登入النار كانت تلتهم أطراف الميناء ببطء.
الدخان الأسود صعد للسماء، وامتزج بالضباب الكثيف حتى أصبح المكان كله يبدو كجحيم مفتوح. الرصاص ما زال ينطلق من بعيد، لكن تركيز لارا لم يعد على أي شيء سوى جواد. “أخبرها ماذا قال لك والدها قبل أن يختفي.” صوت رائد اخترق الفوضى بوضوح مرعب. جواد ظل ينظر نحوه للحظات طويلة. ثم شد فكه بعنف. وكأن شيئًا داخله يقاوم الخروج. “جواد.” قالتها لارا هذه المرة بهدوء أخطر من الصراخ. “ماذا يقصد؟” رائد ابتسم. “أوه، يبدو أنه لم يخبركِ.” “اخرس.” خرجت من جواد بحدة مفاجئة. لكن رائد ضحك فقط. ثم بدأ يتراجع ببطء وسط رجاله. “الذاكرة شيء ممتع… خصوصًا عندما تعود متأخرة.” “لا تدعه يهرب!” صرخ سليم وهو يطلق النار. الفوضى انفجرت من جديد. رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب المنظم، يغلقون الطريق بالنيران حتى يمنعوا المجموعة من اللحاق برائد. ياسين شتم بعنف وهو ينحني خلف حاوية معدنية. “أقسم أنني سأقتله بيدي.” “خذ رقمًا وانتظر الدور.” ردت كارما وهي تعيد تعبئة سلاحها بسرعة. لكن عينيها تحركتا فورًا نحو لارا. ولأول مرة منذ بداية المواجهة… بدت لارا غير مستقرة فعلًا. جواد أمسك ذراعها برفق. “يجب أن نتحرك.” نزعت ذراعها منه فورًا. “ماذا قال لك أبي؟” “لارا—” “الآن.” خرجت الكلمة حادة وباردة. نظر لها للحظات. ثم قال بصوت منخفض: “ليس هنا.” اتسعت عيناها بغضب. “ما زلت تخفي عني أشياء.” “لأن هذا ليس الوقت المناسب!” رد لأول مرة بنبرة مرتفعة. الصمت ضربهما للحظة قصيرة. حتى ليلان انتبهت للتوتر فورًا. ذلك التوتر القديم بينهما. نفس الطريقة التي كانت لارا تنظر بها لجواد عندما تشعر أنه يبتعد عنها ولو قليلًا. وللحظة… عاد ذلك الإحساس القديم داخل ليان. الإحساس الذي كانت تكرهه دائمًا. أن لارا تحصل بالنهاية على الشيء الذي تريده. حتى حب جواد. رغم أنها تعرف الآن أنه يحب لارا فعلًا… ورغم أنها لم تعد تريد تلك النظرات القديمة منه… إلا أن جزءًا صغيرًا داخلها ما زال يتألم. لكنها دفنت الإحساس سريعًا عندما اقترب منهم آدم. “يجب أن نخرج من هنا حالًا.” قالها وهو يراقب الميناء بحذر. “هناك تعزيزات قادمة.” وفعلًا… أصوات سيارات سوداء بدأت تقترب من بعيد. “تبًا.” تمتم حسام. سليم أشار نحو المخرج الجانبي للميناء. “من هناك!” الجميع بدأ يتحرك بسرعة وسط الدخان والنار. لكن قبل أن يغادروا— صدر صوت انفجار عنيف خلفهم. الأرض اهتزت بقوة، وإحدى الحاويات الضخمة سقطت بعنف بين لارا وجواد. “جواد!” صرخت لارا فورًا. الدخان غطى كل شيء للحظات. ثم ظهر جواد من الجهة الأخرى، يسعل بقوة بينما الدم ينزل من جانب جبينه. تنفست لارا بعنف، ثم اندفعت نحوه فورًا. أمسكت وجهه بيديها دون تفكير. “هل أنت بخير؟!” نظر لها لثانية… ثم ابتسم بخفوت رغم الدم. “أحب عندما تقلقين هكذا.” “سأقتلك.” همستها خرجت مرتجفة أكثر مما أرادت. لكن قبل أن يرد— رصاصة مرت قربهما. “تحركوا!” صرخ ياسين. ركضوا أخيرًا خارج الميناء، بين الأزقة الخلفية القديمة للمدينة. الأمطار بدأت تهطل مجددًا، خفيفة أولًا ثم أقوى تدريجيًا. بعد دقائق طويلة من الجري… وصلوا أخيرًا إلى مبنى مهجور قديم. أغلق حسام الباب الحديدي بسرعة، بينما بدأ الجميع يلتقط أنفاسه بصعوبة. الصمت الذي تبع ذلك كان ثقيلًا جدًا. ثم أخيرًا… التفتت لارا نحو جواد. “تكلم.” قالتها مباشرة. الجميع فهم فورًا ما تقصده. جواد جلس فوق الأرض بتعب، يمسح الدم عن وجهه ببطء. ثم رفع عينيه نحوها. “بعد ما تركتِني وذهبتِ لوالدكِ…” بدأ بصوت منخفض. “جاء إليّ بعدها بيومين.” تجمدت لارا. ليلان نظرت بصدمة خفيفة. حتى كارما وسليم تبادلا النظرات. “لماذا؟” سألت لارا ببطء. “كان متوترًا.” قالها جواد. “لكنه كان يعرف بالضبط ما يفعله.” تذكرت لارا تلك الليلة فورًا. طريقة أبيها الغريبة. نظرته القلقة رغم هدوئه. وكأنه يريد قول شيء ثم يتراجع. “ماذا قال لك؟” صمت جواد للحظة. ثم مرر يده فوق وجهه بإرهاق. “قال إن المنظمة عادت تبحث عنكِ.” اتسعت عيناها ببطء. “وقال إن هناك شيئًا داخل المنظمة يريدكِ تحديدًا.” “ماذا يعني هذا؟” سأل سليم بعبوس. “لا أعرف.” رد جواد بصراحة. “لكنه طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.” ليلان ضمت ذراعيها حول نفسها بتوتر. “ولماذا لم تخبرنا؟” نظر جواد نحوها، ثم نحو لارا. “لأنه طلب مني ألا أفعل.” ضحكت لارا فجأة. ضحكة قصيرة، باردة، وخالية من أي مرح. “بالطبع.” همست بسخرية مؤلمة. “الجميع يقرر ما يجب أن أعرفه بدلًا مني.” “لارا—” “لا.” قاطعت جواد فورًا. “أنت أيضًا أخفيت عني.” اقترب منها خطوة، لكنها تراجعت فورًا. شيء داخل صدره انقبض بعنف. “كنت أحاول حمايتك.” قالها بصوت أخفض. “أكره هذه الجملة.” ردت ببرود. “كل شخص دمّر حياتي قالها يومًا.” الصمت سقط فوق المكان بالكامل. جواد ثبت نظره عليها. ثم قال بهدوء متعب: “أنا لا أحاول التحكم بكِ.” “إذن توقف عن اتخاذ القرارات عني.” قبل أن يرد— صدر صوت ارتطام خافت من الخارج. الجميع رفع أسلحته فورًا. آدم اقترب ببطء من النافذة المحطمة، ثم ضاق حاجباه. “هناك شخص بالخارج.” همس. توتر الجميع فورًا. لكن المفاجأة… أن الشخص لم يكن يحمل سلاحًا. بل كان طفلًا صغيرًا. مبللًا بالمطر بالكامل، ويرتجف من البرد والخوف. كارما خفضت سلاحها فورًا. “ماذا يفعل طفل هنا؟” لكن الطفل رفع عينيه المرتعبتين نحوهم. ثم قال جملة واحدة جعلت الدم يتجمد بعروق الجميع: “الرجل الذي معكم… هم يريدونه حيًا.” ونظر مباشرة نحو لارا.الصمت داخل النفق أصبح خانقًا بعد كلمات مروان.حتى صوت المطر بالخارج بدا بعيدًا فجأة.“إنه كيان بنفسه.”ياسين أول من تكلم.“رائع.”قالها وهو يرفع سلاحه.“كنت أظن ليلتنا سيئة بالفعل.”لكن أحدًا لم يضحك.لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الاسم فقط…بل من رد فعل جواد.وجهه شحب بطريقة واضحة، وعيناه اتجهتا فورًا نحو مدخل النفق.كأن جسده كله دخل حالة تأهب غريزية.لارا لاحظت ذلك فورًا.“جواد.”قالتها بهدوء منخفض.“من هو بالضبط؟”لكنه لم يجب.بل وقف رغم ألمه، ثم أمسك سلاحه ببطء.“يجب أن نخرج من هنا الآن.”“إلى أين؟”سأل سليم بعصبية.“النفق له مخرج واحد!”“هناك ممر سفلي.”قال حسام بسرعة.“قديم… لكنه قد يوصلنا للحي الشرقي.”“وقد يكون مغلقًا أو منهارًا.”رد آدم.“هل لديك اقتراح أفضل؟”قبل أن يرد—توقفت أصوات المطر بالخارج فجأة.لا…ليس المطر.بل إطلاق النار.صوت السيارات. الرجال. كل شيء.اختفى دفعة واحدة.الصمت أصبح مرعبًا.كارما ضمت قبضتها فوق السلاح.“أنا أكره هذا.”همست.ثم…بدأت خطوات تُسمع من الخارج.هادئة. ثابتة. بطيئة جدًا.وكأن صاحبها لا يخشى شيئًا إطلاقًا.مروان تراجع للخلف بعنف.الخوف بعينيه
المطر كان يهطل بغزارة فوق الأزقة الضيقة خلف المبنى المهجور.الجميع يركض، أصوات الرصاص تعود من بعيد، وأنفاسهم أصبحت أثقل مع كل خطوة.لكن لارا…كانت ما تزال تنظر خلفها.نحو الرجل الواقف فوق المبنى المقابل.لم يتحرك.لم يرفع سلاحًا.فقط وقف هناك، بهدوء مرعب، كأنه لا يحتاج لفعل أي شيء كي يخافه الجميع.حتى رجال المنظمة أنفسهم توقفوا للحظات.وكأن وجوده وحده أمر غير متوقع.“لارا!”جواد جذبها بعنف من ذراعها.“تحركي!”التفتت له أخيرًا.“من هذا؟”فكه تشنج للحظة.“ليس الآن.”قالها بسرعة وهو يدفعها للأمام.لكنها لم تخطئ تلك النظرة بعينيه.جواد يعرفه.بل ويخافه.وذلك وحده كان كافيًا ليزرع القلق داخلها.بعد دقائق طويلة من الركض…وصلوا أخيرًا إلى نفق قديم أسفل أحد الجسور المهجورة.الجميع كان يلهث بقوة.الملابس مبتلة، والإرهاق واضح على الوجوه.سليم انحنى واضعًا يديه فوق ركبتيه.“أقسم… أنني سأموت بسبب الجري وليس الرصاص.”“اصمت.”قالها حسام وهو يراقب مدخل النفق بحذر.أما كارما…فكانت تنظر نحو لارا بصمت.ثم أخيرًا اقتربت منها.“أنتِ شاحبة.”“أنا بخير.”ردت فورًا.كارما رفعت حاجبًا.“الكذبة واضحة جدًا لد
الصمت خيّم على المبنى المهجور للحظات طويلة بعد كلام الطفل الأمطار بالخارج كانت تضرب النوافذ المحطمة بعنف، والبرد بدأ يتسلل للمكان تدريجيًا.لكن أحدًا لم يتحرك.“ماذا قلت؟”سأل حسام أخيرًا بحدة.الطفل ارتجف أكثر، وعيناه تحركتا بين الأسلحة الموجهة نحوه.بدا في الثانية عشرة تقريبًا، نحيفًا جدًا، ووجهه شاحب من الخوف والإرهاق.كارما كانت أول من اقترب.خفضت سلاحها تمامًا، ثم ركعت أمامه بحذر.“اهدأ.”قالتها بصوت أخف من المعتاد.“لن يؤذيك أحد.”الطفل ظل يحدق بها للحظات، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.“هم يراقبون المكان.”همس.توتر الجميع فورًا.“من؟”سأل ياسين.“رجال المنظمة.”سليم شتم بصوت منخفض.“رائع. الليلة تتحسن فعلًا.”لكن لارا لم تهتم بكل ذلك.كانت ما تزال واقفة بعيدًا، تنظر نحو جواد بصمت بارد.وكلامه قبل قليل ما زال يدور داخل رأسها.“طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.”شيء داخلها كان غاضبًا.ليس فقط لأن جواد أخفى الأمر…بل لأن الجميع دائمًا يقرر عنها.أبوها. جواد. حتى ليلان أحيانًا.الجميع يتصرف وكأن لارا تحتاج من ينقذها، بينما هي طوال عمرها كانت تنقذ نفسها وحدها.“لارا.”صوت جواد قطع أفكارها.لكن
النار كانت تلتهم أطراف الميناء ببطء.الدخان الأسود صعد للسماء، وامتزج بالضباب الكثيف حتى أصبح المكان كله يبدو كجحيم مفتوح.الرصاص ما زال ينطلق من بعيد، لكن تركيز لارا لم يعد على أي شيء سوى جواد.“أخبرها ماذا قال لك والدها قبل أن يختفي.”صوت رائد اخترق الفوضى بوضوح مرعب.جواد ظل ينظر نحوه للحظات طويلة.ثم شد فكه بعنف.وكأن شيئًا داخله يقاوم الخروج.“جواد.”قالتها لارا هذه المرة بهدوء أخطر من الصراخ.“ماذا يقصد؟”رائد ابتسم.“أوه، يبدو أنه لم يخبركِ.”“اخرس.”خرجت من جواد بحدة مفاجئة.لكن رائد ضحك فقط.ثم بدأ يتراجع ببطء وسط رجاله.“الذاكرة شيء ممتع… خصوصًا عندما تعود متأخرة.”“لا تدعه يهرب!”صرخ سليم وهو يطلق النار.الفوضى انفجرت من جديد.رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب المنظم، يغلقون الطريق بالنيران حتى يمنعوا المجموعة من اللحاق برائد.ياسين شتم بعنف وهو ينحني خلف حاوية معدنية.“أقسم أنني سأقتله بيدي.”“خذ رقمًا وانتظر الدور.”ردت كارما وهي تعيد تعبئة سلاحها بسرعة.لكن عينيها تحركتا فورًا نحو لارا.ولأول مرة منذ بداية المواجهة…بدت لارا غير مستقرة فعلًا.جواد أمسك ذراعها برفق.“يجب أن نت
الضباب فوق الميناء أصبح أكثر كثافة.الأضواء البيضاء تنعكس فوق المياه السوداء، والرصاص ما زال يتردد بعيدًا بين الحاويات المعدنية.لكن رغم الفوضى…كان تركيز الجميع منصبًا على جواد.“قل لهم ماذا رأيت تلك الليلة.”صوت رائد ظل يتردد بالمكان كسم بطيء.جواد وقف ثابتًا أمام لارا، لكن أنفاسه لم تعد منتظمة.شيء داخل رأسه بدأ يتشقق.صور متقطعة.ممرات بيضاء طويلة. صفارات إنذار. رجل يركض وسط الدخان.ثم…عينان مألوفتان تنظران له قبل انفجار ضخم.“جواد.”صوت لارا أعاده للحظة للحاضر.نظر لها.وعندما رأت عينيه…شعرت بانقباض داخل صدرها.لأنها لم تره هكذا من قبل.مرتبك. ضائع. وكأنه عاد فجأة لذلك الطفل الذي خرج من المختبر محطمًا.“انظر لي.”قالتها بهدوء منخفض.لكن رائد ضحك.“لا فائدة.”ثم اقترب خطوة بطيئة.“ذاكرته بدأت تعود بالفعل.”“اخرس.”خرجت من لارا بحدة.لكن رائد تجاهلها تمامًا.“كان والدكِ هناك تلك الليلة.”قالها وهو ينظر لها مباشرة.“دخل المختبر قبل الحريق بساعات.”تجمدت ليلان فورًا.أما لارا فبقيت ملامحها باردة، لكن عينيها أصبحت أكثر ظلمة.“لماذا؟”سألت أخيرًا.“لأنه كان يحاول إخراج شخص ما.”تبادل
الهواء في الميناء أصبح أثقل فجأة.الضباب، أصوات الأمواج، الكشافات البيضاء الحادة…كل شيء صار يبدو كأنه جزء من كابوس قديم عاد للحياة.رائد وقف فوق الحاوية المعدنية العالية، ينظر إليهم بابتسامته الباردة المعتادة.لكن عيناه كانتا مثبتتين على جواد.“هل أخبرتهم أخيرًا… ماذا فعلت بالمختبر تلك الليلة؟”الصمت انفجر داخل المجموعة.ليلان نظرت لجواد بارتباك. كارما عقدت حاجبيها. حتى سليم توقف عن الحركة للحظة.أما لارا…فقط راقبته.راقبت ذلك التوتر الخاطف الذي مر بعينيه قبل أن يختفي.“لا تستمعوا له.”قالها جواد بهدوء.رائد ضحك بصوت منخفض.“ما زلت تفعلها.”“تفعل ماذا؟”سأل آدم بحدة.لكن رائد لم ينظر إلا لجواد.“يخفي الحقيقة.”لارا تقدمت خطوة للأمام، وسلاحها موجه مباشرة نحو رأس رائد.“تكلم بوضوح أو سأفجر جمجمتك.”ابتسم لها ببطء.“اشتقتُ لكِ أيضًا يا لارا.”“قل ما لديك.”خرج صوتها باردًا بشكل مرعب.رائد أسند ذراعيه فوق السور المعدني للحاوية، ثم قال بهدوء:“في الليلة التي احترق فيها المختبر…”نظر نحو جواد.“هو من أشعل النار.”شهقت كارما بخفوت.أما ليلان فنظرت لجواد بصدمة واضحة.لكن جواد بقي صامتًا.وذ