INICIAR SESIÓNظلت لارا تحدق في الصورة لثوانٍ طويلة دون أن تتحرك.
أصابعها تشددت فوق الورقة القديمة بينما قلبها ينبض ببطء ثقيل. الخاتم. نفس الخاتم الفضي الذي كانت الجدة كريمة ترتديه دائمًا. الخاتم الذي كانت تلعب به وهي صغيرة عندما تجلس بحضنها. مستحيل يكون تشابه فقط. لكن عقلها رفض الفكرة فورًا. الجدة؟ لا… لا يمكن. تنفست ببطء ثم أغلقت الملف بسرعة قبل أن يدخل أحد. لكن شيئًا بداخلها لم يهدأ. ذلك الإحساس الثقيل الذي يخبرها أن هناك شيئًا خاطئًا منذ البداية. “لارا؟” رفعت رأسها بسرعة لتجد جواد عند الباب. كان يحمل كوبين قهوة ويراقبها بعينيه الحادتين. “ماذا حدث؟” سألها فورًا. هو دائمًا يلاحظ. حتى أبسط تغير بعينيها يراه. أبعدت الصورة بسرعة أسفل باقي الأوراق وقالت ببرودها المعتاد: “لا شيء.” رفع حاجبه. “أنتِ سيئة جدًا بالكذب.” اقترب منها ووضع القهوة أمامها ثم جلس بجانبها. “ماذا وجدتِ؟” صمتت للحظات. هي لا تخفي عن جواد عادة… لكن هذه المرة شعرت بشيء غريب. كأنها لو قالت شكوكها بصوت مرتفع ستصبح حقيقية. “مجرد صورة قديمة.” قالتها أخيرًا. لكنه ظل يراقبها بصمت. ثم مد يده ورفع ذقنها بخفة. “أنتِ خائفة.” همست بعناد: “أنا لا أخاف.” ابتسم بخفة صغيرة. “كاذبة مرة ثانية.” نظرت له طويلًا. ثم تنهدت وأخرجت الصورة أخيرًا وأعطتها له. تأملها جواد لثوانٍ. ثم ضاقت عيناه قليلًا. “هذا الخاتم…” “أعرف.” قاطعته بسرعة. ساد الصمت بينهما. جواد لم يتكلم فورًا. ثم قال بهدوء: “قد يكون مجرد تشابه.” لكن حتى هو لم يبدُ مقتنعًا بالكامل. لارا ضحكت ببرود. “منذ متى حياتنا تعرف الصدف؟” لم يجد ردًا. اقترب منها أكثر ثم أمسك يدها بهدوء. “لا تستبقي الأمور.” نظرت له بعينين مرهقتين. “أخشى أنني بدأت أفهم أشياء لا أريد فهمها.” اقترب وقبّل جبينها ببطء. “مهما كان… سنتعامل معه.” أغمضت عينيها للحظة قصيرة. وجوده وحده كان يهدئ تلك الفوضى داخلها. لكنها لم تعترف بهذا أبدًا. في الأسفل… كانت كارما تجلس أرضًا مع الأطفال ترسم معهم فوق أوراق قديمة. طفلة صغيرة رسمت رجلًا بعصا طويلة وشعرًا غريبًا. ضحكت كارما. “هذا وحش أم ياسين؟” “ياسين.” قالتها الطفلة بثقة. انفجر الأطفال ضاحكين. وفي نفس اللحظة دخل ياسين للمكان. “أشعر بالإهانة.” قالها وهو ينظر للرسم. كارما رفعت الورقة بفخر. “الفنانة الصغيرة كشفت حقيقتك.” اقترب منها ثم انحنى بجانبها. “وأين رسمتك أنتِ؟” أخذ الطفل الورقة الثانية بسرعة ورفعها. كانت مجرد دائرة بشعر منفوش جدًا. ضحك ياسين بصوت واضح هذه المرة. أما كارما فشهقت بصدمة مصطنعة. “أرفض هذا الفن.” ثم التفتت نحو ياسين وهمست: “واضح أنهم يكرهونني.” “لا.” قالها وهو ينظر لها بهدوء. “واضح أنهم ارتاحوا لكِ.” صمتت للحظة. لأن الجملة لمست شيئًا حساسًا داخلها. هي لم تعتد أن يرتاح لها أحد. ولا أن تبقى بمكان طويلًا بما يكفي ليحبها الأطفال أصلًا. لاحظ ياسين تغير نظرتها فاقترب أكثر. “ماذا؟” هزت رأسها بسرعة. “لا شيء.” لكنه أمسك يدها أسفل الطاولة الصغيرة دون أن يلاحظ الأطفال. تشابكت أصابعه بأصابعها بهدوء. وللمرة الأولى… كارما لم تهرب من اللمسة. بل ضغطت على يده بخفة. أما في الغرفة الأخرى… فكانت ليلان تجلس قرب النافذة تقرأ إحدى القصص للأطفال الصغار. صوتها الهادئ ملأ الغرفة بطريقة دافئة. حتى هي نفسها استغربت شعورها بالراحة. طفل صغير كان نائمًا فوق ساقها، وآخر مستندًا على كتفها. بينما هي تكمل القراءة بهدوء. “ثم عادت الأميرة إلى بيتها…” توقفت فجأة حين لاحظت آدم عند الباب. كان واقفًا بصمت يراقبها. كالعادة. لكن نظرته هذه المرة لم تكن باردة. كانت هادئة بشكل غريب. ارتبكت قليلًا وأغلقت الكتاب. “هل تحتاج شيئًا؟” هز رأسه ببطء. “لا.” لكنه لم يتحرك. ظل فقط ينظر لها وللأطفال حولها. ثم قال فجأة: “أنتِ مختلفة معهم.” خفضت عينيها نحو الطفل النائم فوقها. وابتسمت ابتسامة خفيفة باهتة. “هم لا يعرفون شيئًا عني بعد.” اقترب آدم ببطء. “ولو عرفوا؟” ساد الصمت للحظة. ثم قالت بهدوء موجع: “سيخافون.” لكن آدم رد فورًا. “لا أعتقد.” رفعت عينيها نحوه بتفاجؤ خفيف. هو أول شخص يقول شيئًا كهذا. أول شخص لا ينظر لها كأنها مكسورة أو ملوثة أو خطيرة. فقط… إنسانة. اقترب أكثر ثم جلس أمامها على الأرض. الطفل الصغير تحرك أثناء نومه فتجمد آدم تلقائيًا. ضحكت ليلان بخفة لأول مرة منذ أيام. “أنت خائف منه أكثر مما هو خائف منك.” نظر للطفل وكأنه يواجه قنبلة موقوتة. “الأطفال لا يحبونني.” “هذا لأنه لم يرك أحد هكذا.” قالتها بهدوء. ثم مدت الطفل نحوه فجأة. اتسعت عينا آدم فورًا. “ليلان—” لكن الطفل كان نصف نائم أصلًا، واستقر فوق صدر آدم مباشرة. تجمد بالكامل. بينما ليلان بدأت تضحك بخفوت حقيقي. ضحكة ناعمة جدًا لدرجة أنه نسي توتره للحظة فقط وهو ينظر لها. شيء دافئ وغريب تحرك داخل صدره مجددًا. ذلك الشعور الذي يحاول تجاهله منذ أيام. في المساء… اجتمع الجميع أخيرًا حول الطاولة. الجو بدا أهدأ من المعتاد. حتى سليم جلس معهم هذه المرة بدل البقاء وحيدًا. لكن ملامحه بقيت متوترة. لاحظ حسام ذلك. “تكلم.” قالها مباشرة. رفع سليم عينيه نحوه. ثم قال: “المنظمة تتحرك أسرع من المتوقع.” اختفى الهدوء فورًا. “كيف عرفت؟” سأل جواد بحدة. “وجدت آثار مراقبة قرب الميناء.” أجاب سليم. “هم قريبون.” توترت كارما فورًا. “هل عرفوا مكاننا؟” “ليس بعد.” قال حسام. “لكنهم يبحثون بشكل عشوائي بالمنطقة.” ساد الصمت. ثم قالت لارا بهدوء خطير: “إذن نتحرك الليلة.” لكن قبل أن يرد أحد… انطفأت الكهرباء فجأة. غرقت الغرفة بالظلام الكامل. وفي الخارج… صدر صوت سيارة توقفت قرب المنزل.الإنذار داخل المختبر لم يتوقف.الضوء الأحمر كان يومض بعنف فوق الجميع، وصوت التحذير المعدني يتكرر بلا رحمة.“Security breach detected.”“Initiating lockdown.”لكن لا أحد كان يركز معه الآن.لأن لارا كانت ما تزال على الأرض، تتنفس بصعوبة، وعيناها فارغتان بشكل مرعب.“لارا.”جواد أمسك وجهها برفق، محاولًا إجبارها على التركيز عليه.“انظري إليّ.”لكنها لم تكن تراه.كانت ترى الدم.الكثير من الدم.صوت أمها وهي تبكي.“خذهما واهرب!”صوت تحطم الزجاج.صرخة ليلان الصغيرة.ثم—الرصاصة.شهقت بعنف وكأنها عادت للتو من الغرق.ثم دفعت يد جواد فجأة، وقفت مترنحة، وعيناها اتجهتا مباشرة نحو الشاشة.نحو والدها.“أنت قتلتها…”همستها خرجت مرتجفة، لكنها كانت مليئة بشيء أخطر من البكاء.الكراهية.الرجل على الشاشة ظل ينظر إليها بهدوء بارد.“نعم.”قالها ببساطة.“وفعلت ما كان يجب فعله.”انفجر الغضب داخلها فجأة.أطلقت النار على الشاشة مرة أخرى.الزجاج تناثر بكل مكان، لكن صورته ظهرت مجددًا على شاشة أخرى.ثم أخرى.ثم أخرى.حتى بدا وكأن المختبر كله يراقبهم بعينيه.“أنت مريض!”صرخت ليلان وهي تبكي.“كانت أمنا!”“وكانت خائنة.
الصمت داخل المختبر أصبح خانقًا بعد كلمات والد لارا.“لأن المرحلة الأخيرة بدأت أخيرًا.”الأضواء الحمراء كانت تومض فوقهم بعنف، تعكس ظلالًا مشوهة على الوجوه المتوترة.لكن لارا لم تعد ترى شيئًا حولها.كانت تنظر فقط إلى وجه أبيها على الشاشة.نفس النظرة القديمة. نفس البرود. ونفس الإحساس المقرف الذي كان يجعلها تشعر دائمًا أنها ليست “ابنته”… بل شيء يملكه.“ما الذي تقصده؟”سأل سليم بحدة.لكن الرجل تجاهله تمامًا.عيناه بقيتا مثبتتين على لارا.وكأن باقي الموجودين غير مهمين أصلًا.“كبرتِ أكثر مما توقعت.”قالها بهدوء غريب.“لكن ما زلت أراكِ بوضوح.”“وأنا لا أريد رؤيتك أصلًا.”ردت لارا ببرود قاتل.ابتسم.ابتسامة صغيرة باردة جدًا.“الكراهية دائمًا كانت تليق بكِ.”جواد تحرك خطوة أمامها فورًا.“لا تتحدث معها.”قالها بصوت منخفض، لكن خطير بما يكفي ليجعل حتى آدم ينظر له بحذر.هذه المرة…نظر الأب إليه أخيرًا.وصمت لثوانٍ طويلة.ثم ضحك بخفوت.“ما زلت حيًا إذًا.”“للأسف بالنسبة لك.”رد جواد ببرود.لكن الرجل لم يبدُ منزعجًا.بل نظر إليه بطريقة جعلت التوتر يزداد داخل المكان.كأنه ينظر لشيء صنعه بنفسه… ثم خرج
الانفجار ابتلع الممر بالكامل.الحرارة اندفعت خلفهم كوحش هائج، والهواء نفسه تحول إلى كتلة نارية دفعت الجميع بعنف للأمام.لارا فقدت توازنها فورًا، لكن جواد جذبها إليه قبل أن ترتطم بالأرض.ثم سقطا معًا فوق المياه القذرة التي غمرت أرضية الممر.الصراخ، الدخان، وصوت المعدن المنهار…كل شيء اختلط بشكل مرعب.“الأطفال!”صرخت ليلان وسط الفوضى.“هم معي!”ردت كارما وهي تحاول حماية طفل صغير بجسدها بينما ياسين يسندها من الخلف.أما سليم فكان يسعل بعنف، وقد امتلأ وجهه بالغبار والدماء الصغيرة الناتجة عن الشظايا.“تحركوا!”صرخ آدم رغم الألم الوحشي بذراعه المصابة.“السقف ينهار!”وبالفعل…بدأت التشققات تنتشر فوقهم بسرعة.قطع معدنية ضخمة سقطت خلفهم، وأغلقت الممر الذي أتوا منه بالكامل.توقف الجميع للحظة، ينظرون للخلف بصمت ثقيل.التجربة رقم تسعة…اختفى.ابتلعه الانفجار.لكن كلماته الأخيرة بقيت عالقة داخل رأس جواد كطعنة.“لا تدعهم يعيدونك للقفص…”أنفاسه أصبحت أثقل، والأصوات داخل رأسه عادت مجددًا بشكل أبعد وأضعف.لارا لاحظت شروده فورًا.“جواد.”همست وهي تمسك يده.نظر لها ببطء، وكأنه عاد للتو من مكان بعيد جدًا.
الصمت الذي أعقب كلمات جواد كان أسوأ من صوت الإنذار نفسه.“إنه أحد المختبرات القديمة.”الضوء الأحمر الخافت جعل الممر يبدو كأنه جزء من كابوس قديم.الجدران المعدنية المتآكلة. المياه القذرة تحت أقدامهم. ورائحة الصدأ والدم القديم…كل شيء بالمكان بدا ميتًا.لكن ليس مهجورًا.ليلان ضمت الأطفال إليها فورًا.“ماذا يعني مختبر؟”سألت بصوت مرتبك وخائف.جواد لم يجب مباشرة.كانت عيناه تتحركان ببطء فوق الجدران، وكأن المكان يوقظ داخله ذكريات لا يريدها.أما كيان…فنظرته أصبحت أكثر حذرًا لأول مرة.“لم يكن من المفترض أن يبقى هذا المكان موجودًا.”قالها بهدوء.سليم ضحك بسخرية عصبية.“رائع. كل دقيقة نكتشف أن حياتنا أسوأ مما توقعنا.”لكن آدم لم يكن ينظر إلا لجواد.لاحظ شحوب وجهه. توتر كتفيه. ويده التي انقبضت بقوة حتى برزت عروقها.“جواد.”قالها بهدوء هذه المرة.“هل تستطيع المتابعة؟”صمت لثوانٍ.ثم أومأ ببطء.لكن لارا عرفت فورًا أنه يكذب.لأنها كانت تشعر بارتجاف يده.اقتربت منه أكثر دون كلام، فنظر لها للحظة قصيرة.لحظة ممتلئة بتعب هائل.“إذا شعرت بأي شيء غريب… تخبرني فورًا.”همست.ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.متع
صوت انهيار الصخور فوق النفق أصبح أعلى من الرصاص نفسه.الغبار ملأ الهواء، والجدران بدأت تهتز بعنف متقطع جعل الجميع يشعر أن المكان سيسقط فوق رؤوسهم بأي لحظة.لكن رغم ذلك…لم يتحرك أحد لثوانٍ.---لأنهم كانوا ينظرون فقط إلى جواد.المنهار بين ذراعي لارا.---أنفاسه كانت مضطربة بشكل مؤلم، وجسده يرتجف بعنف، وكأنه خرج للتو من حرب داخل عقله.أما لارا…فكانت تضمه بقوة، يدها تمر فوق شعره ببطء، وكأنها تحاول إعادته لنفسه قطعة قطعة.---ليلان حبست دموعها بصعوبة.حتى آدم، الذي رفع سلاحه قبل دقائق نحوه، خفضه ببطء الآن.---أما كيان…فظل يراقب بصمته المرعب المعتاد.لكن تلك النظرة الغامضة لم تختفِ من عينيه.---“علينا التحرك.”قالها سليم أخيرًا بعصبية وهو ينظر للسقف المتشقق.“النفق سينهار بالكامل.”---صوت انفجار آخر دوّى بعيدًا، ثم تبعته صرخات رجال المنظمة من الممر الأمامي.---“إنهم يدخلون من الجهة الثانية أيضًا!”صرخ حسام.---كارما أمسكت الأطفال بسرعة أكبر.“أقسم إذا متنا داخل هذا المكان سألعنكم جميعًا.”---رغم التوتر…خرجت ضحكة قصيرة متعبة من ياسين.ثم اقترب منها سريعًا، وأخذ طفلًا من بين ذراعيه
صوت الرصاص داخل النفق كان يقترب بسرعة مرعبة.صرخات الرجال. ارتطام الأحذية بالأرض المبللة. وأصوات الأطفال الخائفة…كل شيء اختلط داخل فوضى خانقة جعلت التنفس نفسه صعبًا.“لارا تحركي!”صرخ آدم من عند باب الممر السفلي وهو يساعد طفلين على النزول بسرعة.لكنها لم تبتعد عن جواد.كان جالسًا على ركبتيه الآن، يداه تضغطان رأسه بعنف، وأنفاسه خارجة بشكل متقطع ومؤلم.وكأن حربًا كاملة تدور داخل عقله.“جواد…”همست وهي تمسك وجهه مجددًا.“اسمع صوتي.”عيناه رفعتا نحوها ببطء.متعبتان. ضائعتان. وممتلئتان برعب لم تره فيه من قبل.“اهربي…”خرجت منه بصعوبة.“قبل أن—”رصاصة اخترقت الجدار قربهما.تناثر الحجر فوق كتف لارا، فالتفت الجميع فورًا.“إنهم دخلوا!”صرخ ياسين وهو يطلق النار نحو الممر الرئيسي.حسام كان يدفع الأطفال للداخل بسرعة.“تحركوا! بسرعة!”أما كيان…فما يزال واقفًا وسط الفوضى بهدوء مقلق.يراقب فقط.سليم أمسك ذراعه بعنف.“إما أن تتكلم أو تبتعد من أمامنا!”كيان أبعد يده ببرود.“لن ينجو أحد إذا فقد السيطرة بالكامل.”“ماذا يحدث له؟!”صرخت لارا.كيان نظر لها للحظة.ثم قال:“هناك أوامر مزروعة داخل عقله.”ال







