Share

الفصل العاشر

last update publish date: 2026-07-23 06:53:26

ليلة بلا عودة

لا تعرف هاجر كيف وصلت إلى ذلك الشاليه. كل ما تتذكره أن محمد كان يضمها محاولا تهدئتها، يربت على شعرها ويقبل رأسها بين الحين والآخر، وكأنه يخشى أن تنهار بين يديه.

كانت شهقاتها تخفت تدريجيا، بينما ظل هو يحدق في وجهها كمن وجد شيئا أضاعه منذ سنوات.

رفع يده ولمس خدها المرتجف، ثم أخذ يقبل جبينها وخديها في اندفاع لم يستطع كبحه.

كان يحاول مقاومة رغبته في الاقتراب منها، لكن كلما نظر إلى عينيها شعر أن سنوات الحرمان والندم تنهار داخله دفعة واحدة.

همس باسمها، ثم اقترب أكثر.

أما هاجر، فلم تكن قادرة على التفكير. كانت الصدمة تشلها، والمشاعر المتناقضة تعصف بها. جزء منها كان يريد أن يبتعد، وجزء آخر ظل أسير الحب الذي حاولت دفنه عبثا.

لم تعرف ماذا تقول، ولم تجد القوة لتدفعه بعيدا. بقيت تنظر إليه بعينين غارقتين في الدموع، بينما كان هو يخوض صراعا خاسرا مع نفسه.

وفي تلك الليلة، اختفت المسافات التي فرقت بينهما طويلا، وأصبحا أقرب إلى بعضهما من أي وقت مضى.

وعندما أشرقت شمس الصباح، كانت هاجر لا تزال نائمة، وقد بدت على ملامحها آثار الإرهاق والانهيار الذي عاشته في الليلة الماضية.

جلس محمد إلى جوارها صامتا، يتأمل وجهها، وكأنه يخشى أن يوقظه صوت أنفاسه فيكتشف أن كل ما حدث لم يكن سوى حلم.

مد يده يزيح خصلة من شعرها عن وجهها، ثم همس بصوت خافت:

ـ سامحيني يا حبيبتي.

جاء إلى مصر وهو يحمل أملا واحدا؛ أن يستعيد ثقتها ويقنعها بالعودة إليه. لم يتخيل قط أن تنتهي الأمور بهذه الطريقة، لكنه حين رآها بين ذراعيه، انهارت كل مقاومته.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، لم يحاول إخفاءها.

لأول مرة منذ سنوات، شعر أن المسافة التي كانت تفصل بينهما قد تلاشت، وأنها أصبحت أقرب إليه من أي وقت مضى.

همس وهو يتأمل ملامحها:

ـ أخيرا

لم يعد يرى في تلك اللحظة سوى المرأة التي أحبها منذ سنوات، المرأة التي ظن أنه فقدها إلى الأبد.

أخذ يقنع نفسه أن ما حدث سيغير كل شيء، وأن هاجر لن تبتعد عنه بعد الآن، وأن القدر منحه فرصة ثانية لن يسمح لنفسه بإضاعتها.

كانت سعادته تغلب على أي شعور آخر، حتى إنه لم ينتبه إلى أن هاجر لم تكن قد استيقظت بعد، ولم يسمع منها كلمة واحدة.

بالنسبة إليه، لم يعد العالم كله يعني شيئا.

لم يبق في قلبه سوى هاجر واليقين بأنها أصبحت أقرب إليه من أي وقت مضى، وأنه لن يسمح لأحد بأن ينتزعها منه مرة أخرى.

______________

لا... لا... لا يمكن... مستحيل."

للوهلة الأولى، ظنت هاجر أنها ما زالت تحلم.

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تشعر بالدفء الذي حلمت به طويلا، لكنها ما لبثت أن فتحت عينيها واتسعتا بصدمة.

كان كل شيء حقيقيا.

تراجعت ملامحها، وتحولت ابتسامتها إلى ذعر.

كيف سمحت لكل هذا أن يحدث؟

كيف استسلمت للرجل الذي تخلى عنها برسالة باردة أنهت كل أحلامها؟

شعرت بثقل الذنب يطبق على صدرها.

لقد خانت ثقة خالتها وخانت المبادئ التي عاشت تؤمن بها.

دفعت صدره بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ:

ـ اتركني ابتعد عني!

تشبث بها محاولا تهدئتها.

ـ هاجر اهدئي، أرجوك. يجب أن نتحدث.

هزت رأسها بعنف والدموع تنهمر من عينيها.

ـ لا يوجد بيننا شيء لنتحدث عنه ابتعد عني.

حاولت الإفلات منه، لكنه أمسك بمعصمها حتى تتوقف عن مقاومته، وقال بصوت يختلط فيه الرجاء بالإصرار:

ـ اسمعيني لدقيقة واحدة فقط.

رفعت عينيها إليه وقالت بمرارة:

ـ عن ماذا سنتحدث يا خالي؟

ابتسم ابتسامة باهتة، وكأنها جرحت شيئا في داخله، ثم قال:

ـ وهل ما بيننا يشبه علاقة فتاة بخالها؟

أغلقت عينيها لحظة، ثم قالت بصوت مكسور:

ـ ما حدث كان خطأ

____________

أحبك يا هاجر أقسم أنني أحبك، ومجنون بك. صدقيني، فقط امنحيني فرصة لأشرح لك لماذا تركتك وبعدها احكمي علي كما تشائين.

نظرت إليه بعينين امتلأتا بالدموع.

ـ أي سبب؟ أي سبب يمكن أن يبرر ما فعلته؟ ألم تقل إنك كنت تتسلى؟ ألم تكن تلك آخر كلماتك لي؟

قال برجاء:

ـ فقط استمعي إلي.

لطالما كانت هاجر ضعيفة أمامه. فكيف لها أن تقاومه الآن وهو يجلس أمامها، ينظر إليها بذلك الانكسار؟ كانت تشعر بأنفاسه، وتسمع ارتجاف صوته، وكأن كل ذرة في جسدها تستجيب لوجوده رغم محاولاتها مقاومته.

همست بصوت مرتعش:

ـ لماذا يا محمد؟ لماذا تركتني؟

دون أن يجيب، أخرج هاتفه وبدأ يقلب بين صوره ورسائله، حتى توقف عند لقطة شاشة قديمة.

مد الهاتف نحوها.

وما إن وقعت عيناها على الرسالة، حتى تجمدت في مكانها.

اتسعت حدقتاها، وبدأت أنفاسها تتسارع.

لا

مستحيل

كانت تعرف تلك الرسالة.

بل تحفظ كلماتها عن ظهر قلب.

إنها الرسالة نفسها التي أرسلتها إلى وجدان في ذلك اليوم، حين ضاقت ذرعا بإلحاحها وأسئلتها، فأرسلتها لتتخلص منها.

ثم وقع بصرها على رقم المرسل.

كان رقم وجدان.

شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.

همست بصوت يكاد لا يسمع:

ـ وجدان.

كيف؟

لماذا؟

لم أتوقعها من أحد إلا منك.

امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تعد تبكي بسبب محمد.

كانت الصدمة هذه المرة أشد.

لم يكن الذي كسر قلبها الرجل الذي أحبته.

بل صديقة ظنت يوما أنها أقرب الناس إليها.

ـلماذا لم تسألني؟ لماذا لم تواجهني؟ لماذا لم تعاتبني؟ أكان حبك لي سطحيا إلى هذه الدرجة حتى تصدقت رسالة واحدة، دون أن تمنحني فرصة لأدافع عن نفسي؟

قالتها بين شهقاتها، والدموع تنهمر بلا توقف. كانت كلماتها تخرج ممزقة، وكأن كل حرف يحمل وجع السنوات التي عاشتها وحدها.

خفض محمد رأسه، وعجز للحظات عن النظر إليها.

ـ كنت غبيا غبيا إلى أبعد حد.

رفع عينيه إليها وقد امتلأتا بالندم.

ـ أقسم لك يا هاجر أنني ندمت. لا يمر يوم، ولا حتى ساعة، إلا وألعن تلك اللحظة التي صدقت فيها تلك الرسالة. لو عاد بي الزمن، لما تركتك، ولما سمحت لأي شيء أن يفرق بيننا.

اقترب منها خطوة، ثم توقف، وكأنه يخشى أن تبتعد.

ـ سامحيني أرجوك. أعطيني فرصة أصلح بها كل ما أفسدته.

ظل صامتا لثوان، ثم قال بصوت يكاد يختنق:

ـ سأطلق فاطمة وسأتزوجك. أريد أن نعيش الحياة التي حلمنا بها معا. أتذكرين بيتنا الصغير الذي كنا نتخيله؟ والأطفال الذين كنا نختلف حتى في أسمائهم؟ أتذكرين كل تلك الأحلام؟

ارتجف صوته وهو يبتسم ابتسامة يائسة.

ـ لم أنس شيئا يا هاجر ولا يوما واحدا مر إلا وأنت فيه.

"قلبي لم يطاوعني يوما أن أكرهك، لكن الأوان قد فات. لن أكون سببا في ألم خالتي، حتى لو كان ذلك على حساب سعادتي."

نظر إليها بعينين امتلأتا بالندم وقال:

"لكن خالتك ليست سعيدة معي، وأنا لا أكن لها أي مشاعر. ولن أكون سببا في تعاستها. سأطلقها، حتى لو لم توافقي."

هزت رأسها بقوة وهي تجيبه:

"حتى لو طلقتها، لن أعود إليك. لن أكون المرأة التي خطفت زوج خالتها."

ساد الصمت بينهما. وكعادته، لم يكن يحب الجدل الطويل. أدرك أن كلماته لم تعد تقنعها، وأنه ليس مستعدا لخسارتها بعد أن وجدها من جديد.

قالت بصوت يملؤه الأسى:

"يجب أن أعود إلى وجدان".

محمد هنا فقد اتخذ قراره. لن يسمح لهاجر بالخروج. وجود وجدان بجانبها أصبح خطرا على علاقته بها. ومن يضمن له ألا تأخذها معها وتهرب بمجرد أن تعرف بوجوده؟ لم ير أمامه سوى حل واحد.

اقترب منها وقال بهدوء مصطنع:

"حاضر يا هاجر، سأسمح لك بالخروج، لكن قبل ذلك اهدئي. سأجلب لك كأسا من الماء."

اتجه إلى المطبخ، ثم عاد يحمل كأسا بين يديه.

"اشربي."

كانت منهكة ومستسلمة، فساعدها على رفع الكأس إلى شفتيها. شربت ببطء، بينما كان يراقبها في صمت.

مرت دقيقة ثم اثنتان ثم ثلاث.

بدأت رؤيتها تتلاشى، وأصبحت الأصوات من حولها بعيدة، قبل أن تستسلم للظلام وتسقط فاقدة للوعي.

انحنى بجوارها وهمس بصوت اختلط فيه الحب بالأنانية:

"آسف يا حبيبتي هذا هو الحل الوحيد الذي رأيته أمامي."

_________________

لم تترك وجدان مكانا إلا وبحثت فيه. أين اختفت هاجر؟ حتى كاميرات الفندق لم تسجل خروجها. إلى أين ذهبت؟

"سأجن" همست وهي تكاد تنهار. "لا يعقل أن تختفي هكذا فجأة. يا ليتني لم أفارقك يا هاجر."

توقفت فجأة، وارتجف جسدها عندما خطرت ببالها فكرة مرعبة.

هل يمكن أن تكون هاجر قد أنهت حياتها؟ هل ألقت بنفسها في البحر؟

هزت رأسها بعنف وهي ترفض الفكرة.

"لالا يعقل. لو حدث ذلك لكان الناس قد شاهدوها."

وضعت يدها على رأسها وهي تتمتم بيأس:

"آه يا هاجر أين أنت؟"

اقتربت مرة أخرى من مدير الفندق وسألته بلهفة:

"ألا يوجد أي جديد؟"

هز رأسه بأسف.

"للأسف يا سيدتي، لا يوجد أي جديد."

وفي تلك اللحظة تقدم أحد العاملين في الفندق وقال:

"عذرا سيدتي أذكر أن الآنسة كانت تجلس على الشاطئ مع رجل."

اتسعت عينا وجدان بدهشة.

"رجل؟ من يكون؟"

حاول العامل أن يتذكر.

"لا أعرف هويته، لكن بدا لي أنها كانت تعرفه جيدا."

شعرت وجدان بقشعريرة تسري في جسدها.

هذا مستحيل هاجر لا تعرف أحدا في مصر.

وفجأة لمع اسم واحد في ذهنها.

محمد.

وضعت يدها على فمها وهي تهمس بخوف:

"يا إلهي لا يمكن هل يعقل أن يكون هو؟"

تذكرت نظراته إليها في آخر لقاء. لم تكن نظرات رجل عادي، بل نظرات رجل عاشق يرى هاجر ملكا له، مستعدا لفعل أي شيء حتى لا يفقدها.

"لايا رب، لا."

تسارعت أنفاسها وهي تحاول التفكير.

إذا كان محمد قد علم بسفر هاجر إلى مصر، فمن السهل أن يصل إليها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثامن و العشرون

    ما أضعته بيدياريد محمد اريد محمدكانت الكلمات تتردد على شفتي هاجر بهستيرية وانفعال شديد منذ ان استعادت وعيها بعد اغمائها في غرفة المستشفى. كانت تصرخ باسمه وتقاوم كل من يحاول تهدئتها، حتى عجزوا عن السيطرة عليها، ولم يجد الاطباء بدا من اعطائها حقنة مهدئة، خوفا من ان يؤثر انفعالها الشديد على الجنين، خصوصا وان حملها لم يكن مستقرا بعد.راقب كريم المشهد بصمت، بينما كانت مشاعر متناقضة تعصف بداخله.في اعماقه، تمنى للحظة لو ان ذلك الجنين سقط.ربما كانت ستكون له عندها فرصة اخرى مع هاجر.وما المشكلة في ذلك؟ حتى لو اصبحت زوجة خاله، كان سيجد طريقة. سيجعلها تطلب الطلاق ويعيدها اليه. كان يعرف هاجر جيدا، او على الاقل كان يعتقد انه يعرفها.كان يعرف كيف يتصرف معها.كانت تذوب بين يديه، وتستسلم لكلماته، وتنفذ اوامره دون نقاش. وكم كان يعجبه ذلك الخضوع الصامت منها، ذلك الاستعداد الدائم لان تضع رايه فوق رايها.تذكر يوم اقنعها بان قيادة السيارة ليست مناسبة للنساء.لم تجادله طويلا.بل الغت تسجيلها في مركز تعليم السياقة لمجرد انه اخبرها بذلك.ابتسم داخله للحظة وهو يستعيد تلك الذكرى، قبل ان تختفي ابتسامته سريع

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل السابع والعشرون

    عودة متأخرةكان كريم سعيدا بعودته الى مصر، فقد اشتاق الى الجو الاسري الذي حرم منه منذ سنوات. لقد الح على والدته كثيرا ان تذهب للعيش معه في السعودية، الا انها كانت ترفض في كل مرة. اما الان، فقد وجد نفسه يتوق الى دفء البيت ووجودها الى جانبه.منذ طلاقه، لم تتوقف والدته عن مطالبته بالزواج من جديد، او باعادة زوجته السابقة وجمع شملهما. كان يرفض الفكرة الثانية رفضا قاطعا، اما الزواج، فلم يكن يمانعه من حيث المبدأ، بل كان يبحث فعلا عن امرأة مناسبة، لكنه لم يجدها.والحقيقة انه وجدها منذ زمن.هاجر.المرأة الرقيقة التي تخلى عنها في لحظة غباء.كان كريم قد احب هاجر كثيرا. احب طيبتها، وصدقها، وعطاءها، والسكينة الغريبة التي كانت تمنحها له كلماتها. كان يشعر معها براحة لم يجدها مع اي امرأة اخرى.لكنه، في النهاية، احب نفسه اكثر.بعد طلاقه، اقسم كريم الا يظلم نفسه مرة اخرى. كان مقتنعا بان الحب وحده لا يكفي. لقد احب زوجته الاولى بصدق، ومع ذلك انتهى زواجهما بالطلاق. لذلك اقنع نفسه بان المشاعر تتغير، وان المرأة التي يعشقها اليوم قد تصبح بعد سنوات اكثر شخص يكرهه.ومن هنا بدأت معاييره تتغير.لم يعد يبحث عن ال

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل السادس والعشرون

    حين عاد الماضيمدام هاجر ،الست علياء بتناديك للعشاء.كررت الخادمة الجملة للمرة العشرين، دون أن تتلقى أي جواب من هاجر. وقبل أن تغلق الباب وتغادر، ألقت عليها نظرة أخيرة، ثم هزت رأسها باستغراب.أما هاجر، فكانت غائبة عن الوعي، غارقة في ألمها. كانت الآلام التي تسببت بها الإبر التي غرستها في باطن إصبعها هي الحل الوحيد الذي لجأت إليه لتتخلص، ولو مؤقتا، من كثرة التفكير الذي أوشك أن يصيبها بالجنون.لم تكن تصدق ما حدث.محمد يرفض الحديث معها؟ محمد يرفض الحديث معها! لا يعقل لماذا؟هي لم تفعل شيئا يستحق أن يغضب منها. بل على العكس، كانا يعيشان أسعد أيامهما، وكانت تفعل كل ما بوسعها لإسعاده وإنجاح علاقتهما.فلماذا يرفض التواصل معها اليوم؟هل يفكر في التخلي عنها كما فعل سابقا؟وكما فعل كريم من قبل؟في المرة السابقة، برر محمد ابتعاده عنها بسبب الرسالة التي أرسلتها وجدان. لكن هذه المرة ما السبب؟هل يعقل أن يتخلى عنها هو الآخر و للمرة الثانية ؟ومن سيقبل بها بعده؟ثم جاء السؤال الذي كان أشد قسوة من كل ما سبقه:و مذا عن إبنها؟هل سيتخلى محمد عنه أيضا؟ومن سيقبل بها هي وابنها؟لا أحد هكذا أقنعت نفسها.ك

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الخامس والعشرون

    صدمةجلست علياء تأكل، وهي تسترق النظر بين لحظة وأخرى إلى هاجر.ورغم أن هاجر كانت تشاركها جميع الوجبات، فإنها كانت تتعمد ألا تتحدث معها. وكلما حاولت علياء أن تسألها عن شيء، كانت تكتفي بإجابتها بحركة من رأسها، وكأنها تخشى أن يؤدي أي حديث بينهما إلى مواجهة جديدة.قالت علياء بهدوء:— كيف حال الجنين؟هزت هاجر رأسها بمعنى أنه بخير، دون أن تنطق بكلمة واحدة.كانت علياء تعرف جيدًا سبب تصرفها. هاجر ما زالت تخاف منها، وما زال في قلبها شيء من الحقد عليها منذ ذلك اليوم الذي صفعتها فيه. لم تنسَ هاجر تلك الصفعة، ولا الطريقة التي شعرت بها يومها بالإهانة والضعف أمامها.لكن علياء، في المقابل، لم تكن تحمل الأمر في قلبها.كانت تتمنى لو تستطيع الاقتراب منها، لو تمنحها فرصة لتراها كما تراها هي.فمنذ أن دخلت هاجر حياتهم، شعرت علياء بشيء غريب تجاهها. كانت تراها كابنة لم تنجبها، وتتمنى لو أن الله رزقها يومًا بفتاة مثلها.لكن الله لم يرزقها سوى بكريم، ابنها الوحيد.أما محمد، فلم تكن تعتبره أخا لها فحسب، بل كان بالنسبة إليها ابنا أيضا. فقد كان في العمر نفسه تقريبا مع كريم، وقد ربتهما معا منذ أن كانا صغيرين. تعب

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الرابع والعشرون

    ذاكرة مفقودةجلس محمد على حافة حوض الاستحمام، واضعا رأسه بين كفيه، بينما كانت أنفاسه تتسارع كأنها تطارده. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح، وهو يحاول عبثا أن يجمع شتات ذاكرته، لكن كلما اقترب من تذكر ما حدث، اصطدم بفراغ مخيف.آخر ما يتذكره أنه عاد من السعودية إلى المغرب وقد حسم أمره. لم يعد يحتمل تلك الحياة المعلقة بينه وبين فاطمة، وقرر أن يواجهها بالحقيقة وينهي كل شيء باحترام. استقبلته بابتسامة هادئة، وسألته عن رحلته، ثم لاحظت أنه يبدو شاردا.قال لها إنه يريد أن يتحدث معها في موضوع مهم، لكنها قاطعته بلطف قائلة:"ليس الآن تعال نتعشى أولا. اشتقت إليك، وأريد أن نقضي هذه الليلة بهدوء، وبعدها نتحدث في أي شيء تريده."نظر إليها للحظات. لم يشأ أن يجرح مشاعرها، وظن أن تأجيل الحديث لساعات قليلة لن يغير شيئا، فوافق على مضض.بعد ذلك.لا شيء.ذكرياته تتوقف عند تلك اللحظة.كل ما يليه ظلام كامل.وحين استيقظ في الصباح، وجد نفسه في موقف لم يستطع استيعابه. شعر وكأن ساعات كاملة قد محيت من ذاكرته. ظل للحظات يحدق في السقف غير قادر على فهم ما جرى، ثم نهض بسرعة وأغلق على نفسه باب الحمام.ومنذ ذلك الوقت، لم يخرج.

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثالت و العشرون

    قلبان فقط بدأ محمد يلاحظ أمرا غريبا في هاجر. في البداية ظن أنه مجرد انطباع عابر، لكنه مع مرور الأيام تأكد أن الأمر أعمق من ذلك. هاجر لم تكن تحمل أي مشاعر دافئة تجاه عائلتها. لم يسبق أن سمعها تشتاق إليهم، أو تتحدث عنهم كما يفعل أي شخص ابتعد عن أهله. لم تقل مرة إنها تفتقد والدتها، أو أنها تتمنى رؤية إخوتها، ولم يلمح في عينيها ذلك الشوق الذي يراه في عيون المغتربين عن اهلهم. كانت حياتها تسير وكأنها بدأت من جديد، وكأن الماضي كله أغلق بابه خلفها. كان أحيانا يتعمد أن يذكر أحد أفراد أسرتها، أو يسألها إن كانت ترغب في الاطمئنان عليهم، فتجيبه بإجابة قصيرة، ثم تغير الحديث بسرعة، وكأنها لا تريد أن تبقى في تلك المنطقة أكثر من لحظات. أدرك أن ما يربطها بهم لم يكن الحب، بل الشعور بالمسؤولية فقط. ذات مساء، بينما كانا يتحدثان عن حياتهما بعد الانتقال إلى السعودية، قالت له بهدوء: "سأبحث عن عمل عندما نصل." نظر إليها باستغراب. "ولماذا؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "لأنني أريد أن أرسل المال إلى أسرتي." ظل ينظر إليها لثوان قبل أن يقول: "لكنني سأتكفل بكل احتياجاتهم. لن يحتاجوا إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status