تسجيل الدخولليلة بلا عودة
لا تعرف هاجر كيف وصلت إلى ذلك الشاليه. كل ما تتذكره أن محمد كان يضمها محاولا تهدئتها، يربت على شعرها ويقبل رأسها بين الحين والآخر، وكأنه يخشى أن تنهار بين يديه. كانت شهقاتها تخفت تدريجيا، بينما ظل هو يحدق في وجهها كمن وجد شيئا أضاعه منذ سنوات. رفع يده ولمس خدها المرتجف، ثم أخذ يقبل جبينها وخديها في اندفاع لم يستطع كبحه. كان يحاول مقاومة رغبته في الاقتراب منها، لكن كلما نظر إلى عينيها شعر أن سنوات الحرمان والندم تنهار داخله دفعة واحدة. همس باسمها، ثم اقترب أكثر. أما هاجر، فلم تكن قادرة على التفكير. كانت الصدمة تشلها، والمشاعر المتناقضة تعصف بها. جزء منها كان يريد أن يبتعد، وجزء آخر ظل أسير الحب الذي حاولت دفنه عبثا. لم تعرف ماذا تقول، ولم تجد القوة لتدفعه بعيدا. بقيت تنظر إليه بعينين غارقتين في الدموع، بينما كان هو يخوض صراعا خاسرا مع نفسه. وفي تلك الليلة، اختفت المسافات التي فرقت بينهما طويلا، وأصبحا أقرب إلى بعضهما من أي وقت مضى. وعندما أشرقت شمس الصباح، كانت هاجر لا تزال نائمة، وقد بدت على ملامحها آثار الإرهاق والانهيار الذي عاشته في الليلة الماضية. جلس محمد إلى جوارها صامتا، يتأمل وجهها، وكأنه يخشى أن يوقظه صوت أنفاسه فيكتشف أن كل ما حدث لم يكن سوى حلم. مد يده يزيح خصلة من شعرها عن وجهها، ثم همس بصوت خافت: ـ سامحيني يا حبيبتي. جاء إلى مصر وهو يحمل أملا واحدا؛ أن يستعيد ثقتها ويقنعها بالعودة إليه. لم يتخيل قط أن تنتهي الأمور بهذه الطريقة، لكنه حين رآها بين ذراعيه، انهارت كل مقاومته. ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، لم يحاول إخفاءها. لأول مرة منذ سنوات، شعر أن المسافة التي كانت تفصل بينهما قد تلاشت، وأنها أصبحت أقرب إليه من أي وقت مضى. همس وهو يتأمل ملامحها: ـ أخيرا لم يعد يرى في تلك اللحظة سوى المرأة التي أحبها منذ سنوات، المرأة التي ظن أنه فقدها إلى الأبد. أخذ يقنع نفسه أن ما حدث سيغير كل شيء، وأن هاجر لن تبتعد عنه بعد الآن، وأن القدر منحه فرصة ثانية لن يسمح لنفسه بإضاعتها. كانت سعادته تغلب على أي شعور آخر، حتى إنه لم ينتبه إلى أن هاجر لم تكن قد استيقظت بعد، ولم يسمع منها كلمة واحدة. بالنسبة إليه، لم يعد العالم كله يعني شيئا. لم يبق في قلبه سوى هاجر واليقين بأنها أصبحت أقرب إليه من أي وقت مضى، وأنه لن يسمح لأحد بأن ينتزعها منه مرة أخرى. ______________ لا... لا... لا يمكن... مستحيل." للوهلة الأولى، ظنت هاجر أنها ما زالت تحلم. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تشعر بالدفء الذي حلمت به طويلا، لكنها ما لبثت أن فتحت عينيها واتسعتا بصدمة. كان كل شيء حقيقيا. تراجعت ملامحها، وتحولت ابتسامتها إلى ذعر. كيف سمحت لكل هذا أن يحدث؟ كيف استسلمت للرجل الذي تخلى عنها برسالة باردة أنهت كل أحلامها؟ شعرت بثقل الذنب يطبق على صدرها. لقد خانت ثقة خالتها وخانت المبادئ التي عاشت تؤمن بها. دفعت صدره بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ: ـ اتركني ابتعد عني! تشبث بها محاولا تهدئتها. ـ هاجر اهدئي، أرجوك. يجب أن نتحدث. هزت رأسها بعنف والدموع تنهمر من عينيها. ـ لا يوجد بيننا شيء لنتحدث عنه ابتعد عني. حاولت الإفلات منه، لكنه أمسك بمعصمها حتى تتوقف عن مقاومته، وقال بصوت يختلط فيه الرجاء بالإصرار: ـ اسمعيني لدقيقة واحدة فقط. رفعت عينيها إليه وقالت بمرارة: ـ عن ماذا سنتحدث يا خالي؟ ابتسم ابتسامة باهتة، وكأنها جرحت شيئا في داخله، ثم قال: ـ وهل ما بيننا يشبه علاقة فتاة بخالها؟ أغلقت عينيها لحظة، ثم قالت بصوت مكسور: ـ ما حدث كان خطأ ____________ أحبك يا هاجر أقسم أنني أحبك، ومجنون بك. صدقيني، فقط امنحيني فرصة لأشرح لك لماذا تركتك وبعدها احكمي علي كما تشائين. نظرت إليه بعينين امتلأتا بالدموع. ـ أي سبب؟ أي سبب يمكن أن يبرر ما فعلته؟ ألم تقل إنك كنت تتسلى؟ ألم تكن تلك آخر كلماتك لي؟ قال برجاء: ـ فقط استمعي إلي. لطالما كانت هاجر ضعيفة أمامه. فكيف لها أن تقاومه الآن وهو يجلس أمامها، ينظر إليها بذلك الانكسار؟ كانت تشعر بأنفاسه، وتسمع ارتجاف صوته، وكأن كل ذرة في جسدها تستجيب لوجوده رغم محاولاتها مقاومته. همست بصوت مرتعش: ـ لماذا يا محمد؟ لماذا تركتني؟ دون أن يجيب، أخرج هاتفه وبدأ يقلب بين صوره ورسائله، حتى توقف عند لقطة شاشة قديمة. مد الهاتف نحوها. وما إن وقعت عيناها على الرسالة، حتى تجمدت في مكانها. اتسعت حدقتاها، وبدأت أنفاسها تتسارع. لا مستحيل كانت تعرف تلك الرسالة. بل تحفظ كلماتها عن ظهر قلب. إنها الرسالة نفسها التي أرسلتها إلى وجدان في ذلك اليوم، حين ضاقت ذرعا بإلحاحها وأسئلتها، فأرسلتها لتتخلص منها. ثم وقع بصرها على رقم المرسل. كان رقم وجدان. شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. همست بصوت يكاد لا يسمع: ـ وجدان. كيف؟ لماذا؟ لم أتوقعها من أحد إلا منك. امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تعد تبكي بسبب محمد. كانت الصدمة هذه المرة أشد. لم يكن الذي كسر قلبها الرجل الذي أحبته. بل صديقة ظنت يوما أنها أقرب الناس إليها. ـلماذا لم تسألني؟ لماذا لم تواجهني؟ لماذا لم تعاتبني؟ أكان حبك لي سطحيا إلى هذه الدرجة حتى تصدقت رسالة واحدة، دون أن تمنحني فرصة لأدافع عن نفسي؟ قالتها بين شهقاتها، والدموع تنهمر بلا توقف. كانت كلماتها تخرج ممزقة، وكأن كل حرف يحمل وجع السنوات التي عاشتها وحدها. خفض محمد رأسه، وعجز للحظات عن النظر إليها. ـ كنت غبيا غبيا إلى أبعد حد. رفع عينيه إليها وقد امتلأتا بالندم. ـ أقسم لك يا هاجر أنني ندمت. لا يمر يوم، ولا حتى ساعة، إلا وألعن تلك اللحظة التي صدقت فيها تلك الرسالة. لو عاد بي الزمن، لما تركتك، ولما سمحت لأي شيء أن يفرق بيننا. اقترب منها خطوة، ثم توقف، وكأنه يخشى أن تبتعد. ـ سامحيني أرجوك. أعطيني فرصة أصلح بها كل ما أفسدته. ظل صامتا لثوان، ثم قال بصوت يكاد يختنق: ـ سأطلق فاطمة وسأتزوجك. أريد أن نعيش الحياة التي حلمنا بها معا. أتذكرين بيتنا الصغير الذي كنا نتخيله؟ والأطفال الذين كنا نختلف حتى في أسمائهم؟ أتذكرين كل تلك الأحلام؟ ارتجف صوته وهو يبتسم ابتسامة يائسة. ـ لم أنس شيئا يا هاجر ولا يوما واحدا مر إلا وأنت فيه. "قلبي لم يطاوعني يوما أن أكرهك، لكن الأوان قد فات. لن أكون سببا في ألم خالتي، حتى لو كان ذلك على حساب سعادتي." نظر إليها بعينين امتلأتا بالندم وقال: "لكن خالتك ليست سعيدة معي، وأنا لا أكن لها أي مشاعر. ولن أكون سببا في تعاستها. سأطلقها، حتى لو لم توافقي." هزت رأسها بقوة وهي تجيبه: "حتى لو طلقتها، لن أعود إليك. لن أكون المرأة التي خطفت زوج خالتها." ساد الصمت بينهما. وكعادته، لم يكن يحب الجدل الطويل. أدرك أن كلماته لم تعد تقنعها، وأنه ليس مستعدا لخسارتها بعد أن وجدها من جديد. قالت بصوت يملؤه الأسى: "يجب أن أعود إلى وجدان". محمد هنا فقد اتخذ قراره. لن يسمح لهاجر بالخروج. وجود وجدان بجانبها أصبح خطرا على علاقته بها. ومن يضمن له ألا تأخذها معها وتهرب بمجرد أن تعرف بوجوده؟ لم ير أمامه سوى حل واحد. اقترب منها وقال بهدوء مصطنع: "حاضر يا هاجر، سأسمح لك بالخروج، لكن قبل ذلك اهدئي. سأجلب لك كأسا من الماء." اتجه إلى المطبخ، ثم عاد يحمل كأسا بين يديه. "اشربي." كانت منهكة ومستسلمة، فساعدها على رفع الكأس إلى شفتيها. شربت ببطء، بينما كان يراقبها في صمت. مرت دقيقة ثم اثنتان ثم ثلاث. بدأت رؤيتها تتلاشى، وأصبحت الأصوات من حولها بعيدة، قبل أن تستسلم للظلام وتسقط فاقدة للوعي. انحنى بجوارها وهمس بصوت اختلط فيه الحب بالأنانية: "آسف يا حبيبتي هذا هو الحل الوحيد الذي رأيته أمامي." _________________ لم تترك وجدان مكانا إلا وبحثت فيه. أين اختفت هاجر؟ حتى كاميرات الفندق لم تسجل خروجها. إلى أين ذهبت؟ "سأجن" همست وهي تكاد تنهار. "لا يعقل أن تختفي هكذا فجأة. يا ليتني لم أفارقك يا هاجر." توقفت فجأة، وارتجف جسدها عندما خطرت ببالها فكرة مرعبة. هل يمكن أن تكون هاجر قد أنهت حياتها؟ هل ألقت بنفسها في البحر؟ هزت رأسها بعنف وهي ترفض الفكرة. "لالا يعقل. لو حدث ذلك لكان الناس قد شاهدوها." وضعت يدها على رأسها وهي تتمتم بيأس: "آه يا هاجر أين أنت؟" اقتربت مرة أخرى من مدير الفندق وسألته بلهفة: "ألا يوجد أي جديد؟" هز رأسه بأسف. "للأسف يا سيدتي، لا يوجد أي جديد." وفي تلك اللحظة تقدم أحد العاملين في الفندق وقال: "عذرا سيدتي أذكر أن الآنسة كانت تجلس على الشاطئ مع رجل." اتسعت عينا وجدان بدهشة. "رجل؟ من يكون؟" حاول العامل أن يتذكر. "لا أعرف هويته، لكن بدا لي أنها كانت تعرفه جيدا." شعرت وجدان بقشعريرة تسري في جسدها. هذا مستحيل هاجر لا تعرف أحدا في مصر. وفجأة لمع اسم واحد في ذهنها. محمد. وضعت يدها على فمها وهي تهمس بخوف: "يا إلهي لا يمكن هل يعقل أن يكون هو؟" تذكرت نظراته إليها في آخر لقاء. لم تكن نظرات رجل عادي، بل نظرات رجل عاشق يرى هاجر ملكا له، مستعدا لفعل أي شيء حتى لا يفقدها. "لايا رب، لا." تسارعت أنفاسها وهي تحاول التفكير. إذا كان محمد قد علم بسفر هاجر إلى مصر، فمن السهل أن يصل إليها.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بنات 🌸وصلت بهذا الجزء من الرواية، وحابة أعرف رأيكم بكل صراحة. هل شدتكم الأحداث؟ وهل الشخصيات قدرت توصلكم إحساسها؟تشجعوني أكمل، ولا في أشياء تحسون إنها تحتاج تعديل أو تطوير؟رأيكم يهمني جدا، سواء كان مدحاأو نقدا لأنه بيساعدني أقدم رواية أفضل. ❤️
لن أضيعك مرة أخرىكيف غفل عنها؟لم يصدق محمد ما رآه عندما استيقظ.مد يده إلى جواره، فلم يجد هاجر.اعتدل في جلسته بسرعة، وأخذ يجول ببصره في الغرفة، ثم خرج يناديها. منذ عودته إلى مصر لم تكن تخرج من الغرفة إلا برفقته، لذلك لم يخطر بباله يوما أنها قد تحاول الهرب.ازداد اضطرابه عندما اكتشف أن المنزل خال تماما.تشبث بأمل أخير، وظن أنها خرجت مع علياء. أمسك هاتفه واتصل بها على الفور."علياء هاجر عندك، أليس كذلك؟"ساد صمت لثوان قبل أن تجيبه:"لاخرجت أنا وعصمة وحدنا."في تلك اللحظة شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.أغلق الهاتف، وخرج من المنزل كالمجنون، يبحث عنها في كل مكان، يسأل كل من يصادفه إن كان قد رأى فتاة غريبة تمر من هنا.كانت فكرة واحدة تفتك بعقله:إن ضاعت مني هاجر مرة أخرى فلن أسامح نفسي أبدااا.وبينما كان على وشك أن يفقد الأمل، اهتز هاتفه معلنا وصول رسالة من علياء.فتحها بيدين مرتجفتين.كانت صورة لهاجر نائمة أمام باب المنزل.اتصل بعلياء فورا وهو يكاد يختنق من القلق."أين وجدتموها؟"أجابته بهدوء:"عندما عدنا إلى البيت وجدناها نائمة أمام منزل."لم ينتظر محمد أن يسمع المزيد.أغلق الهاتف
قيود الرحمة لم تتذكر هاجر شيئأ مما حدث في ذلك اليوم. كل ما تتذكره أنها استيقظت لتجد نفسها في منزل غريب، وعلمت لاحقا أنه منزل علياء، الأخت الكبرى لمحمد. كانت علياء امرأة صارمة وقاسية. توسلت إليها هاجر مرارا أن تسمح لها بالعودة إلى المغرب، لكنها كانت ترفض في كل مرة. بل إنها في إحدى محاولات الهرب صفعتها بقوة، وحذرتها من تكرار الأمر. كانت هاجر تدرك أن إجازتها قد انتهت، وأن تأخرها عن العمل سيؤدي حتما إلى فصلها. وكانت تعلم أيضا أن العثور على وظيفة أخرى بالمستوى نفسه ليس أمرا سهلا، خاصة وهي ترى كثيرا من الشباب الحاصلين على المؤهلات نفسها ما زالوا يعانون البطالة. لم تكن الوظيفة بالنسبة إليها مجرد عمل، بل كانت مصدر رزق الأسرة. فمنذ تقاعد والدها، لم يعد معاشه البسيط يكفي حتى لتغطية الفواتير الأساسية، كما كانت هي المسؤولة عن مصاريف علاج أختها، وهو عبء لم يكن بإمكان أحد غيرها تحمله. ومع مرور الأيام، بدأت تستسلم للأمر الواقع، فقد أيقنت أن قرار فصلها من العمل قد يكون قد صدر بالفعل. عندها، عادت إليها تلك الأفكار السوداوية التي ظنت يوما أنها تخلصت منها. الأفكار نفسها التي كانت تهمس لها بأن
ملجأ القلبلم يستطع محمد إخفاء سعادته بتعلق هاجر به.فمنذ لحظة وصوله، لم تبتعد عنه ولو للحظة.كانت تمسك بيده أينما ذهب، وحتى أثناء تناول الطعام، بقيت تجلس إلى جواره، وكأنها تخشى أن يغيب عن ناظريها.وكان هذا بالضبط ما يتمناه.أن يصبح هو ملجأها الوحيد، والشخص الذي تلجأ إليه كلما خافت أو انكسرت.نظر إليها وهي تجلس بصمت، وقد زادها الثوب الصعيدي البسيط براءة ورقة، فابتسم دون أن يشعر.ثم نهض عن المائدة وقال:"سأذهب لأرتاح قليلا."قالت علياء:"لقد طلبت من تسنيم أن تجهز لك الغرفة."أجابها بلا مبالاة:"لا داعي."ثم أمسك بيد هاجر لتنهض معه، وقال:"سأنام في غرفتي."نظرت إليه علياء باستغراب، وقالت بحزم:"لكن هاجر تقيم في تلك الغرفة."التفت إليها بثبات، ثم قال:"أعلم فأنا من أسكنها فيها منذ اليوم الأول."ساد الصمت لثوان، بينما كانت علياء تراقب هاجر، التي لم تفلت يد محمد، بل تشبثت بها أكثر، وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد الابتعاد عنه.تنهدت علياء في هدوء.لأول مرة منذ أشهر، لم تر في عيني هاجر ذلك الذعر الذي كان يلازمها.كانت ملامحها لا تزال شاحبة، لكنها بدت أكثر هدوءا، وكأن وجود محمد أعاد إليها جزءا
ملاذها الوحيدبعد مرور ثلاثة أشهر على وجود هاجر في منزلها، تغيرت أشياء كثيرة في حياة علياء.أصبح البيت كله يدور حول فتاة واحدة.كانت تشعر أحيانا وكأنها ترعى طفلة فقدت الرغبة في الحياة.في كل صباح، كانت هاجر تنزل لتناول الإفطار مع الجميع، لكن علياء لم تعد تركز على الطعام، بل على يديها.في كل يوم، كانت تكتشف جرحا جديدا.كانت هاجر تحاول إخفاء معصميها بكمي ثوبها، لكن ذلك لم يعد يخدعها.لذلك أفرغت غرفتها من كل شيء قد تستخدمه لإيذاء نفسها.ومع ذلك، لم تتوقف هاجر.وفي أحد الأيام، لاحظت علياء آثار حروق حديثة على ذراعها.شهقت وهي تمسك يدها برفق."يا إلهي ما هذا يا ابنتي؟"لكن هاجر لم ترفع رأسها، واستمرت في تناول الطعام بصمت، وكأن السؤال لم يوجه إليها.اكتشفت علياء لاحقا أنها تعمدت حرق نفسها بالماء الساخن داخل الحمام.حينها اتخذت قرارا لم تكن تتخيل أنها ستصل إليه.انتقلت للنوم في الغرفة نفسها مع هاجر.لم تعد تجرؤ على تركها وحدها ولو لدقائق.كانت تخشى أن تستيقظ ذات صباح فتجد أنها فقدتها.---في إحدى الليالي قالت هاجر بخجل:"أريد أن أستحم."ابتسمت علياء وقالت:"اذهبي."هزت هاجر رأسها وهمست:"لا أ
السر لم يكن محمد مستعدا لخسارة هاجر.خصوصا بعد كل ما حدث بينهما في الشاليه.في تلك الليلة، حين استسلمت له، ظن أنها اعترفت بحبها أخيرا، وأنها أصبحت له وحده.لكن عندما استعادت وعيها، وأدركت ما حدث، انهارت تماما.أغلقت باب الكلام، ولم تعد مستعدة لسماع أي تفسير.كانت تطلب شيئا واحدا فقطأن تعود إلى وجدان.وكان محمد يدرك أن ذلك يعني خسارتها إلى الأبد.كان يعرف وجدان جيدا. كانت ذكية، ولن تتردد لحظة في أخذ هاجر والعودة بها إلى المغرب. وإذا غادرت مصر، فلن يستطيع الوصول إليها مرة أخرى.لم يجد أمامه سوى حل واحد.أن يخدرها.وساعدته أمواله على طمس كل ما قد يقوده إليها.أزال كل دليل يثبت وجوده في الفندق، واستعاد جميع وثائق هاجر من غرفتها بمساعدة مدير الفندق، ثم أبرم عقد زواج بينه وبينها.كان يعلم أن زواجه من ابنة أخت زوجته محرم ما دام الزواج قائما، لكنه أقنع نفسه بأن زواجه من فاطمة لم يكن سوى ورقة رسمية، وأن علاقته بها لم تتجاوز حدود الاحترام، إذ لم يستطع يوما أن يمنحها حقوق الزوجة كاملة.في البداية، فكر في إخفاء هاجر داخل فيلته بالقاهرة تحت حراسة الخادمات، ثم السفر إلى السعودية.لكن قلبه رفض.لم







