Home / مافيا / المافيا و الحمل البديع / الفصل الرابع : خيوط اليأس

Share

الفصل الرابع : خيوط اليأس

Author: Solaris
last update publish date: 2026-06-10 00:31:12

-منظور إيفان (داخل السيارة)-

تذكرتُ قبل قليل، عندما دخلتُ بها إلى الفندق بين ذراعيّ لأضعها على السرير. في تلك اللحظة التي تلت صرختها باسم أمها، قبضتْ يدها الصغيرة الضعيفة على طرف قميصي تتوسل إليّ بنبرة مكسورة: "أنقذ أمي.. أرجوك أنقذها..."

نظرتُ إلى وجهها عن قرب رغماً عني، ولأول مرة انتبهتُ لتفاصيلها؛ خصلات شعرها الأحمر المبلل كانت تتناثر كالنار، ووجنتيها المصبوغتين بحمرة طبيعية زادتها ملامحها المرسومة بدقة جمالاً أخاذاً. وعندما كانت تحرك شفتيها المرتجفتين من شدة البرد الخارجي، ظهرت غمازة صغيرة على خدها، ممتزجة بقطرات المطر وقليل من الدماء النازفة. كانت جميلة بشكل مستفز.. لكنني لست مراهقاً لأنبهر بالجمال؛ فكل امرأة نمتُ معها سابقاً كانت جميلة، لكنهن جميعاً كنّ مطيعات، لطيفات، ويسهل التحكم بهن.

أما هذه الفتاة.. فكانت مزيجاً غريباً ومربكاً؛ مزيجاً من القوة والضعف، المقاومة والاستسلام. هذا التناقض القاتل جعلني أفكّر بأمي قليلاً.. تساءلتُ بيني وبين نفسي: لو كانت أمي تملك مثل قوتها وشراستها في الدفاع عن نفسها، هل كانت ستظل على قيد الحياة اليوم؟

أنا طوال حياتي لم أعرف سوى نوعين من النساء: أمي الضعيفة اللطيفة التي انتهى بها المطاف مقتولة، وزوجة أبي القاسية والمدمرة التي نشرت السواد حولي. لكن هذه الفتاة.. كأنها شيء ثالث لم أختبره من قبل. شيء يثير فضولي ويهدد برودي في آن واحد.

إيفان-

وصلتْ سيارتي أخيرًا ووقفتْ أمام بوابة قصر كبير ومهيب، مليء بالحراس المدججين بالسلاح في كل زاوية. ترجلتُ ودخلتُ القصر متوجهاً نحو غرفتي مباشرة. خلعتُ ثيابي وأخذتُ حماماً ساخناً، وتركتُ الماء ينهمر بقوة على جسدي المشدود والمجهد من أحداث الليلة الخانقة.

خرجتُ وأنا أرتدي روب الاستحمام، وسكبتُ لنفسي كأساً من الويسكي الفاخر، ووقفتُ أمام النافذة الزجاجية الضخمة أتأمل إطلالة قصري الرائعة والحدائق الممتدة بالخارج طرق ليو الباب ودخل بخطوات حذرة: "سيدي.. اتصل موظفو الفندق الآن، وقالوا إن الفتاة قد خرجت وغادرت المكان للتو."

ضغطتُ على كأسي بقوة، ثم قلتُ بنبرة جافة وصوت لا يبالي: "يا لها من قطة متمردة.. حسناً.

لوسيا-

وقفتُ عند النافذة أتأمل الإطلالة الساحرة لهذا الفندق الذي يبدو باهظ الثمن. تناولتُ الدواء، وجلستُ قليلاً حتى لاحظتُ أنه ترك لي ملابس على حافة الأريكة؛ كانت بيجامة رياضية بيضاء مع حذاء رياضي أسود فاخر للغاية. ارتديتُ الملابس بسرعة، وقررتُ ألّا أنتظر الصباح كما قال؛ خرجتُ من الفندق في الساعة الثانية منتصف الليل لأعود إلى منزلي. كنتُ أمشي في الشوارع المظلمة دون هاتفي أو حقيبتي، فقد بقيت كل أشيائي في مكان عملي.. يا لهم من أوغاد.

وصلتُ إلى منزلي المتهالك وأنا أجرّ تعبي، أخذتُ حماماً ساخناً وتمددتُ على السرير، وبقيتُ أفكر بكل ما حدث معي في تلك الليلة المرعبة حتى غلبني النعاس ونمت.

في صباح اليوم التالي، جمعتُ شتات نفسي وذهبتُ إلى عملي في تلك الحانة اللعينة.. وكأن شيئاً لم يكن بالأمس

إيفان-

استيقظتُ في الصباح كالعادة، مارستُ رياضتي الصباحية القاسية، ثم أخذتُ حماماً سريعاً وارتديتُ بذلتي الرسمية مستعداً لليوم الجديد. نزلْتُ إلى الأسفل حيث كان ليو بانتظاري عند السيارة.

-ليو-

"صباح الخير سيدي.. إلى أين وجهتنا اليوم؟"

-إيفان-

"إلى الشركة."

-ليو-

"تفضل سيدي."

-إيفان-

فتح لي الباب وركبتُ، وانطلقنا فوراً حتى وصلنا إلى مقر شركة عائلتي الضخم. وبمجرد دخولي، اعترض طريقي أخي الأكبر "ماركوس" بابتسامته المستفزة.

-ماركوس-

"مرحباً أيها الوغد.. هل جئتَ أخيراً لتقبل قدمي أمام مجلس الرؤساء والعاملين؟" قالها باستهزاء ملأ الممر.

-إيفان-

نظرتُ إليه ببرود قاتل وقلتُ: "ربما أنتَ مَن سيقبل مؤخرتي أمام الجميع.. اغرب عن وجهي."

-ماركوس-

اشتعل غضباً وتقدم نحوي بسرعة، وأمسك بياقة قميصي بقوة وصاح في وجهي: "ابن العاهرة.. ماذا قلت؟!"

-إيفان-

لم يرفّ لي جفن، رفعتُ معصمي وقبضتُ يدي مستعداً لتوجيه لكمة تسحق وجهه، لكن قاطعنا فجأة صوت جهوري صارم هزّ المكان.. إنه أبي "مارسل".

-الأب مارسل-

"هل تتعاركون في شركتي أيها الحمقان؟!"

-إيفان-

دفع كلٌّ منا الآخر بامتغاض، وأنزلا رأسينا احتراماً وخوفاً من هيبته، وقلنا في وقت واحد: "مرحباً أبي."

-الأب مارسل-

"هيا إلى الاجتماع فوراً."

-إيفان-

سيرنا خلفه بجمود. كان هذا الاجتماع حاسماً ومصيرياً، فهو مخصص لتحديد مَن سيكون رئيس مجلس الإدارة القادم للشركة، ومَن سيتولى منصب المدير التنفيذي. الصراع بيني وبين ماركوس على العرش قد بدأ رسمياً

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • المافيا و الحمل البديع    الفصل الحادي عشر : رقصة الأفاعي

    بمجرد أن أغلق إيفان الباب خلفه، انهار برود ماركوس المزيف تماماً. تلاشت ابتسامته الساخرة لتشتعل ملامحه بالذعر والغضب الجارف. التقط هاتفه بيد ترتجف، وضغط على زر الاتصال السريع بوالدته "ماريتا"، ولم يكد يأتيه صوتها الهداد حتى صرخ بهمس مستعر. ماركوس - أمي! لقد كشف إيفان أمر الحبوب! اللعين جاء إلى مكتبي ورمى الصور في وجهي.. إنه يظن أنني أنا من يبيعها لحسابي الخاص لتبني إمبراطوريتي، ويهددني بإبلاغ أبي فوراً! ساد صوت ضحكة خفيضة وباردة كفحيح الأفاعي من الطرف الآخر، وأجابت ماريتا بمنتهى المكر والهدوء. ماريتا - اهدأ يا ماركوس ولا تكن ضعيفاً.. دعه يظن ذلك واجعله يركز عليك أنت! إذا تجرأ وتحدث إلى والدك مارسيل، سأتولى أنا مسح كافة الأدلة في ثوانٍ، وسأقلب الطاولة عليه ليظهر أمام أبيك كاذباً يفتري عليك بدافع الغيرة.. لا تقلق. تنفست أسارير ماركوس الصعداء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة وهو يجيبها. ماركوس - ههههه.. أنتِ حقاً ماكرة ولا تُقهرين يا أمي! ماريتا - والآن، لا تتأخر في المجيء إلى الحفل الليلة، أريدك بكامل أناقتك. ماركوس - أوه!.. لقد نسيتُ تماماً أن اليوم هو عيد ميلاد أبي!

  • المافيا و الحمل البديع    الفصل عشرين : خبايا العرين

    [من منظور إيفان]أنا رجلٌ معتادٌ على رؤية الدماء، وأنفاسي تشبعت برائحة الموت حتى أصبح القتل بالنسبة لي شيئاً أكثر من عادي، طقساً يومياً لا يهز فيّ شعرة. لكنني، ولسببٍ لا أفهمه تماماً، لا أريد لهذه الفتاة أن تعتاد هذا العالم المظلم. أريدها حقاً أن تنعم بحياة هادئة بعيدة عن القذارة التي أعيش فيها؛ البشر في هذا العالم يملكون ترف الاختيار، أما أنا.. فلم يكن لدي خيارٌ يوماً.قبل رحيلي، أمرتُ السيدة تيريزا بالاهتمام بها شخصياً، وأكدتُ عليها أن خروجها من القصر ممنوعٌ تماماً في غيابي، وأن تأخذها في جولة لتتعرف على المكان، فهي ستقيم هنا لفترة لن تكون قصيرة. أنا واثقٌ تماماً أن ما تحتاجه هذه القطة المتمردة الآن لتكف عن الخدش، هو حنان السيدة تيريزا.غادرتُ القصر متوجهاً إلى الشركة لحضور اجتماع طارئ لا يحتمل التأجيل. التفتُّ إلى رجلي اليمين، ليو، وقلتُ بنبرة حاسمة: إيفان -ليو.. اذهب إلى شركة الشحن فوراً، واكتشف من الذي يزود ذلك الرجل بالحبوب ليو -حاضر سيدي، سأتولى الأمر فوراً.تردد ليو للحظة، ثم نظر إليّ بنظرة ممتلئة بالفضول والتساؤل. ليو -سيدي.. هل تتوقع أن تكون تلك الفتاة متورطة معهم في

  • المافيا و الحمل البديع    الفصل التاسع عشر : الفتاة الغريبة

    بقيت لوسيا مستلقية في سريرها بجسد منهك تماماً، وقوى خارت أمام وطأة الأحداث المتسارعة. وعلى الرغم من المساحة الشاسعة للغرفة وفخامتها، إلا أنها شعرت فجأة بأن جدرانها تضيق وتطبق على صدرها، مسببة لها حالة من الاختناق الشديد. بدأت الأحداث الأخيرة تدور في رأسها كشريط مرعب لا يتوقف؛ كيف أن الحياة لم تشفق عليها يوماً، وكيف تقاذفتها الأقدار لتقع في عرين هذا الوحش. ومع تلك الأفكار المريرة، لم تعد قادرة على الاحتمال، فانهمرت الدموع الساخنة من عينيها بغزارة، وضمت جسدها بيديها تحتضن نفسها في محاولة بائسة لحماية ذاتها. في تلك الأثنائ، دلفت السيدة تيريزا إلى الغرفة. توقفت خطواتها وهي تنظر إلى تلك الفتاة المسكينة، وامتلأ قلبها بالشفقة والأسى عليها.. فتاة رقيقة ولطيفة كهذه، كيف لها أن تتورط مع رجل كالسيد إيفان؟ تقدمت تيريزا نحو السرير بخطوات حانية، وجلست على حافته، ثم مدت يدها وربتت على كتف لوسيا برفق، قبل أن تجذبها نحو صدرها وتغمرها في حضن دافئ، محاولة تهدئة روعها. تيريزا - اهدئي يا عزيزتي.. توقفي عن البكاء أرجوكِ. أنتِ بخير الآن، لا تقلقي.. ستكون الأمور على ما يرام، أعدكِ. استسلمت لوسيا

  • المافيا و الحمل البديع    الفصل الثامن عشر : مخالب ناعمة

    أمسكت الورقة بين أصابعها المرتجفة، وعيناها معلقتان بعبارة "نجوتِ من الموت".. شعرت بالهواء ينسحب من صدرها، وتنفست بحالة هستيرية متسارعة، قبل أن يظلم العالم من حولها وتسقط فاقدة الوعي.في الصباح التالي..فتحت لوسيا عينيها ببطء لتجد نفسها مستلقية على سرير ضخم و كان ضوء الشمس يتسلل من النافذة، وبجانبها تقف الخادمة "تيريزا" وهي تضع صينية الفطور بعناية. ما إن رأت تيريزا عيني لوسيا تفتتحان، ركضت خارج الغرفة مسرعة وهي تنادي بنبرة مضطربة: "سيدي إيفان.. لقد استيقظت!".[منظور إيفان]كنتُ أقف في مكتبي المطل على الحديقة عندما أتى صوت تيريزا..أرجعتُ ظهري إلى الخلف، وأشعلتُ سيجارتي بينما تتقاذفني الأفكار وتتقاطع في عقلي. طوال طريقي إلى المنزل البارحة، كانت عيناها، نظراتها المذعورة، وحتى لمسة يدها المرتعشة من تلك الليله التي لم تكتمل ، عيونها رغبتها بي وخوفها مني طيفها الذي لاحقني كظلي كانت مزيجاً غريباً لم أعهده من قبل.. حمل وديع وقطة شرسة في آن واحد.عندما وصلت رأيتُ الخوف ينهش عينيها وهي تجلس على الأرض في وسط الردهة، وكان الرعب باهتاً على ملامحها البائسة. لكن في عالمي، لا مكان للعاطفة دون يقين؛

  • المافيا و الحمل البديع    الفصل السابع عشر : خبايا القدر

    انهارت لوسيا على ركبتيها فور إغلاق الباب، وانفجرت في بكاء مرير هزّ أركان عتمتها الباردة. ساد الصمت إلا من صوت شهقاتها المنكسرة. بعد جولة من البكاء، انتفضت مدفوعة بذعر أصيل؛ هرعت نحو الباب الحديدي، وأخذت تخبط عليه بكل ما أوتيت من قوة حتى تدمت يداها، وهي تصرخ دون مجيب. التفتت تبحث في أرجاء المستودع عن مخرج، ممر، أو أي نافذة.. رأت بعض النوافذ الصغيرة في الأعلى، لكنها كانت شاهقة الارتفاع، بعيدة ومن المستحيل الوصول إليها. تلاشت قوتها تماماً. عادت تمشي بخطوات هائمة وعقلها يتخبط في التفكير: "أي الصناديق ستختار او اي طريق موت ستسلك ؟ سقطت على الأرض بجسد منهك وقوى خائرة، نزلت على ظهرها مستسلمة لبرودة الارض القاسية. ثبّتت عينيها على سقف المستودع، حيث كانت هناك ضوء صغيرة يتيم يومض بضوء خافت باهت، وحدثت نفسها بمرارة: لوسيا - حياتي دائماً كانت عتمة.. أين الغريب في هذا الظلام إذن؟ ظلت شاخصة ببصرها نحو السقف، تراقب ذلك الضوء الضعيف حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل من الشقوق العالية، معلنةً نهاية تلك الليلة الطويلة القاتلة. وقفت على قدميها ببطء، ونفضت الغبار عن جسدها. لم يعد في عينيها

  • المافيا و الحمل البديع    الفصل السادس عشر : قرارات مصيرية

    بعد أن سمعت جملته الأخيرة، نظرت إليه بكره وغضب عارم تريد اقتلاع قلبه بيديها العاريتين وقف إيفان بكل برود، وأشار بنظره للسيدة تيريزا لتأخذها من أمامه. اقتربت السيدة العجوز بحذر، وأمسكت أكتاف لوسيا المرتجفة وقالت بحنان: "إنهضي يا ابنتي هيا لنضمد جروحكِ". وصعدتا الدرج الطويل نحو الغرفة المرتبه أجلستها تيريزا على السرير، ثم أحضرت لها رداء استحمام وقالت: "استحمي يا ابنتي، وسأحضر لكِ وجبة عشاء دافئة". دخلت لوسيا الحمام، وتحت المياه المنسكبة انهار تماسكها وبدأت تبكي بحرقة. كانت أفكارها تتخبط برعب: كيف ستخرج من هذه الورطة؟ وكيف تورطت مع رجلٍ خطير؟ وعن ماذا كان يتحدث ذلك الرجل ؟ أنهت حمامها وخرجت، فوجدت تيريزا قد أحضرت لها حساءً ساخناً ليدفئ جسدها، وبدأت تضمد جروحها برفق. السيدة تيريزا - حضرتُ لكِ بعض حساء يخنة اللحم، تناوليه لكي تستعيدي قوتكِ. لوسيا - شكراً لكِ. السيدة تيريزا - السيد إيفان يريدكِ في مكتبه فوراً بعد أن تنتهي. خطت لوسيا داخل المكتب بخطوات واهنة تكاد لا تحملها، يُرافقها صمت القصر الخانق. تطلعت حولها بذعر مكتوم؛ لفت انتباهها ذلك الترتيب الصارم والنظافة المف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status