Share

الفصل التاسع

last update publish date: 2026-07-23 03:23:13

لقاء على شاطئ الوجع

منذ يوم حفل الزفاف، وهي تعيش كالجثة.

كانت تستيقظ، تذهب إلى عملها، تعود إلى منزلها، ثم تستلقي لساعات تحدق في السقف دون أن تشعر بشيء.

حتى فكرة إنهاء حياتها راودتها أكثر من مرة، ليس رغبة في الموت، بل هربا من ذلك الوجع الذي لم يعد يحتمل.

لم تستطع أن تمحو من ذاكرتها صورته وهو ينحني ليقبل رأس خالتها أمام الجميع.

كان المشهد يطاردها في يقظتها ومنامها.

ولشدة ما كانت تعانيه، أصبحت تبحث عن أي ألم جسدي يطغى على ذلك الوجع الذي يمزق روحها، علها تهرب للحظات من التفكير.

حتى الآن، لم تفهم ما حدث.

في أسوأ كوابيسها، لم تتخيل أن الرجل الوحيد الذي أحبته سيتزوج خالتها.

هل كان يعلم أنها خالتها منذ البداية؟

أم أن الأمر مجرد صدفة؟

وإن كان يريد الزواج من امرأة مغربية، فلماذا لم يخترها هي؟

لماذا قبل بزواج تقليدي من امرأة لم يكن يعرفها، بينما كانت هي مستعدة أن تمنحه قلبها كله؟

ألم تكن أولى به؟

أغمضت عينيها وهمست:

"لماذا يا محمد لماذا؟"

كانت ضعيفة أمامه بشكل لم تستطع تفسيره.

مجرد سماع اسمه كان يكفي ليبعثر كل محاولاتها للنسيان.

ولولا وجدان، لكانت استسلمت منذ زمن.

كانت وجدان السد الوحيد الذي يقف بينهما.

كلما حاول محمد الوصول إليها، كانت تمنعه، بل أخذت هاتفها فترة من الزمن حتى تقطع أي وسيلة تواصل بينهما، إلى أن فقد الأمل وتوقف عن المحاولة.

لكنها لم تتوقف عن التساؤل.

ماذا كان يريد منها؟

هل كان ينوي الاعتذار لأنه خدعها وأوهمها بحبه؟

أم أنه كان يخشى أن تخبر خالتها بما حدث بينهما؟

وهل أحب فاطمة بهذه السرعة حتى أصبح يخاف على مشاعرها؟

هل كل ما عاشته معه لم يكن سوى وهم صنعه قلبها؟

كانت تلك الأسئلة تنهشها يوما بعد يوم.

ولم يعد يؤلمها فقدان محمد بقدر ما كان يؤلمها شعورها بأنها لم تكن كافية.

ومرة أخرى بدأت تشك في نفسها.

في شكلها

وفي أنوثتها.

وفي قيمتها.

وكأن الرجل الذي أحبته لم يكسر قلبها فقط، بل كسر ثقتها بنفسها أيضا.

كان ظهور طوم في حياتها القشة التي قصمت ظهر البعير.

إصرار عائلتها، وخصوصا والدتها، على الزواج منه دفعها إلى حافة الانهيار.

كيف يمكنها أن ترتبط برجل آخر، بينما قلبها وعقلها وروحها لا تزال أسيرة رجل واحد؟

لقد منحت محمد كل ما تملك من مشاعر، ولم يعد بداخلها ما تهبه لشخص آخر.

كانت مقتنعة بأنها ستعيش بقية حياتها وحدها، حتى يأتي أجلها، أهون عليها من أن تخون قلبها بزواج لا تريده.

لكن ضغوط عائلتها لم تتوقف، بل ازدادت يوما بعد يوم.

ولأول مرة في حياتها، فقدت هدوءها أمامهم.

صرخت، وبكت، ثم هددتهم بأنها ستنهي حياتها إن استمروا في إجبارها على تلك الخطبة.

لم تجد من تلجأ إليه سوى خالتها فاطمة.

اتصلت بها وهي تبكي، راجية منها أن تتحدث إلى والدتها وتخفف عنها ذلك الضغط الذي لم تعد قادرة على احتماله.

لكن فاطمة فاجأتها بعرض لم تكن تتوقعه.

رحلة إلى مصر، مدفوعة التكاليف بالكامل، لتبتعد قليلا عن كل ما تعيشه، وتستعيد أنفاسها.

لطالما حلمت بزيارة مصر.

كانت ترى فيها الأرض التي خرجت منها القصص والأفلام التي رافقتها منذ طفولتها، لذلك راودتها رغبة قوية في قبول العرض.

إلا أن خوفها من السفر، ومن الأماكن الجديدة، ومن الاختلاط بالناس، كاد يدفعها إلى الاعتذار.

ولولا موافقة وجدان على مرافقتها، لما ركبت الطائرة من الأساس.

طوال أيام إقامتها في مصر، لم تستطع هاجر أن تستمتع بالرحلة كما كانت تتخيل.

كانت ترفض الخروج في الجولات السياحية، وتكتفي بالجلوس على الشاطئ لساعات، تحدق في البحر بصمت.

كانت تراقب الأمواج وهي تتقدم ثم تنكسر وتعود، وتشعر أنها تشبه قلبها. كلما ظنت أنه هدأ، عاد الألم ليجرفه من جديد.

أقلق ذلك وجدان كثيرا.

فقالت لها ذات صباح:

"لن أستمتع بالرحلة وأنا أراك هكذا."

ابتسمت هاجر ابتسامة باهتة وقالت:

"اخرجي مع المجموعات السياحية، زوري آثار مصر، لا تضيعي رحلتك بسببي. سأبقى هنا، أنا بخير."

لم تقتنع وجدان تماما، لكنها رضخت في النهاية بعد أن وعدتها هاجر ألا تغادر الفندق.

جلست هاجر في مكانها المعتاد، على مقربة من البحر، تحدق في المياه بصمت.

شعرت بشخص يجلس إلى جوارها.

ظنت أنها وجدان، فقالت دون أن تنظر إليه:

"ألم تذهبي معهم؟"

جاءها صوت تعرفه أكثر مما تتمنى:

"مرحبا يا هاجر."

تجمد الدم في عروقها.

التفتت ببطء، وما إن رأته حتى نهضت مذعورة.

حاولت الابتعاد، لكنه قال بهدوء:

"أرجوكنحتاج أن نتحدث."

نظرت إليه بعينين امتلأتا بالخذلان، ثم قالت بسخرية مرة:

"عن ماذا؟ أظن أنه لم يعد هناك شيء بيننا لنتحدث عنه. يا خالي."

تجاهل السخرية التي تعمدت أن تجرحه، وقال بصوت مرتجف:

"أنا أحبك يا هاجر."

لم تصرخ.

لم تغضب.

بل انهارت.

انفجرت بالبكاء، وكأن كل الدموع التي حبستها منذ يوم زفافه خرجت دفعة واحدة.

أخذت تردد بين شهقاتها:

"لماذالماذا الآن؟"

بدأ المارة يلتفتون إليهما، وتجمع الفضوليون حول المشهد.

شعر محمد بأن الموقف يزداد سوءا، وأنها لم تعد قادرة على الوقوف.

كانت ترتجف بشدة، وأنفاسها تتسارع، فأسندها برفق محاولا تهدئتها.

ثم اصطحبها بعيدا عن أنظار الناس إلى أحد الشاليهات الخاصة التي استأجرها داخل الفندق.

أغلق الباب خلفهما.

ولأول مرة ، أصبحا وجها لوجه، بلا أحد بينهما، وبأسئلة مؤجلة حملها كل منهما في قلبه طويلا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثامن و العشرون

    ما أضعته بيدياريد محمد اريد محمدكانت الكلمات تتردد على شفتي هاجر بهستيرية وانفعال شديد منذ ان استعادت وعيها بعد اغمائها في غرفة المستشفى. كانت تصرخ باسمه وتقاوم كل من يحاول تهدئتها، حتى عجزوا عن السيطرة عليها، ولم يجد الاطباء بدا من اعطائها حقنة مهدئة، خوفا من ان يؤثر انفعالها الشديد على الجنين، خصوصا وان حملها لم يكن مستقرا بعد.راقب كريم المشهد بصمت، بينما كانت مشاعر متناقضة تعصف بداخله.في اعماقه، تمنى للحظة لو ان ذلك الجنين سقط.ربما كانت ستكون له عندها فرصة اخرى مع هاجر.وما المشكلة في ذلك؟ حتى لو اصبحت زوجة خاله، كان سيجد طريقة. سيجعلها تطلب الطلاق ويعيدها اليه. كان يعرف هاجر جيدا، او على الاقل كان يعتقد انه يعرفها.كان يعرف كيف يتصرف معها.كانت تذوب بين يديه، وتستسلم لكلماته، وتنفذ اوامره دون نقاش. وكم كان يعجبه ذلك الخضوع الصامت منها، ذلك الاستعداد الدائم لان تضع رايه فوق رايها.تذكر يوم اقنعها بان قيادة السيارة ليست مناسبة للنساء.لم تجادله طويلا.بل الغت تسجيلها في مركز تعليم السياقة لمجرد انه اخبرها بذلك.ابتسم داخله للحظة وهو يستعيد تلك الذكرى، قبل ان تختفي ابتسامته سريع

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل السابع والعشرون

    عودة متأخرةكان كريم سعيدا بعودته الى مصر، فقد اشتاق الى الجو الاسري الذي حرم منه منذ سنوات. لقد الح على والدته كثيرا ان تذهب للعيش معه في السعودية، الا انها كانت ترفض في كل مرة. اما الان، فقد وجد نفسه يتوق الى دفء البيت ووجودها الى جانبه.منذ طلاقه، لم تتوقف والدته عن مطالبته بالزواج من جديد، او باعادة زوجته السابقة وجمع شملهما. كان يرفض الفكرة الثانية رفضا قاطعا، اما الزواج، فلم يكن يمانعه من حيث المبدأ، بل كان يبحث فعلا عن امرأة مناسبة، لكنه لم يجدها.والحقيقة انه وجدها منذ زمن.هاجر.المرأة الرقيقة التي تخلى عنها في لحظة غباء.كان كريم قد احب هاجر كثيرا. احب طيبتها، وصدقها، وعطاءها، والسكينة الغريبة التي كانت تمنحها له كلماتها. كان يشعر معها براحة لم يجدها مع اي امرأة اخرى.لكنه، في النهاية، احب نفسه اكثر.بعد طلاقه، اقسم كريم الا يظلم نفسه مرة اخرى. كان مقتنعا بان الحب وحده لا يكفي. لقد احب زوجته الاولى بصدق، ومع ذلك انتهى زواجهما بالطلاق. لذلك اقنع نفسه بان المشاعر تتغير، وان المرأة التي يعشقها اليوم قد تصبح بعد سنوات اكثر شخص يكرهه.ومن هنا بدأت معاييره تتغير.لم يعد يبحث عن ال

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل السادس والعشرون

    حين عاد الماضيمدام هاجر ،الست علياء بتناديك للعشاء.كررت الخادمة الجملة للمرة العشرين، دون أن تتلقى أي جواب من هاجر. وقبل أن تغلق الباب وتغادر، ألقت عليها نظرة أخيرة، ثم هزت رأسها باستغراب.أما هاجر، فكانت غائبة عن الوعي، غارقة في ألمها. كانت الآلام التي تسببت بها الإبر التي غرستها في باطن إصبعها هي الحل الوحيد الذي لجأت إليه لتتخلص، ولو مؤقتا، من كثرة التفكير الذي أوشك أن يصيبها بالجنون.لم تكن تصدق ما حدث.محمد يرفض الحديث معها؟ محمد يرفض الحديث معها! لا يعقل لماذا؟هي لم تفعل شيئا يستحق أن يغضب منها. بل على العكس، كانا يعيشان أسعد أيامهما، وكانت تفعل كل ما بوسعها لإسعاده وإنجاح علاقتهما.فلماذا يرفض التواصل معها اليوم؟هل يفكر في التخلي عنها كما فعل سابقا؟وكما فعل كريم من قبل؟في المرة السابقة، برر محمد ابتعاده عنها بسبب الرسالة التي أرسلتها وجدان. لكن هذه المرة ما السبب؟هل يعقل أن يتخلى عنها هو الآخر و للمرة الثانية ؟ومن سيقبل بها بعده؟ثم جاء السؤال الذي كان أشد قسوة من كل ما سبقه:و مذا عن إبنها؟هل سيتخلى محمد عنه أيضا؟ومن سيقبل بها هي وابنها؟لا أحد هكذا أقنعت نفسها.ك

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الخامس والعشرون

    صدمةجلست علياء تأكل، وهي تسترق النظر بين لحظة وأخرى إلى هاجر.ورغم أن هاجر كانت تشاركها جميع الوجبات، فإنها كانت تتعمد ألا تتحدث معها. وكلما حاولت علياء أن تسألها عن شيء، كانت تكتفي بإجابتها بحركة من رأسها، وكأنها تخشى أن يؤدي أي حديث بينهما إلى مواجهة جديدة.قالت علياء بهدوء:— كيف حال الجنين؟هزت هاجر رأسها بمعنى أنه بخير، دون أن تنطق بكلمة واحدة.كانت علياء تعرف جيدًا سبب تصرفها. هاجر ما زالت تخاف منها، وما زال في قلبها شيء من الحقد عليها منذ ذلك اليوم الذي صفعتها فيه. لم تنسَ هاجر تلك الصفعة، ولا الطريقة التي شعرت بها يومها بالإهانة والضعف أمامها.لكن علياء، في المقابل، لم تكن تحمل الأمر في قلبها.كانت تتمنى لو تستطيع الاقتراب منها، لو تمنحها فرصة لتراها كما تراها هي.فمنذ أن دخلت هاجر حياتهم، شعرت علياء بشيء غريب تجاهها. كانت تراها كابنة لم تنجبها، وتتمنى لو أن الله رزقها يومًا بفتاة مثلها.لكن الله لم يرزقها سوى بكريم، ابنها الوحيد.أما محمد، فلم تكن تعتبره أخا لها فحسب، بل كان بالنسبة إليها ابنا أيضا. فقد كان في العمر نفسه تقريبا مع كريم، وقد ربتهما معا منذ أن كانا صغيرين. تعب

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الرابع والعشرون

    ذاكرة مفقودةجلس محمد على حافة حوض الاستحمام، واضعا رأسه بين كفيه، بينما كانت أنفاسه تتسارع كأنها تطارده. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح، وهو يحاول عبثا أن يجمع شتات ذاكرته، لكن كلما اقترب من تذكر ما حدث، اصطدم بفراغ مخيف.آخر ما يتذكره أنه عاد من السعودية إلى المغرب وقد حسم أمره. لم يعد يحتمل تلك الحياة المعلقة بينه وبين فاطمة، وقرر أن يواجهها بالحقيقة وينهي كل شيء باحترام. استقبلته بابتسامة هادئة، وسألته عن رحلته، ثم لاحظت أنه يبدو شاردا.قال لها إنه يريد أن يتحدث معها في موضوع مهم، لكنها قاطعته بلطف قائلة:"ليس الآن تعال نتعشى أولا. اشتقت إليك، وأريد أن نقضي هذه الليلة بهدوء، وبعدها نتحدث في أي شيء تريده."نظر إليها للحظات. لم يشأ أن يجرح مشاعرها، وظن أن تأجيل الحديث لساعات قليلة لن يغير شيئا، فوافق على مضض.بعد ذلك.لا شيء.ذكرياته تتوقف عند تلك اللحظة.كل ما يليه ظلام كامل.وحين استيقظ في الصباح، وجد نفسه في موقف لم يستطع استيعابه. شعر وكأن ساعات كاملة قد محيت من ذاكرته. ظل للحظات يحدق في السقف غير قادر على فهم ما جرى، ثم نهض بسرعة وأغلق على نفسه باب الحمام.ومنذ ذلك الوقت، لم يخرج.

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثالت و العشرون

    قلبان فقط بدأ محمد يلاحظ أمرا غريبا في هاجر. في البداية ظن أنه مجرد انطباع عابر، لكنه مع مرور الأيام تأكد أن الأمر أعمق من ذلك. هاجر لم تكن تحمل أي مشاعر دافئة تجاه عائلتها. لم يسبق أن سمعها تشتاق إليهم، أو تتحدث عنهم كما يفعل أي شخص ابتعد عن أهله. لم تقل مرة إنها تفتقد والدتها، أو أنها تتمنى رؤية إخوتها، ولم يلمح في عينيها ذلك الشوق الذي يراه في عيون المغتربين عن اهلهم. كانت حياتها تسير وكأنها بدأت من جديد، وكأن الماضي كله أغلق بابه خلفها. كان أحيانا يتعمد أن يذكر أحد أفراد أسرتها، أو يسألها إن كانت ترغب في الاطمئنان عليهم، فتجيبه بإجابة قصيرة، ثم تغير الحديث بسرعة، وكأنها لا تريد أن تبقى في تلك المنطقة أكثر من لحظات. أدرك أن ما يربطها بهم لم يكن الحب، بل الشعور بالمسؤولية فقط. ذات مساء، بينما كانا يتحدثان عن حياتهما بعد الانتقال إلى السعودية، قالت له بهدوء: "سأبحث عن عمل عندما نصل." نظر إليها باستغراب. "ولماذا؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "لأنني أريد أن أرسل المال إلى أسرتي." ظل ينظر إليها لثوان قبل أن يقول: "لكنني سأتكفل بكل احتياجاتهم. لن يحتاجوا إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status