنهدت سيدة رافين وقالت: "أحيانًا أظن أنكما لا تحتاجان إلى أعداء في الخارج. أنتما قادران على إشعال حرب كاملة داخل القصر وحدكما." ضحكت كارينا وقالت: "لكنها حرب ممتعة." التفتت إليها سيدة رافين، وحاولت أن تبدو جادة، لكنها لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهها. خلفهما، بقي لوسيان واقفًا عند بوابة القصر، يحدق في السيارة التي ابتعدت حتى اختفت تقريبًا عن الطريق. كان الغضب لا يزال على وجهه، لكنه لم يستطع منع نفسه من الضحك قليلًا عندما أدرك أنه ركض خلف سيارة بسبب بطاقة كان يمكنه استعادتها بسهولة لاحقًا. رفع يده ومسح وجهه من أثر دخان العادم، ثم قال لنفسه: "حسنًا يا كارينا... استمتعي بانتصارك الآن. لكن عندما تعودين، سأجعلك تدفعين ثمن هذه المطاردة." وفي السيارة، كانت كارينا لا تزال تضحك، غير مدركة أن خلف هذا الصباح المرح كانت سيدة رافين تحمل سرًا أثقل بكثير؛ صورة لوسيان في المستقبل، يركض في ممر مظلم، وحقيبة سوداء في يده، وخوف حقيقي يطارده من شيء لم تعرفه بعد.توقف في منتصف الطريق، ثم غيّر اتجاهه بعناد، فعلق الغرض عند طرف السجادة، وحاول سحبه مرة أخرى دون أن ينجح. راقبته للحظات، ثم قلت: "أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة." نظر لوسيان إلى الدب، ثم إليّ. "أظن أنكما تتشابهان أكثر مما تتصورين." "ماذا تقصد؟" "كل منكما يصر على إنهاء المهمة بطريقته، حتى عندما يكون هناك حل أسهل." ضيقت عينيّ نحوه. "يمكنني أن أتركك ترتب بقية الحقيبة وحدك." رفع حاجبيه مبتسمًا. "وهل هذا تهديد أم وعد؟" "يمكن أن يكون الاثنين." رفع يديه مستسلمًا، لكنه لم يخفِ ابتسامته، ثم انحنى والتقط الغرض الذي عجز الدب الصغير عن حمله ووضعه في مكانه. تابعت دينغ دينغ ترتيب الأغراض الأخرى، بينما ساعدني لوسيان في إغلاق الحقيبة، وأعدت فحص محتوياتها مرة أخيرة حتى أتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا. "انتهيت،" أعلنت وأنا أبتعد عن السرير.
"أبي، هل يعني هذا أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى جزء صغير من عالم أكبر؟" ظل أبي ينظر إليّ للحظات، ثم وضع فنجانه على الطاولة بهدوء، وكأنه يريد أن يمنح سؤالي وقتًا كافيًا قبل أن يجيب. كانت أمي تجلس إلى جواري، بينما بقي لوسيان في المقعد المقابل، يستمع بصمت لم أعتده منه. قال أبي أخيرًا: "ما تعرفينه عن العالم لا يمثل إلا الجزء الذي عشتِ فيه حتى الآن. هناك أمور لا يمكن فهمها من خلال ما ترينه حولك فحسب، لأن تاريخ هذا العالم أقدم بكثير من الحكايات التي يتناقلها الناس." عقدت حاجبيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه، ثم ملت قليلًا إلى الأمام. "وهل تقصد أن هناك عوالم أخرى فعلًا؟ عوالم مختلفة عن عالمنا، وليست مجرد أماكن بعيدة لم نزرها؟" أومأ أبي ببطء. "نعم، لكن معرفة وجودها لا تعني أن الوصول إليها أمر بسيط، ولا أن كل ما يُقال عنها صحيح. هناك تاريخ وراء عائلتنا، وأحداث جعلت معرفتنا بهذه الأمور مختلفة عن معرفة الآخرين." نظرت إلى أمي، فوجدتها تتابع الحديث بهدوء، ثم انتقلت عيناي إلى لوسيان الذي بدا أكثر اهتمامًا مما أظهره في البداية. لم يقاطع أبي، ولم يحاول إلقاء تعليق ساخر كما يفعل عادةً، وهذا وحده
ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد. "لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا. ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا. كان ذلك ك
كانت طريقته في الرد كافية لتجعلني أضحك، فيما اكتفى أبي بإلقاء نظرة تحذيرية على الرجل الذي بدا أنه استمتع باستفزازه أكثر مما استمتع بالحديث معي. وحين ابتعد الضيف، انحنيت نحو أبي وهمست: "أريد أن أعرف ماذا فعلت." "لا تريدين." "هذا يعني أنك فعلت شيئًا يستحق أن أعرفه." "هذا يعني أنني كنت في السادسة عشرة يومًا ما، وأنني لا أريد أن أسمع تعليقًا من ابنتي طوال الأسبوع القادم." ضحكت، ثم تشبثت بذراعه لحظة قبل أن أتركه يستقبل ضيفًا آخر. كان الاحتفال يستعيد حيويته شيئًا فشيئًا بعد هدوء المراسم، وعادت الموسيقى الخافتة تتردد بين الأعمدة، فيما انشغل بعض الحاضرين بالحديث قرب النوافذ، وانتقل آخرون إلى الطاولات التي رُتبت عليها أطباق صغيرة من الحلوى والفواكه. كانت القاعة واسعة بما يكفي لتسمح للمجموعات بالتشكل والتفرق دون أن يتداخل حديث إحداها مع الأخرى كثيرًا، وقد ساعد الضوء الذهبي المنبعث من الثريات على منح المكان دفئًا جعلني أنسى، لبعض الوقت، رهبة الوقوف داخل دائرة الزئبق قبل دقائق. وحين بدأت أشعر بأنني قضيت نصف حياتي في تبادل التحيات، ظهر لوسيان أمامي حاملًا كأسًا من العصير، ثم مدّه إليّ. "اشر
اشتعلت الشموع المحيطة بي دفعة واحدة، فارتفع الضوء من حول دائرة الزئبق حتى اضطررت إلى إغماض عيني للحظة. شعرت بحرارة لطيفة تلامس وجهي، وسمعت حفيفًا خافتًا يتردد في القاعة، أعقبه صمت قصير بدا أطول مما كان عليه في الحقيقة. وحين فتحت عيني مجددًا، كانت الرموز المرسومة تحت قدمي تتوهج بضوء فضي هادئ، بينما انعكست ألسنة اللهب على الأرضية المصقولة، فبدت كأنها تمتد في خطوط متشابكة حول الدائرة. توقفت الكلمات التي كان المسؤول عن المراسم يتلوها للحظات، ثم استأنفها بصوت ثابت، ورفع الكتاب القديم الذي يحمله أمامه. لم يكن في نبرته ما يوحي بالقلق أو المفاجأة؛ فقد كانت هذه اللحظة جزءًا من الطقس الذي جاء الجميع لمشاهدته. تابع تلاوة الكلمات الختامية، وتبعتها حركة خفيفة في الضوء المحيط بي، قبل أن تخفت العلامات الفضية تدريجيًا وتعود دائرة الزئبق إلى سكونها. لم أشعر بشيء مؤلم، ولم يحدث ما يدعو إلى الخوف، لكن الوقوف في مركز كل تلك الأضواء جعلني واعية تمامًا بأن الأنظار كانت تتجه إليّ من كل جانب. أغلق المسؤول كتابه أخيرًا، ثم انحنى لي انحناءة رسمية قبل أن يعلن اكتمال مراسم استيقاظ النسب. عندها فقط انفرج التوت
خفض بعض الضيوف أصواتهم عندما ظهرت أدوات المراسم في وسط القاعة، وتحولت نظراتهم من الإعجاب بالزينة إلى ترقب أكثر جدية. حتى أمي، التي كانت تبتسم للنساء القريبات منها، وضعت يدها على كتفي وأخذت نفسًا هادئًا. لم أفهم سبب تغير الأجواء بهذه السرعة، لكنني شعرت بأن ما سيحدث يتجاوز فقرة عادية من فقرات الحفل. بدأت الشموع المحيطة بالمنصة تضيء واحدة تلو الأخرى، بوهج أزرق رقيق سرى بين الفتائل كما لو أن نسمة غير مرئية مرت فوقها. وفي الوقت نفسه، أصدرت البلورات صوتًا خافتًا يشبه رنين الزجاج حين يلامسه الماء. انعكس ضوؤها على الأرضية الرخامية في دوائر صغيرة متداخلة، بينما استقرت كل بلورة في مكانها. توقفت عن متابعة الوجوه، وحدقت في الضوء الذي ينساب حول المنصة. لم أكن قد رأيت شيئًا كهذا من قبل، ومع ذلك لم يبدُ الأمر غريبًا على الضيوف. وقفوا بهدوء، ووضع بعضهم كؤوسه فوق الطاولات، بينما اتخذ أفراد عائلتي أماكنهم قرب المساحة المخصصة للمراسم. اقتربت أمي مني حتى لامس كتفها كتفي، ثم همست بصوت لم يسمعه سوانا: "ابقي قريبة مني، كارينا، واتبعي ما يُطلب من







