تسجيل الدخولانطفأت الكهرباء فجأة.
وفي ثانية واحدة… غرقت الغرفة بالكامل في الظلام. توقف الجميع عن الحركة. حتى الأطفال شعروا بالتوتر فورًا. وفي الخارج… صدر صوت باب سيارة يُغلق بعنف. ثم خطوات. هادئة. بطيئة. تقترب من المنزل. “لا أحد يتكلم.” همس جواد فورًا وهو يسحب سلاحه. لارا تحركت مباشرة بجانبه دون حاجة للكلام. أما سليم فأطفأ أي ضوء صغير بالمكان وسحب الأطفال بسرعة نحو الغرفة الداخلية. كارما أمسكت يد طفلة صغيرة ترتجف، بينما ياسين وقف أمام الباب الرئيسي مستعدًا. الخطوات بالخارج توقفت. ثم… صوت صفير خافت مر بجانب النافذة. رصاصة. انفجر الزجاج فجأة. صرخت إحدى الطفلات، بينما انحنى الجميع بسرعة. “لقد وجدونا.” قالها حسام بحدة. وفي اللحظة التالية— بدأ إطلاق النار. الرصاص اخترق الجدران والنوافذ القديمة بعنف. جواد سحب لارا للأسفل خلف الأريكة بسرعة، ثم رد بإطلاق نار مباشر نحو الخارج. “كم عددهم؟!” صرخ ياسين. “أكثر من عشرة!” رد سليم وهو يراقب من فتحة ضيقة قرب النافذة. كارما ضمت الأطفال داخل الغرفة وهي تحاول تهدئتهم. لكن التوتر بعينيها كان واضحًا. أما ليلان… فكانت تحاول تهدئة طفلة تبكي بانهيار، بينما صوت الرصاص بالخارج يعيد لها ذكريات مرعبة. يديها بدأت ترتجف دون وعي. لاحظ آدم ذلك فورًا. اقترب منها بسرعة ثم أمسك وجهها بخفة. “انظري لي.” قالها بثبات. رفعت عينيها له بصعوبة. “تنفسي.” صوته الهادئ وسط الفوضى جعلها تستعيد تركيزها تدريجيًا. ثم انفجر الباب الخلفي فجأة. دخل رجلان مسلحان بسرعة. لكن قبل أن يطلقا النار— كانت لارا قد تحركت. رصاصتان مباشرتان. سقوط فوري. “تحركوا!” صرخ جواد. الجميع بدأ يتحرك بسرعة عبر الممر الخلفي الضيق. الأطفال في المنتصف. سليم وياسين بالحماية. حسام بالخلف. أما جواد، فكان ممسكًا بيد لارا بقوة وهو يطلق النار باليد الأخرى. “يمين!” صرخ حسام فجأة. لكن فور انعطافهم— ظهر ثلاثة رجال آخرون بالممر. الاشتباك أصبح قريبًا جدًا. أصوات الرصاص بالصالة الضيقة كانت خانقة. كارما سحبت طفلًا بسرعة قبل أن تصيبه رصاصة مرت بجانب الحائط. بينما ياسين أمسكها من خصرها بعنف وأبعدها معه خلف العمود. “ركزي!” صرخ بها. “أنا مركزة!” صرخت بعصبية وهي تعيد تعبئة السلاح. أما لارا… فكانت تتحرك كعادتها ببرود مرعب. أطلقت النار على رجل اقترب منهم، ثم أمسكت سكينه بعد سقوطه وغرزتها مباشرة برقبة الآخر. الدماء لطخت يديها ووجهها، لكن ملامحها لم تتغير. جواد نظر لها للحظة قصيرة. نفس النظرة القديمة. الإعجاب والخوف معًا. لكن فجأة— صدر صوت صرخة. الجميع التفت فورًا. إحدى الطفلات الصغيرة سقطت أرضًا بعد أن التوت قدمها. والرجل المسلح اقترب منها مباشرة. ليلان تحركت دون تفكير. أسرع من الجميع. احتضنت الطفلة بجسدها قبل أن تصل الرصاصة. الرصاصة أصابت الحائط بجانبها مباشرة. لكن قبل أن يطلق الرجل ثانية— أطلق آدم النار عليه من الخلف. سقط الرجل فورًا. ثم ركض نحو ليلان بعنف واضح. “هل جننتِ؟!” صرخ بها وهو يرفعها بسرعة. كانت ترتجف بقوة. لكنها تمسكت بالطفلة فقط. “كانت ستُصاب…” نظر لها آدم لثانية طويلة. ثم أمسك يدها بقوة أكبر. “لا تفعلي هذا مجددًا.” صوته كان غاضبًا… لكن الخوف بدا أوضح من الغضب. “علينا الخروج الآن!” صرخ سليم. ركضوا أخيرًا نحو المخرج الخلفي للمنزل. المطر بالخارج كان غزيرًا جدًا. والشارع شبه مظلم بالكامل. “السيارة هناك!” أشار حسام نحو شاحنة قديمة قرب الطريق. لكن قبل أن يصلوا— ظهرت سيارات سوداء أخرى بنهاية الشارع. “تبًا.” همست كارما. “انقسموا!” صرخ جواد فورًا. “سليم مع الأطفال! ياسين وكارما معهم!” “وأنت؟” سألت لارا بسرعة. نظر نحو السيارات القادمة. ثم قال بهدوء مرعب: “سأشغلهم.” “مستحيل.” قالتها فورًا. لكنه أمسك وجهها بيده بسرعة. “لارا.” صوته وحده جعلها تصمت. “إذا بقيتِ معي الآن… سيموت الأطفال.” شعرت بالغضب يشتعل داخلها. والخوف أيضًا. ذلك الخوف الذي لا تعترف به أبدًا. “لن أتركك.” همستها خرجت حادة. اقترب أكثر، حتى اختلط المطر بأنفاسهما. “وأنا لن أموت الليلة.” كاذب. كلاهما يعرف أن هذا قد يحدث بأي لحظة. ثم قبّلها فجأة. قبلة سريعة، عنيفة، وممتلئة بكل شيء لم يستطيعا قوله وسط الفوضى. “اذهبي.” همسها قرب شفتيها. تجمدت للحظة. ثم أمسكت قميصه بقوة وكأنها تريد البقاء. لكن صوت اقتراب السيارات أعادها للواقع. أفلتته أخيرًا. وهي تنظر له بعينين مشتعلتين بالغضب والخوف معًا. “إذا مت… سأقتلك بنفسي.” ابتسم رغم كل شيء. “رومانسي جدًا.” ثم دفعها نحو المجموعة. واستدار وحده باتجاه الرصاص القادم.اللون الأحمر غرق به المختبر بالكامل.الأضواء تومض بجنون. الإنذارات تصرخ دون توقف. والحرارة بدأت ترتفع تدريجيًا داخل الممرات المعدنية.لكن رغم كل ذلك…لم تستطع لارا إبعاد عينيها عن جدتها.أو بالأصح…عن المرأة التي قضت سنوات طفولتها تناديها “تيتا”، ثم اكتشفت فجأة أنها أصل الكابوس كله.“الحرق الكامل.”كرر سليم الكلمة بتوتر.“ماذا يعني ذلك بالضبط؟”كيان أبعد نظره عن الشاشة أخيرًا.وجهه كان أبرد من المعتاد، لكن التوتر داخل عينيه كان واضحًا هذه المرة.“يعني أن النظام سيغلق جميع المخارج، ثم يضخ غازًا حارقًا داخل الطوابق السفلية.”صمت لحظة.“وبعدها سيفجر المنشأة بالكامل.”“يا سلام.”تمتم ياسين بسخرية عصبية.“ليلة رومانسية فعلًا.”لكن أحدًا لم يضحك.لأنهم فهموا شيئًا مهمًا:هذه ليست مجرد محاولة قتل.بل تنظيف كامل.محو. إبادة. دفن لكل الأسرار.“هناك مخرج آخر.”قالت الجدة فجأة بهدوء.الجميع التفت نحوها فورًا.أما كيان فضاقت عيناه بريبة.“ما زال موجودًا؟”ابتسمت بخفوت.“أنا من صمم هذا المكان.”“ولماذا نصدقك أصلًا؟”سأل آدم بحدة وهو يبقي ليان خلفه.الجدة نظرت إليه للحظة.“لأنكم ستموتون خلال أقل من
الصمت الذي سقط داخل المختبر كان أسوأ من إطلاق النار. أسوأ من الإنذارات. وأسوأ حتى من العدّ التنازلي للموت. لأن الجميع رأى شيئًا واحدًا بوضوح مرعب: كيان خاف. المرأة خرجت من الظلام بخطوات هادئة ثابتة. فستان أسود طويل. شعرها الفضي مرتب بعناية. ووجهها يحمل ذلك الهدوء المخيف الذي يجعل الشخص يبدو أخطر من أي سلاح. رجال الفرقة السوداء توقفوا فور ظهورها. أنزلوا أسلحتهم قليلًا. كأن وجودها وحده أمر. أما لارا… فتجمدت بالكامل. الهواء اختفى من صدرها دفعة واحدة. وعيناها اتسعتا ببطء شديد وهي تحدق بالمرأة. لا. هذا مستحيل. “تيتا…؟” خرجت منها الهمسة مرتجفة بشكل صدم الجميع. سليم التفت نحوها بصدمة. “ماذا؟” أما ليلان… فتراجعت خطوة للخلف وكأن الأرض اختفت تحتها. حتى وجهها شحب بالكامل. “لا…” همستها خرجت مكسورة. “لا… لا يمكن…” المرأة ابتسمت ابتسامة صغيرة هادئة. تلك الابتسامة المألوفة. الابتسامة نفسها التي كانت تضعها وهي تمشط شعرهما وهما صغيرتان. وهي تطعمهما. وهي تخبرهما أن كل شيء سيكون بخير. لكن الآن… بدت مرعبة. “كبرتما كثيرًا.” قالتها الجدة بهدوء. وكأنهم ليسوا وسط مجزرة وانفجارا
الرسالة الحمراء ظلت تومض فوق جميع الشاشات. INTERNAL PURGE ACTIVATED وصوت الإنذار تغيّر بالكامل. لم يعد مجرد تحذير. بل أصبح أشبه بعدٍّ تنازلي للموت. “ما معنى هذا؟” سأل آدم بحدة وهو يشد ليان نحوه أكثر. لكن كيان كان الوحيد الذي بدا وكأنه فهم فورًا. ولأول مرة منذ عرفوه… ظهر شيء قريب من القلق الحقيقي بعينيه. “إنهم يمسحون كل شيء.” قالها ببطء. “الملفات. المختبرات. الشهود.” ثم رفع عينيه نحو الجنود المنتشرين حولهم. “ونحن ضمن الشهود.” الصمت انفجر داخل القاعة. “تبًا.” همس سليم. أما الجنود أنفسهم… فبدأ التوتر يظهر عليهم لأول مرة. أحدهم ضغط على السماعة بأذنه بعصبية. “سيدي؟” لا رد. “سيدي!” فجأة— انقطع الاتصال بالكامل. صوت تشويش حاد دوّى بالمكان. ثم… الصمت. “لقد قطعوا النظام المركزي.” قال كيان ببرود. “هذا يعني أنهم قرروا التضحية بالجميع هنا.” “حتى رجالهم؟” سألت كارما بصدمة. “خصوصًا رجالهم.” رد بهدوء قاتل. “المنظمة لا تترك أثرًا.” توتر الجنود ازداد فورًا. بعضهم بدأ يتبادل النظرات. آخرون تراجعوا خطوة للخلف. الخوف بدأ ينتشر بينهم بوضوح. أما والد لارا… فظلت صورت
النقاط الحمراء انتشرت فوق أجسادهم جميعًا.على الصدور. الرؤوس. حتى الأطفال.وفي اللحظة نفسها…انفتحت الأبواب المعدنية المحيطة بالقاعة دفعة واحدة.خرج رجال مسلحون بملابس سوداء بالكامل، وجوههم مخفية، وحركتهم متطابقة بشكل مخيف.كأنهم نسخ من بعضهم.“لا تتحركوا.”صدر الصوت عبر السماعات ببرود آلي.“أي مقاومة ستقابل بالإعدام الفوري.”ليلان رفعت سلاحها فورًا.“تبًا لهذا!”لكن آدم أمسك ذراعها بسرعة.“لا.”قالها بحدة منخفضة.“سيقتلون الأطفال أولًا.”تجمدت للحظة.ثم نظرت نحو الأطفال الملتصقين بكارما بخوف، فأنزلت سلاحها ببطء وهي تلهث غضبًا.لكن عينيها بقيتا مليئتين بالعنف.أما لارا…فكانت بالكاد تسمع شيئًا حولها.صوت أبيها فقط كان يتكرر داخل رأسها بلا توقف.“أخيرًا بدأت ذاكرتكِ تعود.”والذكريات التي انفجرت قبل لحظات ما زالت تخنقها.الدم. صراخ أمها. الرصاصة.جواد وقف أمامها بالكامل الآن.جسده حاجز بينها وبين البنادق.غريزيًا. كما يفعل دائمًا.وكأنه حتى الآن ما زال مستعدًا أن يأخذ الرصاص بدلًا عنها دون تفكير.كيان راقب الجنود بصمت بارد.ثم تحرك خطوة للأمام.فورًا، تحولت عدة أسلحة نحوه.لكن أحد الرجا
الإنذار داخل المختبر لم يتوقف.الضوء الأحمر كان يومض بعنف فوق الجميع، وصوت التحذير المعدني يتكرر بلا رحمة.“Security breach detected.”“Initiating lockdown.”لكن لا أحد كان يركز معه الآن.لأن لارا كانت ما تزال على الأرض، تتنفس بصعوبة، وعيناها فارغتان بشكل مرعب.“لارا.”جواد أمسك وجهها برفق، محاولًا إجبارها على التركيز عليه.“انظري إليّ.”لكنها لم تكن تراه.كانت ترى الدم.الكثير من الدم.صوت أمها وهي تبكي.“خذهما واهرب!”صوت تحطم الزجاج.صرخة ليلان الصغيرة.ثم—الرصاصة.شهقت بعنف وكأنها عادت للتو من الغرق.ثم دفعت يد جواد فجأة، وقفت مترنحة، وعيناها اتجهتا مباشرة نحو الشاشة.نحو والدها.“أنت قتلتها…”همستها خرجت مرتجفة، لكنها كانت مليئة بشيء أخطر من البكاء.الكراهية.الرجل على الشاشة ظل ينظر إليها بهدوء بارد.“نعم.”قالها ببساطة.“وفعلت ما كان يجب فعله.”انفجر الغضب داخلها فجأة.أطلقت النار على الشاشة مرة أخرى.الزجاج تناثر بكل مكان، لكن صورته ظهرت مجددًا على شاشة أخرى.ثم أخرى.ثم أخرى.حتى بدا وكأن المختبر كله يراقبهم بعينيه.“أنت مريض!”صرخت ليلان وهي تبكي.“كانت أمنا!”“وكانت خائنة.
الصمت داخل المختبر أصبح خانقًا بعد كلمات والد لارا.“لأن المرحلة الأخيرة بدأت أخيرًا.”الأضواء الحمراء كانت تومض فوقهم بعنف، تعكس ظلالًا مشوهة على الوجوه المتوترة.لكن لارا لم تعد ترى شيئًا حولها.كانت تنظر فقط إلى وجه أبيها على الشاشة.نفس النظرة القديمة. نفس البرود. ونفس الإحساس المقرف الذي كان يجعلها تشعر دائمًا أنها ليست “ابنته”… بل شيء يملكه.“ما الذي تقصده؟”سأل سليم بحدة.لكن الرجل تجاهله تمامًا.عيناه بقيتا مثبتتين على لارا.وكأن باقي الموجودين غير مهمين أصلًا.“كبرتِ أكثر مما توقعت.”قالها بهدوء غريب.“لكن ما زلت أراكِ بوضوح.”“وأنا لا أريد رؤيتك أصلًا.”ردت لارا ببرود قاتل.ابتسم.ابتسامة صغيرة باردة جدًا.“الكراهية دائمًا كانت تليق بكِ.”جواد تحرك خطوة أمامها فورًا.“لا تتحدث معها.”قالها بصوت منخفض، لكن خطير بما يكفي ليجعل حتى آدم ينظر له بحذر.هذه المرة…نظر الأب إليه أخيرًا.وصمت لثوانٍ طويلة.ثم ضحك بخفوت.“ما زلت حيًا إذًا.”“للأسف بالنسبة لك.”رد جواد ببرود.لكن الرجل لم يبدُ منزعجًا.بل نظر إليه بطريقة جعلت التوتر يزداد داخل المكان.كأنه ينظر لشيء صنعه بنفسه… ثم خرج







