Share

أول خطيئة

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-18 19:28:22

ساد الظلام داخل المنزل لثوانٍ طويلة بعد صوت لارا.

ثوانٍ ثقيلة لدرجة أن كارما استطاعت سماع أنفاسها المرتجفة بوضوح، بينما بقيت الجدة جالسة مكانها وكأن الرعب استنزف قدرتها على الحركة منذ سنوات.

أما جواد…

فبقي واقفًا قرب الباب دون أن يبعد عينيه عن الظل أعلى الدرج.

ثم عادت الكهرباء فجأة.

ظهرت لارا بوضوح تحت الضوء الخافت.

فستان أبيض طويل، شعر أسود منسدل، وابتسامة هادئة على وجه لا يبدو مخيفًا أبدًا…

إلا لمن يعرف الحقيقة.

نظرت إلى الجميع بهدوء، ثم قالت:

“هذا اجتماع عائلي لطيف.”

لم يجب أحد.

حتى كارما شعرت بأن صوتها اختفى.

أما الجدة، فهمست بتعب:

“لماذا عدتِ لهذا المنزل يا لارا؟”

ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها.

“لأنني لم أغادره يومًا.”

ثم تحركت عيناها نحو جواد مباشرة.

وهنا فقط…

تغيرت نظرتها قليلًا.

شيء أكثر دفئًا، أكثر ظلمة، وأكثر امتلاكًا.

“لكن يبدو أن الجميع بدأ يتذكر أخيرًا.”

غادر جواد المنزل بعد أقل من عشر دقائق.

لم يحتمل البقاء أكثر.

كان يقود سيارته بسرعة جنونية عبر الطرق الفارغة بينما أنفاسه مضطربة بصورة لم يعشها منذ سنوات طويلة.

لارا حيّة.

وليس هذا فقط…

بل كانت تراقبه طوال الوقت.

قبض على المقود بعنف وهو يحاول تجاهل الذكريات التي بدأت تعود إليه رغماً عنه.

ذكريات دفنها منذ المراهقة.

ذكريات تخصه معها وحدها.

قبل عشرة أعوام…

كان جواد في الثامنة عشرة.

متمردًا، عنيفًا، ويعيش تلك المرحلة الخطيرة بين الغضب والفراغ.

أما التوأم فكانتا في السادسة عشرة.

ليان الهادئة التي تتبعه بعينيها بصمت، ولارا التي كانت تنظر إليه وكأنها تريد التهامه حيًا.

لاحظ ذلك منذ البداية.

لارا لم تكن تنظر إليه كأي فتاة مراهقة معجبة.

كانت تراقبه بطريقة جعلته يشعر أحيانًا بعدم الارتياح.

وأحيانًا أخرى…

بالفضول.

في إحدى ليالي الصيف القديمة، أقامت العائلة حفلة صغيرة داخل المنزل الريفي قرب البحيرة.

كان الجميع في الخارج، الموسيقى مرتفعة، والكبار منشغلين بالحديث.

أما جواد، فكان جالسًا وحده فوق سطح المنزل يدخن بصمت.

حتى سمع صوتًا خلفه.

“أنتَ تختبئ كثيرًا.”

استدار ليجد لارا.

كانت ترتدي فستانًا أسود قصيرًا، بينما تحرك شعرها الطويل مع الهواء الليلي.

رفع حاجبه بسخرية.

“وأنتِ تراقبين الناس كثيرًا.”

اقتربت وجلست بجانبه دون استئذان.

“أحب مراقبتك تحديدًا.”

ضحك بخفوت.

“أنتِ غريبة.”

“أعرف.”

قالتها بفخر غريب.

ساد الصمت بينهما للحظات، ثم مدت يدها نحوه فجأة.

“أعطني سيجارة.”

نظر إليها باستغراب.

“أنتِ صغيرة.”

“وأنتَ لستَ أبي.”

ابتسم رغماً عنه وأعطاها واحدة.

أخذت نفسًا قصيرًا ثم بدأت تسعل بعنف.

ضحك لأول مرة تلك الليلة.

أما هي…

فظلت تنظر إليه أثناء ضحكه وكأنها اكتشفت شيئًا ساحرًا.

ومنذ تلك اللحظة…

بدأ كل شيء.

بعدها بأشهر، أصبحت لارا تتبعه في كل مكان تقريبًا.

رسائل منتصف الليل، زيارات مفاجئة، ونظرات طويلة لا تخفي شيئًا.

كان يعرف أنها خطيرة.

لكن ذلك كان جزءًا من جاذبيتها.

كانت مختلفة عن أي فتاة عرفها.

لا تخافه. لا تحاول إصلاحه. ولا ترى فيه شابًا محطمًا يحتاج للشفقة.

بل كانت تنظر إليه وكأنه يشبهها.

وهذا ما أخافه فعلًا.

وفي ليلة ممطرة…

حدث الأمر الذي غيّر كل شيء.

كان المنزل القديم فارغًا تقريبًا بسبب سفر العائلة، بينما بقيت لارا وحدها هناك بحجة المرض.

وصل جواد ليلًا بعد اتصال غريب منها.

وعندما فتح الباب…

وجدها جالسة على الأرض قرب المدفأة.

ترتدي قميصًا أبيض واسعًا، وقدماها حافيتان، بينما انعكس ضوء النار فوق وجهها بطريقة جعلتها تبدو أكبر من عمرها الحقيقي.

“ظننتُ أنكَ لن تأتي.”

قالتها بهدوء.

أغلق الباب خلفه ببطء.

“كنتِ تبكين عبر الهاتف.”

ابتسمت بخفة.

“أحيانًا أمثل جيدًا.”

لم يفهم وقتها ما قصدته.

اقترب منها ببطء.

“ما المشكلة؟”

رفعت عينيها نحوه.

وكان هناك شيء داخل نظرتها تلك الليلة…

شيء جائع بصورة مخيفة.

“أنت.”

شعر بانقباض خفيف في صدره.

لكن بدل أن يبتعد…

اقترب أكثر.

تذكر جواد تلك الليلة الآن بتفاصيل مؤلمة.

صوت المطر، رائحة الدخان، وطريقة تمسكها به وكأنها تخشى اختفاءه.

كانت أول مرة يشعر أن أحدًا يريده بالكامل.

بجنونه، بعنفه، وبكل شيء مظلم داخله.

أما لارا…

فوقعت في حبه منذ تلك اللحظة بصورة مرضية.

لم يعد الأمر إعجاب مراهقة.

بل هوسًا كاملًا.

كانت تؤمن أنهما متشابهان، وأن أحدًا لن يفهمه سواها.

حتى ليان نفسها…

بدأت تكرهها بسبب ذلك.

عاد جواد إلى واقعه عندما توقف أمام إشارة المرور الحمراء.

تنفس بعنف وهو يمرر يده فوق وجهه.

اللعنة…

لقد كان جزءًا من السبب.

ربما هو من صنع الوحش الذي أصبحت عليه.

رن هاتفه فجأة.

نظر إلى الشاشة.

لارا.

تردد للحظة… ثم أجاب.

جاء صوتها هادئًا وناعمًا عبر السماعة:

“هل تتذكر تلك الليلة؟”

أغلق عينيه فورًا.

“ماذا تريدين؟”

ضحكت بخفوت.

“أكره عندما تتظاهر أنكَ نسيت.”

قبض على الهاتف بقوة.

“انتهى الأمر منذ سنوات.”

ساد الصمت للحظة.

ثم قالت بصوت منخفض جدًا:

“بالنسبة لكَ فقط.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   عندما دخل الظل

    الصمت داخل النفق أصبح خانقًا بعد كلمات مروان.حتى صوت المطر بالخارج بدا بعيدًا فجأة.“إنه كيان بنفسه.”ياسين أول من تكلم.“رائع.”قالها وهو يرفع سلاحه.“كنت أظن ليلتنا سيئة بالفعل.”لكن أحدًا لم يضحك.لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الاسم فقط…بل من رد فعل جواد.وجهه شحب بطريقة واضحة، وعيناه اتجهتا فورًا نحو مدخل النفق.كأن جسده كله دخل حالة تأهب غريزية.لارا لاحظت ذلك فورًا.“جواد.”قالتها بهدوء منخفض.“من هو بالضبط؟”لكنه لم يجب.بل وقف رغم ألمه، ثم أمسك سلاحه ببطء.“يجب أن نخرج من هنا الآن.”“إلى أين؟”سأل سليم بعصبية.“النفق له مخرج واحد!”“هناك ممر سفلي.”قال حسام بسرعة.“قديم… لكنه قد يوصلنا للحي الشرقي.”“وقد يكون مغلقًا أو منهارًا.”رد آدم.“هل لديك اقتراح أفضل؟”قبل أن يرد—توقفت أصوات المطر بالخارج فجأة.لا…ليس المطر.بل إطلاق النار.صوت السيارات. الرجال. كل شيء.اختفى دفعة واحدة.الصمت أصبح مرعبًا.كارما ضمت قبضتها فوق السلاح.“أنا أكره هذا.”همست.ثم…بدأت خطوات تُسمع من الخارج.هادئة. ثابتة. بطيئة جدًا.وكأن صاحبها لا يخشى شيئًا إطلاقًا.مروان تراجع للخلف بعنف.الخوف بعينيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الرجل الذي يتوقف الجميع لأجله

    المطر كان يهطل بغزارة فوق الأزقة الضيقة خلف المبنى المهجور.الجميع يركض، أصوات الرصاص تعود من بعيد، وأنفاسهم أصبحت أثقل مع كل خطوة.لكن لارا…كانت ما تزال تنظر خلفها.نحو الرجل الواقف فوق المبنى المقابل.لم يتحرك.لم يرفع سلاحًا.فقط وقف هناك، بهدوء مرعب، كأنه لا يحتاج لفعل أي شيء كي يخافه الجميع.حتى رجال المنظمة أنفسهم توقفوا للحظات.وكأن وجوده وحده أمر غير متوقع.“لارا!”جواد جذبها بعنف من ذراعها.“تحركي!”التفتت له أخيرًا.“من هذا؟”فكه تشنج للحظة.“ليس الآن.”قالها بسرعة وهو يدفعها للأمام.لكنها لم تخطئ تلك النظرة بعينيه.جواد يعرفه.بل ويخافه.وذلك وحده كان كافيًا ليزرع القلق داخلها.بعد دقائق طويلة من الركض…وصلوا أخيرًا إلى نفق قديم أسفل أحد الجسور المهجورة.الجميع كان يلهث بقوة.الملابس مبتلة، والإرهاق واضح على الوجوه.سليم انحنى واضعًا يديه فوق ركبتيه.“أقسم… أنني سأموت بسبب الجري وليس الرصاص.”“اصمت.”قالها حسام وهو يراقب مدخل النفق بحذر.أما كارما…فكانت تنظر نحو لارا بصمت.ثم أخيرًا اقتربت منها.“أنتِ شاحبة.”“أنا بخير.”ردت فورًا.كارما رفعت حاجبًا.“الكذبة واضحة جدًا لد

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الفتى الذي يعرف الطريق

    الصمت خيّم على المبنى المهجور للحظات طويلة بعد كلام الطفل الأمطار بالخارج كانت تضرب النوافذ المحطمة بعنف، والبرد بدأ يتسلل للمكان تدريجيًا.لكن أحدًا لم يتحرك.“ماذا قلت؟”سأل حسام أخيرًا بحدة.الطفل ارتجف أكثر، وعيناه تحركتا بين الأسلحة الموجهة نحوه.بدا في الثانية عشرة تقريبًا، نحيفًا جدًا، ووجهه شاحب من الخوف والإرهاق.كارما كانت أول من اقترب.خفضت سلاحها تمامًا، ثم ركعت أمامه بحذر.“اهدأ.”قالتها بصوت أخف من المعتاد.“لن يؤذيك أحد.”الطفل ظل يحدق بها للحظات، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.“هم يراقبون المكان.”همس.توتر الجميع فورًا.“من؟”سأل ياسين.“رجال المنظمة.”سليم شتم بصوت منخفض.“رائع. الليلة تتحسن فعلًا.”لكن لارا لم تهتم بكل ذلك.كانت ما تزال واقفة بعيدًا، تنظر نحو جواد بصمت بارد.وكلامه قبل قليل ما زال يدور داخل رأسها.“طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.”شيء داخلها كان غاضبًا.ليس فقط لأن جواد أخفى الأمر…بل لأن الجميع دائمًا يقرر عنها.أبوها. جواد. حتى ليلان أحيانًا.الجميع يتصرف وكأن لارا تحتاج من ينقذها، بينما هي طوال عمرها كانت تنقذ نفسها وحدها.“لارا.”صوت جواد قطع أفكارها.لكن

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الكلمات الأخيرة

    النار كانت تلتهم أطراف الميناء ببطء.الدخان الأسود صعد للسماء، وامتزج بالضباب الكثيف حتى أصبح المكان كله يبدو كجحيم مفتوح.الرصاص ما زال ينطلق من بعيد، لكن تركيز لارا لم يعد على أي شيء سوى جواد.“أخبرها ماذا قال لك والدها قبل أن يختفي.”صوت رائد اخترق الفوضى بوضوح مرعب.جواد ظل ينظر نحوه للحظات طويلة.ثم شد فكه بعنف.وكأن شيئًا داخله يقاوم الخروج.“جواد.”قالتها لارا هذه المرة بهدوء أخطر من الصراخ.“ماذا يقصد؟”رائد ابتسم.“أوه، يبدو أنه لم يخبركِ.”“اخرس.”خرجت من جواد بحدة مفاجئة.لكن رائد ضحك فقط.ثم بدأ يتراجع ببطء وسط رجاله.“الذاكرة شيء ممتع… خصوصًا عندما تعود متأخرة.”“لا تدعه يهرب!”صرخ سليم وهو يطلق النار.الفوضى انفجرت من جديد.رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب المنظم، يغلقون الطريق بالنيران حتى يمنعوا المجموعة من اللحاق برائد.ياسين شتم بعنف وهو ينحني خلف حاوية معدنية.“أقسم أنني سأقتله بيدي.”“خذ رقمًا وانتظر الدور.”ردت كارما وهي تعيد تعبئة سلاحها بسرعة.لكن عينيها تحركتا فورًا نحو لارا.ولأول مرة منذ بداية المواجهة…بدت لارا غير مستقرة فعلًا.جواد أمسك ذراعها برفق.“يجب أن نت

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الذكريات التي رفضت أن تموت

    الضباب فوق الميناء أصبح أكثر كثافة.الأضواء البيضاء تنعكس فوق المياه السوداء، والرصاص ما زال يتردد بعيدًا بين الحاويات المعدنية.لكن رغم الفوضى…كان تركيز الجميع منصبًا على جواد.“قل لهم ماذا رأيت تلك الليلة.”صوت رائد ظل يتردد بالمكان كسم بطيء.جواد وقف ثابتًا أمام لارا، لكن أنفاسه لم تعد منتظمة.شيء داخل رأسه بدأ يتشقق.صور متقطعة.ممرات بيضاء طويلة. صفارات إنذار. رجل يركض وسط الدخان.ثم…عينان مألوفتان تنظران له قبل انفجار ضخم.“جواد.”صوت لارا أعاده للحظة للحاضر.نظر لها.وعندما رأت عينيه…شعرت بانقباض داخل صدرها.لأنها لم تره هكذا من قبل.مرتبك. ضائع. وكأنه عاد فجأة لذلك الطفل الذي خرج من المختبر محطمًا.“انظر لي.”قالتها بهدوء منخفض.لكن رائد ضحك.“لا فائدة.”ثم اقترب خطوة بطيئة.“ذاكرته بدأت تعود بالفعل.”“اخرس.”خرجت من لارا بحدة.لكن رائد تجاهلها تمامًا.“كان والدكِ هناك تلك الليلة.”قالها وهو ينظر لها مباشرة.“دخل المختبر قبل الحريق بساعات.”تجمدت ليلان فورًا.أما لارا فبقيت ملامحها باردة، لكن عينيها أصبحت أكثر ظلمة.“لماذا؟”سألت أخيرًا.“لأنه كان يحاول إخراج شخص ما.”تبادل

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الليلة التي انفتح فيها الجرح القديم

    الهواء في الميناء أصبح أثقل فجأة.الضباب، أصوات الأمواج، الكشافات البيضاء الحادة…كل شيء صار يبدو كأنه جزء من كابوس قديم عاد للحياة.رائد وقف فوق الحاوية المعدنية العالية، ينظر إليهم بابتسامته الباردة المعتادة.لكن عيناه كانتا مثبتتين على جواد.“هل أخبرتهم أخيرًا… ماذا فعلت بالمختبر تلك الليلة؟”الصمت انفجر داخل المجموعة.ليلان نظرت لجواد بارتباك. كارما عقدت حاجبيها. حتى سليم توقف عن الحركة للحظة.أما لارا…فقط راقبته.راقبت ذلك التوتر الخاطف الذي مر بعينيه قبل أن يختفي.“لا تستمعوا له.”قالها جواد بهدوء.رائد ضحك بصوت منخفض.“ما زلت تفعلها.”“تفعل ماذا؟”سأل آدم بحدة.لكن رائد لم ينظر إلا لجواد.“يخفي الحقيقة.”لارا تقدمت خطوة للأمام، وسلاحها موجه مباشرة نحو رأس رائد.“تكلم بوضوح أو سأفجر جمجمتك.”ابتسم لها ببطء.“اشتقتُ لكِ أيضًا يا لارا.”“قل ما لديك.”خرج صوتها باردًا بشكل مرعب.رائد أسند ذراعيه فوق السور المعدني للحاوية، ثم قال بهدوء:“في الليلة التي احترق فيها المختبر…”نظر نحو جواد.“هو من أشعل النار.”شهقت كارما بخفوت.أما ليلان فنظرت لجواد بصدمة واضحة.لكن جواد بقي صامتًا.وذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status