Teilen

الفصل40: وليمة القصر واستقبال الضيوف

last update Veröffentlichungsdatum: 13.10.2026 00:00:00

في الطابق السفلي، كانت القاعة الكبرى قد تحولت إلى مشهد يليق بعائلة احتفظت باسمها ومكانتها عبر أجيال طويلة. ارتفعت الأعمدة الحجرية حتى السقف الخشبي الداكن، وتدلت بين أقواسها رايات عائلة رافين المطرزة بشعارها الفضي.

أضاءت الثريات الحديدية صفوف الشموع التي انعكست ألسنتها فوق الرخام المصقول. ولم يكن الضوء ثابتًا تمامًا؛ فقد كانت البلورات الصغيرة المثبتة في قواعد الثريات تجمع الوهج وتوزعه على السقف في خيوط رقيقة، فتتحرك انعكاساتها ببطء كأن النجوم تنساب فوق رؤوس الحاضرين.

انتشرت الطاولات الطويلة على جانبي القاعة، وقد غُطيت بمفارش مخملية بلون العاج، تتوسطها ممرات ضيقة من القماش الأزرق الداكن. وُضعت الأطباق الفضية أمام المقاعد، وإلى جوار كل طبق سكاكين وشوك مصقولة.

اصطفت الكؤوس الكريستالية بأحجام مختلفة؛ بعضها مملوء بنبيذ أحمر داكن انعكس فيه ضوء الشموع بلون الياقوت، وبعضها بنبيذ أبيض ذهبي، إلى جانب كؤوس من عصير العنب والتوت ومشروبات فاكهية باردة للضيوف الذين لا يرغبون في النبيذ.

لم تقتصر الوليمة على الأطباق المعتادة في المناسبات الرسمية. فقد امتلأت الصواني باللحوم المشوية المتبلة بالأعشاب، وقطع اللحم المطهوة ببطء في صلصات داكنة، وأسماك محمرة بقشرة ذهبية رقيقة.

إلى جانب ذلك، وُضعت أطباق من الخضروات المطهوة بالزبدة والتوابل، وسلال من الخبز الدافئ المغطى ببذور صغيرة لامعة. أما الفاكهة، فقد رُتبت في أوانٍ بلورية على هيئة عناقيد، تتوسطها حبات من العنب الأحمر والتين والتوت.

اصطفّت أطباق الحلوى المزينة بالكريمة والعسل والمكسرات في نهاية الطاولات. وبين كل طبق وآخر، وُضعت شموع صغيرة داخل حوامل فضية على هيئة أزهار مفتوحة، وكانت ألسنتها تتبدل من الأبيض إلى الأزرق الباهت كلما مر أحد بجوارها.

لم يكن ذلك سحرًا استعراضيًا يلفت الأنظار، بل لمسة مألوفة في القصور القديمة، حيث تُستخدم البلورات لتلطيف الضوء، وحفظ الطعام دافئًا، ومنع الشموع من الانطفاء مع حركة الهواء.

كان الخدم يتحركون بين الطاولات بخطوات هادئة، يحمل بعضهم صواني الشراب، بينما تولى آخرون ضبط ترتيب المقاعد واستبدال الكؤوس كلما احتاج الأمر. وعند النوافذ، عزف ثلاثة موسيقيين على آلات وترية قديمة.

رافقهم عازف فلوت أخرج من آلته نغمات ناعمة امتزجت بأحاديث الضيوف، فبدت القاعة كأنها تتنفس على إيقاع واحد، من دون أن تفقد هيبتها أو تتحول إلى مكان صاخب.

بدأت العائلات النبيلة تصل تباعًا، مرتدية أثوابًا مطرزة بالأحجار الثمينة ومعاطف رسمية تحمل شارات أسرها. كان بعضهم يتبادل التحيات بحرارة، بينما وقف آخرون قرب النوافذ يتحدثون عن شؤون المدن وأخبار السحرة المعروفين.

حملت كلماتهم مزيجًا من الفضول والاحترام؛ فالدعوة إلى قصر رافين لم تكن أمرًا عاديًا، والليلة التي يُحتفل فيها ببلوغ إحدى بنات العائلة السادسة عشرة كانت مناسبة لا يرغب أصحاب المكانة في تفويتها.

وقف سيد رافين عند المدخل الرئيسي، مرتديًا معطفًا أسود طويلًا تتخلله تطريزات فضية دقيقة عند الياقة والأكمام. كانت ملامحه هادئة، لكن حضوره جعل الضيوف يتجهون إليه من دون أن يضطر إلى استدعائهم.

كان يستقبل كل عائلة بما يناسبها، فيمنح كبار السن وقتًا للحديث، ويبادل الأصدقاء القدامى المزاح الرصين، ثم يفسح المجال للخدم كي يرافقوا الوافدين إلى أماكنهم.

اقترب منه اللورد هارمون، وهو رجل مسن ذو شعر أبيض ورداء بلون النبيذ الداكن، وصافحه بابتسامة صادقة. "يشرفني أن أعود إلى هذا القصر، سيد رافين. لا تزال جدرانه تحتفظ بالهيبة نفسها التي أتذكرها، وإن كنت أظن أن الحدائق أصبحت أجمل مما كانت عليه."

"يسعدني أنك لاحظت ذلك. أمضت إيما وقتًا طويلًا في اختيار النباتات الجديدة، وأخشى أنها ستسألني عن رأيك في كل شجرة عندما تلتقي بك." رد سيد رافين، فابتسم الرجل العجوز وهو يرفع كأسًا قدمه إليه أحد الخدم.

"سأكون سعيدًا بإرضائها، ما دامت لا تطلب مني أن أميز بين أنواع الزهور التي لا أستطيع حتى نطق أسمائها."

ضحك سيد رافين، ثم أشار إلى القاعة حيث كانت إحدى الخادمات تضع آخر طبق على الطاولة. "أرجو أن تجد الضيافة مناسبة. حرصنا على أن يكون الطعام متنوعًا، فقد أخبرتني زوجتي أن بعض ضيوفنا يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى هنا، ولن يكون من اللائق استقبالهم بكأس شراب وقطعة خبز."

تأمل اللورد هارمون الطاولات بإعجاب، ثم عاد ينظر إليه. "إذا كان هذا ما تسميه كأس شراب وقطعة خبز، فأنا أخشى أن أرى ما تعدونه وليمة حقيقية."

تبادلا الضحك، قبل أن يخفض اللورد صوته قليلًا ويضيف: "وأين صاحبة الليلة؟ كنت أتمنى أن أهنئ كارينا قبل أن تبدأ المراسم. آخر مرة رأيتها كانت صغيرة إلى درجة أنها اختبأت خلف والدتها حين حاولت إهداءها صندوقًا من الحلوى."

"أظن أنها ستستقبل هديتك هذه المرة بنفس الحماس، وربما تطلب صندوقًا أكبر." قال سيد رافين بابتسامة بدت أكثر دفئًا من ذي قبل. "إنها تكبر بسرعة، وإن كنت لا أزال أجد صعوبة في تصديق أن طفلتنا أصبحت في السادسة عشرة."

"هذا ما يفعله الزمن بنا. نظن أننا نملك سنوات طويلة لنستمتع بوجودهم، ثم نكتشف أنهم أصبحوا أطول منا، وأشد إصرارًا على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم."

لم يجب سيد رافين مباشرة. نظر لحظة إلى الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، ثم أعاد انتباهه إلى ضيفه. "أعتقد أن هذا هو الجزء الأصعب في تربيتهم. أن تتعلم متى تمد يدك لمساعدتهم، ومتى تتركهم يخطئون بأنفسهم."

أومأ اللورد هارمون بتفهم، ثم ربت على ذراعه قبل أن يتجه إلى الطاولة المخصصة لعائلته. بقي سيد رافين يراقبه لثوانٍ، قبل أن يلتفت لاستقبال ضيوف آخرين.

عادت إلى وجهه ابتسامته الرسمية، وإن لم تختفِ تمامًا تلك النظرة التي تظهر في عينيه كلما ذُكرت كارينا.

على الجانب الآخر من القاعة، كان لوسيان يتأكد من ترتيب المساحة المحيطة بالمنصة، مرتديًا معطفًا داكنًا بخطوط فضية عند الأكمام. راجع قائمة صغيرة، ثم أشار إلى خادم كي يبعد حامل شموع عن الممر الأوسط.

تأكد من أن الطاولات لا تحجب الرؤية عن المقاعد الخلفية. "أريد أن تبقى هذه المساحة خالية حتى تبدأ المراسم،" قال لمسؤول الحفل، وهو يشير إلى الرخام الأبيض أمام المنصة. "ولا أريد من أحد أن ينقل أي قطعة من مكانها بعد وصول الضيوف، إلا إذا كان ذلك ضروريًا."

أجابه المسؤول باحترام: "تم تجهيز كل شيء وفق تعليمات السيدة إيما، سيدي. أدوات المراسم محفوظة في الغرفة المجاورة، والبلورات في حواملها، وقد فُحصت الشموع مرتين."

توقف لوسيان عند كلمة البلورات، ثم نظر إلى الصناديق المغلقة قرب الجدار. لم يكن من عادته أن يقلق بشأن كل تفصيل، لكنه لم يرغب في حدوث خطأ في ليلة انتظرتها كارينا طويلًا.

"جيد. أبقِ الغرفة مغلقة، وأبلغني فورًا إذا احتجت إلى أي شيء."

ابتعد المسؤول، بينما انحنى لوسيان ليلتقط قطعة قماش فضية سقطت قرب إحدى الحوامل. أعادها إلى مكانها بنفسه، ثم نظر إلى الخادم الذي كان يعمل هناك وقال بنبرة أخف: "لا تقلق، لن يلاحظ أحد ما حدث. إلا إذا قررت أن تخبرهم بنفسك، وعندها سأضطر إلى الادعاء بأنني لم أرك."

ابتسم الخادم بارتياح، وانحنى شكرًا قبل أن يعود إلى عمله. لم يكن لوسيان قاسيًا مع من يعملون في القصر، لكنه كان دقيقًا في الأمور التي تهم عائلته، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بكارينا.

كان يعرف أنها قد تحول تفصيلًا صغيرًا إلى مزحة طويلة، وأنها لن تتردد في تذكيره بأي خطأ يرتكبه أمامها، لكنه أراد أن يمنحها ليلة تستمتع بها دون أن تضطر إلى القلق بشأن شيء.

حين اقترب منه سيد رافين، رفع لوسيان رأسه وأعاد القائمة إلى جيبه، محاولًا إخفاء تعبه خلف ابتسامة واثقة. تفحص الأب القاعة، ثم نظر إلى ابنه قائلًا: "أرى أنك تتعامل مع ترتيب الحفل كما لو أنك تستعد لمعركة."

"في المعارك، على الأقل، يخبرك الخصم بما ينوي فعله." رد لوسيان وهو يلمح إلى الدرج. "أما كارينا، فقد تقرر في اللحظة الأخيرة أن الفستان لا يعجبها، أو أن الحذاء غير مريح، أو أن الجميع بالغوا في الاحتفال بعيد ميلادها."

ضحك سيد رافين، ثم وضع يده على كتف ابنه. "وهل ستمنعها من إبداء رأيها في يومها؟"

"لا، لكنني سأطلب منها أن تبدي رأيها قبل أن يصل الضيوف، لا بعد أن يقف الجميع منتظرين عند الدرج."

هز الأب رأسه بابتسامة، ثم قال: "أنت تعرف أنها لا تتعمد إرباكنا. إنها تريد فقط أن تشعر بأن لها رأيًا في ما يحدث حولها."

تغير تعبير لوسيان قليلًا، واختفت السخرية من عينيه. "أعرف، أبي. لهذا أريد أن تسير الليلة كما تحبها. أظن أنها تحاول إخفاء توترها خلف المزاح."

لم يرد سيد رافين فورًا، بل نظر إلى ابنه نظرة حملت شيئًا من الفخر والامتنان، ثم قال: "إذن ساعدها على الاستمتاع بالليلة بدلًا من محاولة جعل كل شيء مثاليًا. بعض الذكريات تصبح جميلة بسبب الأشياء الصغيرة التي لا تسير كما خُطط لها."

ابتسم لوسيان ابتسامة خفيفة، ثم أشار إلى أحد الخدم ليقدم لوالده كأسًا من النبيذ الأحمر. أخذ سيد رافين الكأس، ورفعها قليلًا باتجاه ابنه، كما لو كان يحييه على جهده، قبل أن يقول: "والآن، اذهب وتأكد من أن أختك لم تقرر الهرب من النافذة."

"إذا فعلت ذلك، فستحتاج إلى مساعدتي في النزول،" أجاب لوسيان بجدية مصطنعة. "وأنا لن أفسد معطفي الجديد من أجل إنقاذها."

ضحك سيد رافين وهو يبتعد لاستقبال مجموعة وصلت للتو، بينما اتجه لوسيان إلى الممر الجانبي، ولم يستطع منع نفسه من النظر إلى الدرج مرة أخرى. كانت الموسيقى قد تغيرت إلى لحن أكثر دفئًا، وبدأ الخدم بتقديم أطباق إضافية للضيوف الذين جلسوا إلى الطاولات.

فيما انعكس ضوء الشموع على النبيذ في الكؤوس، وعلى البلورات الصغيرة التي تزين حواف الصحون.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل49:الرحيل

    نظرت إليها، وشعرت بأن الكلمات التي كنت أريد قولها أصبحت أثقل مما توقعت. لم يكن الأمر متعلقًا بالعصا وحدها، بل بالمغادرة التي اقتربت حتى لم يعد هناك شيء يؤجلها. حاولت الابتسام، لكنني وجدت نفسي أقترب منها وأعانقها بدلًا من الإجابة.احتضنتني أمي بقوة هادئة، ثم أبقت يدها على ظهري للحظات. لم تطلب مني أن أعدها بعودتي سريعًا، ولم تحاول إخفاء حقيقة أن الفراق صعب، بل اكتفت بأن تضمّني كما لو أنها تريد أن تمنحني بعض الطمأنينة أحملها معي.أغمضت عينيّ، واستنشقت رائحتها المألوفة، وشعرت بأنني عدت للحظات إلى الأيام التي كنت ألجأ فيها إلى حضنها كلما أخافني شيء. لم أكن أعرف كيف سأواجه الأيام المقبلة، ولا إن كنت سأتمكن من إخفاء ارتباكي أمام أشخاص لا أعرفهم، لكن ذراعيها حولي جعلتني أشعر بأنني ما زلت أملك مكانًا أستطيع العودة إليه مهما تغيرت الأشياء."اعتني بنفسك، كارينا.""سأفعل يا أمي."حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، لكنني لم أستطع منع الحزن من الظهور فيه. ابتعدت عنها قليلًا، فرفعت أمي يدها ولمست خدي بحنان، ثم ابتسمت لي ابتسامة صغيرة بدت وكأنها تخفي خ

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل48: هدية عند باب المنزل

    بقيت الشاشة أمامي لحظات أخرى، ثم خففت تركيزي عنها بعدما انتهيت من قراءة البيانات. لم تختفِ أهمية السجل لمجرد أنني قرأته؛ فقد أصبحت أعرف أن العصا ليست مجرد قطعة خشب مرصعة بالجواهر، بل أداة ذات وظيفة محددة وخصائص تحتاج إلى فهم قبل استخدامها. "هل فهمتِ ما تحتاجين إليه؟" سألت أمي، وهي تراقب وجهي. أومأت. "عرفت وظيفتها وبعض خصائصها، لكنني سأحتاج إلى وقت لأفهم كيفية استخدامها جيدًا." "وهذا أفضل من أن تتسرعي." مررت أمي يدها على كتفي، ثم رتبت طرف ملابسي الذي تحرك أثناء حمل الحقيبة. "لا أريدك أن تشعري بأن عليكِ معرفة كل شيء منذ اللحظة الأولى." خفضت عينيّ نحو العصا مرة أخرى، وأدرتها بين أصابعي لأتأمل الجواهر الصغيرة المثبتة حول رأسها المستدير. كان من الغريب أن أحمل أداة سحرية تخصني دون أن يكون لها اسم، خصوصًا أنني اعتدت منح أسماء حتى للأشياء التي لا تحتاج إليها. "أمي، هل يمكنني أن أختار لها اسمًا؟" سألت، وأنا أرفع العصا قليلًا أمامي. ابتسمت أمي. "بالطبع. إنها عصاكِ الآن، ومن حقكِ أن تختاري

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل47: بداية الحياة ما وراء العالم المألوف

    توقف في منتصف الطريق، ثم غيّر اتجاهه بعناد، فعلق الغرض عند طرف السجادة، وحاول سحبه مرة أخرى دون أن ينجح. راقبته للحظات، ثم قلت: "أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة." نظر لوسيان إلى الدب، ثم إليّ. "أظن أنكما تتشابهان أكثر مما تتصورين." "ماذا تقصد؟" "كل منكما يصر على إنهاء المهمة بطريقته، حتى عندما يكون هناك حل أسهل." ضيقت عينيّ نحوه. "يمكنني أن أتركك ترتب بقية الحقيبة وحدك." رفع حاجبيه مبتسمًا. "وهل هذا تهديد أم وعد؟" "يمكن أن يكون الاثنين." رفع يديه مستسلمًا، لكنه لم يخفِ ابتسامته، ثم انحنى والتقط الغرض الذي عجز الدب الصغير عن حمله ووضعه في مكانه. تابعت دينغ دينغ ترتيب الأغراض الأخرى، بينما ساعدني لوسيان في إغلاق الحقيبة، وأعدت فحص محتوياتها مرة أخيرة حتى أتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا. "انتهيت،" أعلنت وأنا أبتعد عن السرير.

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل46:بين الذكرى والرحيل

    "أبي، هل يعني هذا أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى جزء صغير من عالم أكبر؟" ظل أبي ينظر إليّ للحظات، ثم وضع فنجانه على الطاولة بهدوء، وكأنه يريد أن يمنح سؤالي وقتًا كافيًا قبل أن يجيب. كانت أمي تجلس إلى جواري، بينما بقي لوسيان في المقعد المقابل، يستمع بصمت لم أعتده منه. قال أبي أخيرًا: "ما تعرفينه عن العالم لا يمثل إلا الجزء الذي عشتِ فيه حتى الآن. هناك أمور لا يمكن فهمها من خلال ما ترينه حولك فحسب، لأن تاريخ هذا العالم أقدم بكثير من الحكايات التي يتناقلها الناس." عقدت حاجبيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه، ثم ملت قليلًا إلى الأمام. "وهل تقصد أن هناك عوالم أخرى فعلًا؟ عوالم مختلفة عن عالمنا، وليست مجرد أماكن بعيدة لم نزرها؟" أومأ أبي ببطء. "نعم، لكن معرفة وجودها لا تعني أن الوصول إليها أمر بسيط، ولا أن كل ما يُقال عنها صحيح. هناك تاريخ وراء عائلتنا، وأحداث جعلت معرفتنا بهذه الأمور مختلفة عن معرفة الآخرين." نظرت إلى أمي، فوجدتها تتابع الحديث بهدوء، ثم انتقلت عيناي إلى لوسيان الذي بدا أكثر اهتمامًا مما أظهره في البداية. لم يقاطع أبي، ولم يحاول إلقاء تعليق ساخر كما يفعل عادةً، وهذا وحده

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل45:كارينا بعد مراسم استيقاض 3

    ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد. "لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا. ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا. كان ذلك ك

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل44:كارينا بعد مراسم استيقاض 2

    كانت طريقته في الرد كافية لتجعلني أضحك، فيما اكتفى أبي بإلقاء نظرة تحذيرية على الرجل الذي بدا أنه استمتع باستفزازه أكثر مما استمتع بالحديث معي. وحين ابتعد الضيف، انحنيت نحو أبي وهمست: "أريد أن أعرف ماذا فعلت." "لا تريدين." "هذا يعني أنك فعلت شيئًا يستحق أن أعرفه." "هذا يعني أنني كنت في السادسة عشرة يومًا ما، وأنني لا أريد أن أسمع تعليقًا من ابنتي طوال الأسبوع القادم." ضحكت، ثم تشبثت بذراعه لحظة قبل أن أتركه يستقبل ضيفًا آخر. كان الاحتفال يستعيد حيويته شيئًا فشيئًا بعد هدوء المراسم، وعادت الموسيقى الخافتة تتردد بين الأعمدة، فيما انشغل بعض الحاضرين بالحديث قرب النوافذ، وانتقل آخرون إلى الطاولات التي رُتبت عليها أطباق صغيرة من الحلوى والفواكه. كانت القاعة واسعة بما يكفي لتسمح للمجموعات بالتشكل والتفرق دون أن يتداخل حديث إحداها مع الأخرى كثيرًا، وقد ساعد الضوء الذهبي المنبعث من الثريات على منح المكان دفئًا جعلني أنسى، لبعض الوقت، رهبة الوقوف داخل دائرة الزئبق قبل دقائق. وحين بدأت أشعر بأنني قضيت نصف حياتي في تبادل التحيات، ظهر لوسيان أمامي حاملًا كأسًا من العصير، ثم مدّه إليّ. "اشر

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status