Share

الفصل الثامن

last update publish date: 2026-07-23 02:46:32

الرحلة التي غيرت كل شيء

اتصلت ليلا بفاطمة.

ما إن لمح اسمها على شاشة هاتفه حتى انتفضت كل حواسه.

سمع بكاء امرأة يحاول أن يختبئ خلف شهقات متقطعة.

كان الصوت بعيدا، غير واضح، لكنه أقسم أنه صوت هاجر.

كانت تشكو لفاطمة، بينما كانت فاطمة تهمس إليها محاولة تهدئتها، ثم ابتعدت عنه لتكمل المكالمة بعيدا.

لم يستطع النوم.

ظل يحدق في باب الغرفة منتظرا انتهاء المكالمة، وقلبه يعتصره ألم لا يفهمه.

كيف ما زال وجعها يؤلمه إلى هذا الحد؟

كيف ما زالت دموعها قادرة على تمزيقه، رغم أنه هو من تخلى عنها؟

أكثر ما كان يخفف عنه عذاب ضميره يقينه بأنها أحبته يوما.

كانت تلك الحقيقة عزاءه الوحيد.

وتسللت إلى ذاكرته صورتها وهي تبكي بين ذراعي صديقتها يوم زفافه، تعترف بحبها له، بينما كان هو يبتعد عنها إلى حياة اختارها بنفسه.

ما إن أغلقت فاطمة الهاتف حتى سألها بلهفة:

"ماذا حدث؟"

نظرت إليه لحظة ثم قالت:

"إنها هاجر."

استغرب.

اعتادت فاطمة أن تناديها دائما "جوجو"، أما اليوم فقد نطقت اسمها كاملا، وكأن شيئا كبيرا قد تغير.

"ما بها؟"

تنهدت وقالت:

"أهلها يجبرونها على خطبتها لطوم، وهي ترفض."

عقد حاجبيه باستغراب.

"يجبرونها؟ إنها امرأة راشدة، أليست حرة في اختيار من تتزوج؟"

هزت رأسها بأسى.

"هم لا يرون سببا لرفضه. طوم صاحب شركة اتصالات في المغرب، ووليد، ابن خالتها، يعمل مديرا عنده. بالنسبة لهم هو فرصة لا تعوض. يقولون إن زواجها منه سيخفف عنها أعباء الحياة، وسيساعد عائلتها ماديا."

ساد الصمت.

وتدفقت إلى ذهن محمد تفاصيل كثيرة لم ينتبه إليها من قبل.

كان يلاحظ بساطة ملابس هاجر، ويتساءل أين يذهب راتبها، وهو يظن أنها تعيش حياة مريحة.

لكن بعد زواجه من فاطمة عرف الحقيقة.

عرف أن هاجر كانت تنفق على أسرتها، وتتكفل بعلاج أختها، وتحمل مسؤوليات أكبر من عمرها.

حينها فقط فهم سبب تأخرها في إخبار أهلها برغبته في الزواج منها.

لم تكن تخشى رفضهم

بل كانت تخشى أن تخسر عائلتها مصدر رزقها.

أما اليوم

فقد وجدوا في طوم كنزا أكبر.

أغلق عينيه وهمس:

"آه يا هاجر كم ظلمتك."

ومنذ تلك الليلة، لم يمر يوم دون أن يسأل فاطمة عن أخبار هاجر.

وفي إحدى الليالي قالت له:

"هددت أهلها بالانتحار إن لم يتراجعوا عن قرار الخطبة."

انتفض من مكانه.

"هل يمكن أن تفعلها حقا؟"

هزت فاطمة رأسها بتردد.

"لا أستبعد عنها شيئا. هاجر حساسة جدا، ودائما ما كانت تتصرف بقلبها قبل عقلها."

ثم أضافت:

"أظن أنها تحب شخصا آخر، ولهذا ترفض طوم بهذا الإصرار."

شعر بوخزة في صدره، لكنه أخفى اضطرابه وسأل:

"إذا كانت تحبه، فلماذا لم يتقدم إليها؟"

تنهدت فاطمة.

"هذا ما يقلقني أنا أيضا."

ساد الصمت.

ثم قال محمد:

"ما رأيك أن تدعيها لزيارتنا؟"

ابتسمت بحزن.

"سبق أن دعوتها أكثر من مرة، وكانت ترفض."

ظل يفكر قليلا، ثم قال:

"إذن نهديها رحلة إلى مصر لمدة أسبوع. نتكفل بكل المصاريف، لكن لا تخبريها أن الفكرة مني."

نظرت إليه فاطمة بابتسامة امتنان.

"شكرا لك يا محمد وجودك في حياتي نعمة."

بعد أيام، بدأ محمد يجهز حقيبته.

سألته فاطمة:

"هل ستتأخر؟"

أجاب:

"أسبوع على الأكثر. سأذهب إلى الإمارات لإنهاء بعض الأعمال ثم أعود."

قالت بحزن:

"ليتك أخذتني معك."

ابتسم معتذرا.

"أعدك، في المرة القادمة."

ثم أوصاها بلقمان إن احتاجت إلى أي شيء.

اقتربت لتودعه، لكنه تراجع خطوة إلى الخلف بحجة ضيق الوقت.

لم تكن تعلم أن قلبه ما زال أسير هاجر.

أما الحقيقة

فلم تكن الإمارات وجهته.

كانت مصر.

لم يجرؤ على إخبار فاطمة.

كان يخشى أن تربط بين سفره المفاجئ وسفر هاجر.

وأكثر ما أدهشه موافقة هاجر على السفر، رغم خوفها الدائم من السفر وحدها.

لكن دهشته زالت عندما علم أن وجدان سافرت معها.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال في نفسه:

"وجدان"

كانت دائما تقف بينه وبين هاجر.

لكن هذه المرة.

حسم أمره.

سيلتقي بها في مصر.

مهما كلفه ذلك.

حتى لو اضطر لتخلص من وجدان

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل السادس عشر

    لن أضيعك مرة أخرىكيف غفل عنها؟لم يصدق محمد ما رآه عندما استيقظ.مد يده إلى جواره، فلم يجد هاجر.اعتدل في جلسته بسرعة، وأخذ يجول ببصره في الغرفة، ثم خرج يناديها. منذ عودته إلى مصر لم تكن تخرج من الغرفة إلا برفقته، لذلك لم يخطر بباله يوما أنها قد تحاول الهرب.ازداد اضطرابه عندما اكتشف أن المنزل خال تماما.تشبث بأمل أخير، وظن أنها خرجت مع علياء. أمسك هاتفه واتصل بها على الفور."علياء هاجر عندك، أليس كذلك؟"ساد صمت لثوان قبل أن تجيبه:"لاخرجت أنا وعصمة وحدنا."في تلك اللحظة شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.أغلق الهاتف، وخرج من المنزل كالمجنون، يبحث عنها في كل مكان، يسأل كل من يصادفه إن كان قد رأى فتاة غريبة تمر من هنا.كانت فكرة واحدة تفتك بعقله:إن ضاعت مني هاجر مرة أخرى فلن أسامح نفسي أبدااا.وبينما كان على وشك أن يفقد الأمل، اهتز هاتفه معلنا وصول رسالة من علياء.فتحها بيدين مرتجفتين.كانت صورة لهاجر نائمة أمام باب المنزل.اتصل بعلياء فورا وهو يكاد يختنق من القلق."أين وجدتموها؟"أجابته بهدوء:"عندما عدنا إلى البيت وجدناها نائمة أمام منزل."لم ينتظر محمد أن يسمع المزيد.أغلق الهاتف

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الخامس عشر

    قيود الرحمة لم تتذكر هاجر شيئأ مما حدث في ذلك اليوم. كل ما تتذكره أنها استيقظت لتجد نفسها في منزل غريب، وعلمت لاحقا أنه منزل علياء، الأخت الكبرى لمحمد. كانت علياء امرأة صارمة وقاسية. توسلت إليها هاجر مرارا أن تسمح لها بالعودة إلى المغرب، لكنها كانت ترفض في كل مرة. بل إنها في إحدى محاولات الهرب صفعتها بقوة، وحذرتها من تكرار الأمر. كانت هاجر تدرك أن إجازتها قد انتهت، وأن تأخرها عن العمل سيؤدي حتما إلى فصلها. وكانت تعلم أيضا أن العثور على وظيفة أخرى بالمستوى نفسه ليس أمرا سهلا، خاصة وهي ترى كثيرا من الشباب الحاصلين على المؤهلات نفسها ما زالوا يعانون البطالة. لم تكن الوظيفة بالنسبة إليها مجرد عمل، بل كانت مصدر رزق الأسرة. فمنذ تقاعد والدها، لم يعد معاشه البسيط يكفي حتى لتغطية الفواتير الأساسية، كما كانت هي المسؤولة عن مصاريف علاج أختها، وهو عبء لم يكن بإمكان أحد غيرها تحمله. ومع مرور الأيام، بدأت تستسلم للأمر الواقع، فقد أيقنت أن قرار فصلها من العمل قد يكون قد صدر بالفعل. عندها، عادت إليها تلك الأفكار السوداوية التي ظنت يوما أنها تخلصت منها. الأفكار نفسها التي كانت تهمس لها بأن

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الرابع عشر

    ملجأ القلبلم يستطع محمد إخفاء سعادته بتعلق هاجر به.فمنذ لحظة وصوله، لم تبتعد عنه ولو للحظة.كانت تمسك بيده أينما ذهب، وحتى أثناء تناول الطعام، بقيت تجلس إلى جواره، وكأنها تخشى أن يغيب عن ناظريها.وكان هذا بالضبط ما يتمناه.أن يصبح هو ملجأها الوحيد، والشخص الذي تلجأ إليه كلما خافت أو انكسرت.نظر إليها وهي تجلس بصمت، وقد زادها الثوب الصعيدي البسيط براءة ورقة، فابتسم دون أن يشعر.ثم نهض عن المائدة وقال:"سأذهب لأرتاح قليلا."قالت علياء:"لقد طلبت من تسنيم أن تجهز لك الغرفة."أجابها بلا مبالاة:"لا داعي."ثم أمسك بيد هاجر لتنهض معه، وقال:"سأنام في غرفتي."نظرت إليه علياء باستغراب، وقالت بحزم:"لكن هاجر تقيم في تلك الغرفة."التفت إليها بثبات، ثم قال:"أعلم فأنا من أسكنها فيها منذ اليوم الأول."ساد الصمت لثوان، بينما كانت علياء تراقب هاجر، التي لم تفلت يد محمد، بل تشبثت بها أكثر، وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد الابتعاد عنه.تنهدت علياء في هدوء.لأول مرة منذ أشهر، لم تر في عيني هاجر ذلك الذعر الذي كان يلازمها.كانت ملامحها لا تزال شاحبة، لكنها بدت أكثر هدوءا، وكأن وجود محمد أعاد إليها جزءا

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثالث عشر

    ملاذها الوحيدبعد مرور ثلاثة أشهر على وجود هاجر في منزلها، تغيرت أشياء كثيرة في حياة علياء.أصبح البيت كله يدور حول فتاة واحدة.كانت تشعر أحيانا وكأنها ترعى طفلة فقدت الرغبة في الحياة.في كل صباح، كانت هاجر تنزل لتناول الإفطار مع الجميع، لكن علياء لم تعد تركز على الطعام، بل على يديها.في كل يوم، كانت تكتشف جرحا جديدا.كانت هاجر تحاول إخفاء معصميها بكمي ثوبها، لكن ذلك لم يعد يخدعها.لذلك أفرغت غرفتها من كل شيء قد تستخدمه لإيذاء نفسها.ومع ذلك، لم تتوقف هاجر.وفي أحد الأيام، لاحظت علياء آثار حروق حديثة على ذراعها.شهقت وهي تمسك يدها برفق."يا إلهي ما هذا يا ابنتي؟"لكن هاجر لم ترفع رأسها، واستمرت في تناول الطعام بصمت، وكأن السؤال لم يوجه إليها.اكتشفت علياء لاحقا أنها تعمدت حرق نفسها بالماء الساخن داخل الحمام.حينها اتخذت قرارا لم تكن تتخيل أنها ستصل إليه.انتقلت للنوم في الغرفة نفسها مع هاجر.لم تعد تجرؤ على تركها وحدها ولو لدقائق.كانت تخشى أن تستيقظ ذات صباح فتجد أنها فقدتها.---في إحدى الليالي قالت هاجر بخجل:"أريد أن أستحم."ابتسمت علياء وقالت:"اذهبي."هزت هاجر رأسها وهمست:"لا أ

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الثاني عشر

    السر لم يكن محمد مستعدا لخسارة هاجر.خصوصا بعد كل ما حدث بينهما في الشاليه.في تلك الليلة، حين استسلمت له، ظن أنها اعترفت بحبها أخيرا، وأنها أصبحت له وحده.لكن عندما استعادت وعيها، وأدركت ما حدث، انهارت تماما.أغلقت باب الكلام، ولم تعد مستعدة لسماع أي تفسير.كانت تطلب شيئا واحدا فقطأن تعود إلى وجدان.وكان محمد يدرك أن ذلك يعني خسارتها إلى الأبد.كان يعرف وجدان جيدا. كانت ذكية، ولن تتردد لحظة في أخذ هاجر والعودة بها إلى المغرب. وإذا غادرت مصر، فلن يستطيع الوصول إليها مرة أخرى.لم يجد أمامه سوى حل واحد.أن يخدرها.وساعدته أمواله على طمس كل ما قد يقوده إليها.أزال كل دليل يثبت وجوده في الفندق، واستعاد جميع وثائق هاجر من غرفتها بمساعدة مدير الفندق، ثم أبرم عقد زواج بينه وبينها.كان يعلم أن زواجه من ابنة أخت زوجته محرم ما دام الزواج قائما، لكنه أقنع نفسه بأن زواجه من فاطمة لم يكن سوى ورقة رسمية، وأن علاقته بها لم تتجاوز حدود الاحترام، إذ لم يستطع يوما أن يمنحها حقوق الزوجة كاملة.في البداية، فكر في إخفاء هاجر داخل فيلته بالقاهرة تحت حراسة الخادمات، ثم السفر إلى السعودية.لكن قلبه رفض.لم

  • اللؤلؤ والندوب   الفصل الحادي عشر

    سر في رحمهالم يتوقف الصراخ، ولم ينقطع البكاء.كانت الطرقات المتواصلة على الباب تزيد المكان إزعاجا.لم تعتد علياء على مثل هذه الفوضى. فمنذ وفاة زوجها، وسفر ابنها هاشم إلى المملكة العربية السعودية للعمل مع خاله، وهي تعيش وحدها في هدوء، في إحدى قرى صعيد مصر، مسقط رأسها.لم يكن يؤنس وحدتها سوى خادمتها تسنيم، وحارس المنزل عصمة وابنه جاد.حتى عندما كان يزورها ابنها هاشم أو أخوها محمد، كانت الزيارات هادئة، لا تعكر صفو حياتها.لكن ذلك اليوم كان مختلفا.فقد فوجئت بأخيها محمد يقتحم المنزل وهو يحمل بين ذراعيه فتاة شابة فاقدة للوعي.للوهلة الأولى ظنت أنه صدمها بسيارته، أو وجدها مغمى عليها في الطريق.انهالت عليه بالأسئلة وهي تركض خلفه:"ماذا حدث لها؟ من هذه الفتاة؟ هل أصيبت في حادث؟"لكنه لم يجب بكلمة.دخل مباشرة إلى الغرفة التي اعتاد الإقامة فيها أثناء زياراته، ووضع الفتاة على السرير، ثم أخرج حقنة صغيرة تحتوي على محلول شفاف وحقنها به.اتسعت عينا علياء ذهولا.وقالت بحدة:"هل جننت يا محمد؟ ماذا تفعل بهذه الفتاة؟"التفت إليها أخيرا وقال بصوت متعب:"كان بإمكاني أن أستأجر لها منزلا، وأضع عليها حراسا.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status