LOGINالرحلة التي غيرت كل شيء
اتصلت ليلا بفاطمة. ما إن لمح اسمها على شاشة هاتفه حتى انتفضت كل حواسه. سمع بكاء امرأة يحاول أن يختبئ خلف شهقات متقطعة. كان الصوت بعيدا، غير واضح، لكنه أقسم أنه صوت هاجر. كانت تشكو لفاطمة، بينما كانت فاطمة تهمس إليها محاولة تهدئتها، ثم ابتعدت عنه لتكمل المكالمة بعيدا. لم يستطع النوم. ظل يحدق في باب الغرفة منتظرا انتهاء المكالمة، وقلبه يعتصره ألم لا يفهمه. كيف ما زال وجعها يؤلمه إلى هذا الحد؟ كيف ما زالت دموعها قادرة على تمزيقه، رغم أنه هو من تخلى عنها؟ أكثر ما كان يخفف عنه عذاب ضميره يقينه بأنها أحبته يوما. كانت تلك الحقيقة عزاءه الوحيد. وتسللت إلى ذاكرته صورتها وهي تبكي بين ذراعي صديقتها يوم زفافه، تعترف بحبها له، بينما كان هو يبتعد عنها إلى حياة اختارها بنفسه. ما إن أغلقت فاطمة الهاتف حتى سألها بلهفة: "ماذا حدث؟" نظرت إليه لحظة ثم قالت: "إنها هاجر." استغرب. اعتادت فاطمة أن تناديها دائما "جوجو"، أما اليوم فقد نطقت اسمها كاملا، وكأن شيئا كبيرا قد تغير. "ما بها؟" تنهدت وقالت: "أهلها يجبرونها على خطبتها لطوم، وهي ترفض." عقد حاجبيه باستغراب. "يجبرونها؟ إنها امرأة راشدة، أليست حرة في اختيار من تتزوج؟" هزت رأسها بأسى. "هم لا يرون سببا لرفضه. طوم صاحب شركة اتصالات في المغرب، ووليد، ابن خالتها، يعمل مديرا عنده. بالنسبة لهم هو فرصة لا تعوض. يقولون إن زواجها منه سيخفف عنها أعباء الحياة، وسيساعد عائلتها ماديا." ساد الصمت. وتدفقت إلى ذهن محمد تفاصيل كثيرة لم ينتبه إليها من قبل. كان يلاحظ بساطة ملابس هاجر، ويتساءل أين يذهب راتبها، وهو يظن أنها تعيش حياة مريحة. لكن بعد زواجه من فاطمة عرف الحقيقة. عرف أن هاجر كانت تنفق على أسرتها، وتتكفل بعلاج أختها، وتحمل مسؤوليات أكبر من عمرها. حينها فقط فهم سبب تأخرها في إخبار أهلها برغبته في الزواج منها. لم تكن تخشى رفضهم بل كانت تخشى أن تخسر عائلتها مصدر رزقها. أما اليوم فقد وجدوا في طوم كنزا أكبر. أغلق عينيه وهمس: "آه يا هاجر كم ظلمتك." ومنذ تلك الليلة، لم يمر يوم دون أن يسأل فاطمة عن أخبار هاجر. وفي إحدى الليالي قالت له: "هددت أهلها بالانتحار إن لم يتراجعوا عن قرار الخطبة." انتفض من مكانه. "هل يمكن أن تفعلها حقا؟" هزت فاطمة رأسها بتردد. "لا أستبعد عنها شيئا. هاجر حساسة جدا، ودائما ما كانت تتصرف بقلبها قبل عقلها." ثم أضافت: "أظن أنها تحب شخصا آخر، ولهذا ترفض طوم بهذا الإصرار." شعر بوخزة في صدره، لكنه أخفى اضطرابه وسأل: "إذا كانت تحبه، فلماذا لم يتقدم إليها؟" تنهدت فاطمة. "هذا ما يقلقني أنا أيضا." ساد الصمت. ثم قال محمد: "ما رأيك أن تدعيها لزيارتنا؟" ابتسمت بحزن. "سبق أن دعوتها أكثر من مرة، وكانت ترفض." ظل يفكر قليلا، ثم قال: "إذن نهديها رحلة إلى مصر لمدة أسبوع. نتكفل بكل المصاريف، لكن لا تخبريها أن الفكرة مني." نظرت إليه فاطمة بابتسامة امتنان. "شكرا لك يا محمد وجودك في حياتي نعمة." بعد أيام، بدأ محمد يجهز حقيبته. سألته فاطمة: "هل ستتأخر؟" أجاب: "أسبوع على الأكثر. سأذهب إلى الإمارات لإنهاء بعض الأعمال ثم أعود." قالت بحزن: "ليتك أخذتني معك." ابتسم معتذرا. "أعدك، في المرة القادمة." ثم أوصاها بلقمان إن احتاجت إلى أي شيء. اقتربت لتودعه، لكنه تراجع خطوة إلى الخلف بحجة ضيق الوقت. لم تكن تعلم أن قلبه ما زال أسير هاجر. أما الحقيقة فلم تكن الإمارات وجهته. كانت مصر. لم يجرؤ على إخبار فاطمة. كان يخشى أن تربط بين سفره المفاجئ وسفر هاجر. وأكثر ما أدهشه موافقة هاجر على السفر، رغم خوفها الدائم من السفر وحدها. لكن دهشته زالت عندما علم أن وجدان سافرت معها. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال في نفسه: "وجدان" كانت دائما تقف بينه وبين هاجر. لكن هذه المرة. حسم أمره. سيلتقي بها في مصر. مهما كلفه ذلك. حتى لو اضطر لتخلص من وجدانما أضعته بيدياريد محمد اريد محمدكانت الكلمات تتردد على شفتي هاجر بهستيرية وانفعال شديد منذ ان استعادت وعيها بعد اغمائها في غرفة المستشفى. كانت تصرخ باسمه وتقاوم كل من يحاول تهدئتها، حتى عجزوا عن السيطرة عليها، ولم يجد الاطباء بدا من اعطائها حقنة مهدئة، خوفا من ان يؤثر انفعالها الشديد على الجنين، خصوصا وان حملها لم يكن مستقرا بعد.راقب كريم المشهد بصمت، بينما كانت مشاعر متناقضة تعصف بداخله.في اعماقه، تمنى للحظة لو ان ذلك الجنين سقط.ربما كانت ستكون له عندها فرصة اخرى مع هاجر.وما المشكلة في ذلك؟ حتى لو اصبحت زوجة خاله، كان سيجد طريقة. سيجعلها تطلب الطلاق ويعيدها اليه. كان يعرف هاجر جيدا، او على الاقل كان يعتقد انه يعرفها.كان يعرف كيف يتصرف معها.كانت تذوب بين يديه، وتستسلم لكلماته، وتنفذ اوامره دون نقاش. وكم كان يعجبه ذلك الخضوع الصامت منها، ذلك الاستعداد الدائم لان تضع رايه فوق رايها.تذكر يوم اقنعها بان قيادة السيارة ليست مناسبة للنساء.لم تجادله طويلا.بل الغت تسجيلها في مركز تعليم السياقة لمجرد انه اخبرها بذلك.ابتسم داخله للحظة وهو يستعيد تلك الذكرى، قبل ان تختفي ابتسامته سريع
عودة متأخرةكان كريم سعيدا بعودته الى مصر، فقد اشتاق الى الجو الاسري الذي حرم منه منذ سنوات. لقد الح على والدته كثيرا ان تذهب للعيش معه في السعودية، الا انها كانت ترفض في كل مرة. اما الان، فقد وجد نفسه يتوق الى دفء البيت ووجودها الى جانبه.منذ طلاقه، لم تتوقف والدته عن مطالبته بالزواج من جديد، او باعادة زوجته السابقة وجمع شملهما. كان يرفض الفكرة الثانية رفضا قاطعا، اما الزواج، فلم يكن يمانعه من حيث المبدأ، بل كان يبحث فعلا عن امرأة مناسبة، لكنه لم يجدها.والحقيقة انه وجدها منذ زمن.هاجر.المرأة الرقيقة التي تخلى عنها في لحظة غباء.كان كريم قد احب هاجر كثيرا. احب طيبتها، وصدقها، وعطاءها، والسكينة الغريبة التي كانت تمنحها له كلماتها. كان يشعر معها براحة لم يجدها مع اي امرأة اخرى.لكنه، في النهاية، احب نفسه اكثر.بعد طلاقه، اقسم كريم الا يظلم نفسه مرة اخرى. كان مقتنعا بان الحب وحده لا يكفي. لقد احب زوجته الاولى بصدق، ومع ذلك انتهى زواجهما بالطلاق. لذلك اقنع نفسه بان المشاعر تتغير، وان المرأة التي يعشقها اليوم قد تصبح بعد سنوات اكثر شخص يكرهه.ومن هنا بدأت معاييره تتغير.لم يعد يبحث عن ال
حين عاد الماضيمدام هاجر ،الست علياء بتناديك للعشاء.كررت الخادمة الجملة للمرة العشرين، دون أن تتلقى أي جواب من هاجر. وقبل أن تغلق الباب وتغادر، ألقت عليها نظرة أخيرة، ثم هزت رأسها باستغراب.أما هاجر، فكانت غائبة عن الوعي، غارقة في ألمها. كانت الآلام التي تسببت بها الإبر التي غرستها في باطن إصبعها هي الحل الوحيد الذي لجأت إليه لتتخلص، ولو مؤقتا، من كثرة التفكير الذي أوشك أن يصيبها بالجنون.لم تكن تصدق ما حدث.محمد يرفض الحديث معها؟ محمد يرفض الحديث معها! لا يعقل لماذا؟هي لم تفعل شيئا يستحق أن يغضب منها. بل على العكس، كانا يعيشان أسعد أيامهما، وكانت تفعل كل ما بوسعها لإسعاده وإنجاح علاقتهما.فلماذا يرفض التواصل معها اليوم؟هل يفكر في التخلي عنها كما فعل سابقا؟وكما فعل كريم من قبل؟في المرة السابقة، برر محمد ابتعاده عنها بسبب الرسالة التي أرسلتها وجدان. لكن هذه المرة ما السبب؟هل يعقل أن يتخلى عنها هو الآخر و للمرة الثانية ؟ومن سيقبل بها بعده؟ثم جاء السؤال الذي كان أشد قسوة من كل ما سبقه:و مذا عن إبنها؟هل سيتخلى محمد عنه أيضا؟ومن سيقبل بها هي وابنها؟لا أحد هكذا أقنعت نفسها.ك
صدمةجلست علياء تأكل، وهي تسترق النظر بين لحظة وأخرى إلى هاجر.ورغم أن هاجر كانت تشاركها جميع الوجبات، فإنها كانت تتعمد ألا تتحدث معها. وكلما حاولت علياء أن تسألها عن شيء، كانت تكتفي بإجابتها بحركة من رأسها، وكأنها تخشى أن يؤدي أي حديث بينهما إلى مواجهة جديدة.قالت علياء بهدوء:— كيف حال الجنين؟هزت هاجر رأسها بمعنى أنه بخير، دون أن تنطق بكلمة واحدة.كانت علياء تعرف جيدًا سبب تصرفها. هاجر ما زالت تخاف منها، وما زال في قلبها شيء من الحقد عليها منذ ذلك اليوم الذي صفعتها فيه. لم تنسَ هاجر تلك الصفعة، ولا الطريقة التي شعرت بها يومها بالإهانة والضعف أمامها.لكن علياء، في المقابل، لم تكن تحمل الأمر في قلبها.كانت تتمنى لو تستطيع الاقتراب منها، لو تمنحها فرصة لتراها كما تراها هي.فمنذ أن دخلت هاجر حياتهم، شعرت علياء بشيء غريب تجاهها. كانت تراها كابنة لم تنجبها، وتتمنى لو أن الله رزقها يومًا بفتاة مثلها.لكن الله لم يرزقها سوى بكريم، ابنها الوحيد.أما محمد، فلم تكن تعتبره أخا لها فحسب، بل كان بالنسبة إليها ابنا أيضا. فقد كان في العمر نفسه تقريبا مع كريم، وقد ربتهما معا منذ أن كانا صغيرين. تعب
ذاكرة مفقودةجلس محمد على حافة حوض الاستحمام، واضعا رأسه بين كفيه، بينما كانت أنفاسه تتسارع كأنها تطارده. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح، وهو يحاول عبثا أن يجمع شتات ذاكرته، لكن كلما اقترب من تذكر ما حدث، اصطدم بفراغ مخيف.آخر ما يتذكره أنه عاد من السعودية إلى المغرب وقد حسم أمره. لم يعد يحتمل تلك الحياة المعلقة بينه وبين فاطمة، وقرر أن يواجهها بالحقيقة وينهي كل شيء باحترام. استقبلته بابتسامة هادئة، وسألته عن رحلته، ثم لاحظت أنه يبدو شاردا.قال لها إنه يريد أن يتحدث معها في موضوع مهم، لكنها قاطعته بلطف قائلة:"ليس الآن تعال نتعشى أولا. اشتقت إليك، وأريد أن نقضي هذه الليلة بهدوء، وبعدها نتحدث في أي شيء تريده."نظر إليها للحظات. لم يشأ أن يجرح مشاعرها، وظن أن تأجيل الحديث لساعات قليلة لن يغير شيئا، فوافق على مضض.بعد ذلك.لا شيء.ذكرياته تتوقف عند تلك اللحظة.كل ما يليه ظلام كامل.وحين استيقظ في الصباح، وجد نفسه في موقف لم يستطع استيعابه. شعر وكأن ساعات كاملة قد محيت من ذاكرته. ظل للحظات يحدق في السقف غير قادر على فهم ما جرى، ثم نهض بسرعة وأغلق على نفسه باب الحمام.ومنذ ذلك الوقت، لم يخرج.
قلبان فقط بدأ محمد يلاحظ أمرا غريبا في هاجر. في البداية ظن أنه مجرد انطباع عابر، لكنه مع مرور الأيام تأكد أن الأمر أعمق من ذلك. هاجر لم تكن تحمل أي مشاعر دافئة تجاه عائلتها. لم يسبق أن سمعها تشتاق إليهم، أو تتحدث عنهم كما يفعل أي شخص ابتعد عن أهله. لم تقل مرة إنها تفتقد والدتها، أو أنها تتمنى رؤية إخوتها، ولم يلمح في عينيها ذلك الشوق الذي يراه في عيون المغتربين عن اهلهم. كانت حياتها تسير وكأنها بدأت من جديد، وكأن الماضي كله أغلق بابه خلفها. كان أحيانا يتعمد أن يذكر أحد أفراد أسرتها، أو يسألها إن كانت ترغب في الاطمئنان عليهم، فتجيبه بإجابة قصيرة، ثم تغير الحديث بسرعة، وكأنها لا تريد أن تبقى في تلك المنطقة أكثر من لحظات. أدرك أن ما يربطها بهم لم يكن الحب، بل الشعور بالمسؤولية فقط. ذات مساء، بينما كانا يتحدثان عن حياتهما بعد الانتقال إلى السعودية، قالت له بهدوء: "سأبحث عن عمل عندما نصل." نظر إليها باستغراب. "ولماذا؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "لأنني أريد أن أرسل المال إلى أسرتي." ظل ينظر إليها لثوان قبل أن يقول: "لكنني سأتكفل بكل احتياجاتهم. لن يحتاجوا إلى







