LOGINأرتطم القارب بشيء ما مما جعل وحيد يرفع رأسه ...لقد أمره العم وجدي أن يبقي حتى الصباح في هذا القارب... سيظن الجميع أنه غادر ولكنه في الحقيقة مازال في القرية ..ينتقل من منزل إلي آخر حتى يتبين ما الذي سيفعله ...أنه ينتظر أيضا ليعرف ما الذي تم في محاكمته ...لابد وأنهم أقروا بإعدامه...وتلك أسوء ظنونه....رفع وحيد رأسه مرة أخرى لأنه سمع صوتا عند الشاطئ...نظر مطولا كي يتبين من الواقف في الظلام ...ثم عرفه..أنه سالم ....أخذ وحيد المجداف و أخذ يجدف حتى وصل إلي الميناء الخشبي المتهالك....أمسك سالم بمقدمة قاربه وقربه إليه حتى يستطيع وحيد الخروج
وحيد: حسنا ماذا حدث
نظر سالم له ولم يعلق بل طأطأ رأسه إلي الأسفل
قطب وحيد جبينه وأمسك بسالم من كتفيه وقال: ما الأمر ..ماذا حدث
سالم: أنها... حنين
وحيد صارخا: ما بها ..ماذا حدث لحنين
سالم: حسنا..لقد ..أصبحت ملكا لأمجد..و..
أبعده وحيد عن طريقه..ثم أسرع إلي منزله...لا يعرف لماذا ولكنه يريد سماع الكلمات من فم أبيه..كلا ..لا يمكن أن يحدث هذا ..حنين..ليست مثلهم..حنين أصبحت مسلمة الآن ..كما أنه هو المخطئ..فلما تعاقب هي
***
جلس شاكر وحيدا في الظلام علي شرفة منزله...وصول زوج منال عقد الأمور ...النار تشتعل في القرية وإن قال أو فعل أي شيء الآن فهو بذلك سيكشف السر....يجب أن يتحمل حتى يرحل طارق مع ولديه..ولن ترحل منال حتى تحصل علي أبنتها ...اللعنة ما كان عليه إحضارها من القاهرة...ما كان عليها الرجوع إلي القرية...الآن كل شيء تدمر..الآن..
فتح باب المنزل وبرز طارق ممسكا بصحيفة عليها كوبين من الشاي..وضع كوب الشاي أمامه وقال: منزلك جميل حقا ..في القاهرة ليس لدينا تلك المساحات الشاسعة
أبتسم شاكر وهز رأسه في تهذيب..لم يكن رائق المزاج للثرثرة ولكن عليه أن يكون مهذبا معه
طارق: هل كل تلك الأرض الزراعية ملكا لأسرتك
نظر له شاكر ووضع كوب الشاي وهو يفكر بأن طارق بدأ يسأل في ما لا يعنيه
شاكر: بعضها نعم ...أما الباقي فهو ملكا لرب عملي ...السيد أمجد
هز طارق رأسه علامة الفهم ثم قال: وماذا تزرعون في تلك الأراضي
نظر له شاكر وقال: لا شيء
قطب طارق جبينه وهم بقول شيء ما ولكن شاكر أسرع وقال: كم يبلغوا من العمر
نظر طارق إلي شاكر وقال: ولداي ..آه.. أنهم توائم ...حسن وحسين...لقد أسميتهم تيمنا بسيدنا الحسن والحسين أحفاد النبي "عليه أفضل الصلاة والسلام"
قال طارق تلك الكلمات وهو ينتظر سماع رد شاكر...ولكنه لم ينطق..زادت شكوك طارق حول ديانته..بل و ديانة القرية كلها...
هم طارق بقول شيء ولكنه توقف فنظر شاكر كان معلقا بالغابة المظلمة...نظر مليا هو الأخر فبدأ خيال شخص ما في الوضوح.. شابا يجري مسرعا في اتجاههم..أجفل طارق وترك مقعده وهو يتعجب من شاكر الذي كان ينتظر القادم بثبات
أقترب الشاب ثم توقف أمامهم وهو يلتقط أنفاسه: أين هي ..أين حنين
تعرف طارق فورا علي أبن زوجته وحيد...وقف طارق ومد يده..فنظر له وحيد غاضبا وصرخ في أبيه: كيف سمحت بذلك كيف سمحت له بأخذها ...قالها ثم سقط علي ركبتيه باكيا: الآن لن أستطيع رفع رأسي وسط الرجال
تعجب طارق منه وتساءل عن سبب كل هذه الدراما ..أين حنين ومع من ذهبت...ولما وحيد متأثر بهذا الشكل ولما شاكر ثابتا هكذا
شاكر بهدوء: لا تلومني علي أخطائك
نظر وحيد إلي أبيه والدموع تتساقط من عينيه وقال: سأقتله...أقسم بالميثاق المقدس أني سأقتله....هو والوغد أيمن والعاهرة التي ولدتهم
أقترب شاكر من ولده وقال: فلتقتل من تقتل ...ولتفعل ما تريد فهذا لن يعيدها ..من الآن وصاعدا ..أنت لست ولدي ..أنا أتبرأ منك ...
قالها ثم ترك وحيد ينظر له غير مصدقا لما قاله توا...أبتعد طارق عن طريقه وهو لا يعرف ماذا يقول..ما الذي حدث ولما تلك الأسرة درامية هكذا وأين حنين...وما هو الميثاق المقدس
أسرعت منال تحتضن ولدها وهي تصرخ به كي يرحل ..أن رآه أيمن أو احد رجاله فهو ميت لا محال..
****
أوقف أمجد السيارة أمام الفيلا الصغيرة التي يمتلكها أبيه خلفا لجده..كان متعبا ويريد النوم ...والآن معه حنين لا يعرف ماذا يفعل بها...نظر لها ..كانت قد توقفت عن البكاء لبعض الوقت ولكنها ما تزال خائفة ...كان يشعر بذلك كل مرة يمد بها يده محاولا طمأنتها أو التحدث معها ....خرج من السيارة ثم اتجه إلي المنزل ...ثم نظر خلفه..لما لا تتحرك ..أتجه إليها ثم فتح الباب ..هنا بدأت حنين في الصراخ..ضربته عندما حاول إخراجها و تشبثت بمقعد السيارة..ولكنه أستطاع أخيرا انتزاعها ليجرها إلي المنزل...قاومته بضراوة ولكنه كان مستمتعا بالأمر نوعا ما ...يشعر كصياد وهي فريسته...
فتح باب المنزل ثم سحبها للداخل وأغلقه ...جرها إلي غرفة النوم وهي تصرخ وتتوسل له ليتوقف ..هنا كان فاض به الكيل...قذفها إلي الحائط المقابل ثم امسك رقبتها وصرخ: توقفي...أنا لن أفعل بك شيئا...أنا ..لست مغتصبا ..أو...أي مما تظنين ...لقد فعلت هذا كي أحميك من أيمن ...ليس أكثر
قال تلك الكلمات ثم تركها وأغلق باب غرفته...الآن لا يود رؤيتها أو حتى سماع صوتها... إن كانت تظن أنه سيفعل بها شيئا .. فقد خاب ظنه بها حقا
تمدد علي الفراش ثم أغلق عينيه ..يوم أخر ملعون سينتهي...تمني لو لم يستيقظ...تمني لو انتهت الحياة الآن ولم يعد مجبرا علي الاستيقاظ غدا ومواجهة مسئولياته أو محاولاته المستميتة لدفن أسرار الماضي
***
أستيقظ أمجد علي صوت صراخ ...أستغرق بضعة دقائق ليتبين أن الصراخ في أحدى كوابيسه المعتادة... جلس في الفراش قليلا كي يستجمع أفكاره متذكر كل شيء عن ليلة أمس ...ثم تذكر حنين....اللعنة ما كان عليه أخافتها هكذا ...ربما كان من الأفضل أن يشرح لها بهدوء لما فعل ذلك...غادر فراشه ثم توجه إلي دورة المياه....غاب لبضعة دقائق ثم خرج يبحث عنها..هناك غرفة نوم أخري بحث عنها فلم يجدها ...فتش في غرف المنزل غرفة تلو الأخرى ولم يجدها ..تذكر أيمن وتسارعت ضربات قلبه...اللعنة ماذا لو جاء وهو نائم ثم ...اللعنة ...كلا أيمن لا يعرف بهذا المكان..ربما تتبعهم ليلة أمس...أو بعث بأحد رجاله يتتبعهم.....
خرج من المنزل مسرعا واتجه إلي سيارته....ثم وجدها...كانت تجلس أمام البيت تداعب قطا ضالا....توقف ثم نظر لها مليا...تمني لو كان عقله يخزن الصور فيحتفظ بصورتها تلك وهي تجلس بفستانها الأبيض القصير و ضوء الشمس يتغلغل شعرها البني الناعم والقط يقفز حولها علي العشب الأخضر فبدت كلوحة فنية
لاحظت وجوده فارتبكت ...أقترب ليجلس بجانبها مداعبا القط: صباح الخير
لم تجبه حنين بل ظلت تنظر إلي القط في صمت
أمجد: كلا ..لن أعتذر ....لن أقولها...أنا السيد الأول...والأسياد لا يعتذرون
نظر لها فأشاحت بوجهها بعيدا
أمجد: حسنا..أنا أسف..قالها ثم جث علي ركبته أمامها وأكمل: عليك الاعتذار لي..لقد ظننت أني مثل أيمن ...وتلك خطيئة كبري ...أنا لن أسامحك أبدا
ابتسمت حنين بركن فمها ولم تعلق
أمجد بنفاذ صبر: هل أكلت تلك القطة لسانك ...أنا أتحدث معك
حنين هامسة: صباح الخير
أطلق أمجد صيحة انتصار ....ثم جلس بجانبها مرة أخري ....
حنين: أبي....أنه...
اختفت ابتسامة أمجد وقال: حنين....لا تخبري أحد....الجميع سيفكر ...أني فعلت ما فعلته ...ولكن إن عرفوا ما لم أفعله...عندها...عندها سيتغير كل شيء
وقفت حنين فجأة وبدأت في الصراخ: كيف...كيف سيتغير كل شيء ...أنت أفضل سيد مر علي تلك القرية ..لما لا تغير الأمور قليلا....في يدك مقاليد الحكم ..فلم لا تنهي تلك المأساة ...و
اتجه أمجد إليها ملتقطا يدها في حنان واحتضنها قائلا: لأن الناس بالقرية غير مستعدين للتغيير الآن ...عليه أن ينبع من داخلهم وإلا...وإلا سنكون كررنا نفس المأساة ولكن بقوانين مختلفة ...كما أنك تبالغين في تقديري ..من قال لك أني أستطيع فعل أي شيء....أنا مجرد فتي أحمق يمشي علي خطى رسمت له منذ مئات السنين..و إن قرر الارتداد عنها ستفتح أبواب الجحيم في وجهه
انتشلت حنين يدها ثم قالت بتهكم: حقا
قطب أمجد جبينه وقال: حقا...نعم...أنا بالفعل السيد الأول..ولكني لست المتحكم الأول...هل أخبرك شيئا...أتعرفين سبب تواجد أيمن المكثف في القرية هذه الأيام ما سببه
حنين: باستثناء الأسباب الواضحة
أبتسم أمجد وقال: نعم ...كلا ..ليس من اجل النساء...فهن موجدات بالقاهرة أيضا علي حد علمي
أشاحت حنين وجهها بعيدا وبدأت في الابتعاد وقالت: كلا لا أعرف
أقترب منها أمجد وبدأ يسير بجانبها قائلا: حسنا ...استدعته أمي...كي يزيحني ويصبح هو السيد الأول...يبعدني ليأخذ مكاني...أيمن غير مهتم ...ولكن لنفترض أنه أصبح مهتما الآن في ضوء الأحداث الأخيرة ...تخيلي معي مصيرك ..كيف سيكون..مصير شاكر وكل نساء القرية من المعاقبون...وحتى من المراقبون
توقفت حنين وبدأ الخوف يجتاح قلبها ....أكمل أمجد: أنت حقا لا تعرفين شيئا ..في الحقيقة لا احد يعرف شيئا...هل تظنين أن الأسياد بالقرية فقط ...كلا ..أننا مجتمع صغير....أين تظنين عمي "برهان" ...أين تظنين أبنائه...وأبناء عمومتنا ...كل أولئك الرجال أين هم ...كل عائلتهم ....أنـ
توقف فجأة عن الكلام ثم نظر حوله وأكمل: حسنا...هل تعرفين كل هذا المال الذي نجمعه..من الحقول أو الأعمال..أو منكم أنتم ..المعاقبون ..هل تعرفين إلي أين يذهب
هزت حنين رأسها بالنفي فأكمل أمجد قائلا: حسنا..نقسمه إلي ثلاثة أقسام..نأخذ الثلثين..ونعطي باقي العائلة الثلث المتبقي
هزت حنين كتفيها في لا مبالاة وتابعت السير
أكمل أمجد: حسنا ..أصبحت العائلة أكثر جشعا...أو ربـ...ربما أنا ضعيف ..أنهم لا يهابوني كما كانوا يفعلون مع أبي.. فعمي يهددني بأشياء لا أعرف كنهها..أنه يعرف أكثر مني...يعرف عنا وعنكم وعن الجميع أكثر مني..وهذا يقلقني كثيرا
فتحت حنين فمها لتتكلم ..ولكنها لم تخرج صوتا....كانت الأفكار تتزاحم بداخل رأسها...لديها الكثير من الأسئلة ولكنها لم تعرف بأي سؤال تبدأ
تابع أمجد: ولذلك لا يمكن لأحد معرفة ما حد هنا..أو بالأحرى ما لم يحدث...حنين أرجوك..أنا في موقف ضعيف..لا تزيدي الطين بله
نظرت حنين له وهي غير مقتنعة بما يقوله....ولكنها هزت رأسها في استسلام وقالت: حسنا ..ولكن لدي أسئلة أريد إجابة عنها...ولا تكذب..لأني سأعرف ...أنا أعرف دوما عندما تكذب
ضحك أمجد وقال: حسنا ..دعينا أولا نعود إلي الداخل ...أكاد أموت جوعا
ابتسمت حنين ثم أتبعته إلي المنزل وهي تفكر أنه من الخطر البقاء معه...أنها تتعلق به كل يوم أكثر من اليوم الذي يسبقه وهذا...هذا خطر خاصة وأنها تنوي أخيرا اعتناق الإسلام
****
بحث أمجد عن ملابس لحنين في كل ركن في المنزل ولكنه لم يوفق
حنين من خلفه: لا توجد ملابس نسائية في المنزل..لقد بحثت في كل الغرف ولكن لا شيء..قلت لي أن هذا المنزل كان لأبيك..أخمن انه لم يستضيف أي امرأة هنا ....أذن ..أيمن كبر وصار وغدا لمن؟؟؟؟
توقف أمجد عن البحث في خزينة الملابس ونظر لها وهو يفكر كم أن الأسرار قاسية ...
حنين: ماذا ...لما تنظر لي هكذا
أمجد: كلا ....لا شيء ...أنا فقط ...سأذهب وأحضر لك بعض الملابس
حنين مسرعة: من المنزل
قطب أمجد جبينه وقال: كلا ..ليس من المنزل ...من أي محل لبيع الملابس النسائية ....اكتبي ما تحتاجينه في ورقة ومقاسك كذلك ....
حنين بغضب: لماذا ...كم يوم سأمكث هنا
أمجد بنفاذ صبر: يومين ...ثلاثة ...مائة....كل ما يستلزم من وقت كي تهدأ الأمور في القرية ..كفي عن النظر إلي كذلك ..أنا لا أطيق وجهك القبيح كذلك ولكنك لا تريني أشتكي كل بضعة دقائق
ضحكت حنين وهمت بالمغادرة ثم توقفت وبدا علي وجهها الجدية: أنـ...أنا لا أريد العودة سريعا لأني أكره صحبتك ..كل ما في الأمر ...بقائي معك سيمزق قلب أبي وأمي ...وأنا ...أنا لا أريد لهم ذلك
قالت تلك الكلمات ثم رحلت لتبحث عن قلم وورقه...نظر لها أمجد وهي تبتعد فأراد الذهاب إليها وضمها إلي صدره ..ولكنه لا يستطيع ..كلا ...ليس هكذا ...
***
أستيقظ طارق علي صوت ولديه وهم يتعاركون مرة أخري نظر لهم في غضب ثم وقف وقام بصفعهم علي رأسهم ....أعترض حسن بالطبع أما حسين فطأطأ رأسه خجلا
طارق: ماذا سيقولون أن سمعوا أصوات تعارككم ..هه...ماذا..أني لم أحسن تربية أبنائي
حسن: هو من بدأ لـ..
صفعه أبيه مرة أخري فتوقف عن الكلام وهو ينظر لأخيه بغضب
حسين: أبي متى سنرحل ...المطعم ...و المدرسة ...و
طارق بشرود: لا أعرف ..أنا لا أعرف ...أريد اكتشاف أمر تلك القرية ..و..
حسن مسرعا: وأين هي حنين...ومع من ذهبت
نظر طارق بغضب إلي أبنه وقال: أحترم أختك الكبرى..أنها..أننا لا نعرف ما الأمر..لذلك لا أريد سماع صوتك
أقترب حسين من أبيه وقال: أبي... أهل هذه القرية ....أنهم ..لا أعرف ...غريبو الأطوار
طارق: نعم ...نعم ..أنت محق ...هل سمعت وحيد...وبأي شيء كان يقسم ...
هم حسين بقول شيء ولكن حسن أسرع وقال: أذن تتناقش مع حسين وأنا ممنوع عني الكلام في الأمر ...أنت ظالم ...قالها وغادر قبل أن يصفعه أبيه ثانية
جلس طارق وهو يسب ولده في سره وتساءل للمرة المليون عن السبب الذي يجعل حسين بتلك الحكمة في هذا السن الصغير ويجعل حسن هكذا ...أناني وأحمق ....نظر إلي حسين وفكر ...ربما الحكمة سائل في المخ أنتقل إلي حسين كله وهما في رحم أمهما وترك حسن بدون أي نوع من أنواع الحكمة أو الذكاء أو أي شيء
حسين: أبي...أبي
طارق: ماذا...ماذا..
حسين: لم تجيبني يا أبي متى سنرحل؟
نظر طارق لأبنه ولم يعرف بماذا يجيب
***
خرج حسن مسرعا من الغرفة التي أعطاهم إياه العم شاكر كي يناموا بها..العم شاكر ...والد حنين...إن كان لها والد فلما أتت في المقام الأول لتعيش معنا ...تساءل حسن وهو يخرج من باب المنزل ثم ألقي نظرة علي الشرفة ...كان وحيد مازال يجلس ممسكا ببندقيته...لقد مر يوم كامل وهو يجلس هكذا ...رفع وحيد رأسه ثم عاد ونظر مرة أخري إلي الأشجار
تقدم حسن في خوف ثم جلس بجانبه وقال: هل يمكنني رؤيتها
قالها وهو يشير إلي البندقية في يد وحيد ....نظر وحيد إلي يده وقال: كلا
أقترب حسن أكثر ونظر له بإعجاب وقال: ماذا تفعل هنا ..وما الذي تنتظر قدومه....ولما تجلس هكذا منذ الأمس
وحيد بحزم: الأمر لا يعنيك ..أذهب إلي الداخل ولا تخرج
نظر له حسن وكأنه ينظر إلي قطعة حلوي وقال: إذا دخلت ستدعني أمسك بها
نظر له وحيد وشبح ابتسامة يرتسم علي ركن فمه ثم قال: كلا..سأضربك بها أن لم تدخل
حسن ونظرة الانبهار لا تفارقه: بعد أن تضربني هل ستتركني أمسكها
ضحك وحيد ونظر لحسن وقال: أنت حقا مشكلة...ما أسمك
حسن: أسمي حسن ..وأنت وحيد ..أليس كذلك
مد وحيد يده وصافح حسن ثم قال: حسنا..تعال معي..سأعلمك كيف تستخدمها
أبتعد كلاهما خلف الأشجار ثم بدأ وحيد بإعطائه إرشادات استخدام البندقية...إرشادات قالها له ممدوح منذ زمن ...لم يكن له أخ أصغر ليعلمه....وحنين كانت تميل إلي ممدوح أكثر..أبتسم وحيد وهو يراقب حسن وهو يصوب ناحية السماء في سعادة ويصدر صوتا بفمه وكأنه يطلق الرصاص
راقبت منال وحيد من بعيد ثم تذكرت ولدها البكر لا تعرف لما تفكر به كثيرا هذه الأيام....تذكرت كيف كان عندما كان رضيعا بين يديها....عادت ونظرت إلي وحيد مرة أخري ....أقترب شخصا ما منها وقال: لم يقتله أذن
نظرت منال إلي زوجها وقالت مبتسمة: وحيد عصبي..نعم ...ولكنه لا يؤذي ذبابة
طارق: وزوجته
نظرت له منال بغضب وقالت: لا تتحدث عن تلك الأمور هنا ....هذا شأنهم الخاص
طارق بغضب: أنه أبنك..وهي زوجته..كيف لا يكون شأنك
منال: توقف اللعنة ..أنت لا تفهم
طارق: توقفي عن اللعن ...
نظرت منال إلي زوجها وقالت: حسنا...سأتوقف أن توقفت أنت عن طرح أسئلتك الغبية
طارق: هل ...شاكر ..مسلم
منال: نـ...نعم ...بالطبع مسلم ...هل جننت لتطرح سؤال كهذا
طارق: حسنا..إن كان مسلما..فهو لا يصلي علي النبي...إن كان مسلم فلم أجد في منزله سجادة صلاة واحدة ..أو حتى مصحف...و تلك المرأة العجوز..أنها..حسنا أنها لا تعرف أي شيء عن الله سبحانه وتعالي
ابتسمت منال وقالت: جيد..الجميع متفق علي ذلك
طارق بحزم: منال ..أخبريني أنا زوجك..كفي عن الكذب ...لما قريتك تبدوا هكذا
منال بحزم: أنها ليست قريتي ...أنها قرية زوجي السابق ..وكف عن طرح الأسئلة
طارق: حسنا ..أريد العودة إلي القاهرة ...نحن نخسر المال بمجرد وجودنا هنا
منال بشرود: أنا لم أطلب منك الحضور
طارق: حسنا ..متى سنرحل ..ولا تقول لي أنك لن ترحلي إلا مع أبنتك ...أين هي حنين علي أية حال ..ومن هو أمجد الذي سمح الجميع برحيلها معه...أنا أعرف أخلاق حنين...أنها ...
منال: أخرس...فقط أخرس...أنه....أنه زوجها ....لقد تزوجت من أمجد
فتح طارق فمه أكثر من مرة ليحاول التحدث..حدق في الأرض قليلا ثم قال: اللعنة
منال: لا تلعن
طارق: كيف ....ومتى ..و أين
منال: حسنا مباشرة قبل ظهورك ....لقد جاء شيخ القرية وعقد قرانهم....أنه...كانت حنين ....بل هو ...كان يحبها منذ أن كانوا أطفال و...عندما عادت إلي القرية ...حسنا أشتعل حبهم مرة أخري ...وتزوجها..ولكن
طارق مسرعا: ولكن ماذا
منال: هناك مشاكل ....بين العائلتين....هناك مشاكل بين وحيد وأيمن ...الأخ الأوسط لأمجد ..وهناك أمه..السيدة وفاء...أنها حقا عاهرة ....لن تسمح لأمجد بأن يتخذ حنين زوجة له أنه...أنت تعرف من عائلة كبيرة...وحنين ....أبنه مزارع بسيط
طارق: يا الله ...ولكن ما مصير حنين الآن
تساقطت دموع منال وقالت: لا أعرف...أعتقد أنه سيتزوجها لمدة شهر أو أكثر ثم يطلقها ...أمه..لن تتركه يحتفظ بها كثيرا ...
قالت تلك الكلمات ثم انهارت بالبكاء أمام المنزل...أشفق طارق عليها فأخذ بيدها ثم أدخلها إلي المنزل وهو يقول: أنت لا تعرفين أن هذا سيكون مصيرها ...ربما أمجد هذا يكون رجلا و..و يتمسك بحنين حتى النهاية
نظرت منال له وهي تكاد تصرخ..
.تكاد تخبره كل شيء عن الأسياد والمعاقبون ...عن ما يفعله أمجد بابنتها الصغيرة الآن...أمسكت لسانها وهي تتألم ودعت الله أن يعيد إليها ابنتها
جلست حنين تراقب الجميع وهي لا تقوي علي الوقوف...حدقت في الجسد الممدد بجانبها ..ثم عادت ونظرت إلي السماء فضوء الشمس كان يظهر علي استحياء"سيكون بخير"رفعت حنين رأسها في تعب فوجدت القائل أبيها..كان وجهه مسودا ويديه تنزف..جلس بصعوبة بجانبها و أكمل: سيكون بخير..لقد تحرك جسده منذ قليل مفعول الدواء الذي أعطاه إياه سامح بدأ في الزوال..توقف عن الحديث وهو ينظر إلي يديه ثم قال: آلا تعرفين أين سامح ألقت حنين نظرة علي حسن الجالس في ركن بعيد يبكي بمفرده وقالت: ابتلعته الأرض هو وميثاقه تسمر أبيها قليلا ثم قال: حقا...هل رأيته بالفعلحنين: نعم رأيته..أظنـقطع حديثها صوت تهليل وصراخ من بعض الرجال أرادت حنين الصراخ بهم فكفاهم طوال الليل والجميع يصرخ ...ولكن أصوات الصراخ كانت سعيدة نوعا ما ..لذلك تحرك أبيها فورا إلي الصوت فتبعته مترنحة ... لم تتبين حنين ما الأمر ...الرجال طوال الليل وهم يرفعون حطام القصر للبحث عن أحياء..أخرجوا السيدة وفاء منذ قليل وهرع بها أمجد إلي المستشفي..أما الآن فكانوا يبحثون عن باقي الخدام..أخرجوا بالفعل بعض الجثث ولكن كانت تبدوا و أنها قتلت من قبل سقوط القصر فوق الجميع ..مثل
تمددت حنين في فراشها للمرة الأولي منذ بضعة أشهر ... "ما كان يجب أن أذهب"قالتها حنين بصوت مرتفع دون أن تلاحظ تواجد أمها بجانب البابمنال: قلت لك اعتدلت حنين لتلقي نظرة علي أمها التي سارعت قائلة: أخيك قادم ..حنين: أيهم منال مقطبة جبينها: وحيد بالطبع حنين في استسلام: لا يهم ..إن عرف سامح بوجودي هنا فأنا ميتة لا محال منال في غضب: قلت لك مائة مرة أنا سأحميك ..طارق سيحميك ..و وحيد قادم ليكون معك حنين: وكأن هذا سيمنعه نظرت منال بغضب لأبنتها ثم غادرت ..اعتدلت حنين مرة أخري وظلت تستمع إلي أمها وهي تصرخ في وجه طارق ليجد حلا لمشكلتها..ابتسمت ثم تمددت مرة أخرى تراقب سقف غرفتها...عرفت الآن إجابة لسؤال لطالما أرقها..لما الفراعنة كانوا يرسمون علي أسقف معابدهم ..لابد أنهم كانوا مثلها..يتطلعون إلي السقف طوال اليوم ...خطرت لها فكرة مجنونة تعود لممارسة هوايتها في الرسم مرة أخري ولكن تلك المرة ستعلق رسوماتها علي السقف بذلك تجد شيئا تتطلع إليه..تذكرت لوحاتها البدائية المثبتة علي خزانة ملابسها..لوحات رسمتها وهي طفلة, الآن تشعر بغصة كلما تذكرت القرية..ما كان عليها العودة..أو ربما كان يجب عل
خرج سامح من السيارة ولكنه لم يتجه إلي القصر بل عاد ونظر بداخل أحدي السيارات التي كانت تتبعه ..."جيد..جيد..قطع نظيف"قالها سامح وهو يتفحص الجثة الملاقاة علي المقعد بجانب السائق "أين نضعه سيدي"أعتدل سامح وهو يمسح يديه بمنديل ثم قال: مع إخوته بالطبع ...لطالما كان بشار رجل يحب عائلتهأمسك رجلين بجسد بشار ثم أخرجوه من السيارة وذهبوا مبتعدين أقترب أحد الرجال بحذر من سامح وقال: سيدي..أنـ..أنها السيدة وفاءقطب سامح جبينه وقال: ما بها الرجل: أنها في حالة سيئة ..و لا تتوقف عن السؤال عن السيد أمجد سامح: حسنا..حسنا..سأذهب لها بنفسي الرجل: وماذا سنفعل ببقيتهم تطلع سامح في وجه الرجل ثم قال: ضعوا العم وجدي في مكتبي..أما طارق و ولده فضعوه في أي غرفة مغلقة***** أشعلت السيدة وفاء لفافة التبغ العاشرة بيد مرتعشة وأخذت بضعة أنفاس ثم تطلعت إلي وجهها في المرأة وصرخت ..لم تكن تتحمل المزيد فمنذ أول أمس وسامح أرغمها علي المكوث بغرفتها..تسمع صوت الصراخ بالخارج وتشم رائحة الدم ولكنها لا تستطيع الخروج..حاولت التواصل مع أمجد أو أيمن ولكن دون فائدة..حتى الخادمات اختفين و من يحضر لها الطعام رجل غليظ من
وضع أيمن سماعة الهاتف ثم نظر إلي أخيه أمجد: ما الأمر ..من كان معك علي الهاتف أيمن مقطبا جبينه: وحيدأمجد: حنين..هل حـهز أيمن رأسه بالنفي وقال: كلا..ليست حنين..ولكن..أظن العم وجدي وجد طريقة لأبطال اللعنات تهاوي جسد أمجد علي أقرب مقعد: مـ..ما الذي تقولهأيمن: سأخبرك في الطريق إلي القاهرة ...لنغادر الآن قالها أيمن ثم خرج مسرعا لتجهيز السيارة ...تذكر سامح وعمه برهان ..ما الذي سيفعله بهم "اللعنة" قالها أيمن لا يمكن لكلاهما ترك المكان..هل يذهب هو..أم يطلب من أمجد ذلك...استدار ليعود إلي أخيه فوجده مكانه علي المقعد لم يتحرك فقط صدره يعلو ويهبط وينظر بشرود إلي أرضية الغرفة ...أقترب منه وهو يخمن ما يدور في رأسه ..هل من الممكن أن تعود له ..هل ستسامحه بعد أن أجبرها علي رؤيته مع امرأة أخري...كل تلك الأمور وأكثر...الأمل شيء صعب حقا ...يتغللك كماء دافئ في يوم شديد البرودة ثم يجردوك منه ويتركوك عاريا في بحيرة مثلجة ليس لك أمل في النجاة"أمجد...لأذهب بمفردي ...أمكث أنت هنا لمراقبة العم برهان"رفع أمجد رأسه فجأة و قال: كلا..أريد رؤيتها أيمن: ربما من الأفضل ألا أمجد: أنا لا أتناقش معك..أنا سأذه
وضعت منال صحيفة عليها بعض أكواب الشاي أمام الضيف الغير متوقع و تبادلت مع زوجها النظرات فبادر طارق بالترحيب للمرة الخامسة بالعم وجدي أبتسم العم وجدي قائلا: لا داعي للتهذيب معي سيد طارق..لابد وأنك تكره القرية وكل ما يأتي منها فتح طارق فاه فلم يكن يتوقع أن يكون العم وجدي بهذه الصراحة ولكنه أسرع قائلا: العفو يا سيد وجدي ..أنا فقط ...لا أتقبل فكرة أن يكون كل ساكني القرية من المشركين بالله...العم وجدي: نعم ..بالطبع ..ولكني لست واحد منهم قطب طارق جبينه وقال: هل..أنت مسلم العم وجدي: لا يمكنك تلقيبي بالمسلم ..ولكني أؤمن بوجود الله ...وأحترم كل الأديان السماوية وكل ما جاء بهاأبتسم طارق وقال: وما فائدة الإيمان بشيء وأنت لا تتبع تعاليمهرفع العم وجدي رأسه فلمعت عويناته تحت الإضاءة الصفراء وقال: وهل ممارسة طقوس معينة يجعل مني مسلم حتى وإن كان لا يوجد إيمان بقلبيطارق: بالطبع لا ولكن لا يمكن أن أطلق علي نفسي مؤمن بالله إن لم اتبع تعليماته..وتعليماته تلك أرسلها علي لسان أنبيائه في شكل الأديان السماوية ..أبتسم العم وجدي وهم بقول شيء ما ولكن باب الحجرة تحرك وبرزت حنين ومن خلفها وحيد مقطبا جبينه
مر بعض الوقت ثم ظهر أيمن..كان يبدوا عليه التعب والتوترأقترب أيمن منها ثم امسك بقنينة ماء كانت أمامها وتجرع ما بها...ثم نظر إليها وقال: خذي بعض الطعام إلي غرفة أمجدقال تلك الكلمات ثم غادر مسرعا..تعجبت حنين من تصرفه..لقد أمرها آلا تغادر..ربما أمجد من طلب منه ذلك..ربما أخيرا سيتحدث معها.. ابتسمت حنين للمرة الأولي وشعرت بالسعادة تجتاحها...أمجد...نعم..كان يدعي أنه لا يهتم بها كي لا يثير الشكوك..الآن يمكنها التحدث معه وأخباره كيف كانت بدونه..يمكنها السقوط بين ذراعيه والبكاء أسرعت تضع الكثير من الأطعمة في الصحيفة أمامها ثم حملتها وغادرت المطبخ...صعدت الدرج مسرعة وهي تتفادى الاصطدام بأي من الضيوف الثمالي..غادر الكثير ولكن البعض بقي..رأت أحد الأسياد وهو يحتضن عبير ألقت نظرة فعرفت أن من بقي من الأسياد هو من يريد العبث طوال الليل مع نساء القرية..لم تعبأ بما يحدث حولها وتوجهت إلي غرفة أمجد...أدارت المقبض وفتحت الباب..كانت الغرفة مظلمة ولكنها استطاعت رؤيته يجلس علي الفراش و...شهقت حنين وتركت الصحيفة تسقط من يدها...أمجد يجلس فوق أحد النساء..تحديدا تلك المرأة الخاصة بإيهاب أبن عمه...نظر لها أمج







